التصنيف: ثقافية

  • القادم من ملحمة الطف

      نعم…هو القادم من بعيد، كي يبقى أبدا بعيداً…عن أي معنى لا يعطي للشهادة حق زهوها به بعد أن ختم الحسين (ع) زهو ذلك الزهو بلا حد، بل للحد الذي جعل البعيد يبقى قريبا -إلى الأبد- من وعي هواجسنا، ألقا إثر ألق… شوقا إثر شوق، الى الطف بوابة الخلود وخلاصة معنى، تجسد روحا في جسده المسجى ليبقى عابقا في ذواتنا وضمائرنا خشوعا وجلالا للأبد.

      هي ملحمة الندرة والفرادة في السمو الأزلي صوب أعمق وأثرى معاني الوقوف بوجه الظلم، لمن يعي حجم ذلك السؤال -الصعب كلما توالى علينا الزمن: (من الأبقى …الحسين ؟… أم قاتلوه؟)  

        فتفيض الإجابة عمقا وبعدا يتوحد، صوته وصداه معا في معنى العبارة: (مزيد من الزمن …لا يعني مزيدا من الخلود)، حين تتسع الرؤيا صوب تلك الملحمة لتضيق كل وسائل التعبير بالشعر والرسم والنحت والتجسيد وكل طقوس إحياء ذكراها، على هذا النحو من الخارق من البطولة والبهاء، ساعة يتجسد فينا فخرا وصبرا وانتماء مع خوالد تلك الأيام.

       وتلح علينا،هنا – مجددا-مقولة (هادي العلوي) مفكرا بحجم حيرة تلك الاستغاثة ووثوب هذا السؤال: (ما جدوى الروح…ان لم تسكن في فوهة بركان؟!) لتقطع الطريق امام بديهيات المواقف وبساطة التفكير بقيمة الحياة والوجود عكس ما كانت تنشدها الارواح الكبيرة والمعمرة في نسيج الزمن و ثنايا التأريخ وبلاغة الاحساس الاسطوري بالبطولة، كما كان يرتل ذلك جهرا الحسين (ع) ليعيد شكل نضاله الحر وحزم سيره المهيب نحو ناصية الخلود،ويضع الحدود تلو الحدود التي تفصل الشر ومعاقله،عن مسارب الخير ليسمو  بحمل مشاعل نور الحق بيد (أبا عبدالله) ثائرا وشهيدا متفردا إلى الأبد.

        ومن ألق ملحمة الطف توالدت أساطير مواقف وأينعت حكايا وتوافدت قصص عمقت ثقة البطولات بشفاعة الشهادة والثبات، ومن حقنا نحن اليوم-أن نعيد وهجها تطلعا وانتفاعا بمراميها العظيمة تذكرا بأبهى أفعال ومآثر أبطالها وثوارها علامات جوهر الشجاعة وسمو عنفوان الفداء انتصارا وتعميما لمعنى الخير كما  هو الحسين(ع) ورهطه الأطهار في واقعة الطف. كي نعيد صيغ انجازاتهم وتجسيدات بطولاتهم في متاحف الذكرى، لتقص وتحفظ للأجيال عظمة ما تصنع المعجزات،وهي تجعل من الإنسان كائنا متفردا في ملكوت الأرض والسماء كما فعلت من قبلنا شعوب نحجت وتعمقت في سير وسجلات ومنجزات ومآثر أبطال وقدسيين عبر أعمال ملحمية بصرية وشعرية وأعمال سيمفونية وجدت نفسها تملأ قاعات المتاحف والمسارح  وأناشيد طرزت صفحات الكتب ولوحات زينت جدران الكنائس والكاتدرائيات في الكثير من بقاع العالم حتى أضحت تلك الانجازات مزارا ومراجع حية وهي (أي تلك الملاحم الأوربية) – عذرا- لم تصل بحجم وفعل ونتائج ما حملت وجادت وجاءت بها ثورة الحسين(ع) من زهو مآثر وما صنع أبا الشهداء من معجزة مواقف وومضات استشهاده القدسي المهيب،نرى متاحف تتحف جوانب حية-متجسدة من ملحمة القادم من ملحمة الطف، وبحجم تلك الأساطير الخوالد. 

  • أصدقاء الكهرباء

    أظنها المرة الأولى- في حياة علاقتي المستدامة مع تواصل (زحف) ضعف خدمات الكهرباء في ربوع بلادنا حتى بعد تجاوز ميزانية حكومتنا الرشيدة المائة مليار دولار- التي أشمر فيها عن سواعد (قلمي) ليقف جنب مجال حيوي-تربوي-إرشادي اتبعته إحدى مديريات كهرباء بغداد منذ سنوات، كان قد أثار اهتمامي، بحق يتعلق بمحنة أهلنا (من جماعة الكهرباء)، لا أقصد هنا -طبعا- نادي الكهرباء الرياضي، والذي تحول اسمه -منذ زمن مضى- إلى نادي الصناعة،بل أقصد محنة وزارة الكهرباء،التي سجلت رقما قياسيا في سجل حالات من العزل والفرار أو الاضطرار بطلب التنحي أو الاستقالة لكل من(تجشم) حمل حقيبتها طوال عقد من الزمن،ولم تتحقق-للآن- معجزة توفير نعمة الكهرباء،بالشكل الذي تطمح اليه وتتوقف عند ظروف توفيره أفقر بلدان العالم، ممن لا تتجاوز ميزانيتها عشر معشار ما وصلنا اليه، بعد أن طفرت واجتازت ميزانيات عراقنا الجديد حواجز وموانع  أرقام فلكية، كان يمكن لها أن توفر لنا (نزهة) التمتع بكهرباء، ذات كبرياء متواصلة على مدار خمس وعشرين ساعة في اليوم، بدلا من الأربع والعشرين ساعة المعروفة في حياة عمر يومنا المعتاد!!

