التصنيف: اقتصادي

  • الحكومة والمواقف الصعبة.. زيارة واشنطن مثالا

    لقد كتبنا منذ شهر عن المعاني السياسية للزيارات الدبلوماسية وقصدنا بها زيارة السيد المالكي لأمريكا، واليوم حدثت الزيارة وتم المؤتمر الصحفي الذي شاهده المتابعون وكل له رأيه واستنتاجاته.

    والملفات التي كانت تنتظر هذه الزيارة كبيرة وحساسة وخطيرة. وبغض النظر عن الاتفاقيات المنتظر عقدها مع الجانب الأمريكي المحتل للعراق والطامع بحصانة المدربين الأمريكيين، ولكن هذا الطمع وتلك الشهية ستقلل من حدتها ملاكات السفارة الأمريكية في العراق والتي سيكون لها “15000” منتسب وهو رقم يخفي بين طياته احتضان المشاريع الأمريكية للهيمنة والاشراف والتغلغل في ثنايا المجتمع العراقي ومؤسسات الحكومة التي كانت منظمة rti “قد اطلعت على كل مفاصل هيئات الحكم المحلي في المحافظات وعرفت كيف تتعامل مع اعضاء مجالس المحافظات من عديمي الخبرة ورؤساء الدوائر الحكومية المسيرين من قبل اعضاء مجالس المحافظات ومن قبل أحزاب السلطة ومنتسبيها الذين يجهلون فن السياسة مثلما يجهلون فن إدارة الدولة.

    ولعل الهاجس الأمريكي الأول من حيث التوقيت والمناسبة في مباحثات – اوباما – المالكي – هو الملف السوري وموقف العراق منه لاسيما بعد زيارة نبيل العربي امين عام الجامعة العربية الى بغداد والتي لم يستطع من خلالها ان يثني الموقف الحكومي العراقي الذي كان متميزا في طريقة إخراجه يوم صوت وزراء الخارجية العرب على تجميد عضوية سورية في الجامعة العربية وكان تصويتا فاقدا للنصاب القانوني كما تنص عليه أنظمة الجامعة العربية، وعرف يومها ان الضغط الأمريكي ومن ورائه اللوبي الأوربي الشريك المصيري للصهيونية ودويلتها ” اسرائيل ” مع الجهود التركية ذات النزعة العثمانية صاحبة الإرث السيئ في المنطقة العربية والعراق هي المناور الجديد والصديق الذي يدعو نفسه لحضور اجتماعات وزراء الخارجية العرب معتمدا على رصيد العلاقة مع الاحزاب السلفية التي عبر عنها علي بلحاج الليبي المنتسب للقاعدة في استعداده لنقل المقاتلين الإرهابيين الى سورية عبر تركيا.

    هذا التجمع المكون من – الطورانية العثمانية الجديدة – ومن انظمة التبعية العربية – ومن الأحزاب السلفية الموعودة بكراسي الحكم بسخاء مال التبعية العربية وأنظمتها التي تحتمي بالوجود الامريكي وقواعده في المنطقة العربية لقاء التخلي عن رفض الوجود الاسرائيلي والشروع بالتطبيع بعد تفكيك محور الممانعة ومقاومتها للوجود الصهيوني ومشاريع الهيمنة الأمريكية التي ثبت تحيزها المطلق للوجود الاسرائيلي وقبولها التعاون مع الفصائل الإرهابية لتحقيق الامن الاسرائيلي.

    لذلك اصبح الضغط على الشعب السوري وتعريضه للحصار الاقتصادي هو الشعار المرفوع رغم مخالفته كل أعراف العمل الدبلوماسي وميثاق الامم المتحدة والتي عبرت عنها المواقف الامريكية التالية :-

    1- الطلب من حملة السلاح من العصابات الإرهابية التي تقتل على الهوية في سورية لزعزعة النظام بعدم تسليم سلاحهم للحكومة السورية وذلك ردا على بيان العفو العام الذي اصدرته وزارة الداخلية السورية في سبيل وقف العنف، وهذا الموقف لايمكن فهمه الا بالإصرار على الانحياز لصالح الارهاب ضد مصالح الشعب السوري في الأمن والأمان.

    2- تصريحات المسؤولين الأمريكيين من الرئيس الى وزيرة الخارجية بطلب التنحي للرئيس السوري بشار الاسد وذلك برغم قيام الأخير بتفعيل الإصلاحات وإلغاء قانون الطوارئ والمباشرة بالحوار الوطني والشروع بانتخابات المجالس المحلية والتحضير للانتخابات النيابية والرئاسية في مطلع عام 2012 وهذه التصريحات تعبر عن توجه جديد يخالف ميثاق الأمم المتحدة وسيادة الدول والاعتداء على كرامة الشعوب لاسيما وقد ظهر جليا نزول الشعب السوري بالملايين الى الشوارع والساحات مؤيدا للنظام ورافضا للتدخل الأجنبي.

    والموقف العراقي من خلال الحكومة كان مبررا في عدم موافقتها على تجميد عضوية سورية في عضوية الجامعة العربية، وفي عدم قبولها المقاطعة الاقتصادية مع سورية لان ذلك يحمل ضررا للشعب السوري الشقيق والوفي مع الشعب العراقي وكذلك يحمل ضررا للشعب العراقي لتداخل شرايين التجارة والسياحة والانتقال المتبادل للمواطنين لأسباب كثيرة.

    وقد اتضح موقف الحكومة المعبر عن مشاعر العراقيين من خلال تصريحات السيد رئيس الحكومة في المؤتمر الصحفي الذي جمعه مع الرئيس الامريكي اوباما وذلك في رفض القبول بالمقاطعة الاقتصادية وكذلك رفض طلب التنحي للرئيس بشار الأسد، وهو موقف عقلائي يعود على العراق وشعب العراق بجملة خصائص منها:

    1- احتفاظ الحكومة العراقية بموقف متوازن بعيدا عن الضغوطات الدولية غير المقبولة.

    2- انتصارها لشعب شقيق هو الشعب السوري نحن مدانين له بالوفاء بعد ان خذله اغلب العرب.

    3- احتفاظها بموقف هو اقرب للحق والقانون مما يعزز دورها في العلاقات العربية والإقليمية والدولية وهو دور يحتاجه العراق بعد ان غيب عن صناعة الموقف المستقل طيلة فترة الاحتلال وما قبلها.

    وهذه الخصائص تساعد على بناء أرضية جديدة للحوار الوطني الداخلي في قضايا المصالحة الوطنية وحسم قضايا دعوات الأقاليم المتسرعة وإعادة كتابة الدستور لعراق ما بعد الاحتلال وتشريع نظام انتخابي جديد وانجاز قانون الأحزاب وانجاز ترشيح اعضاء المفوضية ومفوضية حقوق الإنسان وبناء الجهاز القضائي بما يتناسب وتطلعات المواطن العراقي في العدل، وإعادة النظر بقانون وانظمة مجالس المحافظات وقانون النفط والغاز وقوانين أخرى كثيرة تهم المواطن العراقي المحروم

    لتكن المواقف الجديدة تمثل انطلاقة جديدة للبناء وتبادل الثقة وطوي صفحة المنازعات التي لم تجلب لنا سوى توقف عجلة الإنتاج على مستوى الحكومة ومؤسساتها وعلى مستوى القاعدة الشعبية التي ضاقت ذرعا بتلك التناحرات.

  • حول عادات الأحزاب وتقاليدها …بإنتظار التجديد

    لايغير الله مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم | قرآن كريم

    التغيير سنة من سنن الحياة , ففي علم الحياة ” البيولوجيا ” هناك الكثير من الحقائق التي نغفل عنها : مثل :-

    1-  نمو الشعر وحاجته للقص , ومن هذه الحاجة حلت المظاهر الجمالية , وأصبحت ” المودة ” تفرض نفسها مع تضائل الحضور الفكري الذي يحاكم الأشياء من الداخل وهذا معنى التغيير المنطلق باتجاهات فضاء النفس.

    2-  نمو الأظفار وحاجتنا لقصها , ودخلت مع هذه الحاجة جمالية مفتعلة لآن التطلع ” للمودة ” أصبح أكثر من التطلع لضرورات الحياة وآفاق المستقبل.

    3-  ترهل الجلد واسترخاء العضلات : حيث أصبح للجراحة التجميلية وظيفة غير وظيفتها الأصلية فدخلت عالم ” المودة” مدفوعة بنهم حب الحياة ومظاهرها دون التوقف عند قوانينها التي تعلمنا : أن من وهب الحياة قدر الموت , ولكل منهما استحقاقات ومن هذا الفهم تبدأ رحلة التغيير , ولا تغيير بدون تغيير فضاءات النفوس.

    وسنن التغيير مثلما تشمل المظاهر ” البيولوجية ” فأنها تشمل كذلك المظاهر ” الاجتماعية ” ومن أنواع المظاهر الاجتماعية:-

    1-  الأخلاق : التي شملها فساد الرأي , فأصبح البعض يسميها نسبية ناسيا أن مقولة ” قبح الظلم وحسن العدل ” هي من بنات الأخلاق وموروثاتها , وأن مفهوم نسبية الأخلاق إفراز للمظاهر التي تباينت عند الشعوب وألامم , وليست تعبيرا عن المحتوى الذي يلامس الفطرة ويستجمع العقل ليتصل ببوصلة السماء المرجعية التي ينتهي إليها كل شيء.

    2-  العادات والتقاليد : وهي تراكم لما يلي :-

    أ‌- موقف يحتمل الصح والخطأ

    ب‌- فهم يحتمل الصح والخطأ

    ت‌- سلوك يستجمع الصح والخطأ

    وهكذا نجد العادات والتقاليد تشكل المظاهر الاجتماعية للأمم والشعوب , ومن هنا ولدت الحاجة لدراسة المظاهر الاجتماعية وإعادة النظر في الكثير منها وأًصبحت هذه من مهمات :-

    1-  الدين : بوصفه نظاما للحياة ” شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا اليك وما وصينا به أبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ” والذين تصوروا الدين هو ” المقدس ” فقط ” وهو الثابت ” فقط ” أخطأوا , لآن الدين كنظام للحياة ” وأتاكم من كل ماسألتموه ” فيه الثابت وفيه المتحول ” المتحرك ” ” يمحو الله مايشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ” ولأن السياسة متحولة ” متحركة ” فهي من مفردات الدين لا لأنها متحولة , بل لأنها مشروع أصلاح ومن هنا أستبعدت السياسة الفاسدة من الدين , وهذا مايسقط حجة من يقول : ” أن الدين مقدس , والسياسة فاسدة , وعليه لايجتمع المقدس مع الفاسد. وبهذه الطريقة الخاطئة في الفهم عن الدين وعن السياسة أرادوا فصل الدين عن السياسة، والأحزاب الدينية التي وقعت في الفساد السياسي هي من أعطت الفرصة لأصحاب تلك المقولة الخاطئة , فأصبحنا بين خطأين أحدهما يمثله من يدعي بالدين والآخر يمثله من لايلتزم بالدين.

    2-  الفلسفة : بوصفها تعرف على أنها ” نظم العالم نظما عقليا” ومن هنا أصبح للفلسفة حضورا في تحليل الأخلاق والقيم ونقد مقولات الحكم وبيان منطقية المنهج باجمال يختصر روح التماثل مع النظام العام على هدي الحركة الكونية .

    وحديثا ظهر لدينا نتيجة الحاجة وتطور الحياة في معناها المتحرك , وأعمال الفكر فيما يستجد من سلوك الأفراد والجماعات , والأمم والشعوب , وأعمال الفكر الذي أتخذ طريقة البحث بسماته المعاصرة حيث حصلنا على :-

    1-  دراسات علم الاجتماع التي كان للقرآن فيها أشارات لايمكن أستثنائها من موائد البحث المعرفي الجاد ” تلك أمة قد خلت لها ماكسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون ” – البقرة – 141 – وكان للأنبياء فيها مساهمة قيمة يقول عيسى عليه السلام :” أني شفيت المرضى بأذن الله , وأحييت الموتى بأذن الله , ولكني عجزت عن معالجة ” الأحمق ” ويقول الإمام علي عليه السلام : ربوا أبناءكم الى زمان غير زمانكم فأنهم مخلوقون لجيل غير جيلكم ”

    2-  دراسات علم النفس : التي تقدمت كثيرا ونظمت منهجيا , ولكن التقدم الحقيقي والتنظيم المنهجي يجعل الحضور القرآني طريقا للنور المعرفي بالنفس التي هي صناعة ربانية يقول تعالى :” يا أيتها النفس المطمئنة -27- أرجعي الى ربك راضية مرضية -28- سورة الفجر- وحالة ألاطمئنان هذه هي التي غابت عن دراسات علم النفس الوضعي فأصبحت اصطلاحات مثل ” أجهاد العمل , ولهيب العمل ” طريقة لقبول حالة ” الكآبة ” وتفسيرها بعيدا عن استحضار مفهوم ” النفس الراضية , والمرضية , والمطمئنة , والنفس اللوامة ” التي تمتلك مصاديق النجاح في الحياة الدنيا والحياة الآخرة , وهذا هو النجاح الحقيقي للمجتمع الإنساني .

    ولأن عادات الأحزاب بقسميها الديني والعلماني , أصبحت خاضعة لتقاليدها في الحياة السياسية التي شابها الكثير من الفساد والمتمثلة فيما يلي :-

    1-  المحاصصة التي عرفت أنانيتها وفئويتها .

    2-  الحرص على الامتيازات الحزبية والشخصية والعائلية .

    3-  تعمد الإساءة للنظام العام والتمرد على القانون مثل : حماية المزورين , والمرتشين , والسراق للمال العام .

    4-  تجميع المحدودين والسذج والمتملقين والمتزلفين بإصرار واضح , وبتبريرات مجافية للعقل والمنطق .

    ومن هنا نحن اليوم بحاجة لولادة الجديد الذي لايأتي بالتمني والاحلام , ولكنه ينبثق بعد التشخيص العلمي لحالتنا المرضية على مستوى : الأحزاب , والعشائر , والمنظمات , والنقابات , وعلى مستوى الحكم الذي لم يعد قادرا على مواجهة تحديات ما بعد الانسحاب المنفتحة على متبنيات المحور الأمريكي الأوربي – الصهيوني – وشهيته الجديدة في دعم التطرف المتمثل في المنطقة العربية بالقاعدة التي أصبحت متغلغلة في هيكلية ألاحزاب التقليدية التي تنتمي للدين , وهذا الدعم يحظى بوفرة المال العربي وتواطأ عنصر الخيانة المتلبس بالحالة الطائفية بصورة انتهازية وهي البوابة الحقيقية لفتح الجحيم على المنطقة ومنها العراق , وانتظار الجديد لايتحقق ألا بعد فهم وتشخيص هذه الحالة , وهذا ألانتظار هو برسم : النخب المثقفة سياسيا وأجتماعيا ومن كل الحواضن .

  • نهاية العولمة

    ((وتلك الأيام نداولها بين الناس))  قرآن كريم ((وإن عدتم عدنا))  قرآن كريم ((يوم نطوي السماء كطيّ السجل للكتب))  قرآن كريم كانت الأرض مشهدا ومسرحا للفعاليات البشرية ومازالت، ولكنها محكومة بنهاية. والفعاليات البشرية منها ما أخذ بالحسبان علاقة الأرض بالسماء، ومنها ما لم يأخذ، والذي لم يأخذ لم يكن لديه دليل مقنع، واكتفى بالإعراض والإنكار مما عبر عن إفلاسه الفكري، ومن علامات ذلك الإفلاس انه ظل يطرح أسئلته معتمدا على الوفرة المعرفية التي جاءت بها رسائل السالكين وراء بوصلة السماء، فهي تنكر الله بدون دليل لا لشيء إلا لان المدرسة الالهية بمختلف اتجاهاتها قد التزمت بفكرة الخالق الحق وهو الله وأثبتت ذلك منطقيا وتوسعت به فلسفيا واستحضرت الأدوات العلمية من التجربة والملاحظة التي يتلمسها الحس ولا تتنكر لها المادة. والاتجاه الذي اعتكف على الإعراض والإنكار اتخذ المواقف التالية:

    1- القول بالدهرية: “وما يهلكنا الا الدهر ” وهو قول غير منتج لمعرفة سوى الهروب من مواجهة الواقع المتحرك والمتغير والمتبدل والمنفتح على كل الاحتمالات التي أقواها واكثرها حضورا “الموت وما بعد الموت”.

