التصنيف: ثقافية

  • فاليوم/ 5

    المحاولة الناجحة -في أي منحى من مناحي السلوك البشري- تؤدي الى سلسلة من التجارب الناجحة حيث تكون مدعومة بثبات وتطوير تلك المحاولة، وهذا ما تؤكده -بلا استثناء- كل مدارس علم النفس في مجال تفسيرها وتحليلها لعمليات التعلم التي يتعرض اليها الانسان طيلة مسيرة حياته من(المحبرة) الى (المقبرة)أي بمعنى وآخر(من المهد الى اللحد)، وتتفق عليه كل نظريات تلك المدارس -من حيث الجوهر وليس المظهر- على ما أردنا البدء به مدخلا علميا وعمليا لمفارقة (أي نعم مفارقة) صادفتني قبل أيام، حيث كنت قد طلبت -كعادتي ومنذ سنوات- من إحدى الصيدليات المنتشرة في قلب شارعنا التجاري- حيث أسكن أنا في حي الأمين/المشتل- والمسمى بـ(شارع المطبك) علبة من حبات (فاليوم/خمسة) وذلك لحاجتي إليها كمهدئات أولية، بسيطة تريح أعصابي باللجوء النوم أو التخلص من ثقل الحياة وهموم الكتابة وروتينيات الواجبات اليومية، كذلك محاولات تناسي ونسيان معضلة الكهرباء الوطنية، ففاجئني جواب الرجل الوقور بشعره الأبيض كنديف القطن من وراء (كاونتر) صيدلية حملت اسم(سهير محمد غني)، ولا علاقة-طبعا- لهذا الاسم بالنحات الراحل الكبير (محمد غني حكمت)، بل مجرد تشابه أسماء، بعدم الاستجابة لطلبي وإعطائي علبة الفاليوم كاملة إلا بوصفة من الطبيب، وحين رأى الدهشة  تغطي وجهي الذي يراه لأول مرة، كما أني لم أتعامل مع هذه الصيدلية من قبل، حاول أن يتدارك الأمر بابتسامة مؤدبة جدا وقال: أستطيع أن أعطيك شريطا واحدا كقضاء حاجة وتمشية حال، الدواء يجب أن يصرف بوصفة طبية.!!

        من يصدق حجم فرحتي وسعة سعادتي لحظة وقوفي أمام رفض ذلك الرجل لطلبي الذي ظننته بسيطا جدا، والذي سرعان ما اعاد تنشيط خلايا ذاكرتي التي أخذتني الى حيث كانت وزارة الصحة في السبعينات والثمانينات تقوم بتقديم جدولا يوميا بالصيدليات الخافرة في بغداد والمحافظات، عبر نشرة الأخبار اليومية من الإذاعة والتلفزيون ونشرها في الصحف اليومية، وكانت تفرض عقوبات رادعة لكل من لا ينصاع من أصحاب تلك الصيدليات التي كانت تقدم خدماتها على مدار اليوم -ليلا ونهارا- للالتزام بتلك الجداول، خدمة للصالح العام.

      كم أفاض رفض ذلك الرجل الوقور بموقفه المهني هذا واحترامه المهذب لخبرة الطبيب وعدم التساهل بمقومات الصحة العامة، مهما بلغت من درجات الوعي البيسط بها، في نفسي حالات من الزهو والحرص أمام ما نلمس ونسمع ونرى من محاولات غض النظر، بل التساهل وعدم الاكتراث من قبل أعلى مستويات المسؤولية في قضية الحد من تناول الأدوية والمنشطات والمهدئات والحقن الخاصة ببناء الأجسام جزافا ومن دون وعي بخطورة مثل هذه الممارسات التي تتبعها أغلب القاعات الرياضية، فضلا عن ظاهرة انتشار بيع المخدرات في قلب ساحات المدن الرئيسية والأسواق العامة، من دون رادع حقيقي يكف ويمنع عن شبابنا تواصل زحف أشباح وكوابيس ومخاطر تفشي ممارسات شاذة ولا صحية تهدد مستقبلنا البلاد بالهلاك، نحن -بحق- بحاجة ماسة لمثل مصدات ذلك الصيدلاني بمفهومية واجبه المهني والأخلاقي….يا جماعة الخير.