      نعود إلى علاقة موضوع أو حكاية (أصدقاء الكهرباء) الذي هو رأس الحربة في مفصل هذا العمود، بعد أن تتعمق وتتضح ملامحها وتبان مياسمها، اقتفاء أثر خطوات الجهد المهني والحس الوطني -واقعا وحلما- في فحص ومتابعة ما اتبعه زميلنا الاعلامي المخضرم (صلاح غازي إسماعيل) مدير اعلام المديرية العامة لتوزيع كهرباء الكرخ، من وعي ومثابرة وحرص في فهم حجم المعاناة وتطويع ما موجود ونزر ما متوفر من طاقة كهربائية.

    لقد سعى صديقنا لترسيم حدود التثقيف والتوعية والإرشاد بإتباع صيغ ووسائل مباشرة، غير تقليدية -تماما- لدى اقتراحه تنفيذ إقامة مهرجان حمل عنوان (أصدقاء الكهرباء) ويحقق دورتين (الأول/2007والثاني/2009) متجاوزا ظروف الطائفية المقيتة وخرائب ودمار الإرهاب في الحيز الذي عمل فيه -بتناسق وتناغم وتحد مدروس بقوة الارادة واليقظة، ما بين استجابات دائرته (كهرباء الكرخ) وتعاون (دار ثقافة الاطفال) بطول باعها وخبرتها بعوالم الطفل وتربية مخيلته، حوى المهرجان بدورتيه صدى ما قدم من/مسرحيات/أوبريتات/مشاهد كوميدية/فعاليات فرقة السنافر/ معارض فوتوغراف/ أنشطة ثقافية متنوعة، ترواحت ضخ مفاهيم حرص وتعليم الأطفال أهمية الحفاظ عن الطاقة وعدم تبذيرها، بنهج تربوي-حضاري.

     ولم تنقطع محاولات (صلاح غازي) الذي اعتاد أن يدع نشريات دائرته من مجلات ودوريات وملصقات و(ألبومات صور) وتوثيقات هي من تتحدث، لدرجة اعتقدت حال تجوالي بين كل تلك المنصفات الورقية والفلمية وتواصل تعاونه مع (دار صديقي للاطفال-مؤسسة الشهيدين الصدرين) و(المركز الثقافي للطفل)،أن وراءه مؤسسة اعلامية كاملة الملاك والتفكير والرؤى وفق ما متوفر ومتاح لدى (صلاح) الذي يحيى جهد العمل مقرونا بروح نبض عمل الجماعة داخل قيمة عمل وأثر حقيقة الإعلام الحقيقي،على أقصى ما يجب عليه وينبغي…بالهدوء والتواضع والوطنية التي يتمتع بها من هم من أمثال (صلاح)، لا أولئك الذين يملأون أجواء الفضائيات ووسائل الإعلام كلاما فارغا وتصريحات مجانية تطلق هكذا مثل بالونات، سرعان ما تتفرقع وتنفجر هباء في الهواء.!

  • نعمة النسيان

    للأمانة… لم ترد على بالي أغنية ميادة الحناوي (نعمة النسيان) إلا حين اخترتها عنوانا لعمودي هذا، فهي -والحق يقال- أغنية حزينة، معبرة ومشهورة، وقد تضاهي -عندنا- (كبة السراي) شهرة وصيتا، كما رأيت فيها ما يساند طبيعة الخبر المنشور على أحد مواقع الانترنيت -قبل أيام- والذي يتحدث عن سيدة بريطانية فقدت ذاكرتها بسبب إصابة في رأسها جعلتها تنسى ما مر بها من أحداث طوال عقدين ماضيين من الزمن.

      الخبر أخذني للأغنية، والأغنية (ودتني) الى تذكر استطلاع صحفيّ قمت به أنا -وأعوذ بالله من كلمة أنا- قبل عشرين عاما قريبا، بأخذ آراء عدد من زملائي الكتاب والأدباء والصحفيين عبر سؤال ماكر طالبتهم فيه أن يحذفوا أو يمنتجوا (من المونتاج)- لو تسنى لهم ذلك طبعا،وهذا مستحيل بالتأكيد- عشر سنوات من أعمار حياتهم وفق ما يشاؤون ويتمنون حذف تلك السنوات العشر أو عدم تذكرها -بمعنى وآخر-، جاءت أغلب إجابات الزملاء مخيبة -ليست لي- بل  لآمال وطبيعة وظنون واستراتيجيات ما كان يفكر فيه النظام السابق الغارق ببحور من حروب و محيطات من(بلاوي) حصارية وأخرى قمعية وغيرها من معاول نحر الأماني والأحلام التي حاول المستجوبون عبور حقول ألغام ذلك السؤال (الورطة) بمجسات حذر ووعي واحتراز، لم يحرز غير تأجيل ذلك الاستطلاع وإلغاء فكرته اللعينة -جملة وتفصيلا- وانتهت برمي أولياتها كاملة في سلة المهملات راضيا بقرار شاركني فيه صديقي الشاعر المبدع عبدالزهرة زكي، أيام كان رئيسا للقسم الثقافي في جريدة الجمهورية حين كنا نعمل معا في آخر محطة لي عام2000 في الجمهورية (الجريدة) التي أحب وأعشق وأشتاق للآن.

