هذه أبحاث فلسفية, سبق اليها علم الكلام , ولكن الفلسفة بسطت ظلالها عليه واتسعت رقعتها وبانت هيمنتها , فأصبح علم الكلام من منتسبيها التاريخيين رغم شهرة الاشعرية والمعتزلة في علم الكلام, وإذا كان أبو حامد الغزالي الذي كان على صلة بنظامية بغداد والسياسة السلجوقية, وعلاء الدين الطوسي كان تحت نفوذ الخلافة العثمانية, ويصدق هذا الحال على اغلب من اشتغل بالفلسفة لأنها تهتم بنظم العالم نظماً عقلياً , والسياسة والحكم جزء من نظم العالم لذلك يتحمل الفيلسوف مسؤولية الحديث عن العقل والإرادة باعتبارهما الحاضرين في فصل الخطاب, وفصل الخطاب يختزن فن إدارة الدولة الذي يعرف اليوم بعلوم الدبلوماسية التي تتقدم في مشروع التنمية البشرية, وهكذا رفعت الفلسفة رايتها في نظم العالم نظماً عقلياً .
والإمام علي “عليه السلام” وضع قاعدة تأسيسية للأفكار والرؤى عندما قال : “ اضربوا الرأي ببعضه يتولد لكم الصواب “
فمناقشة الأفكار سياحة عقلية, وهي أجمل وأبهى وأدوم السياحات ولهذه الحالة الفكرية وأهميتها وضع السيد الشهيد محمد باقر الصدر تعريفا للفكر حيث قال : “ الفكر نشاط ايجابي فعال للنفس “.
وهذا النشاط الايجابي وعلاقته بالنفس هو السياحة الحقيقية التي تعوض عن كل السياحات التي استجدت اليوم والتي يقف وراء بعضها فراغ فكري للفلسفة فيه رأي, ولكن رجالاتها مغيبون نتيجة احتدام الصراع وانشغال أهله بمقولات وشعارات يعتقد القائمون عليها أنها بعيدة عن الفلسفة, ولكنهم في نهاية المطاف يجدون أنفسهم في سرادقات الفلسفة التي تحتفظ بما يلي من المفاهيم:-
1- مفاهيم الحرب
2- مفاهيم السلام
3- مفاهيم السعادة
4- مفاهيم الشقاء
5- مفاهيم الوحدة والاجتماع
6- مفاهيم الفرقة والتفرق والاختلاف
وعندما يظل الحوار حاجة إنسانية , تكون الفلسفة هي الحاضنة ويكون العقل مرجعا قائدا , وتكون الفلسفة مرة أخرى هي الرائدة باعتبارها شجرة المعرفة الباسقة التي تجنى منها ثمار الحلول عندما يدلهم الخطب وتنسد منافذ التواصل لنفاد الحجة عند من لا يمتلك ينبوع الفلسفة المتدفق عبر مسارب العقل وتصميم الإرادة.
ولقد سمعت احد الكتاب يفرق بين العقل والإرادة بطريقة لم يألفها علم الكلام , ولم تنتهجها الفلسفة في نظمها , فذهب ذلك الكاتب إلى القول : بان العقل يتشائم , والإرادة تتفائل ، قد نسب هذا الوصف للإمام علي “عليه السلام” .
ولقد فات ذلك الكاتب، أن العقل عند الإمام علي “عليه السلام” هو “القائد” وان العلم او المعرفة هي “ الرائد “.
وعندما يتشاءم القائد لا يمكن أن يكون الرائد متفائلا للالتزام الدور وهو باطل وغير ممكن . وللتوضيح أكثر ، فإن العقل في التعريف الفلسفي : هو جوهر لا يتأثر بالمادة حدوثا ولا بقاء”.