  • «بصمات عراقية»سوانح الماضي القريب

    تحسب (الجغرافيا)على أنها أم التأريخ، كونها حاضنة- حافظة لمجمل مجريات ما جرى ويجري وسيجري من ظروف وأحداث وتحولات شهدها العالم مذ فتح عينيه للحياة، فيما يعد(التأريخ) -في الكثير من التقديرات- على أنه مجرد (وجهات نظرات) لأن من يكتبه هم المنتصرون، ممن يسعون لطمس الحقائق وفق أهواء مصالحهم، ولنا في محصلات الأنظمة الديكتاتورية ومخلفاتها من أنظمة منتقمة وثأرية ما يؤكد زعم ما ورد.

    لكن… يبقى التنوع القيمي الشجاع الذي لا يستطيع أن يلغي المشتركات، يبرق ويومض -ولو بعد حين، بحياد نوعي وموضوعية واثقة- كي يضيء لنا عتمة دهاليز وممرات البحث عن نصوع الحقيقة وغايتها المثلى، كما فعل زميلنا الاعلامي المخضرم (عبدالله اللامي) في خضم كتابه الأنيق بطباعته وإخراجه الصادر حديثا بعنوان (بصمات عراقية)، حين أبصم بابهام وعيه مؤرشفا لنا وللأجيال القادمة -بالمعلومة والتنقيب ونوازع الحرص الأمثل- مواقف وجهود نخبة من رموزنا الوطنية التي أسهمت بـ(وضع لبنة فوق لبنة لبناء الدولة العراقية المدنية الحديثة التي ينشدها جميع أبناء بلدي العزيز …أنحني لهم اجلالا واكبارا) كما جاء في نص كلمات اهداء كتاب (اللامي عبدالله) الذي سبق وأن شغل منصب أول نقيب للصحفيين بعد احتلال العراق في حرب الربيع/نيسان2003، ليعد هذا الجهد نسقا وطنيا واخلاقيا في ثقافة الاعتراف بجهود وإسهامات شخصيات فاعلة ومؤثرة، شغلت حيزا كبيرا في رسم ملامح تأريخ ذلك الماضي القريب، والذي لم يكتب -للآسف- بالطريقة التي فطنت عليها ودرجت محاولات مرامي هذا الكتاب، بنهج كاتبه أو مؤلفه أو جامعه الذي حرص بشدة على شد أواصر الوطنية الحقة  والحاقها بروح نبض العراق عزيزا، أمنيا، معافى بعيدا كل البعد عن المحسوب والمنسوب من الأهواء والأغراض، بل جاء متدرعا بالحكمة وجوهر الحياد، متجاوزا كل الميول الحزبية الضيقة والايديولوجيات الأحادية والمعتقدات المغلقة بانحيازاتها سلفا، والتي كان من شأنها أن تثلم الهدف النبيل الذي سعت بالوصول اليه صفحات كتابه، وهي تتهجى حروف الانتماء للوطن بمعزل عن غرض أو مسعى لا يلامس أطياف وأحلام شعبنا في الكرامة والحياة.

      أحدى وثلاثون شخصية عراقية، حرثت بوجودها حقول تربة ذواكرنا… أينعت وترعرعت وعرشت في سفر انتمائها الوطني،دون أن نظفر بأي نفس حزبي أو عقائدي معلن وخفي ،حاول أن يجتاح نوازع (عبدالله اللامي) المعروف بجذوره القومية و نزعته الناصرية والتي أخلص لها منذ اكتوت مواقفه بجمرت السياسة، وتدفأت بنيران الصحافة قبل نصف قرن، فلم يفرق الكاتب بين شخصية وأخرى إلا في مكانة موقع الشخصية في المشهد الوطني والسياسي، من الزعيم عبد الكريم قاسم إلى أحمد حسن البكر، مرورا بالجواهري الكبير ومظفر النواب ويوسف سلمان (فهد)/ناجي طالب/رفعت الحاج سري/نزيهة الدليمي/مكرم جمال/عامر عبدالله شفيق الكمالي/حازم جواد/شمران الياسري(أبو كاطع)/سعدون حمادي/فؤاد الركابي/صبحي عبدالحميد/^براهيم كبة/وصالح مهدي عماش، وآخرون من طراز هؤلاء، وأولئك من الذين تركوا بصماتهم واضحة- ناصعة في سجلات تأريخنا الوطني بمساندة ضمير انحيازها الأهم…لعراق،على الرغم من عتمة (الواقعية المرة) التي عاشها في ظل ظروف خلت.