          يلخص الخبر المتعلق بالسيدة البريطانية، واسمها (كاي ديلاتي)وعمرها (55) عاما، بأنها تعرضت الى ضربة مفاجئة في الرأس، نتج عنها تعطيل غريب في ذاكرتها، إذ توقفت الذاكرة لديها عند حدود عام/1990ولم تعد تتذكر ما حدث لها من مواقف واحداث قبل ذلك التأريخ، الى درجة لم تتذكر -أصلا- أن لها ولدا شابا يبلغ من العمر عشرين عاما يدعى جيمس، كما أنها غير مقتنعة بأن ابنها البكر ويدعى (كيني) قد بلغ من العمر(27)عاما، وابنها الآخر (الوسطاني) واسمه (ساندي) هو الآن بعمر (22) عاما.

         لكن من جملة ما تتذكره  هذه السيدة (المكرودة) ان ولديها المذكورين ما زالا طفلين صغيرين، ولم تقتنع بأن والديها غير موجودين على قيد الحياة! وحين تعرضت -من قبل مختصين- الى مجموعة من اسئلة عامة، جاءت إجاباتها -مثلا- أن (مارغريت تاتشر) المرأة الحريرية – كما يطلق عليها في سيـــــاق فيلم سينمائي تناول حياتها ونال أحدى جوائز الأوسكار هذا العام،أو العجوز الشمطــــــــاء كما كان يحلو للقائد (الضرورة) ووسائل إعلام نظامه السابق أن ينعتها بذلك- لم تزل رئيسة لوزراء بريطانيا، كما أدعت انها سمعت بوجود شخص يدعى(توني بلير)،ولم تعلم بحادثة موت الأميرة ديانا و مفاجآت أخرى جعلتها تجهش بكاءً مرا .

         هنا- أسأل…هل النسيان- فعلا- نعمة؟ أم الأمر ينحصر -فقط- بمن تمتلئ ذواكرهم بالموت والمخاوف والحروب وانقطاعات مزمنة للكهرباء؟!

  • بطاقة التموين مع حبة زيتون

    ثمة معلومة لا أظنها عادية،بل وجدتها مدهشة-حقا- بالنسبة لي، تفيد بأنه (لا يمكن طي أية ورقة مهما بلغ حجمها…لأكثر من سبع طيات)،سبع طيات فقط، كما لمحت تعريفا طريفا يلخص معنى كلمة (الخ) والتي عادة ما نستعملها في الحديث أو الكتابة، تعبيرا عن تفادي كلمات متلاحقة ومتوقعة الخ…الخ .ينحصر ذلك التعريف الطريف بان (الخ) تعني (علامة توحي للآخرين،بأنك تعرف أكثر مما قلت) ولعلي من الذي لا يحبذون استعمالها، لكني أشعر بالحاجة الى استعمالها الآن سأحتاجها، كما أحتاج معلومة (طي الورقة بسبع طيات) مستذكرا أغنية (الثعلب فات فات وبذيله سبع لفات) حين كنا نرددها صغارا،أيام لم نكن نعرف أو نتعرف بعد على (مجد البطاقة التموينية) قبل وبعد قرار الغائها المباغت من قبل حكومتنا الرشيدة،بعد أن تدارست أوضاع الشعب وناقشت المشاكل المتتالية والمتفاقمة جراء ما لحق بمواد البطاقة من نقص وغش بطبيعة ونوع المواد المستوردة،ثم توالي حوادث سرقة وتخريب وتزايد(تفنن) الوصول الى الفساد الذي تسبب بـ(طيران) وزير من منصبه واتهام آخرين وتورط مسؤولين الخ…الخ من عوامل وكوامل (من كمال) أدت الى شحوب ونضوب الكثير من مفرداتها المواد والتي هي بالأساس، قوت الشعب الذي ضحى وضحى وسيضحي الخ.. الخ من أجل ان ترضى عليه الحكومة،التي قطعت دابر كل تلك المشاكل والشكوك ووضعت حدا قاطعا للظنون والعيون المتلصصة والمتربصة لسرقة قوت أفواه شعب تأتي بلاده اليوم في المرتبة الثالثة من بين أعلى دول تملك احتياط نفط في العالم، ولتطوي حكومتنا الرشيدة ورق البطاقة التموينية سبع طيات،وترمي وراءها(سبع حجارات) لكي تصبح  البطاقة- برمتها- التي رافقت حياتنا في كفاف الحصار وسنوات الحاجة والحروب والندوب وتوالي سنوات الخوف والموت والارهاب، لتمدد مرافقتها لنا لاكثر من عشرين عاما كانت فيها هذه البطاقة وثيقة مهمة من وثائق اثبات عراقيتنا الحقة، لكنها الآن في خبر كان، بفضل جرأة ذلك القرار الجرار الذي وافق عليه مجلس الوزراء بغالبية أصوات ساحقة، لم يمتنع أو يعترض فيها سوى وزير واحد فقط .!!

