د. زيادأبولبن
إنّ المتابع لتجربة الشاعرهشام عودة يلحظ هذا التدفق الشعري منذ ديوانه الأول “حوارية الجميز والحجارة” الذي صدر في الكويت عام 1989، إلى ديوانه “رفيف الكلام” الذي صدر في عمان عام 2015. فهي تجربة كبيرة، امتدّت ما يقارب الثلاثين عاما، وهي تجربة غنية على مستوى تنوّع الشكل الشعريّ، وعلى مستوى بنية القصيدة ونظامها، ففي الشكل الشعري راوح الشاعر بين القصيدة العمودية والتفعيلة، أمّا على مستوى البنية والنظام، فهي تحمل غزليات في امرأة (مجهولة).
ينطوي ديوان “رفيف الكلام” على قسمين أو على ورقتين “الورقة الأولى” و”الورقة الثانية”، وهذه القسمة تعود للشكل لا المحتوى، فالورقة الأولى تضم قصائد عمودية، والورقة الثانية تضم قصائد شعر التفعيلة.نتبيّن من عنوان الكتاب “رفيف الكلام” دلالة تحمل مدلولها في صورة مجازية، لما تحمله لفظة “رفيف” من رقّة ونعومة تتفق مع الكلام، وهو ليس أي كلام! هو كلام العشق، الذي يمثل سلطاناً قوياً على العاشقين، “واختيار الكلام أصعب من تأليفه” على حد قول ابن عبد ربه في “العقد الفريد. وأنا أقرأ قصائد الديوان كنت ألمح في خيالي كتاب “مصارع العشاق” لجعفر السراج، وما جاء فيه من حكايات لا تقلّ عما جاء به هشام عودة.
كما أن قصائد هشام عودة تعبّر عن عذابات المحب للحبيب، كما تصور غربة الروح وسعيها إلى التكامل الإنساني مع الآخر، وهذه الروح الشفافة إذا لم تستطع أن تتواصل مع الآخر على صعيد الواقع، فإنها تصعّد الرؤية إلى مستوى الحلم الذي يجعل الإنسان يتوحّد مع الآخرين، ومع الكون ممثلاً بالمرأة.
تمثّل قصائد الديوان تجربة غنية في العشق، في لغة رقيقة تتفق ومقتضى الحال، فهي سوانح توقظ المشاعر والأحاسيس، وتؤجج العاطفة.
يُهدي هشام عودة لحبيبته التي سكنت أوراقه منذ خمسين عاماً، والذي كتب فيها شعراً عذباً، وتلك المرأة تمثّلت فيها نساء العالم، فقد امتلكت من الصفات التي تمتعت بها دون سائر نساء العالمين، وخالف الشاعر مذهب المجنون في محبوبته ليلى، فهو له “ليلى وإيمان وفاطمة ومثلهنّ بما جادت به الكتبُ”.
نجد في الورقة الأولى من ديوانه قصيدة واحدة نضم تسعة وثلاثين مقطعاً شعرياً، وفي كل مقطع من المقاطع صور شعرية تتولد في مقطع آخر، وفي كل مقطع قافية تختلف عن سابقتها، ووزناً شعرياً مختلفاً، وكأن المقاطع كتبت فرادى، وفي فترات زمنية متباعة، وتحمل جميعها دفقة شعورية واحدة.
أما الورقة الثانية فهي قصيدة تفعيلة واحدة في أربعين مقطعاً، والذي نتبينه في الفرق بين قصيدة التفعيلة والقصيدة العمودية، أن التفعيلة تذهب مذهب السردية الشعرية، في حين العمودي يكثّف الصورة في بيت لينفتح أو يتولد في صورة جديدة في البيت الثاني، وهكذا، ومثاله:
مقطع من الورقة الأولى:
سأستظلّ بها لو جاءني المطرُ
وأحتمي بعيون هدّها السهرُ
فالذاهبون إلى مأواكِ قيل لهم
إنّ النوافذ تبكي حين تنكسرُ.
مقطع من الورقة الثانية:
وأراها واقفةً
تحرسُ أشجارَ اللوزِ
وتُغمضُ عينيها
ليمرَّ الشارعُ محتفياً بالعتمةِ
من بين يديها
وأراها تحملُ في كفيها الغيمَ
وتمضي
وفراشاتُ الحقل تمدُّ أصابعَها
كي تشربَ من ماء الحكمةِ
إذ يتدفقُ من بين يديها.
نلمح تبتلات أو ابتهالات هشام عودة في ديوانه هذا تبتلات نزار قباني، وكلاهما راهبان في محراب واحد، فانظر قول هشام:
أراكِ أكبر من صمتي ومن لغتي
ومن حنيني وعشقي وابتهالاتي
فأنتِ أول حرف خطّهُ قلمي
وأولَ النارِ في أطرافِ غاباتي
وفي مقطع آخر:
كتبتُ عنكِ كلاماً ليس يُشْبِهُهُ
ما قالت الناسُ في كلِّ الدّواوينِ
فأنتِ أجملُ من شعري ومن كُتُبي
تغارُ منكِ حروفي إذ تُناديني
ونلمح أيضاً في شعر هشام صوت المتنبي، وهو يُعلي بأناه، حينما يقول:
أنا الذي نامت الدنيا على كتفي
وغادرت صفحتي الأقمارُ والشهبُ
أنا الذي تنسجُ الأمواجُ أشرعتي
وتستحمُّ بدمعي النارُ والسُحُبُ
ويكتمُ الغيمُ سرّي حين أذكرهُ
وحين تنظرني عيناكِ أقتربُ
كما أن هشامَ متأثرٌ بالنصّ القرآني، وهذا التأثر سواء بالنصّ الديني أو النص الشعري، أو النص الثقافي، إنّما ينمّ عن ثقافة واسعة يتمتع بها الشاعر، وتنعكس داخل أعماله، فهو يقول:
هل أتاكِ حديثي
هل أتاكِ حديثُ قميصي المبلّلِ بالوهمِ
والغيمةِ الكاذبةْ
هل أتتكِ حروفي
سَلِي دلّةَ القهوةَ الباردةْ
سَلِي الليلَ
حين تنامُ النجوم.
يبقى ديوان هشام عودة “رفيف الكلام” علامة بارزة في التجربة الشعرية التي خاضها عبر سنوات، من المعاناة والألم والشقاء والغربة الممزوجة بلحظات الفرح والتأمل، وقد قدّم في هذا الديوان قصائد لها نكهتها الخاصة، وعالمها المتشابك مع المرأة، في لغة رقيقة تحلق في فضاءات تدفعك لقراءة الديوان دفعة واحدة دون ملل أو كلل.