  • كتاب موصوف في تأبين (أبو الصوف)

    شاء تصادف وجودي في العاصمة الأردنية (عمّان) مع يوم رحيل عالم الآثار الكبير- المنقب والمؤرخ الجليل (د.بهنام أبو الصوف) في التاسع عشر من أيلول الماضي، أن يتيح لي حضور مراسيم تشييع جنازته المهيب في الثاني والعشرين من ذلك الشهر، ومهابة قداس رفع الصلاة على روحه العراقية الطاهرة، صباح وظهر ذلك اليوم في كنيسة (مريم الناصرية) في منطقة تقع ما بين(عبدون) و(الصويفية) التي تعد من الأحياء الراقية في هذه العاصمة التي تغير طعم ولون نهاراتها في ذلك اليوم، جراء فرط الحزن والحسرة التي اجتاحت أرواح وغطت وجوه المشيعين وكل من حضر من علماء وأصدقاء وأهل ومحبين وصحفيين وإعلاميين مراسيم قداس توديع روح عالم الآثار الكبير -المنقب والمؤرخ الجليل (أبو الصوف) آخر سلالة البحث والتحري والتنقيب المجدي، عبر بوابات سعة العلم والمعرفة، وصدق وثقة الإطلاع بالتعريف عن خواص وخلاصات نواتج حضارة وادي الرافدين، من رهط سلالة علماء العراق، بدأ بـ(أحمد سوسة) و(طه باقر) و(أحمد صالح العلي) و(سلمان القيسي) و(فؤاد سفر) و(فوزي رشيد) وليس انتهاءً برعيل(أبو الصوف) و(طارق مظلوم) ومن هم بمنزلة هذا الهم الحضاري والإنساني والوطني الذي حفر لنا مياسم سر الوصول إلى رحم وجذر حضارتنا الضاربة عمقا في غرين هذي الأرض منذ كانت ولم تزل (سرة العالم) بأسره. 

    لست بصدد التذكير بمصير واقع موتنا من العلماء والأدباء والنوابغ من الذين رحلوا خارج أوطانهم، وتم دفنهم في مقابر الغرباء التي حوت رفات الكثير منهم بعيدين من ذويهم وعشاقهم الروحيين، فتلك ظاهرة أضحت عابرة -للآسف- في قواميس السياسيين، عندنا، ممن يتولون -بحكم المسؤولية والوظيفة الوطنية- أمر وحسم مثل هذه الأمور كما يجب وكما فعل من قبل- مثلا- رئيس وزراء بريطانيا(ونستون تشرشل) حين خاطب العالم قائلا : (أن بريطانيا العظمى على أتم الاستعداد للتنازل عن جميع مستعمراتها، لكنها ليست على استعداد للتنازل عن وليم شكسبير)،  لكني… يا جماعة الخير بصدد التشبث بفكرة توالدت عندي بعد نهاية مراسيم دفن جثمان (د.بهنام أبو الصوف) في المقبرة المسيحية في عمان حسب رغبة أهله وذويه، حيث تصادف وأنا أبحث عن رواية الكاتبة الكبيرة لطفية الدليمي (سيدات زحل) في مكتبة الطليعة، أن تعرفت على صاحب المكتبة (سامي أحمد/أبو حسين) وهو فلسطيني الجنسية والذي حدثني عن الكتاب الأثير-الأخير للراحل (أبو الصوف) بعد أن أوشك على الانتهاء من التصحيح النهائي للمسودات وتضبيط إخراج الغلاف بالصورة التي طلبها قبل رحيله بأيام قليلة،  الكتاب يحمل عنوانا رئيسيا هو (مذكرات السنين) وآخر فرعيا هو (خمسون عاما من تأريخ العراق)، هنا أقول لمن تعنيه أمر هذا الفطحل الراحل (أبو الصوف)، ألسنا الأجدر بالإشراف على طبع الكتاب وتحمل تكاليف بقية مراحل إصداره وطبعه وترويجه، بما يليق  ويوازي حجم عطاءات وشهرة وعالمية عالمنا الآثاري الكبير هذا،  لطالما ونحن على مقربة من ارتقاء منصة الاحتفال ببغداد الحبيبة عاصمة للثقافة العربية العام القادم، من أجل تقديم علمائنا ونوابغنا عناوين كبيرة وراسخة تزهو بها ثقافتنا الحاضرة؟