         ولأنكم -حتما- يا جماعة الخير…عرفتم بقيمة المبلغ المخصص للفرد الواحد من واردات النفط، مقابل ذلك الإلغاء المبرر من وجهة نظر الحكومة (هو أنا اعرف أكثر من الحكومة،ما يرددها عادل امام في مسرحية،شاهد ما شافش حاجة) بما يوفر لكل فرد ثمن (لفة فلافل) عادية، وليست ( لفة دبل أم السمسم) في اليوم الواحد!!

      سأطوي -بعد ما ورد- ورقة عمودي هذا سبع طيات هذا، لأحدثكم عن محاولة تدبير واحدة مدهشة أقدمت عليها شركة خطوط جوية امريكية (اميركان اير لاينز) لتوفر (400)اربعمائة ألف دولار في عام/1987 مقابل الاستغناء عن حبة زيتونة واحدة من كل صحن سلطة كان تقدم للمسافرين من ركابها في عموم رحلاتها، بالمناسبة احتجت -هنا- أن أذكر مثل (عرب وين.. الخ ..) من باب الاضطرار، ليس إلا.

  • واذكروا «أموال» موتاكم

    علينا أن نتفق -سلفا- بأن ثمة فرقا كبيرا بين موت وموت، فثمة موت (سريري) وآخر (افتراضي)، فهنالك من الناس من يتمنى الرحيل عن مطامع الدنيا ولذائذها الزائلة، تواقا مؤمنا في الوصول إلى عتبة دار الآخرة لمواجهة ربه بقلب خاشع ودود من فرط ما يحمل من نفحات الأيمان ورحمة وعظمة الخالق الكريم، وغيرهم من يموت لمجرد أن يترك منصبه أو يغادره متخليا -شاء أم آبى- عن كل منافع ومدافع وامتيازات مجد ذلك العرش وإغراءات المنصب، الذي جعل الكثير ممن يشملهم هذا الداء الفتاك أن (يتبسمروا)- بامتياز وإقبال منقطع النظير- على كراسي السلطة ومناقب الرئاسة، حتى ولو دفعوا بشعوبهم -جميعا- نحو الجحيم والهاوية، من أجل أن يبقوا -مدى الحياة- فوق قمة الهرم… ولنا في تأريخ أمتنا العربية المعاصر ما يؤكد ويزيد من عزم أمثال هؤلاء على الاحتفاظ بسرايا ذلك (المجد اللعين) حتى بعد ترك كراسيهم بفعل هبوب رياح الغضب الشعبي والجماهيري ونتائج عواصف التغيير الحتمي التي اجتاحت عالم اليوم، لتزحفت على عدد من الدول العربية، من التي ابتلت بقادة ووجوه أرادت أن تعمر أبدا، وأن تورث السلطة وتسلم  مقود الحكم لمن بعدهم من القادة الأبناء والأحفاد حتى (سابع ظهر).

      ولأن أموال العرب كانت وستبقى مشروع نهب دائم وتفريط قائم على المخاتلة في طبيعة الادخار وطريقة الاستثمار وحجم تواجدها في بنوك أوربية وعالمية، بموافقات وتوصيات قادة هذه الأمة -بكل تأكيد-، فأن اللعنة ستستمر -على ما يبدو-  حتى بعد موت ورحيل بعضهم من الناحية (الافتراضية) كذلك (السريرية) ممن شملتهم لوائح ما سميت بـ(ثورات الربيع العربي) جراء عمليات نهب وتهريب وتبذير للمال العام، من قبلهم ومن قبل من تعاون ومن قبل السراق الذين تسنى لهم الاستحواذ عليها بشتى الوسائل والطرق اللامشروعة، بكل الاعراف والاحوال… والا ما الذي دعا وزارة الخارجية السويسرية،أن تلعن -قبل فترة قريبة- وعلى لسان رئيس إدارة القانون الدولي بتلك الوزارة المدعو (فالانتين تسيلفيغر) الذي تقدم بأحدث وأجدد البيانات عن مصير هذه الأموال المجمدة منذ أوائل عام/2011موضحا:(أن سويسرا جمدت نحو مليار فرنك سويسري،أي بما يعادل- مليار فارزة صفر سبعة دولار- من أموال منهوبة،مرتبطة بديكتاتوريات سابقة في اربع دول في قلب ثورات الربيع العربي،هي مصر/ليبيا/سوريا/وتونس) حسب نص الخبر الذي نشرته وتابعت تداعياته وكالات أنباء عالمية،فيما نبقى نحن -من تتحرق قلوبنا حطبا وعقولنا استغرابا- في حيرة نوبات من التفكير المضني والمتعب في فهم وتفسير عجائب وغرائب،ما يحصل لنا حتى بعد رحيل من أبتلينا بهم احياء وأمواتا في نفوس شعوبهم ووقائع ما تركوا من مصائب ونكبات وأمراض، ولمن يقول:(وأذكروا محاسن موتاكم) سنقول: نعم وسنذكر ايضا (أموال) أولئك القادة والرؤساء،ممن تركوا ثروات شعوبهم الجائعة، لقيمات (من اللقمة) سائغة في أفواه بنوك تلك الدول المترفة حد الرخاء والتخمة.!!