    2- القول بالاستسلام للعادة الظاهرية المتجسدة في وجود الآباء والاجداد وتقاليدهم، وهو وجود مسبوق بحيثية الخلق ومتدثر بتراكم التقاليد والعادات التي يغيب عنها الوعي عند مواجهة الظواهر الطبيعية فتستسلم لتكرار ماهو تقليدي وان كان خطا؟ ” هذا ما وجدنا عليه آباءنا”.

    3- السفسطة واللغو عندما اعياهم الدليل المنتج للمعرفة وقد شهد الاغريق شيئا من ذلك.

    هذا كان في الحقبة القديمة من تاريخ البشرية، اما في الحقبة التي تلت الثورة الصناعية في الدول الأوربية التي خرجت منتصرة على جمود الكنيسة التي تورطت في محاربة محاولات التطلع العلمي مما خلق فهما لدى قادة الرعيل الاول لدول تلك المواجهة ان الدين الذي كانت تمثله الكنيسة لا يصلح للحياة العامة بفرعها السياسي والاقتصادي بل وحتى الاجتماعي فتوصلوا الى نتيجة مفادها هو عزل الكنيسة عن الحكم والحياة السياسية وتركها تمارس طقوسها الكهنوتية كعبادة داخلية للافراد فنتج عن ذلك ما يلي:

    1- مفهوم الدين لله والوطن للجميع. وهو مفهوم في ظاهره صحيح، ولكنه ينطوي على اشكالية معرفية في غاية الخطورة على حتمية العلاقة بين السماء والارض ” والتي تعبر عنها الآية القرآنية المباركة: “قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا”؟ فالدين هو ليس فقط لله وإنما هو من الله وللإنسان قال تعالى :” شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي اوحينا اليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى ان اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه”، والوطن هو للجميع قال تعالى: “والارض وضعها للأنام”، والمفهوم الصحيح للوطن هو الارض التي اصبحت في مفهوم علم الفضاء: الكوكب الازرق “هو بيتنا نحن البشر وهو وطننا وان كنا ننتمي اليوم لأوطان صغيرة ومحددة قانونيا مثلما نملك بيوتا اصغر ومحددة عقاريا، ومثلما لا يلغي امتلاكنا للمنزل الصغير واعتباره وطنا العائلة الصغيرة في مقابل الوطن الكبير الذي هو الدولة والذي يضم عائلة كبيرة هي الشعب، وعلى نفس القياس يصح القول على الوطن الارضي الاكبر وهو الارض وعائلتها الكبرى وهو المجتمع البشري قال تعالى : “كان الناس امة واحدة…”

    وهكذا يتضح الالتباس الذي حملته مقولة “الدين لله والوطن للجميع”.

    2- فصل الدين عن الدولة : وهذا المفهوم قام على أساس المفهوم الملتبس “الدين لله والوطن للجميع”، فعندما نعرف ذلك الالتباس ونرجع الأمور الى نصابها من حيث قواعد واليات التفكير السليم، فالدولة هيئات ومؤسسات لتنظيم ورعاية المواطنين، والمواطنون افراد خلقوا لهدف كوني معقول قال تعالى: “اني جاعل في الارض خليفة”، والخليفة هو العنوان الكوني الأول الذي استحقه الانسان رجلا وامرأة في قانون الخلق والإيجاد المتضمن تفاصيل “الحياة والموت” وهي اطروحة كبرى ملأت محطات الحياة الدنيا والحياة الأخرى وهي عناوين اصبحت ملكا لثقافة بوصلة السماء ورسالاتها التي تمتلك رصيدا بشريا هو الآخر غير قابل للعزل والاختزال نهائيا وان تم تغاضيه في الدول الأوربية من حيث النظام وسمته العامة، فالنظام الأوربي اليوم ليس مسيحيا وان كان رعاياه هم من الغالبية المسيحية. ولكن هذا النظام الأوربي ومعه اليوم النظام الامريكي ليس بعيدا عن تململ الروح الدينية التي يمثلها المسيح، وما الصراع الذي دار بين حركة مارتن لوثر والكنيسة التقليدية التي يملثها الفاتيكان والتي نتج عنها : الكنيسة البروتستانتية في مقابل الكنيسة الكاثوليكية الا دليلا على ان الشعور الديني هو المحرك للأحداث، وما يعزز هذا الرأي حتى بوجود الكنيسة المتطرفة ” الانكلوكانية ” وأتباعها الذين يشكلون اليوم تيار المرمون ذي الصبغة التوراتية الطاغية على ثقافة القيادة الأمريكية التي تؤمن بوجود معركة تاريخية فاصلة هي “الهرمجدون” وهي تسمية توراتية يتبناها كتاب “حزقيال” في جزأيه: 38، 39، وفي عمق فلسفة هذا الاتجاه الذي جعل من الصهيونية حليفا وصديقا ولكنها صداقة مرحلية لمن يتأمل في الفلسفة العميقة لهذا التيار الذي يرى نفسه يقود العالم اليوم ومتطلبات هذه القيادة تفرض عليه تطلعات يجد فيها ما يلي:

    أ‌- الصراع العربي الاسرائيلي، فيتحالف مع الاسرائيلي مرحليا لان العربي يشكل له بعدا مضافا للقلق المستقبلي ومشاريعه البعيدة الممثلة بظهور المهدي كقيادة عالمية يمثلها الوجود العربي المسلم ويتحالف معها الوجود الديني بشكل عام. والروايات التي تتحدث عن نزول السيد المسيح مع المهدي تنتمي لصناعة القلق لمن يطمحوا للقيادة العالمية بغير بوصلة السماء.

    ب‌- مفهوم القيادة المهدوية وما تطرحه من مشاريع يعتبرها البعض تهديدا إستراتيجيا لهم. وهؤلاء لا يأخذون توصيات بعض من في المنطقة من الذين يعتبرون ذلك خرافة ليقدموا تبريرا غير مقنع لمن ينظروا الى التدافع الاجتماعي بعين الموضوعية. 

    3- فصل الدين عن السياسة: وهذا الأمر هو الأوسع من موضوع فصل الدين عن الدولة، لأن الدولة حالة قانونية، والسياسة حالة ثقافية، ومساحة الثقافة في الاصل اوسع من مساحة الدولة القطرية، ولكن الأمر يختلف في حالة تحقق الدولة العالمية التي لا يمكن انتزاعها من مفردات التفكير البشري لاسيما تلك التي تستقي غذائها الروحي من بوابة السماء التي مهدت لها قال تعالى “ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين”، وتعزيز الوراثة للفريق الإلهي مسألة محسومة في خطاب السماء الذي يظل بعد البرهان واعمال العقل هو الأوفر حظا؟ وقال تعالى:  “ان الأرض يرثها عبادي الصالحون”، ومما يعزز مصداقية ذلك الإرث الموعود هو توالي الأحداث الطبيعية من اعاصير وزلازل وبراكين لم ترتقي الى مستواها تجارب الانسان المحدودة في استمطار الغيوم عبر غاز الكمتريل الذي كانت دعايته اكبر من حقيقته كحال المظاهر الدنيوية تسمع بها كبيرة في الظاهر ولكنك تجدها صغيرة في الواقع.

    ومثلما لم تصمد مقولة فصل الدين عن الدولة كحالة نهائية في المجتمع البشري، وظلت الدولة الدينية قابلة للظهور برغم الأخطاء التي صاحبت ظهور بعض النماذج حديثا والسبب يعود الى ان مبادئ الدين أكثر رسخوا في الضمير البشري من تجارب التطبيق التي اعلنت بنفسها فشلها الذي لا يعمم على الروح الديني ومبادئه في نظر التحليل المنصف لان الدين نفسه سبق الجميع لانتقاد ورفض الانحرافات والاخطاء قال تعالى “يا ايها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون”، وهذا النص يشكل ضمانة فكرية خالدة لحماية روح المبادئ وعدم تشويهها او التجاوز عليها عندما يحدث التطبيق الخاطئ من قبل الأفراد والجماعات، فلا السلطات الزمنية التي تحولت باسم الدين الى إقطاعيات عائلية دكتاتورية، ولا الجماعات المارقة الممثلة اليوم بالقاعدة الوهابية بقادرة على اختصار الدين بمنهجها الخاطئ وسلوكها المشين.

    كذلك لم تصمد مقولة فصل الدين عن السياسة من خلال تصوير الدين على انه الثابت المقدس والسياسة هي المتحول الممكن، وأصحاب هذه المقولة نسوا او فاتهم ان الدين يتضمن الثابت المقدس وهو الله فقط مثلما يتضمن المتحول المتغير وهو المخلوقات بأصنافها من طبيعة وكون قال تعالى:  “والسماء بنيناها بأيدي وأنا لموسعون”، وقال تعالى: “كل من عليها فان”، والفناء دليل على التغير والتحول وهو يشمل : الإنسان “كل نفس ذائقة الموت” والحيوان “وإذا الوحوش حشرت ” والنبات ” فانبتنا فيها حبا – وعنبا وقضبا – وزيتونا ونخلا” – 29- عبس – والجماد في الظاهر والمتحرك في الواقع كما تقول السماء قال تعالى “وإذا الجبال سيرت” – التكوير – 3- 

    والذين يقولون ان السياسة هي فن الممكن فاتهم ان الفن فكر + تجربة وهذا الأمر متاح للجميع وليس لفئة دون اخرى فمثلما يحق للعلماني ان يمارس فن السياسة كذلك يحق للديني ان يمارس هذا الحق وعليه فان دعوى الفصل لا تجد تطبيقا صحيحا، وإنما الصحيح هو الانفتاح على ممكنات السياسة سيجعل من الدين احق بها من غيره لا لأنه لا يؤمن بحق الآخر وانما لأنه الأسبق مرتبة في الظهور والوجود من جهة ومن جهة أخرى هو المعطى صفة الخلافة والاستخلاف في الأرض ومن هنا تبدأ السياسة رحلتها الوجودية مع الدين قبل غيره لاعتبارات الأسبقية في الوجود، وعلى هذا تظل دعوى فصل الدين عن السياسة هي الاخرى لا تلقى إقبالا شعبيا نهائيا في المنظومة الاجتماعية وان تصدرت واجهات بعض الشعارات والبرامج الحزبية التي لم تكن قادرة على ضمان بقائها فكيف بشعاراتها.

    واليوم عندما تعود الدول التي أشاعت مفهوم فصل الدين عن الدولة وفصل الدين عن السياسة مثل أمريكا والدول الاوربية التي لم تكن مشجعة للسنودس الرسولي في الشرق الاوسط الذي دعا اليه الفاتيكان وايده المسيحي الذي يجد في تركيبته الوجودية عقل عيسى ومحمد وموسى حتى لا ينفصل عن المكان ولا يتخلى عن حركة الزمان المملوكة لخالق الاكوان هذه الدول التي تعيش تناقضا وجوديا يستحيل ان تجعل منه عابرا للمراحل مثلما فعل الدين فهذه امريكا اليوم ومعها اللوبي الاوربي تستعين بالقاعدة لتفكيك واضعاف أطروحة خصومها السياسيين وهم من صلب الدين، وتتعاون مع اطراف دينية في تصورها للانتقال الى مرحلة اخرى ولكنها تنسى من خلال هذا العمل انها تعترف بالدين من حيث لاتشعر، وما يحدث في المنطقة العربية من المغرب الى بغداد والخليج هو استرجاع للدين وان بصور منقوصة ومحاولات لا تتماهى مع الجوهر الذي ينتظر لحظة التماس الصاعق الذي يغير الاشياء والمعالم ويختصر المراحل عبر كينونة ” كن فيكون ” التي تظل مشروعا للتغيير لا يطاله التقادم ولا تفقده الايام والاماكن مصداقيته لانه يستمد فعله من الديمومة الواجبة التي تلبي حاجة المحتاج تجاه المكتفي البالغ الكمال وذلك هو ” الله ”

    وهذه الحاجة المخلوقة للانفعال واللحاق بركب الوجود لايمكن ان يتخلف عنها موجود من الموجودات، ولان الذين توهموا خطا بقدرتهم على الاستفراد بالعالم من خلال ” العولمة ” حيث بسطوا قواعدهم وسفنهم وبوارجهم وطائرات تجسسهم في كل مكان واوعزوا لشركاتهم ان تجني ماتشاء من ارباح وراحوا يوزعون المكافئات والمنح في كل مكان ها هم اليوم يعانون مايلي :-

    1- جفاف مواردهم جعلهم يقلصوا بل يسحبوا مكافئاتهم عن منطقة واسعة متقلبة مضطربة هي ” العراق – المغرب ” ومن الترجمات العملية لذلك هو انسحابهم من العراق على مضض.

    2- تصاعد موجات الهزات المالية في امريكا وما مظاهرات شارع وول ستريت الا مثالا على ذلك وقادم الايام يحمل صعوبات اقتصادية اكثر.

    3- ازدياد اعداد ضحايا الفيضانات والعواصف والحرائق مما ضاعف اعداد الفقراء من اصحاب المخيمات والعاطلين عن العمل.

    4- اهتزاز الاقتصاد الاوربي متمثلا بافلاس اليونان التي لم ينفع معها التقشف واهتزاز الاسواق المصرفية في كل من ايطاليا وفرنسا وعدم قدرة المانيا ان تكون بعيدة عن ضعف اليورو الذي يهدد الجميع في المنظومة الاوربية

    5- تصاعد نمو الاقتصاد الصيني 11|0 سنويا

    6- تركيز الولايات المتحدة الامريكية على جبهة جنوب شرق آسيا والقوقاز نتيجة تحفز روسيا لاستعادة موقعها بعد ان اصبح بوتين الفائز في الانتخابات الروسية يائسا من السياسة الاحادية وعولمتها الامريكية مما يجعله يقوم باتخاذ خطوات لبناء محور جديد متمثلا بالصين روسيا والهند والبرازيل ومحور ايران بغداد دمشق بيروت الذي تمنحه الاحداث الاخيرة من جراء الاخطاء الامريكية الاوربية في التبني المستغرب لجماعات الارهاب في مقابل حق الشعوب في رفض التدخل الخارجي.

    7- فشل محور تركيا – المال العربي – الذي يحاول استرضاء اسرائيل بتدجين العلاقة بينها وبين الاحزاب التي قبلت بذلك الفتات غير المحسوم بحصولها على كراسي الحكم في بعض الدول التي طال انتظار شعوبها للحرية والعدالة.

    واليوم عندما تتراجع امريكا العولمة لاحزاب الحوسمة فانها تفقد مرجعيتها في العولمة.

     وعندما تصبح السياسية الامريكية تقدم طروحات تخالف شعاراتها السابقة في الديمقراطية وحرية الشعوب فانها تفقد اهم بوابات العولمة لتجعل العالم منقسما دولا واحزابا ومنظومات ومن امثلة ذلك ما قام به مساعد وزير الخارجية الامريكي فيلتمان من زيارة بيروت ولقاءاته التي شملت كل من :-

    1- رئيس الحكومة – ميقاتي

    2- رئيس مجلس النواب – نبيه بري

    3- وليد جنبلاط – رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي

    4- قائد الجيش – قهوجي

    5- مدير الامن العام – ريفي

    6- اطراف 14 اذار وتيار المستقبل

    وهذه الخلطة تعني فقدان توازن العولمة لصالح ظهور انقسامات تؤدي الى انقسامات تتعدى المحلية الى الاقليمية والدولية وهذا ما يحصل اليوم، فلقاء مسؤول امريكي بمدير امن عام يعني تردي مستوى العولمة الى مستوى التقسيمات الطائفية وهو خلاف توجه العولمة، والمطالبة بتنحي رئيس دولة يقف معه اغلب شعبه وكل جيشه وحواضنه الدينية يمثل تجاوزا لميثاق الامم المتحدة وانحسارا لموجة العولمة التي فتحت المجال امام نشوء المحاور الاقليمية الصاعدة والتي هي في طور التشكل والنمو مثل :-

    1- محور سوريا – ايران

    2- محور الصين روسيا

    3- محور الهند – البرازيل

    وكل من هذه المحاور يملك القابلية على التوسع للاصدقاء والرافضين للاخطاء والتجاوزات الدولية على ميثاق الامم المتحدة وعلى حق الشعوب في تقرير مصيرها.

    ونشوء هذه المحاور المصحوب بما يلي :-

    1- انقسام في الأمم المتحدة

    2- تراجع شعبية العولمة

    3- فقدان مصداقية الديمقراطية في التجارب الحديثة المحسوبة على جناح العولمة

    4- ضعف اقتصاديات محور العولمة

    5- عدم قدرة محور العولمة على حماية امن اسرائيل.

    6- معاداته لحركات التحرر والمقاومة.

