عباس بيضون
((1))
مدينةُ التخييل التي تذعنُ لها النفسُ إيقاعيّاً تُـشبِهُ في تكوينها الافتراضيِّ مدينةَ (( إرَم ذات العماد)) الأسطوريّة من حيثُ خروجُها من دائرةِ المعقول إلى دائرةِ السحرِ ، ومن يقفُ عند بابها طارقاً طوالَ الليلِ دون أنْ يسمحَ للنعاسِ أن يدركَ أجفانَ عينيهِ، فإنَّ حرّاسَها سيفتحونَ له البابَ مذعنين، لهذا أدمنَ حسين القاصدِ الطرقَ على تلك البابِ بتصميمٍ وإرادة، فاستجابَ له حرسُها عند الفجر، ففتحوا له البابَ مرحّبين، وقديماً قال بكر بن عبد الله المزني : (( إنَّ من أدمنَ قرعَ البابِ وصل.))(1)
((2))
شاعريّةُ حسين القاصد لا تكمنُ في استعدادِهِ الفطريِّ وحده، إنّما كان لها ما رسَّخها، وحسَّـنها، وطوّرها، ولعلَّ تلك الجوانب تتمثّلُ في اكتسابهِ الثقافيِّ الواسع، ومعرفته الرصينة بأسرارِ اللغةِ، ومجازاتها التأويليّة، وامتلاكه لأذنٍ موسيقيّةٍ مرهفة، وقدرة تلك الأذن على اختيار الإيقاعات المناسبة لموضوعات قصائده، ودربته الدائمة في صناعةِ المبتدع الذي يتطلّبُهُ الفنُّ. ولسنا نغالي إنْ قلنا : إنَّ من يعتمد على فطرتهِ فقط في صناعةِ الشعر، فإنَّ مآلَ نتاج إبداعهِ لن يكونَ مدهشاً على الدوام، إنّما سيكتنفهُ التقليد والسطحيّة أيضاً.
((3))
والقاصدُ مثقّفٌ شاملٌ، فإلى جانبِ شاعريّتهِ المدهشة، فهو ناقدٌ ذكيٌّ يُعنى بتحليلِ النصوصِ، وتفسيرها، وتقويمها على نحوٍ منهجيٍّ سليم، ومع أنّنا لا نمتلكُ من دراساتهِ النقديّة غير ((الناقد الديني قامعاً، قراءة في شعرِ ابنِ الشبلِ البغدادي))(2) و (( القصيدة الإعلاميّة في الشعرِ العراقيِّ الحديث))(3)، فإنَّ تأصيلهُ للقولِ في شعرِ ابن الشبلِ البغدادي ، وللقصيدة الإعلاميّة قد أبانَ عن تمكّنٍ نقديٍّ في الاستقراء، وحصافةٍ في التناول، ومعياريّة موضوعيّة في الحكم، فضلاً عن حسمهِ لأمورٍ تردّدََ في تناولها من سبقه من الباحثين، كما في النتيجة التي توصّل إليها في دراسته لشعر ابن الشبل البغدادي من أنّهُ ابتدع قصيدةً تنتمي إلى الشعر الحرِّ (التفعيلي) على إيقاعِ البسيط، كما في القطعةِ الآتية :
وستةٌ فيكَ
لم يجمعنَ في بشرِ…
كذبٌ
وكبرٌ
وبخلٌ أنتَ جامعهُ
مع اللجاجِ وشرّ الحقدِ والحسدِ
وستةٌ فيَّ
لم يخلقنَ في ملكٍ…
حلمي
وعلمي
وأفضالي
وتجربتي
وحسن خلقي
وبسطي بالنوالِ يدي
((4))
ولـ حسين القاصد صفةٌ تميّزُهُ عن الكثيرين من الأساتذة الأكاديميين، وهذه الصفة تتجلّى في وفائهِ للذين تلمذ لهم من شيوخهِ الأجلاءِ الأعلام، ونستطيع أن نشيرَ إلى رمزينِ ثقافيّين منهم لن يتكرّرا في القريب العاجل كما نظنُّ، هما : المغفور له العلامة الأستاذ الدكتور محمّد حسين الأعرجي الذي أشرفَ على رسالة القاصد في مرحلة الماجستير، والعلامة الناقد الثبت الأستاذ الدكتور سعيد عدنان الذي أشرف على رسالة القاصد في مرحلة الدكتوراه.
وقد وضُحَ وفاؤهُ مع الأوّلِ حين تولّى القاصدُ نشرَ ما لم يُنشرْ من آثارهِ العلميّةِ التي بدأها بارّاً بـ ((شذرات من العاميِّ والمولَّد))(4)، فأخرجهُ على نحوٍ مشرّفٍ، وهو عازمٌ على نشرِ ما لم يرَ النورَ من كتاباتِ إستاذهِ الأعرجي تباعاً ؛ كما وضح وفاؤهُ مع الثاني يومَ أنْ أصرَّ القاصدُ على تقبيلِ يدِ أستاذهِ العلامة الدكتور سعيد عدنان(أطال الله في عمره) بعد الانتهاء من مناقشة إطروحتهِ للدكتوراه، وهو بذينك الموقفين البارينِ يُرسي دعائمَ النجابةِ التي يجب أن يتحلّى بها كلَّ من أدركتهم حرفة الأدب من الأكاديميينَ .
مبارك لصديقي الشاعر الدكتور حسين القاصد وهو يتسلّم شهادة تكريمهِ من حملة الإشارة ((هذا هو الشاعر العراقي))، مع عظيم التقدير للمشرف الشاعر الدكتور سعد ياسين يوسف على هذا الاختيار.
إحــــــــالات
(1) يُنظر : ابن رشيق القيرواني (( العمدة في صناعة الشعر ونقده))، تح : محمّد محيي الدين عبد الحميد، 212، دار الجبل، بيروت، 1972م.
(2) ط1، دار الينابيع، دمشق، 2010م.
(3) ط1، دار ميزوبوتاميا،بغداد، 2013م. (طُبع على نفقة وزارة الثقافة العراقيّة.)
(4) ط1، دارميزوبوتاميا،بغداد، 2013م. (طُبع على نفقة وزارة الثقافة العراقيّة.)