  • ثقـافـة…«بس بـالاسـم»

       لم يأتي ولعي باستثمار استخدام أسماء بعض الأغاني العراقية- ذات الشهرة الرائجة كما يحصل اللآن حين اتكأت على عنوان أغنية للمطرب مهند محسن (عزيز… بس بالأسم)- الا ترويجا لعناوين بعض من أعمدتي الصحفية،لما فيها (أي تلك الأغاني) من لوعة وشجن وحيف وأثار حزن و صدق تعبير و مرارة سخط، ساعة(تسود الدنيا) بعين هذا العاشق أوذاك، حين يجافي هو أو يجافيه محبوبه…و لاني لم أزل عاشقا مدمنا للثقافة العراقية- وهذا ليس ادعاء- تلك الثقافة التي وصفها- يوما- لناقد الكبير(محمد الجزائري) ب(البلدوزر) في حوار جمعني به برنامج (الثقافة في الصحافة)الذي كنت اعده و أقدمه لشاشة تلفزيون بغداد الثقافي بداية التسعينات،لقد تفجر ذلك الوصف حماسا وتثمينا لاختصار قوة ورصانة وأهمية وتنوع مسارات جوانبها وثقلها ونبض حيويتها وتأثيرها الحضاري و الانساني  لما تحمله من سعة وحجم وأثر راسخ بجذور عميقة في الأرض.

       كما لم تأتي هذه المقدمة الا استثارة، بل تكاد ان تكون استغاثة صارخة بوجه كل الجهات والمؤسسات والمنظمات الرسمية وغير الرسمية،بدأ من أسفل هرم المسؤولية ثم صعودا الى أعلى…أعلى تلك المستويات،بان يوقفوا محاولات استغلال أسم (الثقافة)  لصالح أغراض و نوايا تجارية رخيصة جدا،راحت تحط من قيمتها وتهدر كرامتها،من خلال غايات و(زواغير) أخذت تسلكها بعض الجهات والاتحادات المتسترة والمستترة ببراقع أسماء ثقافية واعلامية،تحمل يافطات تعلو واجهات تلك المباني والمحلات،كي تشير بالوهم والغاية المبيتة الى هذا المركز (الفلاني) الثقافي الترفيهي للاعلام الديمقراطي ،وذلك الاتحاد (العلاني) أو تلك الجمعية (العلانية) الثقافية الترفيهية في مناطق مهمة وحيوية من العاصمة الحبيبة بغداد،وغيرها من توالي اختيار اسماء وعناوين بارزة تدعي صلتها الجائرة والمتطاولة على شرف وضمير مهنة الاعلام،وتأريخ وسمعة ثقافتنا الوطنية لكي تهدر و تهان تحت لافتات ومسميات وهمية لنوادي ليلية وبارات ومواخير … لسنا- قطعا – ممن يضيق  على انفاس الحرية الشخصية والميول والاهواء الخاصة بالأفراد  عبر الفتنة والتحريض،وصب الزيت على نيران الازمة التي عادة ما تشتعل بخصوص غلق النوادي ومحال بيع الخمور،ثم سرعان ما تخمد بذرائع ومسببات منها مقنعة، ومنها لم تزل غامضة ومحيرة لحد الآن … لكنا – قطعا- بصدد الدفاع عن جوهر وقيمة الثقافة واعلامنا الوطني الذي قدم الكثير من فرسانه وأقلام ابطاله الشجعان قرابين للحقيقة التي نسعى نحن جميعا على اعلاء شأنها في عراق الحاضر والمستقبل-الحلم الذي ننشده ونتوق اليه،وما الثقافة والمعرفة الا عناوين بارزة و كبيرة ودعامات راكزة،متماسكة في حياة الشعوب التي تعي معنى أهمية وجودها في مجهر الثقافة،حتى لتقف بكل ثبات وضراوة في وجه كل من يتجاسر عليها،فالثقافة بحد ذاتها حياة، من هنا نخشى على ثقافتنا ان تفارق الحياة،لو بقينا نتساهل مع من يستغل أسم الثقافة هكذا… ياجماعة الخير.

  • تمارين في الديمقراطية

    حين سألت بعض أصدقائي الرياضيين والمهتمين بهذا الشأن عن أصل تسمية العاب الإحماء، أي تلك التمارين الأولية والبسيطة والتي يمكن أن يزاولها أي شخص بيسر وسهولة بالألعاب السويدية، أجاب من تسنى لي الثقة بمعلوماته، إنها جاءت بجهود الشخصية الرياضية الفذة (أكرم فهمي) مؤسس الألعاب الأولمبية في العراق، منذ عام/1948،أما تسميته تلك الألعاب بـ(السويدية)  فأنها تعود-أيضا-الى جهود الراحل (أكرم فهمي) حيث درس وتخصص بالتربية الرياضة -هناك- في السويد، وقام بنقلها إلينا -هنا- في العراق ،مشيرا وموجها الى ضرورة إدخالها ضمن المناهج الدراسية، أيام كان درس الرياضة لا يقل أهمية عن درس  الرياضيات، لان تلك الحركات التمهيدية تفيد لغرض الإحماء وتسخين الجسم عبر سلسلة تمارين عامة، تسبق أية ممارسة لاي نوع من أنواع الرياضات، كي تتهيأ وتنشط عضلات  الجسم والدماغ وباقي الأعضاء لاجراء تمارين وممارسات أصعب  واعقد منها.