    7- وقوف محور العولمة مع المجاميع الارهابية خلافا لما يتبناه؟

    ومن خلال كل ما استعرضناه يظهر لنا اقتراب نهاية العولمة التي لم تدم طويلا بعد نهاية الحرب الباردة في مطلع التسعينات من القرن العشرين ونحن اليوم في بداية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، واذا اضفنا لذلك توقعات كتاب ومحللين امريكيين الذين قالوا بان عصر العولمة الأمريكي سينتهي في حدود 2025 ميلادية، يصبح من المناسب الحديث عن نهاية العولمة مثلما انتهى عصر العبيد وعصر الاقطاع والبرجوازية وعصر البلشفية والبلوتارية واشتراكيتها وعصر الرأسمالية الذي يشهد رفضا في وول ستريت قبل غيره من مناطق العالم التي لها تجارب مريرة للرأسمال المستفحل بعنوان حرية المال التي سبقت حرية النفوس وتلك مفارقة ترفضها سنة الكون “يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم – 6- الذي خلقك فسواك فعدلك -7- في اي صورة ما شاء ركبك -8- الانفطار –

    ويمكن ان نختم بمقولة من عرف بوصلة السماء من خلال خطابها المنزل والفطرة التي تسبح لربها يقول ذلك العارف بالسياسة والممتحن بالدولة واعبائها والناس واهوائهم :-

    الحمد لله المعروف من غير رؤية، والخالق من غير روية، الذي لم يزل قائما دائما، اذ لا سماء ذات ابراج، ولا حجب ذات ارتاج، ولا ليل داج، ولا بحر ساج، ولا جبل ذو فجاج، ولا فج ذو اعوجاج، ولا ارض ذات مهاد، ولا خلق ذو اعتماد، ذلك مبتدع الخلق ووارثه، واله الخلق ورازقه، والشمس والقمر دائبان في مرضاته، يلبيان كل جديد، ويقربان كل بعيد – نهج البلاغة ج1 ص141.

  • عودة الخطط الماكرة .. الربيع العربي مثالا..

     (وتلك الأيام نداولها بين الناس) – ال عمران – 140-من المفاهيم التي لم تدرس وتستوعب جيدا هو مفهوم التداول، والتداول هنا يعني تداول السلطة ، وللتداول معان اخرى.والأيام صناعة ربانية ومن نزهة البحث وفائدته لمن يريد ان يستفيد نقول : ذكرت الأيام “365” مرة في القرآن الكريم وبما ان السنة التي عرفها الناس هي ” 365″ فالتأمل جدير بالعقلاء.وذكرت الشهور ” 12″ مرة في القرآن الكريم وقد عرف الناس ان السنة “12” شهرا قال تعالى ” ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها اربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن انفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا ان الله مع المتقين” – التوبة – 36- ولأن الايام تقسيم للزمن ، والزمن حاضنة للفعل البشري لذلك قال الله تعالى” فلا تظلموا فيهن انفسكم” ، ولا اريد ان ادخل في دراسة هذا المعنى الان لما له من اهمية على مستوى الدراسات النفسية والاجتماعية في استحضار قيمة الانتاج وجودته من خلال طبيعة العمل الصالح البضاعة المختارة من قبل خطاب السماء. ” اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه “.

    ولكني اريد ان اركز على مفهوم التداول تمهيدا لتوضيح عودة الوعود الماكرة والتي اصبحت رياحها تجتاح منطقتنا بتسقيط انظمة عرف الناس فسادها وخلط الاوراق لتشويه الرؤية عند عامة الناس تجاه الخزين الفكري المتراكم في هذه المنطقة والعالم من رسالات السماء وهي المدرسة الواعدة لاحتضان الفعل البشري في اطار الزمن والمكان المشخصين معرفيا وفي كل مرة يأتي دور العقلاء للتداول قال تعالى ” والأرض وضعها للأنام ” – الرحمن -10-

    وللتداول شروط هي :-

    1-  ان يكون عند الانسان هدفا 

    2-  ان يمتلك الانسان القدرة على التخطيط 

    3-  ان يستحضر الانسان الجدية في العمل 

    4-  ان تكون لديه الحيوية في العمل 

    5-  ان يستحضر الاستمرارية في العمل 

    ونحن اليوم في العراق مثلا لانمتلك هذه الشروط ، ولذلك نحن في دوامة المراوحة ، ومن يراوح في مكانه تسبقه الايام ويسبقه الآخرون .

    والدول والشعوب التي تقدمت حرصت على توفير هذه الشروط لذلك تمكنت من البناء والانتاج ودخلت سوق العمل ، ولكن هذا النجاح سيظل محدودا بالمفهوم الكوني للنجاح ، لان الجانب الروحي لم يستثمر بمواصفات التناغم والتكامل مع المشهد الكوني قال تعالى :” قل لو كان في الارض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا” – الاسراء – 95- وهذه حتمية تعلو على كل الحتميات التي تصورها البشر عبر مطارحات الفلسفة والكلام ، فحتمية علاقة الارض بالسماء هي الحتمية الاصح والاكمل ، وقد غاب معنى هذه الحتمية عن الكثير من الناس لذلك بحثوا عبثا عن حتميات وهمية ، وهذا التخبط الذي نراه اليوم على مستوى السياسة العالمية والاجتماع العالمي مرده الى فقدان تلك الحتمية ، ولذلك نرى النظام العالمي مرتبكا مهزوزا ، ومن مصاديق هذا الاهتزاز  هذا الذي يسمونه مكرا بالربيع العربي .

    ومظاهر الاهتزاز هي :-

    1- ازمات اقتصادية يعانيها من خططوا مكرا لما يسمى بالربيع العربي وهو ليس كذلك وسنتبين من خلال هذه الدراسة معالم وحقيقة هذا المكر وطبيعته ووسائله.

    2- ازمات اخلاقية كبرى جعلت بعض اطراف المكر الجديد يجوزون الزواج المثلي بين الرجال ويقفون حائرين مع مستجدات طفل الانابيب وزراعة الاعضاء ولهذه بحث في غير مكان.

    3- ازمات سياسية تختنق بها المحافل الدولية لعدم صوابيتها مثل عدم الاعتراف بعضوية فلسطين في الامم المتحدة ، والسكوت عن الصناعة الذرية الاسرائيلية التي اصبحت تخزن مئات بل الوف القنابل والصواريخ النووية ، بينما تقوم قائمة دول المكر المشاركة زورا بما يسمى الربيع العربي بالضجيج والعويل واستنفار الرأي العام العالمي المحبط بالشراك الماكر لأميركا واوربا ضد الصناعة الذرية الايرانية وبعض الخطوات التمهيدية في هذه الصناعة الموجودة لدى دول اخرى لاتغرد في المحور الصهيوني الأميركي مثل سورية.

    كل هذه الازمات والتي اذا تحقق واحدة منها فإنها كفيلة بإسقاط من يكون وراؤها ومن يكون سببا لها.

    والحتمية الكونية تقول : ان من يغفل او يتغافل عن قانون الحتمية الكونية فإنه غير مؤهل للقيادة البشرية ، وعلى صعيد السلطة فإنه غير مؤهل للبقاء وتلك سنة يعرفها من يتدبر بشؤون العالم على هدى العقل والتجربة المستحضرة لمكونات النجاح بشروط السنن الكونية.

    قال تعالى :” عسى ربكم ان يرحمكم وان عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا” – الاسراء – 8- ، فالعودة مفهوم يستحضر السنن الكونية وما تملكه من قابلية على التغيير وصناعة الحدث قال تعالى: “وقال الشيطان لما قضي الأمر ان الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فاخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان الا ان دعوتكم فإستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا انفسكم ما انا بمصرخكم وما انتم بمصرخي اني كفرت بما اشركتمون من قبل ان الظالمين لهم عذاب اليم” – ابراهيم – 22-” وتلك القرى اهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا “– الكهف – 59- ، “واذا اردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا” – الاسراء – 16-.

     والفجور والفسوق متحقق اليوم في بقاع كثيرة من الارض مع وجود الاستثناءات ، وتغيير هذه الظاهرة عندما لاتتم بأيدي بشرية مستوعبة لشروط التداول وسنن الحتمية فإنها تتم بوسائل المكونات المحتشدة كونيا والمؤتمرة بطواعية متفردة في الاداء الذي يجعل الانسان نادما عندما يتخلف عن الاداء كما حدث لقابيل عندما سولت له نفسه قتل اخيه هابيل وحصل الندم عندما تعلم من الغراب كيف يواري سوءة اخيه . قال تعالى ” واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق اذ قربا قربانا فتقبل من احدهما ولم يتقبل من آخر قال لاقتلنك قال انما يتقبل الله من المتقين” – المائدة – 27- “لئن بسطت الي يدك لتقتلني ما انا بباسط يدي اليك لاقتلك اني اخاف الله رب العالمين” – 28- “اني اريد ان تبوا بأثمي واثمك فتكون من اصحاب النار وذلك جزاء الظالمين” – 29- “فطوعت له نفسه قتل اخيه فقتله فأصبح من الخاسرين “– 30- “فبعث الله غرابا يبحث في الارض ليريه كيف يواري سوأة اخيه قال ياويلتي اعجزت ان اكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة اخي فأصبح من النادمين” – 31- . ومن هذه التجربة تعلم الانسان عمل القبور وليس كما يدرس لأبنائنا في المدارس عن اسطورة انسان النياندرتال وكيف تعلم بناء القبور بعيدا عن توجيهات السماء بوسائلها المبثوثة في الكون.

    ان اصحاب الوعود الماكرة هم مجموعة الاوربيين الذين دخلوا بلادنا قبل ما يقرب من ” 300″ سنة ويومها كان الاميركيون لايزالوا يحثون الخطى في البناء بمواصفات التداول الموضوعي للسلطة الذي تحدثت عنه الآية القرآنية مستعملة لغة الاطلاق لتشمل كل الانسانية بكل اجناسها واديانها من حيث التداول وتلك حكمة وعدالة ربانية.

    وعندما التحق الأميركيون بركب الدول التي عرفت شرط التداول اصبحوا في المقدمة ولكن بشكل مؤقت ، وكل المؤشرات لدى الباحثين واصحاب الدراسات من اميركيين ومن غيرهم تشير الى التراجع الأميركي الذي ستشهده العقود القريبة ولهم في ذلك ادلة موضوعية.

    ومحور المكر الاميركي والاوربي استحق هذه التسمية للأسباب التالية :-

    1- طريقة التفافهم على ماسمي الرجل المريض وهو السلطنة العثمانية 

    2- المكر البريطاني مع ما سمي بالثورة العربية في مطلع القرن العشرين من خلال الشريف حسين ومن مظاهر ذلك المكر نفيه الى قبرص وتفريق ابنائه بين الاردن والعراق ليخلو الجو للمد الوهابي في الجزيرة العربية لما عرفوا فيه من امكانية لزعزعة وحدة المسلمين نتيجة ما يحويه من آراء تكفيرية وكراهية مبالغ فيها.

    3- مشاركتهم في زرع الانظمة الفاسدة في العالم العربي 

    4- محاولاتهم المستمرة لإجهاض الثورات والتحركات الشعبية مثل: ثورة العشرين في العراق، وحركة ملا حسن عبد الله في الصومال والسودان عام 1919 وحركة المختار في ليبيا ، وثورة المليون شهيد في الجزائر والالتفاف على ثورة 1958 في العراق ، واستقدام السائرين في ركابهم عام 1963 في العراق واجهاض الثورة الفلسطينية بعد ان عملوا على تثبيت الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة ومحاصرة ثورة مصر عام 1952 حتى جعلوا من السادات مطية لماربهم في السلام الكاذب مع اسرائيل التي ما زالت تماطل منتظرة وعودها التوراتية الباطلة التي اصبح قسم من القيادة الأميركية يؤمن بها.

    5- صناعتهم للحروب الوهمية العبثية لاجهاض قوة الامة وزراعة الفتن والخلافات التي استهلكت كثيرا من حيوية العقل العربي والمسلم، والحرب العراقية الايرانية وغزو الكويت من امثلتها.

    6- صناعتهم للادوار الديمقراطية بشكل ظاهري لتمرير اغراضهم واهدافهم كما حدث في العراق الذي تركوه ممزقا تتقاذفه ميول الانقسام والطائفية والعنصرية مع بديل في الحكم ضعيف في كل شيء.

    7- تبنيهم للانظمة الفاسدة واستبعادهم للعناصر الكفوءة المخلصة لشعوبها واوطانها. 

    ومثلما احتضن هذا اللوبي الاحداث العربية في مطلع القرن العشرين وثبت فساد احتضانه لها ، ها هو اليوم يعود لاحتضان الحاجة العربية الشعبية للتغيير نتيجة الضعف الذي تركه متعمدا مستحكما في جسد الامة ومؤسساتها ، ونتيجة ثغرات البنية الثقافية التي عمل على وجودها من خلال المؤسسة التعليمية التي جند لها من خبرائه وعلمائه مما جعل المناهج التعليمية والتربوية تتلاعب بها قوى اخضعت للتاثير الغربي فاخذت قشور المظاهر مما جعلها في حالة تناشز اجتماعي مع محيطها.

    وللتدليل على بطلان هذا الاحتضان يمكن الاشارة إلى ما يلي :-

    1- ارتياح الكيان الصهيوني لما يسمى بالربيع العربي .

    2- اعطاء ادوار لعناصر واحزاب كانت مبعدة ومرفوضة من قبل الحاضن الغربي بقيادة اميركية مما يجعل الشك والريبة لاتبقى نظرية.

    3- السكوت والصمت المعزز بالدعم اللوجستي لعناصر القاعدة الوهابية ومن امثلتها العملية الميدانية ” العراق واحداثه التي ما زالت مفتوحة على احتمالات كثيرة ، وسورية التي اندلعت فيها الاحداث اخيرا والتي يراد منها ان تكون مكملة للحدث العراقي لصناعة الفوضى الخلاقة بتعبيراتهم الموثقة.

    4- الانحياز الفاضح والمكشوف تجاه خيارات شعوب المنطقة في المطالبة بالحرية والعدالة ، والامثلة الصارخة هنا هو المثال ” البحريني” ونظامه المتورط بقتل واضطهاد شعبه وبشهادة لجنة “بسيوني” التحقيقية ، والمسكوت عنها بتعمد واضح ، بينما تتعالى دعاويهم ضد الشعب السوري الذي تقف الغالبية منه مع النظام السوري ، والمثال السوري من الامثلة التي تستجمع كل مظاهر الوعود الماكرة للوبي الغربي في صناعة ربيع عربي تطمئن له اسرائيل ، وتصبح الاستثمارات مفتوحة بشهية جديدة للشركات الغربية التي تفرض حصصها دون مشاورة او مراجعة للجانب العربي مستعينة بالخبرات الفنية والتقنيات التي تملكها وما زيارة بعض النواب الاميركيين المبكرة لبنغازي قبل سقوط القذافي وتصريحات وزيرة الخارجية الاميركية من طرابلس بقتل القذافي ، والزيارة لمبكرة لساركوزي الفرنسي وكاميرون البريطاني الا دليلا على الشهية الاستحواذية للمكر الغربي الذي يعيد نفسه هذه المرة للمنطقة من الشباك والباب معا.

    5- ثم ان الاهتمام بالحدث الليبي من قبل الغربيين دون الحدث التونسي والحدث اليمني تتضح ابعاده من خلال امتلاك ليبيا لمخزون نفطي بينما لايوجد مثل ذلك في كل من تونس واليمن.

    6- أما الاهتمام بالحدث المصري فجاء عبر البوابة التركية المتبرع الجديد لدخول المنطقة عبر شهية السلطنة العثمانية المتمثلة باركان حزب العدالة والتنمية ” اوردغان ، عبد الله رئيس الجمهورية ، ووزير الخارجية داود اوغلو، ولكن الاهتمام بالحدث المصري هو نتيجة العلاقة المباشرة بالكيان الصهيوني والمعاهدات التي وقعت معه وبامدادات الغاز المصري لإسرائيل.

    ومن مشاهد المراقبة لمجريات احداث ما يسمى بالربيع العربي يستنتج ما يلي :-

    1- عدم استقرار اوضاع الدول التي حدث فيها ما يسمى بالربيع العربي .

    2- سيطرة العسكر على مجريات الامور بدعم اميركي خفي.

