عرض : علي زامل
وقع بين يدي مؤخراً كتاب لمؤلفه الكاتب والصحفي المخضرم عكاب سالم الطاهر والموسوم “على ضفاف الكتابة والحياة.. الأعتراف يأتي متأخراً” وقد قرأته من الغلاف الى الغلاف واعترف صراحة انني غصت في اغواره ووجدت نفسي امام تجربة ثرة لرجل دخل معترك الكتابة والعمل الصحفي منذ نعومة اظفاره حتى ليمكن القول ومن دون تملق انه ولد وفي فمه قلم ذهبي .. وعليه فإن الكاتب الطاهر صاحب ذكريات لا ينفد خزينها ومقالات لا تخمد جذوتها وكلمات لا تفقد روحها وحرارتها مهما امتد الزمن او تعاقبت الايام والاشهر والسنين.. ولكي نسلط الضوء على المنجز ونوفه حقه لا بد من معرفة الكاتب من حيث نشأته واتجاهاته الفكرية وتطلعاته ونظرته للحياة وما يدور حوله ومعاناته واشياء اخرى . ولد عكاب سالم الطاهر في الاول من تموز 1942 في قرية (ابو جميل) على حافة هور الحمار من مدينة سوق الشيوخ التي كانت يومها بمثابة غابة محاطة بالقصب والبردي.. وفي تلك البقعة الخضراء كما يقول المؤلف فتح عينيه على اب متدين وصاحب نخوة ومزارع نشط ومن الطبيعي ان يجد نفسه في هذه الاجواء منقاداً بشكل لا ارادي الى العمل في الزراعة وخاصة (الشلب) ليساعد عائلته واكيد ان مهنة صعبة كالزراعة جعلته اكثر صلابة ومحباً للعمل وقد دخل المدرسة الابتدائية (1949-1950) وكان تسلسله الاول في كل سنوات دراسته في هذه المرحلة ومنذ الابتدائية بدأت تطلعاته مبكراً فراح يقرأ دواوين الشعر ويحفظ القصائد وكانت له محاولات شعرية منذ نعومة اظفاره لكنه يكشف بأن هذه البدايات اجهضت من دون قصد وبسبب تطلعاته الادبية وتميزه فقد سمي معاوناً لأمين المكتبة التي كان يدرس فيها وكان نهماً في قراءة كل ما وقع بين يديه وكأنه في سباق مع الزمن واول كتاب قرأه هو “فلسفة التربية” لمؤلفه الدكتور محمد فاضل الجمالي مؤسس المدرسة الدبلوماسية في العراق وما يميز وفاء الكاتب عكاب سالم الطاهر وصدق سريرته انه دون بأمانة اسماء كل المعلمين او المدرسين الذين تتلمذ على ايديهم وهذا موقف يحسب له ثم بدأت اهتماماته الصحفية تطفو على السطح ويبدو ان صاحبة الجلالة قد سحبته وهو المتعطش اصلاً للسباحة في بحارها فخاض تجربته الأولى وهو لم يزل على مقاعد الدراسة الابتدائية وكان ذلك تحديداً (سنة الغركة) اي حصول فيضان (1954) فغرقت الكثير من المناطق وعندما وصلت الصحف العراقية لـ”البغدادية” وهي تتحدث عن اخبار الفيضان الى مدرسته يومذاك ومنها جريدة “الزمان” وهي جريدة يومية سياسية صدرت في العهد الملكي ورأس تحريرها الصحفي توفيق السمعاني لم يتمالك (عكاب) اعصابه فتجرأ للدخول الى غرفة المعلمين ولم يبرحها حتى اكمل قراءة “الجرايد” وجراء هذا “السطو” تعرض لضربة (عصا) موجعه من احد المعلمين جزاء فعلته لكن يبدو ان هذه العقوبة حفزته لان يكون اكثر اصراراً واندفاعاً نحو ولوج عالم الصحاة ويروي الكاتب والصحفي عكاب سالم الطاهر “ابو شاهين” في كتابه هذا هجرته من العراق واقامته في سورية حاملاً معه وثائقه وقلمه واوراقه وذكرياته ورغم آلام الغربة الا انه انصرف الى الكتابة الصحفية اولاً ثم باشر بكتابة كتاب حمل عنوان “موضوعات في الكتابة” صدر عام 2008 وقد حظي الكتاب بأهتمام واشاد فيه الكثيرون سواء داخل العراق او سوريا وانت تقرأ الكتاب تتوقف صراحة امام محطات كثيرة وهي لا شك محطات ممتعة ترغمك على قراءتها والاستمتاع في افيائها واحست للكاتب عكاب قدرته في هذا السرد التفصيلي للاحداث ليجبرك ان تكون في قلب الصورة او الحدث الذي يريد الوصول اليه خصوصاً عندما يتحدث عن دخوله معترك العمل السياسي وما جره من ويلات عليه تمثلت بمطاردة السلطات الحاكمة يومذاك له واعتقاله بين الحين والاخر لكنه لم ينحن او يتراجع عن ثوابت آمن بها ومعتقدات وافكار ادرك صوابها وهي لذلك تستحق كل معاناة ومكابدة .. وقد دفع الرجل فاتورة ذلك باهظة ليس هو فحسب بل والدته رحمها الله التي كانت تتبع اخبار ابنها المسجون هنا او هناك حتى توفاها الله فرثاها “ابو شاهين” رثاءً يليق بها وبتضحياتها الكبيرة وللأمانة ان الكتاب الذي طالعته بشغف يستحق ان يكون مرجعاً لكل من يشتغل الان في الصحافة لما تضمنه من قصص ومواقف رائعة وتجارب اسيرة ومخزون كبير من الاسماء والحوادث التي ستبقى في الذاكرة فشكراً لزميلنا عكاب سالم الطاهر على هذا الجهد الرائع وهذه الالتقاطات وخاصة في المشهد الصحفي العراقي مع الامنيات والدعوات بالصحة والديمومة لليراع الذي سطر هذا الكتاب وتحية لصاحب اليراع المبدع عكاب.