  • نحو محو.. الحقيقة

    (الصحافة الاستقصائية…طريق نحو الشفافية) تحت مظلة هذا الشعار، دعتنا هيئة النزاهة مشكورة- نحن مجموعة من الصحفيين العاملين في عدد من المؤسسات الاعلامية والقنوات الفضائية-الى ورشة عمل نظمتها الأكاديمية العراقية لمكافحة الفساد، يوم الاثنين الموافق21/5/2012، تخللتها محاضرات نظرية وأخرى عملية، تناولت بالنقاش والأدلة والأسانيد التي برهن عليها ونوه بها عدد من الباحثين في مجال الصحافة التي تعرف بـ(الاستقصائية) والتي عرفتها ميادين الصحافة العربية بعدسات مكبرة بعد الاطاحة بكراسي وعروش الديكتاتوريات المعمرة وطوفان وطغيان عمليات تغيير الأنظمة الكترونيا، عبر قوة أثر وتأثير أهمية مواقع التواصل الاجتماعي (الفيس بوك)- مثلا- والذي أضحى ينافس أكبر دول العالم من حيث نسبة السكان (الصين وأخواتها، الهند وغيرها) من خلال تزايد عدد المشتركين والمتزاحمين في الحصول على صفحة من صفحاته التي ستربو في الوصول الى مليار مشترك نهاية هذا العام- كما هو متوقع، بالأخص،  بعد نجاح هبوب نسائم رياح الربيع في نقل لقاح التغيير إلى عدد من تلك الدول والأنظمة التي لم تتعرف -بعد- على هذا النوع من الصحافة، التي عرفها العالم منذ عقود تعود الى الحرب الأمريكية في فيتنام أواخر ستينيات القرن العشرين، حين تمكن صحفي أمريكي يدعى (سيمور هيرش) من فضح تفاصيل مذبحة (ماي-لاي) في فيتنام عام/1969، الأمر الذي جعل من صيت وسمعة الولايات المتحدة الأمريكية تتمرغان بمستنقع ووحل تلك الإدانة وجور حربها القذرة على هذا البلد المسكين، الذي لقن تلك الدولة درسا في المواجهة والدفاع عن وجوده، كما أسهمت عمليات فضح حقائق تلك المجزرة من قبل ذلك الصحفي عبر استقصائه وبحثه النشط والدؤوب والشجاع، من تقليل التأييد الشعبي داخل أمريكا نفسها-ايضا- وحدت من تبريراتها ومسوغاتها في شن حربها، التي استخدمت فيها(ماما أمريكا) ولاول مرة- وبنجاح ساحق- قنابل (النابالم)الحارقة المحرمة عرفا وقانونا، فيما أنتجت هوليود- كالعادة-عددا كبيرا من الأفلام عن (سفالة)تلك الحرب، التي من رحمها ولدت(الصحافة الاستقصائية)، وانتشرت كالنار في الهشيم بحثا وتقصيا عن الحقيقة، التي هي الضحية الأولى في اي نزاع أو ظلم أو سرقة أو فساد، ويا (مكثر) حالات وأنواع الفساد.

       أن ما يزعج -حقا- ويحزن- صدقا- بل، أن ما يدمي القلب-هنا- في لحظات استقصاء أولي هدف بالسعي اليه عمودي هذا، رغم أني تأخرت بنشره طوال الأسابيع التي تلت اقامة ورشة هيئة النزاهة لأسباب (استقصائية بحتة) أن الصحفي الأمريكي، طيب الذكر (سيمور هيرش) صاحب إيقاد الشرارة الأولى في اعلان هذا النوع من الصحافة، هو -ايضا- من أسهم في الكشف عن وقائع (حفلات) تعذيب السجناء العراقيين في سجن (أبو غريب)عام/2004،  بالصور والأدلة والوثائق التي نشرت غسيل مظلومية هؤلاء العزل على حبال فضائيات العالم وأتاحت (للي يسوه واللي مايسوه) أن يشاهد عوراتهم ومشاهد اغتصابهم، ونبقى – نحن- نلازم محو الحقيقة صمتا وخشية ونقصا حادا في المعلومات كي توصلنا اليها، ولا نحرك ساكنا في البحث عنها، هل سنترك للصحفي(هيرش)الأمريكي ان يصل قبلنا كما فعل في(ماي- لاي)و(أبو غريب)؟

    هل هي مصادفة وحدها؟! أم أن في الأمر(أنه)؟!أم (أن بعض الظن أثم)؟!