    3- عقد صفقات مع الاحزاب المخترقة بالوجود الوهابي لتظهر على سطح الاحداث، حيث صرحت الادارة الاميركية عن رضاها عن وصول الاخوان الى الحكم، بينما كان الاخوان مبعدين ومضطهدين من قبل نظام حسني مبارك وبتوجيه اميركي ورغبة اسرائيلية ، وهذ التغيير في المواقف وبهذه السرعة يعني ان هناك اتفاقات جانبية سرية تقوم بها اطراف عربية موالية لاميركا ، وهذه الاطراف متهمة بالتمويل المالي للاحزاب التي حصلت على نسبة عالية من الاصوات في الانتخابات الاخيرة، وهذا الامر لايستبعد نتيجة قيام هذه الانظمة بتمويل الانتخابات في لبنان لصالح طرف معروف بولائه لنظام عربي له حضور طائفي في لبنان .

    4- تذمر بعض الاطراف الليبية من التدخل القطري.

    5- زج بعض الاطراف الليبية التي لم تستكمل بناء الساحة الليبية بعد بالتدخل في شؤون الساحة السورية عبر البوابة التركية مما يجعل ما يسمى بالربيع العربي ساحة للانفلات والفوضى وخلق النزاعات التي تعطل طاقات بلدان المنطقة وشعوبها.

    6- قيام نائب الرئيس الاميركي جو بايدن بزيارة رئيس اقليم كردستان العراق بعد زيارة بغداد مما يدل على عزم الادارة الاميركية على رغبتها الدفينة في تقسيم العراق ولو كانت غير حريصة على ذلك لكان الواجب من منطق دبلوماسي سيادي ان يلتقي برئيس اقليم كردستان العراق في بغداد وليس في اربيل او على الاقل لياقة ان تكون الزيارة مصحوبة بحضور بعض المسؤولين من بغداد.

    7- وتعمد جوبايدن زيارة تركيا والتصريح من تركيا طالبا بتنحي الرئيس السوري وهي مخالفة لميثاق الامم المتحدة في احترام سيادة الدول ، ومما يجعل مثل هذه الدعوات تحول ما يسمى بالربيع العربي الى خريف تذبل فيه كل المفاهيم والقيم ، فكيف لايحترم شعب كالشعب السوري الذي ينزل للشارع يوميا بالملايين طالبا عدم التدخل الخارجي وواقفا مع نظامه وجيشه الموحد وعلماء دينه المسلمين ورجال دينه من المسيحيين الداعمين للنظام فلا يستمع لهم ، ويستمع الى مجموعة ممولة بالمال العربي المتواطىء مع الصهيونية ومسلحة بسلاح لامثيل له في بلاد سورية واعترافاتهم تترى من على شاشة قنوات النظام السوري مما لايدع مجالا للشك بتابعية هذه المجاميع الارهابية وافلاس مشروعها التكفيري وهذا ما عرفه الشعب السوري وبعض اطراف المعارضة السورية الداخلية الذين اكتشفوا سوء النيات وخبث الخطط التي يبشر بها النظام الصهيوني وترعاها الولايات المتحدة الاميركية عبر سفيرها في دمشق وفرنسا، وعبر سفيرها في دمشق وهؤلاء هم ممن زاروا حماة ايام اشتداد الطيش الوهابي الارهابي من خلال العناصر الداعمة في كل من لبنان وتصريحات الطرف اللبناني اصبحت واضحة وفي قطر وقد اتضح موقفها الداعم للجهات الارهابية والسعودية التي امرت رعاياها بمغادرة سورية مما كشف نياتها.

    وبعد كل هذا التخريب الذي شمل كل من :-

    1- العلاقات العربية : حيث جمدت عضوية سورية بالجامعة العربية بطريقة غير قانونية مخالفة لميثاق الجامعة ونظامها الداخلي.

    2- العلاقات الاقتصادية : حيث تعالت صيحات بعض الدول بتذمرها من المقاطعة الاقتصادية مع سورية مثل الاردن لحاجتها للانتاج الزراعي السوري.

    3- العلاقات الاخوية بين الشعوب العربية لوجود اواصر المصاهرة والعمل الوظيفي والحاجة للسياحة بكل انواعها الترفيهية والدينية ، مما سيخلق حالة من التباعد لامبرر لها.

    4- ان تصريحات راشد الغنوشي بعدم وجود شيء في الدستور التونسي ضد اسرائيل ، ثم تأكيده على انه لم يقل يوما ان اميركا هي الشيطان الاكبر يكرس لغة الاعتذار التي كانت من خطابات مرحلة الخضوع والهيمنة لاصحاب المكر الموغل في فساد هذه المنطقة.

    5- وتصريحات برهان غليون القائلة: بأنهم عندما يستلمون السلطة سيقطعون علاقتهم بحزب الله في لبنان وحركة حماس في فلسطين وبايران هي عربون الاستجداء المذل للدخول في خانة المكر المكرس لسلب هوية الامة وتمزيقها .

    6- وقيام بلحاج في ليبيا بتبرعه بتقديم المسلحين الى تركيا ليقوموا بايجاد منطقة عازلة بين سورية وتركية هي لعبة هزيلة لا يشم منها إلا رياح الطائفية والتخلف وتمزيق المنطقة حتى يظل اصحاب المكر الغربي هم المتحكمون بسياساتها وهم المستثمرون لخيراتها . فهل هذا هو الربيع العربي . الربيع العربي هو الخلاص الحقيقي من انظمة التسلط والتخلف والتبعية ، وتصدي القواعد الشعبية بقياداتها الوطنية لادارة شؤون البلاد واشاعة الحرية والعدالة والدعوة الى انتخابات نزيهة بعيدا عن المحاصصة والتدخلات الاجنبية وتأثيرات المال الذي افسد اغلب تجارب الديمقراطيات الولود، مما جعلها تنشغل بخلافات مصطنعة فضيعت بوصلة الامن والاستقرار وفتحت الباب مجددا للتدخلات الاجنبية التي تختزن المكر في سلوكها ونياتها تجاه شعوب المنطقة والمراقب لسلوك السفارة الاميركية في لبنان ولحركة مساعد وزير الخارجية فيلتمان مع بعض الاطراف اللبنانية يكتشف حقيقة هذا المكر ، أما في العراق ، فإن تحركات السفارتين البريطانية والاميركية تجاه العشائر والكتل والاحزاب والاقاليم هي من الفصول التي تترجم المكر التاريخي المختزن والذي اصبح عقدة لدى تلك الدول تجاه المنطقة العربية.

    وهكذا نرى ان الحدث الذي يباعد الاخوة ، ويدمر الاقتصاد ، ويشل التواصل الانساني ، ويخلق حالة من الكراهية لايمكن ان يسمى ربيعا.

  • الصحة والمجتمع

    وأذا مرضت فهو يشفين | قرآن كريم

    العلم علمان : علم الأديان وعلم الأبدان | حديث شريف

    نعمتان لاتقدران : الصحة والأمان | الإمام علي

    تهتم الدول والشعوب اليوم بالصحة , ويعتبر التأمين الصحي من أولى برامج الآنتخابات في الدول المتقدمة .

    ويأتي هذا ألاهتمام من الحاجة الحقيقية الملازمة لكل المراحل العمرية .

    وهذه الحاجة هي التي تكمن وراء ألانتاجية للآفراد نساء ورجالا وأطفالا .وألانتاجية : هي التعبير عن وفرة العمل وأرتفاع وتيرة الجودة التي أصبحت معيار النظر للتقويم اليومي وألاسبوعي والشهري والسنوي .وجودة العمل ينظر لها ليس في ربحها ونجاحها الدنيوي فقط وأنما ينظر لها من حيث قبولها في ميزان ألاعمال التي تكتب في صحيفة ألافراد بطريقة لايأتيها الباطل من أمامها ولا من خلفها ” وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ” ” وقل أعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ” ” من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى ألا مثلها ”

    ولو أعطينا العمل الصحي هذا المفهوم لما أحتجنا الى البطاقة الذكية , ولما أزدادت عندنا اللجان التحقيقية , ولما أصبحت أقسام الشكاوى متخمة بالهموم التي تتجاوز طاقتها .أن الحاضنة الحقيقية للعمل الصحي هي المجتمع , ومن علامات رضا الحاضنة ألاجتماعية للعمل الصحي هو ألاكتفاء الذاتي بنسب معقولة وليست مطلقة , والسؤال المطروح علينا هنا هو :-

    هل حققنا الحد ألادنى من ألاكتفاء الذاتي ؟

    وسيأتي الجواب سريعا مباغتا وصاعقا : كلا

    وموضوعية النفي هذا تتضاعف مسؤوليتها عندما نراجع الحقائق التالية :-

    1-  وجود ميزانية ضخمة تقدم من الدولة للعمل الصحي .

    2-  تصاعد وتيرة ألابنية الجديدة على مستوى المراكز الصحية والمستشفيات .

    3-  تصاعد نسبة التجديد في أستيراد ألاجهزة المتطورة لتلبي حاجة المريض والعمل الفني الطبي .

    وحقيقة النفي لعدم تحقق ألاكتفاء الذاتي في العمل الصحي مرده الى الحقائق التالية :-

    1-  فوضى ألاداء نتيجة أنعدام المسؤولية الذاتية للغالبية من العاملين في المجال الصحي .

    2-  أنخفاض المستوى العلمي للبعض يشوه الصورة لدى المريض والمواطن عن الجميع ويعمل على فقدان الثقة .

    3-  ونتيجة لذلك أصبح التذمر من واقع ألافراد العاملين في المجال الصحي بكل قطاعاته العامة والخاصة موضع حديث الناس .

    4-  ولذلك بدأت أفواج المرضى الباحثين عن الشفاء تتجه الى الدول المجاورة وغير المجاورة , وأصبحت لدينا مكاتب سمسرة تصطاد أصحاب الحاجة من المرضى لآغرائهم بالعلاج بالهند مثلا رغم تكاليف السفر وصعوبتها .

    5-  وأصبح بعض أطباء ألاسنان في عياداتهم الخاصة يرسلون طبعات ألاسنان الى مختبرات سورية مثلا .

    6-  وأصبح لدينا بعض ألاطباء من يضطرون مرضاهم لآجراء العمليات في المستشفيات الخاصة تحقيقا للربح على حساب المريض وشرف المهنة .

    7-  وأصبحت لدينا أقطاعيات أنتهازية نهمة تصادر سمعة المسؤولية ألادارية للمؤسسات الصحية من خلال أستغلالها حاجة النساء الحوامل في صالات الولادة تحديدا , فأصبحت الرشا والسمسرة تدار من خلف ظهر تلك المسؤوليات وخصوصا بعد أوقات الدوام الرسمي وفي الخفارات الليليلة .

    8-  وأصبحت لدينا صيدليات ومختبرات تعمل بالسمسرة بعيدا عن أنسانية المهنة .

    9-  وأصبحت لدينا بعض ألاختصاصا ت الهندسية تتواطأ مع بعض المقاولين على حساب ألامانة في العمل .

    10- وأصبح لدينا بعض من تأتمنهم الجهات ألادارية للعمل في لجان الشراء والمتابعة يتواطئون مع بعض التجار .

    لهذه ألاسباب جميعا يأتي النفي بعدم حصول ألاكتفاء الذاتي في المجال الصحي الذي ينتظر منه المجتمع : ألاخلاص وألامانة والمحبة لنبني دولتنا بمستوى حضاري يليق بنا بأعتبارنا نؤمن بخطاب السماء وننتمي الى تيار ألايمان الذي لم نعطه حقه من خلال تقصيرنا في مهمتنا الصحية , بحيث أصبح هذا التقصير عيبا يسجل علينا في الدنيا وألاخرة .

    Alitamimi5@yahoo.com

  • ثورة الأمام الحسين (عليه السلام) والمشكل المعرفي

    (وإذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الأرض خليفة ، قالوا اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال اني اعلم ما لا تعلمون)  البقرة -30- هذا أول اشكال معرفي واجه خطاب السماء، وكان صادرا من الملائكة لأنهم مخلوقات تحتاج الى الكمال المطلق وهو الله تعالى، ولذلك نراهم اسرعوا بعد اشكالهم ذلك الى الاذعان والتصديق والاعتراف بأنهم لا يعلمون إلا ماعلمهم الله سبحانه وتعالى ” قالوا سبحانك لاعلم لنا إلا ماعلمتنا انك انت العليم الحكيم ” البقرة -32- 

    لكن المشكلة المعرفية ظلت تواجه الحركة البشرية باتجاه اكتشاف المجهول، ولكن تلك الحركة العقلية عند البشرية كانت تقع احيانا في شراك العاطفة والشهوة ، فيفسد عليها رؤيتها فيتم التراجع ، وهذا ما يفرق بين الملائكة والبشر، فالملائكة موجودات عقلية مجردة من العاطفة والشهوة ومع اختصاصها بالعقل بالفعل الذي هو دون العقل الفعال الذي هو للواجب المطلق وهو ” الله ” لذلك نراهم اخفقوا في معرفة سر الخلافة البشرية للأرض.

    وعندما تعرضوا للامتحان والاختبار من قبل الحكيم المتعال وهو الله الذي يعلم ما في السماوات والارض، تراجعوا عن اشكاليتهم واستسلموا استسلام العقل المحدود للعقل الكامل. والاستثناء كان لإبليس الذي كان من الجن ” واذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ابليس ابى واستكبر وكان من الكافرين”  البقرة -34-

    من هنا تبدأ قصة المعرفة والاشكاليات التي تواجهها.

    لذلك نرى الاشكاليات البشرية ظلت تترى وتتوالى مواجهة انبياء الله عبر كل المراحل، قال تعالى ” ان الذين كفروا سواء عليهم اانذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون”  البقرة -6- . ثم اعطانا القرآن صورة استباقية عن الامراض الاعتقادية التي يقع فيها بعض الناس فقال ” ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين”  البقرة -8-. ثم شرح لنا تفاصيل هذه الصورة الملتوية في السلوك والتي سيكون لها تفرعات واسماء كثيرة سيجد علم النفس حقلا واسعا من الاختبارات كما سيجد علم الاجتماع نفسه معنيا بالتصنيفات التي رافقت التدافع البشري عبر التاريخ ، قال تعالى ” يخادعون الله والذين امنوا وما يخدعون إلا انفسهم وما يشعرون”  البقرة -9- . ثم يبدأ بتشخيص طبيعة ذلك المرض فيقول ” في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب اليم بما كانوا يكذبون” البقرة

    -10- .

    فإذن تبدأ الاشكالية: بأن بعض الناس يقعون باشكالية ” المخادعة ” وهذه المخادعة في ظنهم هي كما يلي :-

    1-  يخادعون الله اولا

    2-  ثم يخادعون المؤمنين ثانيا

    3-  ولكنهم يخدعون انفسهم كنتيجة لممارسة فعل الخديعة 

    وبعد تحقق هذه النتيجة بحق الذين لم يؤمنوا ايمانا حقيقيا مما يتحقق بحقهم الصفات التالية :-

    1-  هم مرضى القلوب

    2-  هم مفسدون في الأرض

    3- ونتيجة لذلك هم السفهاء لانهم ليسوا ممن يعلمون ، ولاحظنا ان القرآن الكريم استعمل كلمة ” لا يشعرون ” تجاه فعل المخادعة لانها فعل نفسي مريض ، بينما استخدم كلمة ” لا يعلمون تجاه السفاهة لان السفاهة مبنية على حجج واهية لاتستند الى دليل عقلي لذلك من يمارس السفاهة فهو ليس من اهل العلم والدراية ، وسنجد في دراسة ظاهرة ثورة الإمام الحسين والمعترضين عليها انهم ممن وقع في فعل المخادعة لنفسه من حيث لايشعر، وانه ممن وقع في فعل السفاهة من حيث لا يعلم ولهذه الحالة دراسة يطول شرحها قال تعالى ” وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا انما نحن مصلحون”  البقرة -11-” الا انهم هم المفسدون ولكن لايشعرون”  البقرة -12- ونلاحظ هنا ان القرآن الكريم اضاف صفة لايشعرون للمفسدين مثلما اضافها للمخادعين ، وقال تعالى ” وإذا قيل آمنوا كما آمن الناس قالوا انؤمن كما آمن السفهاء الا انهم هم السفهاء ولكن لايعلمون”  البقرة – 13- ثم تظهر لنا صفة جديدة تدخل في قاموس الاشكاليات التي تواجه المعرفة وهي ” الاستهزاء ” وهي من الاشكاليات التي سنجدها تواجه ثورة الإمام الحسين على مستوى مشروع الثورة ايام الإمام الحسين والتي عبر عنها الشاعر الفرزدق عندما قال : قلوبهم معك وسيوفهم عليك ” وتلك الصفة التي تستجمع النفاق والجهل هي صفة الذين يوجهون الانتقادات لثورة الإمام الحسين كما يوجهون الانتقادات لمناسبات احيائها بعيدا عن الملاحظات البناءة التي ذكرناها في دراسة ” ثورة الإمام الحسين بين تطرفين ” حيث وجدنا الذين في قلوبهم مرض ما زالوا على مرضهم فلم يتزحزحوا وينظروا بعين العقل والموضوعية فراحوا يطلبون منا ما هو ليس من صميم الدراسة التي لا نريد تحولها بعيدا عن مسارها الفكري علما بأننا قد بينا رأينا في أكثر من مناسبة ودراستنا عن ” الاخطاء الثقافية الشائعة ” وفي دراسة ” الاحزاب الدينية ” من ضمن مسلسل ” المنخفض الثقافي “.