        يبدو أننا في العراق الجديد وبعد الإطاحة بكرسي الدكتاتورية وإسقاط نظام الطاغية، وبعد سير كل سنوات التغيير الماضية  من عمر وحياة دخولنا (عش الديمقراطية) وقفصها الذهبي، لم نزل نحبو نحو ممارسة نوع من تلك التمارين التي تشبه الألعاب السويدية، وأننا بحاجة الى تقوية عضلات مسؤولينا من السياسيين والبرلمانيين ومن هم بمرتبتهم، من أولئك الذين يسهمون بصنع القرارات الوطنية الكبرى والمصيرية بغية النهوض بالعملية السياسية، التي لم تزل تراوح في ساحات وميادين التشكيك والتناحر العلني والملموس، فلا يمر شهر أو شهرين -بل أقل- من عمر المصالحة الوطنية والأمل المرتجى بجني حصاد الشراكة، حتى تندلع نيران  الخلافات وتتعالى أدخنة الأزمات،وتتوالى زخات أمطار النار والثأر، لتعيدنا الى أقصى حافات المربع الأول من رقعة التنافس الملازم للعملية السياسية ملازمة المدافع للمهاجم الخصم في لعبة كرة القدم، مثلا،وسرعان ما تنفتح أبواب الحجج باللبس والتسويف والترويج لعدم فهم  طبيعة ومديات الصلاحيات الممنوحة لهذا الطرف،أو لذلك المنصب،أو عدم وضوح هذه الفقرة أو تلك من الدستور،والأدهى أن بعض الأطراف التي سهرت وساهمت بوضع دستورنا،هي أول من يعترض على بعض فقراته (حين يضمه الضيم،وتتقاطع مصالحة الآنية،مع جوهر تلك الفقرات)،الأمثلة كثيرة والمواقف والسوالف و(الدالغات) أكثر حول واقع نمو ديمقراطيتنا الناشئة بتحديث لافتات واهية، لاهية بأيامنا وأرواحنا تقف لتشير وتؤكد بأننا لم نزل في حاضنات الأطفال الخدج أو حديثي الولادة في مهودها،وأننا بحاجة الى رعاية وعناية كي ننمو بشكل صحيح وسليم،يناسب ثقل ووزن وحجم وهول ما تركه  فينا النظام السابق  طوال عقود حكمه الطاغي والباغي بحق الحياة الحرة وأساليب نحره لها، وأن علينا أن نوازي ونداني ما موجود في دول العالم المتقدمة من ديمقراطيات مختلفة منها التقليدية المعروفة،ومنها اللبيرالية الجديدة، وأخيرا، فثمة طريق ثالث لها يسمى بـ(الديمقراطية الاجتماعية)الساعية لتحقيق الحلم بالرفاهية الشاملة،عبر حماية المواطن من المهد الى اللحد،وما علينا سوى الصبر والمطاولة والتفاني بالاستمرار وإجراء التمارين الأولية اللازمة للوصول إلى طريقها الأول، برغم انه لم يزل بعيدا ونائيا عنا حتى الآن.

  • نحن لا نزرع البطاطا

    أذكر من جملة ما أتذكر بأن فيلما مصريا نال اقبالا شديدا -استمر لأشهر متتالية- حال عرضه في إحدى سينمات بغداد بداية السبعينات …(أيام كان لنا صالات عرض ودور سينمائية، لم تكن لدى الكثير من دول المنطقة مثيلاتها من جميع النواحي وعلى مختلف المستويات) أما بغداد (اليوم)- يا سادة،يا كرام- مدينة بلا سينمات…فتلك كارثة…كما وصفها الفنان المسرحي (عزيز خيون) في سياق حواري أجريته معه -قبل فترة- لإحدى قنواتنا الفضائية…وما يهم أن اسم ذلك الفيلم هو (نحن لا نزرع الشوك) للمخرج (حسن كمال) والمأخوذ عن قصة (يوسف السباعي) قامت ببطولة المطربة المعتزلة الدلوعة(شادية) كما أذكر أن أغنية الفيلم الرئيسية كانت باسم(والله يا زمن!) أبدعت بأدائها(شادية)،مثلما أبدع بتحويلها مطرب الأغنية الفراتية(سعدي الحلي) إلى شجن عراقي خالص فاق حزن وشجن تلك الأغنية.