بينما الإرادة هي تعبير عن النفس , والنفس في التعريف الفلسفي : هي جوهر لا يتأثر بالمادة حدوثا ولكنها تتأثر بها بقاء “.وحتى نخرج من الالتباس الذي يتعرض له القراء ، نقول ، أن القائد وظيفته أن يشخص الأحداث والمواقف , ويضع لها حلولها المناسبة” “واتيناه الحكمة وفصل الخطاب”ونتيجة ذلك التشخيص يترتب علينا معرفة النتائج سلباً أو إيجاباً ويظل العقل القائد محتفظا بتفاؤله على مستوى نهاية الجولة التي تمتد بامتداد الزمان والمكان, ولا تتقوقع في لحظة من الزمن مثلما لا تتقوقع في بقعة من المكان وان حلت فيهما الخسارة التي ستكون مؤقتة في فهم الحدث على مستوى الزمان المحدب والمكان المحدب كما في النظرية النسبية لانشتاين .
وعندما نقول أن الحكمة العقلية هي السياحة الحقيقية للنفس لا نكون مثاليين, لان حركة الكون ووقائع الأشياء فيه تنحى هذا المنحى “ وعنت الوجوه لله الواحد القهار” “ وأشرقت الأرض بنور ربها “.
ففي المشهد الأول ينكشف التخاذل ويتهاوى, بينما يعلو الحق وأهله وهم مستبشرون, وفي المشهد الثاني يكون النور تعبيرا عن الفرح الحقيقي, ويندم أصحاب الفرح المصطنع وغير الحقيقي الذي ضيعوا فيه فرص الحياة عندما حولوها إلى سجن كبير ومأساة مفتعلة يقودها الإرهاب ويعاونه إرهاب الجنس والمال وكل الهوى الزائف صاحب الانكسارات الكبرى في حياة البشرية.إن النبي نوح لم يكن متشائما عندما قال :” وقال نوح رب لاتذر على الأرض من الكافرين ديارا “ وإنما كان مشخصا لحالة المجتمع الذي كان يعمل معه , ونتائج التشخيص عندما تكون سلبية فإنها تتوقف عند حدود هذه المعرفة الجزئية التي ترتبط بمعرفة كلية تتصل بمسارات الكون وحركته الموزونة بإيقاع “ وما كنا لاعبين “ حيث تنعدم الغفلة وينتفي السهو , وتستحضر الجدية والحيوية في كل شيء “ فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون “ “ كتب الله لاغلبن أنا ورسلي أن الله قوي عزيز “
إن الإرادة تابعة للعقل, فعندما يكون العقل حاضرا تكون الإرادة مستوفية لشروط صناعة الموقف “ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون “ وهذه الإرادة الربانية هي مرجعية كل الإرادات المخلوقة تستلهم منها العزم والتصميم والثبات قال علي “عليه السلام” لابنه محمد بن الحنفية :” تد في الأرض قدمك, واعر الله جمجمتك” وتتوج قمة الإرادة بالموقف التالي:” فلما بلغ معه السعي قال يا بني اني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى , قال : يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين “
فالعقل عند إبراهيم النبي الأب والإرادة عند إسماعيل النبي الابن هما تؤمان عملية التغيير والبناء .
وكل عملية بناء وتغيير تفتقد لحضور العقل والإرادة لا يكتب لها النجاح على قاعدة “ وتلك الأيام نداولها بين الناس “والعمل السياسي في العراق في هذا المقطع من التاريخ يفتقد لمستلزمات العقل بملاك الحكمة مثلما يفتقد الإرادة بمستوى النفس المطمئنة , ولذلك نشهد تراجع دوره على مستوى البناء الداخلي تعثر العملية السياسية ومثالها ورقة الإصلاح التي ينكرها الحاضر ولا يعرفها الغائب, وعلى مستوى الخارج حيث يسوق دورنا من قبل الآخرين ونحن نتفرج في طابور المتفرجين بلا دعوة ؟ فلا الجامعة العربية استرجعنا رئاستنا لها , ولا منظمة المؤتمر الإسلامي حافظنا على حضورنا فيها , ولا مؤتمر دول عدم الانحياز حملنا مشروعا له , فهل تصبح كينونتنا مهددة ؟ آمل أن لا يكون ذلك .