    ولقد خصصت الآيات القرآنية امثلة مستلة من المشاهد الطبيعية التي تزخر بها الطبيعة والتي تحاصر الناس بالكثير من التحدي ومن امثلة تلك المشاهد وهي ظواهر فيزيائية لها تأثير على المشاعر التي تعتمل في النفس البشرية مثل :-

    1-  الظلمات

    2-  الرعد

    3-  البرق

    4-  الصواعق

    5-  وقد جمعها اصطلاح ” كصيب من السماء ”

    ثم بينت الآية القرآنية العلاقة النفسية فقالت ” يكاد البرق يخطف ابصارهم كلما اضاء لهم مشوا فيه وإذا اظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب الله بسمعهم وابصارهم ان الله على كل شيء قدير” – البقرة – 20-.

    والاشكالية المعرفية التي سنتحدث عنها والتي واجهت ثورة الإمام الحسين وما زالت تواجهها بالمزيد من التخرصات والحجج الباطلة هي نسخة من تلك الاشكاليات التي واجهت نظرية السماء وخاطبها المكرس لرحمة الناس، وسأستعرض قسما منها حتى يتضح مقدار العلاقة بين تلك الاشكاليات التي واجهت خطاب السماء والتي واجهت خطاب ثورة الإمام الحسين باعتبارها التعبير المتجلي عن رؤية العقيدة الاسلامية كما جاء بها رسول الله “ص” قال تعالى :-

    1-  “وقالوا قلوبنا في اكنة مما تدعونا اليه وفي اذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل اننا عاملون” – فصلت – 5- وقد حدث هذا مع رسول الله من قبل كفار قريش الذين لايزال البعض يحتج بهم لعدم قبول ولاية علي بن أبي طالب بحجة قول عرب قريش انه ” قاتل العرب ” من هنا تبدأ الاشكاليات المعرفية ، فهؤلاء فاتهم انه من قتلة علي بن أبي طالب لم يكن برغبة منه وانما كان على الشكل الاتي :-

    ا‌-  بأمر من الله ورسوله

    ب‌- وانهم جميعا كانوا من الكفرة مثل : عمر بن ود العامري في معركة الخندق

    ت‌- والكفرة المحاربون لله ورسوله في : معركة بدر الكبرى ، ومعركة احد

    ث‌- ومن اعترضه من جماعة أبي سفيان عند الهجرة من مكة إلى المدينة بأمر من رسول الله “ص”

    ج‌- وفي فتح حصن خيبر الذي عجزت الكتائب التي ارسلت من المسلمين لفتحه حتى اعطى رسول الله “ص” الراية لعلي بن أبي طالب فتم الفتح . وهذا ليس حديثا طائفيا ولكن تأكيدا لامانة تاريخية تقاعس البعض عنها والسبب يعود للاشكال المعرفي الذي نحن بصدده.

    2- “إذ جاءتهم الرسل من بين ايديهم ومن خلفهم الا تعبدوا الا الله قالوا لوشاء ربنا لأنزل ملائكة فانا بما ارسلتم به كافرون” – فصلت – 14- ومن هذه الآية الكريمة تبدأ قصة الامم والشعوب التي وقعت ضحية الاشكالات المعرفية التي سبقت كل العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يتذرع بها البعض وعلى صحة بعضها إلا ان العامل المعرفي يسبق الجميع.

    3- “فاما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا نحن أشد قوة ولم يروا ان الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون” – قصلت – 15- وهنا يظهر مفهوم الاستكبار كحالة ملازمة للاشكالية المعرفية حيث تصبح القوة محلا للاشكال والفهم وتقود الى التجبر ومصادرة حقوق الآخرين وقد رأينا هذه الحالة تجسدت في كل الحكام والملوك والسلاطين الذين لم يحكموا بما أنزل الله سواء من كان منهم مسلما أم غير مسلم . فإشكالية القوة هي اشكالية معرفية وهذا المفهوم الخاطئ هو الذي طغى على من حارب الحسين معتمدا على قوة العصابة الاموية مثل عمر بن سعد وزياد أبن ابيه وشمر بن ذي  الجوشن . ومن لم يؤازر الحسين رغم احترامه له مثل عبد الله بن عباس ومجموعة من ابناء الطالبيين .

    4-  “فأرسل عليهم ريحا صرصرا في ايام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الاخرة اخزى وهم لاينصرون” – فصلت – 16- وهذه الآية تظهر اشكالية معرفية لم يستوعبها البعض ترتبط بقدرة الله التي تربط الظواهر الطبيعية بمجريات التدافع الاجتماعي ، وهذه الاشكالية هي التي جعلت البعض لايستوعب خطابات مثل – امطرت السماء دما عبيطا- وهو تشبيه مجازي يراد منه بيان غضب السماء من حالات الارتداد والعمل الباطل والقول الفاحش الذي عبرت عنه الآيات في مقام قول الذين كانوا يقولون ولد الله او ان عيسى أبن الله ، فقال تكاد “السماوات يتفطرن من فوقهن ” .

    5- ” وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون ” – فصلت – 17-.

    6- ثم تتحدث الآيات القرآنية عن نهاية من يقعوا فريسة الاشكال المعرفي في الحياة الدنيا فتكون عاقبتهم النار وتشهد عليهم كل من :-

    ا‌-  سمعهم

    ب‌- ابصارهم

    ت‌-  جلودهم

    وهذه الشهادة في اليوم الآخر هي تحقيق واثبات للمعرفة التي غابت عن الذين كفروا بالله وبرسله وملائكته وبما انزله الله من كتب ومنها القرآن الكريم قال تعالى ” حتى إذا جاؤها شهد عليهم سمعهم وابصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون” – فصلت -20- وقال تعالى ” وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم مابين ايديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والأنس انهم كانوا خاسرين” – فصلت – 25- ومن خسارة اصحاب الاشكال المعرفي ما يحدثنا عنه القرآن الكريم حيث يقول ” وقال الذين كفروا لاتسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون” – فصلت – 26- ونحن اليوم نجد البعض البائس ممن يقول لقد تجاوز الزمن هذا القرآن فهم بهذه الحجة الواهية الساقطة معرفيا يغرون من هم على هواهم بالاعراض عن القرآن وبالتالي بالاعراض عن ثورة الإمام الحسين باعتبارها تنطلق من حقائق القرآن وتدعو اليه متمسكين ببعض المظاهر الباطلة والشوائب التي ادخلها البعض على ثورة الإمام الحسين وهي ليست منها وقد شرحناها في دراسة ” ثورة الإمام الحسين بين تطرفين “.

    والاشكاليات المعرفية التي تواجه ثورة الإمام الحسين اليوم هي الاشكاليات المعرفية ذاتها التي واجهتها في مهدها ولكن طرأ عليها غسيل دماغ كبير راح ضحيته من اخذ الحديث والرواية من غير اهلها ، ومن تفقه قبل آوانه فكان مثله كمثل الحصرم عندما تقطعه يظل حصرما ولا يصبح عنبا وقد عبر عن هذه الاشكالية ابو العلاء المعري عندما قال :-

    اجاز الشافعي فعال شيء

                   وقال ابو حنيفة: لايجوز 

    فضاع الشيب والشبان منا

                   وما اهتدت الفتاة ولا العجوز 

    وخير من عبر عن الاشكالية المعرفية في القرن السادس الهجري هو العلامة الزمخشري صاحب تفسير الكشاف وهو من علماء أهل السنة والجماعة حيث اختصر تلك الاشكالية المعرفية شعرا حيث قال :

    إذا سألوني عن مذهبي لا ابح به

                  واكتمه كتمانه لي اسلم 

    فإن حنفيا قلت قالوا بأنني

                    ابيح الطلا وهو الشراب المحرم 

    وإن مالكيا قلت قالوا بأنني

                   ابيح أكل الكلاب والكلاب هم هم 

    وإن شافعيا قلت قالوا بانني

                      ابيح نكاح البنت والبنت تحرم 

     وغن حنبليا قلت قالوا بأنني

                              ثقيل …… مجسم 

    وإن من أهل الحديث وحزبه

                  يقولون تيس ليس يدري ويفهم 

    تحيرت من هذا الزمان وأهله

                     فما احد من السن الناس يسلم 

    فاقصاني زماني وقدم معشرا

                       هم لا يعلمون ….. وأعلم 

    وهذه الابيات الشعرية اهديها لكل الذين علقوا على ماكتبناه في ثورة الإمام الحسين بدون علم وكالوا لنا تهم الطائفية وهم غرقى فيها وتورطوا في الادعاء على الآيات القرآنية التي ستكون خصما لهم يوم القيامة.

    ويمكن ايجاز الاشكالات المعرفية التي واجهت ثورة الإمام الحسين وهي كما قلت تمثل الاشكالات المعرفية التي واجهت خطاب السماء ولكن بلون جديد وأساليب جديدة ولكن الخلفية واحدة من حيث :-

    1-  ظاهرة النفاق

    2-  ظاهرة الازدواجية الشخصية

    3-  ظاهرة الجهل المعرفي

    4-  ظاهرة الاستهزاء

    5-  ظاهرة الاستكبار والتعالي التي مثلها في قديم الزمان نمرود وفرعون وقارون ، ومثلها في العصر الحاضر كل الانظمة الطاغوتية المستبدة التي سحقت المستضعفين وحاولت دون جدوى منع زيارة الإمام الحسين ومنع احياء ذكرى ثورته العالمية التي دوت اصداؤها في ارجاع العالم حتى أصبح عشاقها من كل الديانات  ومن كل الاجناس والاعراق .

    ومن أهم الاشكاليات المعرفية التي واجهت ثورة الإمام الحسين هي:-

    1- إنكار مفهوم العصمة كما ارادته السماء 

    2- إنكار مفهوم الخلافة كما ارادته السماء واخبر به رسول الله “ص” وكتب الصحاح والمسانيد مليئة به وان حرفت في بعض كتب المتأخرين .

    3- إنكار مفهوم الإمامة كما نصت عليها الآيات القرآنية ولكن غسيل الدماغ سبق افهام الذين غرروا بمن لا يستحق الفتوى وليس جديرا بها في مقابل من هو الجدير وسجل الامة حافل بذلك ولكن البعض لايريد ان يقرأ وقد عبر عن ذلك الشاعر أبو العلاء المعري والعلامة الزمخشري وهم ليسوا من الشيعة ، وقد رأينا من ينكر وجود الاشهر واسمائها بالعربية ناسيا ان النص قرآني وقد اخبرنا بان عدة الشهور عند الله هو هذا العدد ومنها اربعة حرم من يوم خلق الله السماوات والأرض ومرد هذا التخلف هو الأخذ ممن لايجوز الأخذ عنهم مع وجود النص ومع وجود الأعلم الذين حددهما القرآن ” الراسخون في العلم ” ولا يستطيع احد ان يدعي بعد رسول الله من غير ائمة أهل البيت بانه من الراسخين في العلم والتجارب والحوادث التي مرت على المسلمين مع غيرهم كشفت ذلك لأهل العلم أما الذين مازالوا في سبات فسباتهم لا يعفيهم من المسؤولية قال رسول الله “ص” : لله على الناس حجتان : حجة ظاهرة وهي ارسال الرسل وانزال الكتب وحجة باطنة وهي العقل .

    4- رأينا البعض يقع في اشكالية فهم الغيب ومعناه وهذا من أكبر الاشكاليات المعوقة للمعرفية في مختلف الابواب المعرفية ، ولا أحد يناقش في الواضحات لان النقاش يتحول الى سفسطة ، فالغيب وعلمه مطلق لله تعالى ولكن العقل يقول وقد اخبرنا قبل ذلك القرآن وما بينه رسول الله من ان بعض الغيب قد يكشف للنبي والنبي يخبر به من باب قيام الحجة كما فعل صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في حجة الوداع .

    حيث نقل لنا سلمان الفارسي الصحابي الجليل ما اخبر به النبي صحابته من مغيبات تأتي في آخر الزمان ومنها وقوع كثرة العقوق ، وكيف يكون حج التجار وحج الفقراء وكيف تكون العلاقات بين الدول وكيف تنزل الامطار في غير وقتها وكيف تكون النساء وكيف يكون الحكم واصحابه كانوا يتعجبون ويقولون او يحدث هذا يا رسول الله .

     ثم من منا ينكر ما اخبر به رسول الله يوم ضرب الصخرة في الخندق وكيف اخبرهم بسقوط ملك الفرس والروم وقد استهزا اليهود بذلك ، ثم من ينكر ما كان عليه عيسى “عليه السلام” من اخباره لبني اسرائيل عما يخبئون ويدخرون في منازلهم وهو سر وغيب لا يعلمه إلا الله وصاحب المنزل ولكن الله كشف ذلك لنبيه عيسى حتى يكون قوي الحجة بين قومه من بني اسرائيل ، فعلى الذين ينكرون فتح بعض ابواب الغيب لرسول الله والائمة الاطهار ان يعيدوا حساباتهم وان لايظلوا متحجرين على اقوال ومزاعم بعيدة عن فهم القرآن وعلومه وقد عرف أهل البحث والعلم ان احدهم لم يكن يعرف معنى ” ابا” والبعض الآخر لم يكن يعرف هل الخمر محرم في كتاب الله أم لا ؟.  

    حتى اجابه الإمام الرضا من أهل البيت .

    5- هذه اهم المحطات المعرفية التي شكلت حاجزا واشكالا معرفيا في مواجهة ثورة الإمام الحسين عند الذين لم يتخلصوا من المنخفض الفكري الذي وقعوا فيه والذي لخصه العلامة الزمخشري..  

  • بايدن والزيارات المتكررة !

    نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن هو صاحب فكرة المشروع التقسيمي للعراق،

    وزياراته المتكررة للعراق تخفي ورائها أشياء كثيرة تسرب بعضها وظل البعض الأخر طي الكتمان ولاسيما تلك التي تتم مع القيادات الكردية في الإقليم المتوج بالرغبة الأمريكية ذات الاتجاهات المتعددة والتي بدأت تتكشف عبر الأزمة السورية التي وضع الجميع أوراقه فيها على الشكل التالي :-

    1-  سقوط أقنعة من يدعم الإرهاب الذي ذقنا مرارته في العراق ومازلنا، والآن يدفع الشعب السوري ضريبة الرفض التي عرف بها الموقف السوري عبر محطات أصبحت جزءا من تاريخ المنطقة .

    2-  وضوح الخيار الأمريكي المضحي من أجل الأمن الاسرائيلي بتبني فصيل القاعدة المتغلغل في أوساط التنظيمات المتشعبة عن حركة الإخوان المسلمين والسلفية عبر المحطات التالية :-

    أ‌- المحطة المصرية : أعطاء الضوء الأخضر للمؤسسة العسكرية بالتصدي وإمتصاص احتجاجات الشعب المصري بطريقة تفرغها من أغلب توجهاتها ثم أعطاء الضوء الأخضر لوصول التنظيمات التي كانت محظورة أيام حسني مبارك بتوجيه أمريكي لرغبة إسرائيلية , علما بأن بعض تلك التنظيمات أصبح للقاعدة حضور فيها .

    ب‌- المحطة الليبية : أعطاء الضوء الأخضر للمجلس الليبي بأقامة علاقة مع مجلس اسطنبول لبعض المعارضة السورية في الخارج في الوقت الذي لم ينهي المجلس الليبي تنظيم وترتيب الوضع الداخلي الليبي بعد مقتل القذافي ؟ ثم قيام وزيرة الخارجية الأمريكية بإعطاء التوجيهات للمجلس الليبي التي كان منها قتل القذافي.

    ت‌- المحطة التونسية : تكرار المشهد المصري بتصدي الجيش وإعطاء الضوء الأخضر لوصول التنظيمات التي أصبح للقاعدة حضور فيها بعد أن كانت محظورة عليها المشاركة في الحياة السياسية التونسية .