    ولأن هدف هذا العمود، يرمي الى أبعد من مرمى ذلك الفيلم وأغنيته الشهيرة، كما لا ينوي مناقشة أسباب غياب وانعدام وجود السينمات في عموم محافظاتنا ومدننا،عدا إقليم كردستان-طبعا-،فهي مؤلمة حقا (اي تلك الأسباب)،لذا سيتوقف عمودي اليوم- بكل ما فيه من غيرة وحيرة واستغراب- عند حدود الاهتمام بتحقيق طريف، يحتفظ بالمعلومة العلمية الدقيقة،الى جانب الترويج لسمعة وعراقة ذوق شعب تلك الدولة التي يزرع بعض، أبناؤها نوعا نادرا من (البطاطا) يصل سعر الكيلو غرام الواحد منه الى(700)دولار،ولمن من يهمه هذا الأمر من المزارعين وممثلي وزارة الزراعة و وزارة الري-عندنا- أن من يهتم بمتابعة مثل هذه الامور النادرة والطريفة،نضيف لمعلوماته،بأن هذا النوع من(البطاطا) المسماة (ليبونتي) والذي يزرع -حصريا- في جزيرة فرنسية تسمى (نورميوتور) لا يتم سوى انتاج عشرين طنا سنويا-فقط- من هذا المحصول، الذي يعد الأغلى سعرا في العالم، بحيث تتنافس على شرائه أشهر وأرقى المطاعم والفنادق العالمية، كما أنه يحتل المرتبة الخامسة في قوائم أغلى الأطعمة بعد الزعفران/البندق/الكافيار/الكمأة البيضاء، ويمتاز -فضلا عن ندرته- بطعم مالح لذيذ جراء تمتعه بنكهة ترابية مميزة، جراء تسميد حقول هذا النوع من البطاطا المدللة، أو كما تسمى احيانا بـ(ملكة البطاطا)، بإضافة الطحالب والأعشاب البحرية الى تربة تلك الجزيرة التي يحرص القيمون على رعاية شأن الزراعة فيها على الاحتفاظ بهذا الامتياز، وهم يعللون ان ندرة هذا النوع يعود إلى كون درنات البطاطا بعد نضجها تبقى، متصلة بالعنق مما يصعب حصادها بالآلات خشية تعرضها للتلف، لذا يجب حصادها بالأيدي بعناية ودقة، بعد أن زراعتها بداية شباط من كل عام ليتم قطفها في الأسبوع الأول من مايس، وللحفاظ على نكهتها تشحن مباشرة للفنادق والمطاعم الفاخرة في نفس يوم القطف، ليتم تحضيرها ضمن وجبات مدهشة -وباسعار نارية- من قبل أمهر وأشهر الطباخين.

    بقي ان نعرف بأن محبي بطاطا (ليبونتي) قد اسسوا موقعا لها على(الانترنيت)يتناول كل ما يتعلق بها،فلا تعليق..ياجماعة الخير..اذا ما تعلق الأمر بسمعة جميع محاصيلنا الزراعية-رغم اننا لا نزرع البطاطا- سوى ترديد أغنية (والله يا زمن)على طريقة الراحل (سعدي الحلي) وليست (شادية).!!

  • خذوهم شباباً

    يأتي توجيه وزارة الثقافة… بتنفيذ قرار هيئة (الرأي) التابعة لها رقم (7) والمتخذ بالجلسة الثالثة والعشرين والمنعقدة بتأريخ 27/ أيلول الماضي -والذي وقعت بيدي مصادفة نسخة منه- تأكيد حقيقيا وفاعلا على ضرورة(مشاركة أكبر عدد من الشباب من خلال تقديم أعمالهم ونتاجاتهم في كافة الميادين ضمن فعاليات مشروع بغداد عاصمة للثقافة العربية)كما نصت ديباجة كتاب وزارة الثقافة بالرقم (5295) الصادر في الثامن من شهر تشرين أول الحالي، معللة بعد ذلك اكمال نص تلك الديباجة بهذه العبارة(من أجل فتح المجال امام نشاطاتهم وتشجيعهم)،ولعل هذا التعميم الذي وزع-حتما- ووصل-الآن- لجميع الدوائر المعنية،قد دخل حيز التنفيذ،خاصة وان فعاليات هذه الظاهرة الفكرية والثقافية والفنية بكل الابعاد والمسميات الحضارية التي تليق بالحبيبة (بغداد) أن تكون بأبهى ما هي عليه في مضامير أبهة الوعي الانساني بعلو وسمو قامتها ومقامها الأثير في قلوب محبيها الحقيقيين وعشاقها الأزليين.

        توجيه كهذا -وفي هذا الظرف بالذات- يضع من سيقوم بتنفيذ ذلك-من الناحية الواقعية والمهنية- امام مسؤولية كبيرة في تنشيط دور الشباب عبر زجهم مع جوانب خبرة المحترفين من مختلف مراحل عمر الابداع،وعلى مختلف نواحي الابداع المعرفي والثقافي، كما يؤمن لنا سعة النظر وعمق الإحساس بأن هنالك من يبني ويعبد الطريق نحو مستقبل صحيح وواضح في فهم ما تحتاجه سبل الحياة الحرة عبر انفتاحاتها على الجيد والجديد في رسم معالم التقدم، وليس أجدر من الاعتماد على طاقات وملكات الشباب، في تقريب حجم المساحة بين اليوم والغد القريب والبعيد، وما مسعى ذلك التوجيه، والذي نريده عمليا -علميا- واقعيا-موضوعيا، إلا تثمين حي للجهود والأحلام التي تراود شبابنا وتتيح للآمال والأمنيات التي تخالج مجموعات كبيرة من المبدعين التواقين، أن تتحقق وأن تحقق ذواتهم وتطلعاتهم وتقيس درجات مواهبهم.

