المحاولة الناجحة -في أي منحى من مناحي السلوك البشري- تؤدي الى سلسلة من التجارب الناجحة حيث تكون مدعومة بثبات وتطوير تلك المحاولة، وهذا ما تؤكده -بلا استثناء- كل مدارس علم النفس في مجال تفسيرها وتحليلها لعمليات التعلم التي يتعرض اليها الانسان طيلة مسيرة حياته من(المحبرة) الى (المقبرة)أي بمعنى وآخر(من المهد الى اللحد)، وتتفق عليه كل نظريات تلك المدارس -من حيث الجوهر وليس المظهر- على ما أردنا البدء به مدخلا علميا وعمليا لمفارقة (أي نعم مفارقة) صادفتني قبل أيام، حيث كنت قد طلبت -كعادتي ومنذ سنوات- من إحدى الصيدليات المنتشرة في قلب شارعنا التجاري- حيث أسكن أنا في حي الأمين/المشتل- والمسمى بـ(شارع المطبك) علبة من حبات (فاليوم/خمسة) وذلك لحاجتي إليها كمهدئات أولية، بسيطة تريح أعصابي باللجوء النوم أو التخلص من ثقل الحياة وهموم الكتابة وروتينيات الواجبات اليومية، كذلك محاولات تناسي ونسيان معضلة الكهرباء الوطنية، ففاجئني جواب الرجل الوقور بشعره الأبيض كنديف القطن من وراء (كاونتر) صيدلية حملت اسم(سهير محمد غني)، ولا علاقة-طبعا- لهذا الاسم بالنحات الراحل الكبير (محمد غني حكمت)، بل مجرد تشابه أسماء، بعدم الاستجابة لطلبي وإعطائي علبة الفاليوم كاملة إلا بوصفة من الطبيب، وحين رأى الدهشة تغطي وجهي الذي يراه لأول مرة، كما أني لم أتعامل مع هذه الصيدلية من قبل، حاول أن يتدارك الأمر بابتسامة مؤدبة جدا وقال: أستطيع أن أعطيك شريطا واحدا كقضاء حاجة وتمشية حال، الدواء يجب أن يصرف بوصفة طبية.!!
من يصدق حجم فرحتي وسعة سعادتي لحظة وقوفي أمام رفض ذلك الرجل لطلبي الذي ظننته بسيطا جدا، والذي سرعان ما اعاد تنشيط خلايا ذاكرتي التي أخذتني الى حيث كانت وزارة الصحة في السبعينات والثمانينات تقوم بتقديم جدولا يوميا بالصيدليات الخافرة في بغداد والمحافظات، عبر نشرة الأخبار اليومية من الإذاعة والتلفزيون ونشرها في الصحف اليومية، وكانت تفرض عقوبات رادعة لكل من لا ينصاع من أصحاب تلك الصيدليات التي كانت تقدم خدماتها على مدار اليوم -ليلا ونهارا- للالتزام بتلك الجداول، خدمة للصالح العام.
كم أفاض رفض ذلك الرجل الوقور بموقفه المهني هذا واحترامه المهذب لخبرة الطبيب وعدم التساهل بمقومات الصحة العامة، مهما بلغت من درجات الوعي البيسط بها، في نفسي حالات من الزهو والحرص أمام ما نلمس ونسمع ونرى من محاولات غض النظر، بل التساهل وعدم الاكتراث من قبل أعلى مستويات المسؤولية في قضية الحد من تناول الأدوية والمنشطات والمهدئات والحقن الخاصة ببناء الأجسام جزافا ومن دون وعي بخطورة مثل هذه الممارسات التي تتبعها أغلب القاعات الرياضية، فضلا عن ظاهرة انتشار بيع المخدرات في قلب ساحات المدن الرئيسية والأسواق العامة، من دون رادع حقيقي يكف ويمنع عن شبابنا تواصل زحف أشباح وكوابيس ومخاطر تفشي ممارسات شاذة ولا صحية تهدد مستقبلنا البلاد بالهلاك، نحن -بحق- بحاجة ماسة لمثل مصدات ذلك الصيدلاني بمفهومية واجبه المهني والأخلاقي….يا جماعة الخير.