    ث‌-  المحطة التركية : من خلال التغيير السريع لبوصلة العلاقة التركية السورية من الصداقة والتعاون والانفتاح الى العداء العلني الذي حرق كل مراحل العمل الدبلوماسي الى نصب الدرع الصاروخي في الأراضي التركية الى التهديد بإيجاد منطقة عازلة على الحدود التركية السورية تمهيدا للتدخل العسكري بعد أن فشل المخيم التركي من خلال ملف النساء المغتصبات وعودة بعض المعارضين الذين اكتشفوا على الأرض زيف ألادعاءات من قبل المعارضة السورية في الخارج ومن قبل الحكومة التركية ومن أهم الأسماء والوجوه التي ظهرت على الفضائية السورية تعلن ندمها هي:-

    1- المقدم حسين الهرموش

    2-  الرسام صيطوف

    3-  الشيخ أحمد أمام مسجد في درعا

    4-  المهندس يحيى العكش

    5-  مجموعة عائلة آل الحلاق من حمص

     ج‌-المحطة اللبنانية : من خلال توجيه تيار المستقبل التابع للحريري بنقل إمدادات السلاح والمال عبر وادي خالد والقرى المتداخلة على الحدود السورية اللبنانية والذي توج الحشد الإعلامي له عبر ما سمي بمهرجان طرابلس وهذا الخط هو الذي يتلقى التوجيه المباشر من السعودية , مع العلم أن الحكومة اللبنانية لم توقع على عقوبات الجامعة العربية للشعب السوري .

    وهكذا تتضح صورة المشهد الذي تحركه الولايات المتحدة الأمريكية وإذا أضفنا الى هذا المشهد تحرك بعض بوارجها الى البحر المتوسط قبالة الساحل السوري.

    ومن خلال هذه الصورة يمكن قراءة الزيارة المفاجئة لجو بايدن نائب الرئيس الأمريكي للعراق عشية انسحاب القوات الأمريكية الذي لم يكتمل بعد.

    فدولة تحرك أساطيلها وتنظم خارطة الطريق للتابعين لها وهم كل من :-

    1-  تركيا أوردغان  

    2-  دول مجلس التعاون الخليجي والملتحقين الجدد بها مثل : الأردن والمغرب

    3-  الجامعة العربية

    4-  المجلس الليبي الجديد

    هذا التسارع المستفز أفرز مواقفا جديدة لكل من :-

    1-  إيران التي هددت بضرب الدرع الصاروخي في تركيا أذا ضربت منشآتها وقد كانت قد أعلنت قبل هذا ضربها لدويلة اسرائيل أذا تعرضت لآي اعتداء .

    2-  روسيا التي حركت سفنها العسكرية باتجاه ميناء طرطوس السوري ثم هددت بمنع أي تعرض لسورية .

    3-  تعاطف كل من البرازيل والهند والصين وكوريا مع الموقف السوري.

    4-  إمكانية الاستفادة من حيوية الخط الجغرافي الممتد من الصين، روسيا، إيران مرورا بالعراق الذي رفض المقاطعة العربية لسورية وصولا الى لبنان الذي رفض المقاطعة العربية لسورية .

    ومع وضوح وبلورة الصورة على ضوء الفرز الدولي الذي صاحب الأزمة السورية فأن زيارة السيد جو بايدن تصبح في المربع الأخير تتحرك في غير محيطها بعد وضوح أدواتها في الأزمة السورية التي لا يمكن أن يكون العراق طرفا وخصما فيها لسورية الجارة الوفية للشعب العراقي .

  • أحزاب المنخفض الثقافي.. الأحزاب الدينية مثالا

    “فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم” مريم – 37.

    “شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ان أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه” القرآن الكريم.

    “يا ايها الذين امنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون” القرآن الكريم.

    “ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم” آل عمران -105.

    “أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وانتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون” البقرة – 44.

    “يا عبيد الدنيا لا تكونوا كالغربال يهرب الدقيق من بين يديه وتعلق به الشوائب” من وصايا السيد المسيح.

    لحساسية هذا الموضوع وعدم وقوع الخلط فيه: أؤكد من البداية ضرورة الفصل بين الدين كرسالة مقدسة ومنهج حياة ومشروع انقاذ للحياة البشرية، وبين الاحزاب التي اتخذت اسماء دينية او نسبت نفسها للدين ولم تقدم النموذج الديني كما ارادته السماء.

    وحديثنا عن الاحزاب التي تتصف بالمنخفض الثقافي كان قد استهل بالحديث عن الاحزاب العلمانية واخترنا نموذجين من تلك الأحزاب التي تعيش المنخفض الثقافي في فكرها وفي ممارساتها وتطبيقاتها فكان حزب البعث، ثم كان الحزب الشيوعي العراقي من أمثلة الأحزاب العلمانية المنخفضة ثقافيا وسياسيا، وفي هذه الحلقة وهي الخامسة نتحدث عن الأحزاب الدينية ومنخفضها الثقافي في التطبيق فقط وليس في الفكر الذي تدعي الانتساب له وهو ادعاء تفضحه الممارسات ويكذبه التطبيق، ومن هنا أحب ان أؤكد على قضية عقائدية في غاية الأهمية: وهي ان المنطلقات الفكرية للدين هي الصناعة الحقيقية للاجتماع المتوازن وللحكم الناجح عالميا فان فشلت أحزاب هذه المرحلة في التطبيق فان المستقبل مفتوح لولادات اجتماعية سياسية وحزبية قادرة على التطبيق الأحسن والأتم والأصلح لمشروع السماء لأهل الارض من خلال أطروحة “ذلك الدين القيم” بينما لا تمتلك الأحزاب العلمانية مثل هذه الصفة. 

    وهذه الدراسة تشمل جميع الاحزاب التي انتسبت في الظاهر للدين سواء كانت اسلامية، او مسيحية، او يهودية، ولكننا ولضرورات الحالة التي نمر بها وواقع العمل السياسي والحزبي في العراق ستكون دراستنا معنية بالاحزاب الدينية التي تنتسب في الظاهر للاسلام.

    ثم نذكر القارئ والمتابع ومن يهمه الأمر من الأحزاب الدينية: ان اول من شخص سلبيات المتدين وانتقدها بشدة هو القرآن الكريم ولذلك توجنا دراستنا باربع آيات قرآنية كريمة للدلالة على المعنى مثلما ذكرنا قولا للسيد المسيح ينتقد فيه المتدينين من اتباعه. قال تعالى: “فلما احس عيسى منهم الكفر قال من انصاري الى الله قال الحواريون نحن انصار الله امنا بالله واشهد بانا مسلمون –آل عمران – 52- ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين -54- هذا الانتقاد كان موجها لمن كان مع عيسى ممن لم يلتزموا بتعاليم الله التي انزلها على عيسى، أما مع موسى عليه السلام فسنجد الكثير من اللوم والتقريع بحق من خالف موسى ومن اتبعه ولكن بطريقة ملتوية كما هي عليه ظاهر الأحزاب المتدينة التي نشهد سوء التطبيق لديها قال تعالى:” قل يا اهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تفعلون” – آل عمران – 98- وقال تعالى “قل يا اهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من امن تبغونها عوجا وانتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون – 99- آل عمران – ومع كل التقريع والوعيد بالانتقام من الظالمين، الا ان المنهج الإلهي هو منهج العدل لذلك نراه يستثني من أهل الكتاب النخبة الصالحة التي لم تتورط بما جرى على أيدي الظالمين منهم قال تعالى “ليسوا سواء من أهل الكتاب امة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون – 113- آل عمران – وسيجد القارئ كذلك اننا نستثني المعتدلين الصالحين ممن هم من أفراد الأحزاب الدينية، ولكنهم ليسوا بأصحاب قرار في تلك الأحزاب، وهؤلاء ينطبق عليهم قوله تعالى “ولا تزر وازرة وزر اخرى” ولكن بعد ان يكون لهم من الرفض وعدم القبول للمقاييس الباطلة التي تمارسها القيادات او تسكت عليها، او تمارسها الجهات النافذة بتغطية من القيادة. 

    وسنجد ان القران أسس قاعدة لمعرفة المنخفض الثقافي عند الناس بشكل عام والمتدينين هم من الناس حيث قال:” زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن الماب ” – آل عمران – 14.

    فمن يهفو قلبه لمظاهر الدنيا وينسى حاجات الناس هو من افراد المنخفض الثقافي المتعلق بالشهوات التي تشمل ما يلي:

    1- شهوة حب النساء التي تخرج عن ضوابط الاجتماع وقيمه.

    2- غلبة شهوة البنين مما يؤدي الى التحيز في الحقوق والمعاملات.

    3- شهوة المال ومثاله الذهب والفضة والحرص على اكتنازهما على حساب الفقراء والمحتاجين “ومما يذكر هنا ان سلطان بن عبد العزيز الذي توفي هذه الايام تناقلت وسائل الاعلام خبرا مفاده ان ثروته “270 مليار دولار”.

    4- الحرص على اقتناء الخيول مثل خيول السباق اليوم والتي تستعمل في رهانات السباق “الريسيز”.

    5- امتلاك الاعداد الكبيرة من الانعام دون اخراج زكاتها ومثل الرجل الذي طلب من رسول الله “ص” ان يدعو له الله ان يرزقه من الحلال “الغنم” فقال له رسول الله: اخشى عليك ان لاتفي بحق الله. فقال جربني والح في الطلب، فدعا له رسول الله ان يرزقه الله: فكثرت غنمه وخرج بها الى البادية فبعث رسول الله اليه ان يدفع زكاة غنمه ومعلوم ان في الغنم يكون النصاب كل اربعين شاة: نصاب زكاتها شاة واحدة. فما كان من ذلك الرجل الا ان قال: هذه جزية وليست زكاة؟

    6- الحرث: وهو المزارع وما فيها من حصاد وانتاج مما يدخل في باب شهوة المال.

    فهذه المظاهر الستة لشهوة المال التي حذر منها القرآن الكريم جميع الناس وتلك حكمة واعجاز القرآن، لأننا اليوم نجد بعض من يدعي التدين مثلما نجد العلماني كلهم متورطون في شهوة المال بجميع صنوفه، مثلما هم متورطون بشهوات النساء وما كثرة الملاهي وحفلات الصخب الموسيقي المختلطة بصيحات الخدر العاطفي وأفلام ومسلسلات التدليك العاطفي والإثارة الجنسية إلا واحدة من مظاهر التجارة بالنساء واجسادهن على حساب كرامة المرأة التي جعلها الله شريكا في خلافة الارض “إني جاعل في الأرض خليفة” – البقرة -30- وقال تعالى:” للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والاقربون مما قل منه او كثر نصيبا مفروضا ”  النساء – 7.

    ومن الجدير الاهتمام به والتركيز عليه في هذه الدراسة هو التركيز على مظاهر السلوك العام لافراد الاحزاب الدينية ولاسيما المتصدين منهم، ووجود حالات استثنائية لبعض الافراد المنتمين للاحزاب الدينية ممن حافظوا على تواصلهم مع الالتزام بالمنهج التربوي الاخلاقي للدين، ولكنهم لكونهم ليسوا من المتصدين وليسوا من اصحاب القرار في الاحزاب الدينية لذلك يبقى وجودهم الاستثنائي لا يغير من حقيقة المنخفض الثقافي والسياسي الذي تعيش به غالبية الاحزاب الدينية.

    ومما أود التأكيد عليه كذلك: ان حزب الدعوة الإسلامية في مرحلة التاسيس ومرحلة الانتشار غير مشمول بالمنخفض الثقافي والسياسي الذي تسلط عليه هذه الدراسة بموضوعية تنتمي الى الخطاب القرآني “ولا تبخسوا الناس أشياءهم” واعني بمرحلة التأسيس من عام 1957- 1960، ومرحلة الانتشار من عام 1960 – 1970 م، وربما يشمل هذا الاستثناء جماعة الإخوان المسلمون في بداية التأسيس في نهاية العقد الثالث من القرن العشرين وبعض من الجماعات السلفية في مراحلها الاولى وهذا الاستثناء “للإخوان المسلمون” و “الجماعات السلفية” من حيث الجانب السلوكي والمعاملات والمظهر الاجتماعي لا من حيث الجوانب الفكرية المرتكزة على التباسات الرواية وتاريخها الذي تداخلت فيه عوامل صناعة المنخفض الثقافي كما جرى لمصطلح “أولي الأمر” وهو مصطلح قراني اسيء فهمه مما شكل ضياع ثقافي كبير وخطير لشرائح من المتدينين كثيرة لان مفهوم الآية القرآنية “وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفأين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم” لم يؤخذ أخذا واعيا موضوعيا مع وضوح دلالات كلمة “انقلبتم” ودلالات كلمة “أعقابكم” ولم يتم الرجوع فيه الى من هم عدل الكتاب وهم أهل البيت عليهم السلام والذي اجمع الرعيل الأول من الصحابة والتابعين على أعلميتهم بخصوص كتاب الله وشؤون الحكم وما يتطلبه الاجتماع، مع وجود النصوص الداعمة لذلك من كتاب الله ما يزيد على “220” آية قرآنية موزعة على سور قرآنية منها المكية ومنها المدنية نازلة بحق الامام علي بن ابي طالب عليه السلام، ونصوص من السنة النبوية الشريفة تصرح بأعلمية الإمام علي وبأحقيته في خلافة رسول الله “ص” والاعلمية في المفهوم الشرعي تعني تحقق الشروط الاخرى في شخصية الاعلم وهي:-

    1- العبودية المطلقة لله تعالى

    2- اليقين المطلق بالله في كل شيء.

    3- تأدية حق التقوى “اتقوا الله حق تقاته”.

    4- تأدية حق الجهاد “وجاهدوا في الله حق جهاده”.

    5- الأخلاقية الممهدة للتواصل مع الناس “فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك”.

    ومن مظاهر المنخفض الثقافي للأحزاب الدينية ما يلي:

    1- غلبة اهتمامهم بتجميع الإعداد دون تمحيص وغربلة.

    2- ونتيجة لذلك أصبح الحزب هدفا وليس وسيلة لتحقيق أهداف ربانية.

    3- وعندما تحول الحزب الى هدف ظهرت ظاهرة القبلية والعشائرية مابين الأحزاب الدينية من تنافس غير عادل وتقاتل على الولاء، ونظرة منصفة الى واقع الأحزاب الدينية نجد هذه الظاهرة قد تجذرت واستفحلت وهي ظاهرة العشائرية المتصارعة دون ان نجد جهودا حقيقية من قبل قيادات الاحزاب لمعالجتها.

    4- ونتيجة لاختلال موازين الهدف والوسيلة ومفاهيمهما في الاحزاب الدينية، فقد اختل الميزان التربوي لدى تلك الاحزاب، وباختلال الميزان التربوي أصبحت الأحزاب تنتج اختلافات مضافة الى التراكم التاريخي للاختلافات التي حدثت نتيجة عدم تطبيق موازين الحاكمية في المنهج الرباني ” وان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاعبدون ” وخير ماعبرت عنه في هذا الصدد الاية رقم “105 ” من سورة ال عمران والتي ذكرناها في المقدمة ” ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات واولئك لهم عذاب عظيم ” – 105- سورة آل عمران.

    5- ومن مظاهر المنخفض الثقافي والسياسي في ان معا لدى الاحزاب الدينية انها بدلا من قيامها بمعالجة التراكم التاريخي لثغرات واخطاء الحكم والسياسة، نراها زادت على تلك الخلافات بقيامها بتبني تلك الاختلافات دون مراجعة لكتاب الله الذي تدعي الالتزام به ودون الالتزام بسنة رسول الله “ص” ودون الرجوع لأعمال العقل في تلك الخلافات والنزاعات التي صنع الكثير منها الطارئون على مواقع القيادة ومواقع الافتاء ومواقع تدبر الرواية التي ادخلت في ملابسات يأباها العقل وينفر منها الذوق السليم ولانريد الخوض في تفاصيل ذلك لأنه يحتاج الى دراسة مفصلة ومتخصصة ليس هنا مجالها. ونتيجة لذلك اصبحت الانقسامات حصة ملازمة للعمل الحزبي في المجال الديني مما جعل اصحاب المذهب الواحد تنقسم عندهم الاحزاب وتتكاثر بدون ضوابط، وهذه الظاهرة تشمل الجميع من سنة وشيعة وفرق اخرى تحسب على الإسلام، مثلما تشمل المسيحيين من كاثوليك وبروتستانت ومع ظهور الكنيسة الانكلوكانية المتطرفة فتحت اشرعة الاختلاف بشكل خطير وأصبحت الساحة الأمريكية هي ميدان التفاعل والقيادة مما اضعف موقف الفاتيكان الذي حوصرت أطروحته في سنودس الشرق الاوسط. 