      مسعى كهذا يراد له- بعد كل ما ورد- أن يتابع بحرص وتقييم نوعي في طريقة تطبيقه،من خلال الإشراف على تنفيذه، ومن قبل لجان متخصصة تستطيع وضع الموهبة المناسبة في مكانها الأنسب، كي لا يضيع جوهر الفكرة ونبل الغاية وسلامة المسعى بين محسوب ومنسوب، أو بين صديق ومحبوب، يبعد هذا ليأتي بذاك على حساب العواطف والمشاعر والإخوانيات، التي استباحت -بقصد أو لا قصد- الكثير من الفرص لصالح بعض المصالح الضيقة، من تلك التي لا تنظر للحياة ومستقبل البلاد، الا بحدود مصالحها وأنانية وجودها المقيت.

        (خذوهم شبابا)…إذن.. بهذا الانحياز الإبداعي يرفع توجيه وزارة الثقافة -ضمنا- شعارا تنافسيا،نراه راح يبحر  في مراسي الأصلح والأنفع من أجل تفويض اختبار الموهبة وتسديد خطاها، كي تتعلم وتستفيد أو تنهض لتصيب مركز الهدف، ونحسبها مناسبة سانحة لمد جذوة حياتنا القادمة بنبض دماء جديدة حارة ومتدفقة بشوق نيران أمانيها وتثبيت حضورها،ضمن فعاليات عرس اختيار (بغداد) عاصمة للثقافة العربية/ 2013.                                    

  • خواطر (قد) أو (لا) تسرّ الخاطر

    بصرف النظر عن كون صفة (الوفاء) قيمة تصاعدية في سلم الارتقاء بالبشر والناس على مختلف اتجاهاتهم ومشاربهم -وان كان لبعض الحيوانات منها في حياتنا نصيب ولعلكم تعرفون ما أقصد وأصبو- لكنها (أي تلك الصفة) تبقى سمة راقية، حانية، بارزة في حياة من يعير لها وزنا مضاعفا، بل استثنائيا، كالذي حدثني عنه -عبر الهاتف من أو ظبي ولدقائق طويلة قبل أقل من أسبوع تقريبا- الموسيقار (سالم عبدالكريم) بصوت تمازجت فيه مشاعر من أسى وحسرة وحيف وأخرى من استغراب وامتنان لم تنقطع خيوطها طيلة وقت تلك المهاتفة، حول شخصية موسيقية وتربوية كان لها فعلها وأثرها الايجابي الكبير في تخريج جيل كامل من الموسيقيين من طلبة معهد الفنون الجميلة ومعهد الدراسات الموسيقية (النغمية) كانوا قد تتلمذوا على يد الأستاذ المربي ( باسم حسين محمد علي) الذي داهمه المرض وأخذ ما أخذ منه من صحة وشحة ما كان بحوزته من مال، لا يتعدى حدود راتبه التقاعدي الذي هو رأسماله الوحيد، كما عاش هو الآخر وحيدا، حيث لم يجد الى جانبه في رحله مرضه ودخوله مستشفى مدينة الطب، جراء عجز كلوي حاد غير طالبه الوفي (باسل مجيد رشيد) الذي أبى أن يفارقه لمدة ثلاثة وعشرين يوما متواصلة -بدون انقطاع- ترك فيها شؤون ومتعلقات عمله اليومي وبيته وعائلته -مضحيا براحته وصحته، ساهرا على آهات أوجاع وتنويعات عذابات الآم أستاذه وهو يعاني قسوة المرض وجفاء الأقارب و الاصدقاء وجحودهم طوال تلك الأيام القاسية التي عاشها الراحل، أي نعم الراحل الفنان المربي الزاهد (باسم حسين) الذي شهق بنفسه الأخير مساء يوم أمس الأول (الأحد 14/ تشرين أول الحالي) الى مثواه و(دار حقه)، محفوفا بموقف طالبه النبيل (باسل) الباسل، الذي ذكرني، عبر الهاتف -ايضا- قبل يومين من ذلك الرحيل، عن موقف نقابة الفنانين واتحاد الموسيقيين اللامبالي والمجافي لحالة أستاذه وأستاذ أغلب طلبة المعاهد الفنية، بل أستاذ الجميع على حد تعبيره، لحظة أخبرني بنبأ موته… مضيفا -بلوعة قاتمة- إلى قائمة أسباب ذلك الرحيل الموجع سوء خدمات المستشفى.

       معلومة عرضية تفيد بأن الفنان (باسل مجيد رشيد) كان يشغل منصب أمين سر اتحاد الموسيقيين حتى عام/2009 لكنه استقال مطالبا تعليق عضويته من ذلك الاتحاد حفاظا من ماء وجهه جراء مواقف وتصرفات وسلوكيات كانت تجافي طبيعة وحقيقة عمل الاتحاد المذكور، وكان بذلك أذكى -بتقديري- من مجرد الاحتفاظ بذلك المنصب، رافضا معادلة أو مفهوما أضحى متداولا، في لغة وقاموس من يفضل المنصب على الموقف، يقول: الى العلا حتى ولو على الخازوق، لكي يبقى وافيا مع نفسه ومع من يحيط به، كما فعل (باسل) الطالب مع المعلم (باسم)، في مقومات نظرية أطلق عليها صديقنا الموسيقار (سالم عبدالكريم) بعمق ولهفه استفساراته واستفهاماته (الهاتفية) -من هناك- بـ(نظرية الوفاء) تعبيرا صادقا، دالا عن جوهر موقف، بل مواقف ذلك الطالب النجيب.