نعم…هو القادم من بعيد، كي يبقى أبدا بعيداً…عن أي معنى لا يعطي للشهادة حق زهوها به بعد أن ختم الحسين (ع) زهو ذلك الزهو بلا حد، بل للحد الذي جعل البعيد يبقى قريبا -إلى الأبد- من وعي هواجسنا، ألقا إثر ألق… شوقا إثر شوق، الى الطف بوابة الخلود وخلاصة معنى، تجسد روحا في جسده المسجى ليبقى عابقا في ذواتنا وضمائرنا خشوعا وجلالا للأبد.
هي ملحمة الندرة والفرادة في السمو الأزلي صوب أعمق وأثرى معاني الوقوف بوجه الظلم، لمن يعي حجم ذلك السؤال -الصعب كلما توالى علينا الزمن: (من الأبقى …الحسين ؟… أم قاتلوه؟)
فتفيض الإجابة عمقا وبعدا يتوحد، صوته وصداه معا في معنى العبارة: (مزيد من الزمن …لا يعني مزيدا من الخلود)، حين تتسع الرؤيا صوب تلك الملحمة لتضيق كل وسائل التعبير بالشعر والرسم والنحت والتجسيد وكل طقوس إحياء ذكراها، على هذا النحو من الخارق من البطولة والبهاء، ساعة يتجسد فينا فخرا وصبرا وانتماء مع خوالد تلك الأيام.
وتلح علينا،هنا – مجددا-مقولة (هادي العلوي) مفكرا بحجم حيرة تلك الاستغاثة ووثوب هذا السؤال: (ما جدوى الروح…ان لم تسكن في فوهة بركان؟!) لتقطع الطريق امام بديهيات المواقف وبساطة التفكير بقيمة الحياة والوجود عكس ما كانت تنشدها الارواح الكبيرة والمعمرة في نسيج الزمن و ثنايا التأريخ وبلاغة الاحساس الاسطوري بالبطولة، كما كان يرتل ذلك جهرا الحسين (ع) ليعيد شكل نضاله الحر وحزم سيره المهيب نحو ناصية الخلود،ويضع الحدود تلو الحدود التي تفصل الشر ومعاقله،عن مسارب الخير ليسمو بحمل مشاعل نور الحق بيد (أبا عبدالله) ثائرا وشهيدا متفردا إلى الأبد.
ومن ألق ملحمة الطف توالدت أساطير مواقف وأينعت حكايا وتوافدت قصص عمقت ثقة البطولات بشفاعة الشهادة والثبات، ومن حقنا نحن اليوم-أن نعيد وهجها تطلعا وانتفاعا بمراميها العظيمة تذكرا بأبهى أفعال ومآثر أبطالها وثوارها علامات جوهر الشجاعة وسمو عنفوان الفداء انتصارا وتعميما لمعنى الخير كما هو الحسين(ع) ورهطه الأطهار في واقعة الطف. كي نعيد صيغ انجازاتهم وتجسيدات بطولاتهم في متاحف الذكرى، لتقص وتحفظ للأجيال عظمة ما تصنع المعجزات،وهي تجعل من الإنسان كائنا متفردا في ملكوت الأرض والسماء كما فعلت من قبلنا شعوب نحجت وتعمقت في سير وسجلات ومنجزات ومآثر أبطال وقدسيين عبر أعمال ملحمية بصرية وشعرية وأعمال سيمفونية وجدت نفسها تملأ قاعات المتاحف والمسارح وأناشيد طرزت صفحات الكتب ولوحات زينت جدران الكنائس والكاتدرائيات في الكثير من بقاع العالم حتى أضحت تلك الانجازات مزارا ومراجع حية وهي (أي تلك الملاحم الأوربية) – عذرا- لم تصل بحجم وفعل ونتائج ما حملت وجادت وجاءت بها ثورة الحسين(ع) من زهو مآثر وما صنع أبا الشهداء من معجزة مواقف وومضات استشهاده القدسي المهيب،نرى متاحف تتحف جوانب حية-متجسدة من ملحمة القادم من ملحمة الطف، وبحجم تلك الأساطير الخوالد.