    وهذا الاختلاف لم تسلم منه ساحة اليهود نتيجة التطرف الذي مارسته الصهيونية وطريقة عمل دويلتها في فلسطين المحتلة فهناك احزاب يهودية اليوم تختلف مع منهج الصهيونية المتطرف منها ما هو داخل اسرائيل ومنها ما هو خارج اسرائيل.

    6- ومن مظاهر المنخفض الثقافي للاحزاب الدينية ولاسيما تلك التي وصلت الى الحكم هي الأشكال التالية:-

    أ- المحاصصة: وهي الظاهرة التي شوهت الصورة الاسلامية عند القواعد الشعبية، مثلما شوهت صورة الديمقراطية عند المراقبين عموما للتجارب الديمقراطية في العالم ومنها العالم العربي والاسلامي والعراق بالذات.

    ب‌- الاستئثار بالمواقع الى حد الاقتتال.

    ت‌- الاستئثار بالامتيازات.

    ث‌- شيوع ظاهرة التزوير والعمل على تغطيتها.

    ج‌- شيوع ظاهرة الدمج التي ألغت التحصيل الاكاديمي وجعلت من الرتب العسكرية ورتب الشرطة توزع كما توزع الحصص التموينية مع الفارق.

    ح‌- شيوع ظاهرة الفوضى الادارية.

    خ‌- شيوع ظاهرة التزوير في الانتخابات.

    د‌- شيوع ظاهرة القائمة التي اصبحت وسيلة لصعود غير المؤهلين مما جعل الحكومة والبرلمان ومؤسسات الدولة تعاني من تردي واضح وضعف مستحكم لمن دخلوا الى ادارات الدولة بدون استحقاق.

    ذ‌- شيوع ظاهرة التسابق للتطبيق السطحي للشعارات الدينية.

    ر‌- شيوع ظاهرة الفساد المالي والاداري مما انهك الدولة التي اصبحت عاجزة امام المشكلة وغير قادرة على الحلول على طريقة ” فاقد الشيء لايعطيه”.

    ز‌- شيوع ظاهرة الاعلام المتحزب والمستجمع لكل مظاهر الجفاف الثقافي مما جعل المشاهد ينفر من مشاهدة الفضائيات الحزبية باستثناء المحازبين والحواشي.

    س‌- شيوع ظاهرة الصحافة الحزبية الممولة من جهات مجهولة والمكتوبة بسطحية ومحدودية مما جعلت تلك الصحف تجد نفسها تتراكم في مخازن مظلمة بدلا من رفوف الباعة وواجهات المكتبات، حتى اصبح معروفا لدى الناس ان صحافة الاحزاب الدينية ومثلها الأحزاب العلمانية في العراق غير مقروءة.

    ش‌- شيوع ظاهرة الوساطة في كل شيء مما ساعد في التفكك الاجتماعي وضعف الدولة.

    ص‌- شيوع ظاهرة النفاق الاجتماعي، وهي ظاهرة موروثة من عهد ما قبل 2003 وماسيه في تحطيم القيم الاجتماعية بالتزام مخطط دولي يرمي الى تفكيك المجتمع وسقوط انظمة الحكم لخلق مناخ ملائم لسلامة الكيان الصهيوني في المنطقة، وما يجري اليوم من محاولة مكشوفة وواضحة الأهداف لزعزعة استقرار سورية وإكراه شعبها بواسطة عصابات الجريمة والإرهاب، وهو نفس السيناريو الذي طبق في العراق ووجد من يناصره ومن يعمل مجندا لمآربه من الذين سقطت لديهم عزة النفس وهوية الوطن.

    ض‌- شيوع ظاهرة الفقر الثقافي وفقدان القابلية على التفكير السليم، فاغلب المنتسبين للأحزاب الدينية اليوم لا يحسنون التفكير بما آلت اليه امور البلاد. وهذا الأمر ينطبق كذلك على الاحزاب العلمانية، ولم يتوقف الامر على كبريات الامور وانما حتى على صغريات الامور اصبحت غير مفهومة وغير مستوعبة من قبل عامة المنتسبين للأحزاب الدينية والعلمانية، ويعود سبب هذه الظاهرة الى الشخصانية التي يميز بها افراد القيادة أنفسهم من امتيازات تجعلهم فوق مستوى عامة الناس يتضح ذلك من خلال:

    1- المكاتب المترفة والمعزولة عن عامة المواطنين الا في حالات استثنائية ومحدودة.

    2- التميز في السكن من قصور وفلل محاطة بحراسات خاصة تمنع الناس من الوصول إليها إلا في حالات نادرة.

    3- وضع جدول زيارات ومقابلات بيروقراطي متعسف يجعل الناس لا يفكرون بتكرارها عندما يشاهدون غطرسة موظفي المكاتب وتصرفاتهم المذلة للمواطنين ” وقادة الأحزاب الدينية ومن يعمل في مكاتبهم نسوا قول رسول الله “ص” الذي كان يقف بين الناس ويقول: ايها الناس من له علي ذنب فليقتص من محمد بن عبد الله. وكان يقول: وما محمد الا ابن امرأة من قريش كانت امه تأكل القديد “ونسوا قول الامام علي عليه السلام عندما كان يقول: اجعل سفيرك بينك وبين الناس وجهك “. وقادة الاحزاب الدينية والعلمانية اليوم لا يستطيع رؤيتهم المنتسبين لأحزابهم فضلا عن عامة الناس وما يقوم به البعض من مناسبات محدودة هي دعاية حزبية او عائلية اصبحت أغراضها مكشوفة. 

    4- حرصهم على امتلاك الفضائيات والإذاعات والصحف هو شهية بيروقراطية اقطاعية لاستمرار الدعاية لانفسهم بعيدا عن تاييد الجمهور وقناعته.

    5- امتلاكهم للشركات والمزارع واحتكار فرص الاستثمار لهم ولأتباعهم هو من مظاهر المنخفض الثقافي والسياسي الذي اصبح صفة مميزة لاحزاب السلطة من دينية وعلمانية

    ان مظاهر المنخفض الثقافي والسياسي للاحزاب الدينية هو ارث للمنخفض الثقافي والسياسي الذي تمر به منطقتنا منذ قرون والذي لم تستطع ان تجعل من نفسها وسيلة وعي جديد للخروج منها ولعدم امتلاكها تلك الوسيلة وذلك الاستعداد الذاتي لذلك أصبحت جزءا من مكونات المنخفض الثقافي والسياسي التقليدي المفروض بعوامل الضغط الخارجي، ولكن الأصالة الحقيقية للمبادئ الدينية تظل تنظر من يحررها من تعسف التطبيق ومن أخطاء الممارسات التي ستذهب مع أصحابها الذاهبون بفعل السنة الكونية ” كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام ” وبقاء وجه الرب هو الاستهلال المفرح ببقاء المبادئ التي يقدمها الرب لعباده الصالحين ” يا ايتها النفس المطمئنة -27- ارجعي الى ربك راضية مرضية -28- فادخلي في عبادي -29- وادخلي جنتي -30- سورة الفجر- والدخول في العباد هو حتمية العمل الاجتماعي وحتمية النجاح فيه هي الحتمية لدخول الجنة، وهذه الحتمية تستبطن صحة العمل الحزبي المستقيم في اطار الدين وترفض ما غيره وهذه الدراسة هي رفض للادعاء ورفض للتشويه من خلال التطبيق السيئ للدين وليس رفضا للدين وهو حياة الكون ومستقبل البشرية.

  • بعيدا عن السلطة قريبا من الشعب المركز الكاثوليكي مثالا

    في خضم الجدل الدائر في المنطقة العربية حول مايجري في سورية يظهر المركز الكاثوليكي للإعلام من خلال آلام أنيس صليب بيروت متقدما في عرضه للمشكلة السورية بعيدا عن خطاب السلطة وبعيدا عن تبجحات بعض المعارضة الذين أصبحوا بيدقا بيد المآرب الصهيونية الحاصلة على الدعم الأمريكي الموجه لكل من أوردكان ممثل السلطنة العثمانية التي تريد الرجوع للمنطقة عبر منافذ الذل العربي المتمثل في الذين أستغرقوا خدرا في المفاهيم الوهابية المرحلة عبر إلتباس الرواية المجندة لخدمة السلطة العباسية والإمارة الأموية ثم السلطنة العثمانية التي سلمت البلاد العربية لقمة سائغة للوجود الغربي الذي عرف أدارة اللعبة بدهاء قبل ” 300″ سنة والى ألان.

    ولأن الغالبية من الشارع العربي مازال يعيش الخدر السياسي المصحوب بجهل المفاهيم لذلك يمرر اليوم عملية محاصرة الشعب السوري واختطافه بالغلط الإعلامي والتدليس السياسي الذي مارسته الجامعة العربية بضغوط اللوبي الأمريكي التوراتي والصهيوني الكنسي الذي يحتل عقول وقلوب بعض القيادات الأوربية والتي يخدمها في المنطقة العربية إعلام كل من الجزيرة والعربية والحرة عراق والبي بي سي ومعها توابع من اللامعات من فضائيات المنطقة , وبعض من أحزاب مازالت هلامية تخشى نور الشمس.

    لهذه التشكيلة الأخطبوطية التي نما وترعرع في مناخاتها مايسمى بمجلس أسطنبول السوري الذي لايمانع من التدخل ألاجنبي في سورية وعندما شعر ببعض الحرج بدأ بتغيير النغمة خداعا ليقول : نقبل بالتدخل التركي العسكري في سورية ناسيا حسابات الحقل والبيدر في مثل هذه الحالات الحرجة التي لايعرف بوصلتها ألا من خبر التكتيك والتقنية عبر الصواريخ البعيدة المدى التي تهدد أحلام الصهاينة والى الأبد .

    أن آلام أنيس أم الصليب المتحدثة بأسم المركز الكاثوليكي في بيروت وضعت النقاط على الحروف في ألازمة السورية، أرجو من بعض أحزاب وكتل في الحكومة والبرلمان العراقي كما أرجو من قناة الفضائية العراقية والمسؤولين عن نشراتها الإخبارية ممن لم يستمعوا لندوتها الصحفية أن يعيدوا ألاستماع فأن في ذلك فائدة لهم قبل غيرهم ومما قالته ألام أنيس صليب بيروت هو كمايلي :-

    1-  أن الشعب السوري مختطف بالإرهاب .

    2-  لايوجد مايسمى بالشبيحة كما درج عليه الإعلام المحرض .

    3-  توجد عصابات مسلحة من الملثمين يقتلون أفراد الجيش والامن وكذلك يقتلون من المواطنين على الهوية .

    4-  التظاهر الموجود في الشارع السوري هو لصالح النظام .

    5-  أن القتلى الذين تذيع أعدادهم مراكز الشفافية وحقون الإنسان في لندن لم يستطيعوا أن يذكروا أسما واحدا صحيحا لمركز الإعلام الكاثوليكي.

    6-  بينما تقول آلام أنيس صليب بيروت أنهم زاروا مئات من عوائل القتلى السوريين من الذين :-

    أ‌-     ذبحوا

    ب‌-   مثلوا بجثثهم

    ت‌-   أحرقوا قسما منهم

    وهؤلاء القتلى التقى المركز الكاثوليكي بعوائلهم وأحصى ” 572 ” منهم .

    7-  لم يلاحظ المركز الكاثوليكي للإعلام أي نشاط عدواني مسلح للقوات السورية.

    8-  وعلى ذلك يؤكد المركز الكاثوليكي للإعلام بحضور أعضائه على أن مايجري في سورية هو أعمال إرهابية تقوم بها عصابات تمتلك مايلي :-

    1-  أسلحة متطورة جدا

    2-  تمويل مالي غير محدود

    3-  توريد سلاح وتقنية غير موجودة في سورية وغير محدودة.

    وعلى هذا يكون تقرير المركز الكاثوليكي منصفا للشعب السوري ومنتصرا للحقيقة المغيبة في أروقة الجامعة العربية وبعض الأحزاب التي تتنفس الهواء الطائفي والتي أصبحت خاضعة للأجندات الأجنبية بكل تنوعها من :-

    1- أمريكية متعددة العناوين .

    2-  أوربية محصورة في المثلث الفرنسي البريطاني الألماني

    3-  إسرائيلية متسربة من خلال الوجود الأمريكي ومن خلال الأنظمة الخاضعة لسايكس بيكو جديد .

    أن آلام أنيس صليب بيروت تذكرنا بالاستثناء القرآني المنصف لفريق من أهل الكتاب من المعتدلين الذين يحترمون رسالات السماء ويحرصون على تطبيقها بعيدا عن التعصب والتحيز قال تعالى : “ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله أناء الليل وهم يسجدون ” – أل عمران – 113-

    هذا النموذج المنصف كنا نتمنى وجوده بين بعض الدول العربية ولا سيما أنظمتها التي قلبت ظهر المجن للأخوة العربية مثلما كنا نتمنى وجوده عند بعض الأحزاب العربية التي طغت عليها نغمة التعصب والاستسلام للأنظمة المعروفة بتاريخها الذليل وسلوكها المشين .

    وكنا نتمنى لبعض الأحزاب والكتل العراقية أن تتحلى ببعض الوفاء للشعب السوري الذي أحتضن الشعب العراقي عبر كل المحن التي مر بها .

    وبعيدا عن السلطة وقريبا من الشعب فأن الشعب السوري الذي يخرج اليوم بالملايين رافضا التدخل الأجنبي ورافضا قرارات الجامعة العربية المجحفة وغير القانونية , مثلما رافضا لمن يدعي المعارضة ويسمح للأجنبي أو يتقوى به على حساب سيادته وكرامته , وما قامت به بعض المجاميع التابعة لمجلس أسطنبول السوري من ألاعتداء البلطجي على الوفد الشعبي السوري الذي ذهب للقاهرة لمقابلة أمين عام الجامعة العربية ليعرض له وجهة نظر الشارع السوري وإذا بتلك المجموعات تقوم بالضرب بالعصي وبالحجارة على أفراد الوفد السوري في تصرف يعكس التطرف الذي لاينتمي لروح الإخوة والمواطنة ولا لروح الإنسانية صاحبة المبادئ الحضارية .

    أننا أمام حالة امتحان وطني ومبدئي وحضاري لما يجري في الساحة السورية ذات الخصائص المتداخلة مع الساحة العراقية ونتائج هذا ألامتحان نرجو أن تنعكس نتائجه في أوساط البرلمان والحكومة والأحزاب والعشائر والمساجد والكنائس وكل الحواضن الوطنية والاجتماعية وبذلك نسدي وفاءً للشعب السوري ونكتب فصلا من التحضر والفهم الذي يرفض التدخل الأجنبي ويحمي كرامة الوطن والمواطن .

  • حزب الدعوة التنظيم الذي تخلت عنه قياداته

    دراسة استباقية في تشخيص الترهل التنظيمي لحزب الدعوة الذي لم تكن القيادات الرسالية تتساهل مع تشوهاته المخلة بالهوية الدعوتية ولظروف وعوامل معقدة كثيرة جعلت تلك القيادات المخلصة وهي في أوج عطائها وحيويتها تنأى بنفسها عن الإسفاف الدنيوي وتلك خصوصية لا يعرف حقها إلا من عرف ربه وعرف نفسه التي لا يكون لها ثمنا إلا الجنة.  قال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: “إن لأنفسكم ثمنا هو الجنة فلا تبيعوها بغير ذلك”.

    ((فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا انه بما تعملون بصير)) – هود- 112 – ((ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من اولياء ثم لا تنصرون)) – 113- ((وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ان الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين)) – 114- “واصبر فان الله لا يضيع اجر المحسنين” – 115- “فلولا كان من القرون من قبلكم اولوا بقية ينهون عن الفساد في الارض الا قليلا ممن انجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما اترفوا فيه وكانوا مجرمين” – 116- “وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون” -117- سورة هود.

    هذا الحديث هو من جمر السنين التي اراد اصحابها الدعاة ان يتماثلوا مع الذين ينهون عن الفساد في الارض، فاحتشدت ضدهم رياح المنخفضات الثقافية فكان فيهم المعمم المترهل الكسول عن دروس المقدمات والسطوح حتى اصبح البحث الخارج ادعاء يكشف مظاهر التراجع المستجمع للازمة الأخلاقية التي نصبت شراكها في طريق الدعاة الى الله الذين لبسوا وشاح الجهاد متسربلا بمفاهيم “حي على خير العمل”.

    وكانت جغرافية المنخفض الثقافي قد ادلهم سماؤها وتحشدت قواها من حاكم ظالم، وتابع ناقم، وغوغاء دونها ثغاء البهائم ونهيق الذي قال عنه النص المبارك:”ان انكر الاصوات لصوت الحمير”.

    ونباح الذي وصفه رب الخلائق قائلا: “ان تحمل عليه يلهث وان تتركه يلهث”.

    وكان الدعاة الذين صنعوا فجر الدعوة الاسلامية في العراق والعالم الاسلامي بعيد منتصف القرن العشرين يحلمون بان يكونوا بقية الدين ينهون عن الفساد في الارض الذي اصبحت له جحافل من الغوغاء المخدرة بمورفين الافكار الاباحية ذات الاصوات المبحوحة بتظاهرات ولدت ميتة لانها لم تعرف النور عندما هتفت بحشرجة غير واعية:

    “ماكو مهر ….. وباجر نرمي القاضي بالنهر”.

    فكان للسيد المرجع والمفكر الموهوب فيلسوف القرن العشرين محمد باقر الصدر مطارحات فكرية بقوالب فقهية مع كبار الفقهاء من اساتذة الحوزة الدينية في النجف وفي مقدمتهم:

    1- السيد ابو القاسم الخوئي

    2- الشيخ حسين الحلي

    وكان محور تلك المطارحات حول:

    1- المرتد الملي

    2- المرتد الفطري

    تمكن بعدها الفقيه السيد محمد باقر الصدر من اقناعهما بالحكم بعدم قتل “المرتد الملي” في تلك المرحلة “1958- 1959” نتيجة للاسباب التالية:-

    1- جهل من تنطبق مجازا عليهم صفة المرتد الملي.

    2- الميل العاطفي الجارف الذي أغرى الكثيرين من ترديد شعارات لا يعرفون أبعادها الفكرية فضلا عن أبعادها السياسية.

    3- ان تطبيق أحكام القصاص بحق المرتد الملي المخدوع سيحدث أزمة من سوء الظن والتشكيك والنزاعات التي يتربص لها من ينتظر نتائجها لمصالحه المحلية، والإقليمية، والدولية. 

    وحتى تأخذ هذه الدراسة طابعها الذي يتجاوز المذكرات الى حيث تكون المفاهيم نسيجا لصناعة الموائد الفكرية التي تستحضر القيمة التاريخية للحضور المتجسد بالأسماء الدعوتية التي شكلت منظومة العقل القيادي المتكامل الأدوار بعيدا عن الإطراء والمديح الذي يشكل نافذة الشبهات التي تخالط النفوس التي يكون بعضها مصيدة للوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس.

    وسأذكر أسماء بعض القيادات التي تخلت عن التنظيم لاعجزا منها ولا عدم ايمانها بالتنظيم وصحة افكاره، وإنما تشخيص منها لفقدان الحيوية الدعوتية واختفاء منظومة الجودة الروحية التي حرصت عليها الآيات القرآنية، مما جعل التحزب عند الكثيرين هدفا وليس وسيلة لبلوغ الاهداف السامية المقررة قرآنيا والمشخصة بسنة رسول الله “ص” والمدروسة بكل تفاصيلها من قبل مدرسة أهل البيت الذين قال عنهم الامام علي عليه السلام:-

    “أهل البيت هم عيش العلم وموت الجهل”.

    فالتنظيم الإسلامي من خلال الحزب الإسلامي يجب ان يحافظ على تلك المعادلة ويواظب على ذلك الإنتاج وهو ان يكون جادا في إحياء مشاريع العلم ومسح وإزالة مظاهر الجهل. وعندما يصبح الحزب الاسلامي اي حزب غير قادر على تحقيق تلك الأطروحة التي وضعها الاسلام وترجمها من بعد رسول الله “ص” علي بن أبي طالب الهادي بسنة رسول الله، فان على الحزب الإسلامي عند ذاك مراجعة نفسه وفحص تنظيمه واصلاحه، فان لم يعد قادرا على الإصلاح عليه التوقف عن ممارسة خطى تنظيم لايحقق الحد الادنى من المواصفات التي كانت مرتبتها الثالثة اضعف الايمان بتوصيف رسول الله “ص” او الشروع بعمل جديد ولكن بعيدا عن الانشقاقات التي كانت ومازالت دنيا تعبد.

    وقبل ان ابدأ بذكر الأسماء، استميح الاحياء منهم عذرا فالضرورات تبيح المحظورات، لاسيما وان التساؤلات بدأت تتكاثر في فراغ فكري وقيادي واضح مما يجعل الانعكاسات السلبية تشكل نتوءات تخدش هيبة العمل الاسلامي وتصادر قدرته على الاستمرار، والموجودون في التنظيمات التي تعددت أسماؤها وتكاثرت عناوينها غير قادرين على اعطاء الإجابات التي يطمئن لها الشارع فضلا عن المراقب والمتابع لكثرة ماتورطت به تلك المجاميع من اموال مشبوهة وشهادات مزورة وتصريحات غير واقعية وربما لا ينتمي بعضها لحاضنة الوطن او لقواعد الفكر الإسلامي وتفصيلاته الفقهية وتحالفات يشوبها الشك وتلاحقها الريبة، حتى أصبح ينطبق عليهم التقريع والتوبيخ القرآني: قال تعالى:”يا ايها الذين امنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله ان تقولوا مالا تفعلون”.

    الأسماء القيادية التي تخلت عن التحزب وتنظيم حزب الدعوة:

    1- المرجع والمفكر الموهوب المؤسس الشهيد محمد باقر الصدر.

    2- العلامة المحقق المرحوم السيد مرتضى العسكري.

    3- العلامة الشهيد السيد مهدي الحكيم ” اغتيل في السودان عام 1987.

    4- المهندس الاستاذ الشهيد محمد هادي السبيتي – اختطف من الأردن وشوهد في سجن مديرية الامن العامة في الثمانينات.

    5- آية الله العظمى المرحوم السيد محمد حسين فضل الله.

    6- آية الله العظمى السيد كاظم الحائري. 

    7- آية الله المرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين

    8- آية الله الشيخ محمد مهدي الاصفي. 

    9- الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي.

    10- العلامة الشيخ علي الكوراني.

    11- العلامة الشيخ صبحي الطفيلي.

    12- اية الله الشيخ محمد علي التسخيري

    13- اية الله العظمى السيد محمود الهاشمي

    14- الاستاذ المجاهد عبود الراضي ” ابو ماجد”.

    15- الدكتور عبد الزهرة البندر ” ابو نبوغ”.

    16- الدكتور المرحوم داود العطار صاحب قصيدة “باقر الصدر منا سلاما” وصاحب قصيدة نشيد مواكب الجامعات في الستينات.  

    17- الدكتور ابراهيم الجعفري وقضية تخليه عن تنظيم حزب الدعوة تختلف عن الآخرين وتأسيسه تيار الإصلاح الوطني يكشف بعضا من ذلك الاختلاف.

    18- المرحوم السيد عبد الأمير علي خان.

    19- الدكتور المرحوم جابر العطا.

    20- المرحوم الدكتور حسن الشيخ علي وله خصوصية تختلف عن الآخرين. 

    21- السيد هاشم الموسوي “أبو عقيل” الذي لم يحافظ على سياقات الموقف الذي اتسمت به القيادات التي ذكرناها واصبح امينا عاما لما سمي “تنظيم العراق” مما لا يجعله محتفظا بموقعه بين تلك الأسماء القيادية.

    22- الدكتور علي التميمي: وهو كاتب هذه الدراسة الذي توقف عن التنظيم الخطأ عام 1984 الذي تحول التحزب فيه الى هدف دون غيره ولم يعد وسيلة تتواضع امام الاهداف الرسالية ذات الصبغة الدينية في تنظيم الكون والحياة. 

    ولم اذكر الشهيد عبد الزهرة عثمان “ابو ياسين” لأنه لا تنطبق عليه مواصفات موقف القيادات صاحبة التشخيص الملزم، لان المرحوم اول من مارس الانشقاق وأسس “حركة الدعوة” مع مجموعة متدينة معروفة بجهادها واخلاقيتها من الاخوة من البصرة. وارى من المناسب في هذه المرحلة الا ندخل في دراسة اسباب توقف كل واحد من تلك القيادات وان كانت المشتركات العامة تكاد تكون متقاربة مع اختلاف في التفاصيل تتعلق بظروف كل واحد منهم ولا سيما وان اغلبهم مازالوا احياء وكلهم لم يغيروا التزامهم بالعمل للاسلام بل أصبح كل واحد منهم يكاد يمثل مدرسة في التخصص للعمل بأطروحة الاسلام في أبعادها:

    1- الأخلاقية

    2- التربوية

    3- العلمية

    4- السياسية

    5- الاجتماعية

    6- الاقتصادية

    7- التغييرية

    8- الاعلامية

    وهم بذلك يحققون مفهوم الآية المباركة “ومن أحسن قولا ممن دعا الى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين” – فصلت – 33- فهم يدركون معنى: حق الجهاد، وحق التقوى، ويرون السعي لتحقيقها منوطا بقدرة العاملين الذين يجعلون من مرضاة الله هدفا يسمو على كل الأهداف المتوخى تحقيقها، فهؤلاء الدعاة الى الله منهم:-

    1- المجتهد المتخصص في استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها.

    2- ومنهم المتخصص في علوم ومعارف تنتج زادا معرفيا يغذي العقول والنفوس بما يقرب الناس من معنى الايمان.

    3- ومنهم تفرغ للبحث فاصبح علما يشار له بالبنان.

    4- ومنهم من تفرغ للتدريس والمعارف الإسلامية.

    5- ومنهم من تفرغ للحديث والرواية وشؤونهما.

    6- ومنهم من تفرغ للمحاضرة المنبرية المطلوبة شعبيا.

    7- ومنهم من واظب على مناسكه رغم الشيخوخة والمرض.

    8- ومنهم من ظل يواكب الحضور السياسي والاجتماعي بالكتابة والمحاضرة والتوجيه الذي يحظى بشعبية مميزة.

    وهؤلاء يشكلون اليوم نخبة تحترمها المحافل السياسية وتسعى للتواصل معها مؤسسات البحث والدراسة، وينقل عنها الإعلام والصحافة ويستضيف بعضها الفضائيات والمؤتمرات واللقاءات الفكرية، بينما تعامل معها من مازالوا في المكاتب المستفيدة من مميزات السلطة المؤقتة بالمظاهر والأساليب التالية:

    1- بالجفاء المفرط بالحدية غير المبررة.

    2- بالتشهير والتسقيط مستعملين اسلوبا سوقيا لاينتمي للاسلام.

    3- بالتغاضي وعدم الاكتراث بالطاقات القيادية التي احترمت خياراتها وقناعاتها من ان تتلوث بفوضى الجهالة.

    4- بالقطيعة التي تعبر عن افق محدود لا يصلح سياسيا ولا اجتماعيا.

    5- بالتورط بالغيبة واستعمال سلاح التهم الذي يرتد على صاحبه.

    ونتيجة هذه السلوكية التي درجت عليها مكاتب الحزب ومن يعمل فيها، فان الحزب وما تبقى منه اصبح منكمشا على نفسه لا يمتلك قاعدة شعبية، ويشكو من السيولة الجماهيرية التي لم تعد في متناول يديه، وهو ينتظر يوم خروجه من السلطة ليشهد مأتما حقيقيا لا يجد من يعزيه ولا من يواسيه سوى ثلة من المنافقين والمتزلفين. وستصبح فضائياتهم ومكاتبهم عبئا عليهم رغم ما حصلوا عليه من المال المحاط بالريبة والشك.

    والآن من المناسب ان نسلط الضوء على المراحل التي افرزتها الاحداث بالنسبة لحزب الدعوة الإسلامية، وهي غير المراحل التكوينية التي حددت بما يلي:-

    1- المرحلة التغييرية وهي مرحلة طابعها سري تام. 

    2- المرحلة السياسية وطابعها العلن والكشف عن بعض قيادات وشعارات التنظيم ووسائل عمله.

    3- المرحلة الحكمية: وهي السعي ضمن الضوابط الشرعية للمشاركة في الحكم. 

    أما المراحل التي اتضحت من خط السير بعيدا عن التوصيف القبلي فهي:-

    1- مرحلة التأسيس من عام -1957- 1960.

    2- مرحلة انتشار الدعاة في العراق والعالم الإسلامي من -1960- الى 1969. 

    3- مرحلة المواجهة والملاحقة في الداخل العراقي من قبل جماعة انقلاب عام 1968. 

    4- مرحلة التصفيات الجسدية للكوادر والقيادات الدعوتية بتوصية من قبل مشيل عفلق للقيادة القومية والقطرية في العراق وهي بإيحاء من صدام حسين، فاعدم القائد الجهادي عبد الصاحب دخيل تذويبا بالتيزاب عام 1971. وإعدام كوكبة الشهداء القادة الدعاة وهم:-

    ا‌- الشهيد الشيخ عارف البصري.

    ب‌- الشهيد حسين جلوخان.

    ت‌- الشهيد نوري طعمة.

    ث‌- الشهيد عماد التبريزي.

    ج‌- الشهيد الكبنجي.

    وتم إعدام هذه الكوكبة عام 1974.

    5- مرحلة الهجرة الاضطرارية “ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الارض مراغما كثيرة وسعة”، والتي بدأت مع تسلم صدام حسين السلطة عام 1979.

    6- المرحلة الأولى من الهجرة من عام 1980 – 1982 وتمثل جمع شتات الدعاة وإعادة صفوف التنظيم في المهجر وفي نهاية هذه المرحلة حدث الاجتياح الاسرائيلي للبنان، ونتيجة مستجدات طارئة انسلخ فصيل تنظيمي من حزب الدعوة في احدى الدول الإقليمية، وألقت الحرب العراقية الإيرانية ظلالها على تنظيم حزب الدعوة المنهك والملاحق في الداخل العراقي، والمعرض لمختلف أنواع الضغوطات في المهجر وفي سنة 1982 تم تأسيس المجلس الاعلى للثورة الإسلامية في العراق برغبة وإدارة ايرانية، جعلت الادارة ايرانية او متعاونة مع الإيرانيين وكانت على الشكل الآتي:

    ا‌- السيد علي الحائري وهو معمم إيراني رئيسا.

    ب‌- السيد محمود الهاشمي الشهرودي عراقي يحمل الجنسية الايرانية رئيسا. والسيد محمد باقر الحكيم ناطقا رسميا للمجلس.

    ت‌- السيد محمد باقر الحكيم رئيسا للمجلس والسيد محمود الهاشمي الشهرودي ناطقا رسميا للمجلس.

    ث‌- هيئة عامة تتكون من “60” عضوا في المجلس منهم العرب والاكراد والتركمان. 

    7- مرحلة الضعف والتصدع من عام 1982- 1988- وهو عام توقف الحرب العراقية الإيرانية ” 1988″

    8- مرحلة اليأس والقنوط والهجرة من ايران والدول العربية الى المهاجر الاوربية والأميركية واستراليا وكندا وبدأت هذه المرحلة من بعد فشل الانتفاضة الشعبانية 1991 -2003 وفي هذه المرحلة حدثت الانشقاقات مثل: حزب الدعوة تنظيم العراق وهي تسمية خاطئة في الاسم والمسمى، وكوادر حزب الدعوة، وأنصار حزب الدعوة وكلها تعبر عن محدودية في فهم العمل التنظيمي في الخط الإسلامي.

    9- مرحلة المشاركة في السلطة تحت الاحتلال وتبدأ من عام 2003 – الى -2011 ولازالت مستمرة، وفي هذه المرحلة انكشف الضعف البنيوي التنظيمي الذي لم يكن موجودا بروحية مرحلة التأسيس ومرحلة الانتشار وهي اسلم المراحل الدعوتية التي ينتمي لها حزب الدعوة على كل المستويات، والقادة الذين توقفوا بحرص ووعي، انما كانوا يضعون مقولة الامام علي بن ابي طالب عليه السلام حجة على من يخلط بين الهدف والوسيلة، حيث كان الامام يقول: لا اريد افساد نفسي بإصلاح هؤلاء”.  وهذا التشخيص ينطبق على كل المراحل بنسب متفاوتة باستثناء مرحلة التأسيس ومرحلة الانتشار. ومن يقول غير ذلك اما جاهل بمسار العمل التنظيمي وما أصابه من خلل روحي وتقديرات خاطئة، واما هو صاحب مصلحة نفعية شخصية وقد حذرنا من خطورة تحول التنظيم الى عناوين تعبد من دون الله وقد حدث هذا ودب في صفوف التنظيم كما يدب النمل في الليلة الظلماء. والفشل الذي عليه ماتبقى من حزب الدعوة وما هو بحزب الدعوة حقيقة هو بسبب هذين العاملين الذين أصبحا من الوضوح بما لا يحتاج معهما الى دليل او بينة.