  • مقهى للبكاء الجماعي

    لكل قاعدة استثناء، عادة ما يثير الفضول والانتباه والاستغراب، وثمة حقائق نفسية، تدعى (قوانين شد الانتباه)، والانتباه أنواع منه (الاختياري) هو ما نختاره وقت ما يشاء،ومنه (الاجباري) أي كل ما يجبرنا -غصبا- على النظر والتركيز مثلا -حدوث انفجار مفاجئ (ويا مكثرها في عراقنا اليوم).. حدث طارئ..اندلاع مشكلة آنية، أو خبر عاجل يومض سريعا أسفل شاشات التلفاز، أو ظاهرة شاذة.. مشهد غريب مثل تواجد امرأة لوحدها مع مجموعة  رجال، أو وضع نقطة حمراء على سطح لوحة يحوي مجموعة نقاط بيض أو سود أو صفر أو(ليموني)، على من يتم التركيز -هنا- حصريا؟ نعم فالاجابة -قطعا- معروفة كالرد على أسئلة بسيطة، بل ساذجة تشبه أغلب الأسئلة التي تطلقها إحدى شركات هواتفنا النقالة على مشتركيها و(تثبرهم) -بعد ذلك- بسيل من رسائل تحفيزهم للفوز بجوائز وهمية (الحجي زين.. لو مو زين؟!).

        لعل تعميم (القاعدة والاستثناء) -هنا- سينصب حول مقهى غريب جرى افتتاحه -مؤخرا-في(هونك كونك) هو (الاستثناء) كونه يختلف اختلافا جذريا، عما ألفناه في طبيعة عمل وواجبات المقاهي الاعتيادية والمألوفة، يقوم (مقهى الحزن) -وهذا هو اسمه- بتقديم خدماته اللازمة وفق طبيعة وهدف معينين، وقبل أن نتعرف جيدا، أود أن أعيد للذاكرة الثقافية والسياسية عن وجود مقهى في بغداد -ستينيات القرن العشرين- باسم (مقهى المعقدين) حيث كان يقع بداية شارع السعدون، وتعود تسميته بهذا الاسم الى اهتمام أغلب رواده (أدباء/مثقفين/وسياسيين) بموجات ما عرف -آنذاك- بالوجوديين واللامنتمين واليساريين، أيام كانت تلصق صفة -أقصد تهمة- (المعقد) بسلوك وأفكار وتصرفات المثقف الجدي، كما تلصق (لصقة جونسون) الشهيرة في المكان الذي توضع فيه.

       الكثير من شعرائنا وقصاصينا كانوا قد كتبوا مستذكرين ذلك المقهى، أبرزهم المبدع (جمعة اللامي) -ربما- في مجموعته (من قتل حكمت الشامي) أو (اليشن)، كان مقهى بسيطا، يفتقر للكثير من محتويات المقاهي العامرة في تقديم الخدمات، لكنه ثريا بالثقافة الراسخة في ضمير وعينا ومنجما للإبداع، لكنه ضاع، كما ضاع الكثير من معالمنا ومقاهينا الفكرية والأدبية والفنية (حسن عجمي/الاعيان/البرلمان/البلدية //البرازيلية والسويسرية وغيرها، فيما لم يزل ينفرد (مقهى الحزن) هناك في هونك كونك،على تقديم المناديل والموسيقى (التي تفتفت الصخر وزيادة مناسيب الحزن والمناحة)، ويمتنع عن تقديم أية خدمات من شأنها رفع مستوى معنويات الرواد كي لا تنسيهم تعاستهم، فالمكان مخصص للتنفيس الرواد عما في دواخلهم بالفضفضة والحديث عن مشاكلهم، مقابل (6) دولارات، فقط عن الساعة الواحدة،فالغرض الأساسي من إنشاء هذا المقهى (الاستثنائي)- وفق دراسات علمية- هو العلاج النفسي للمكتئبين من العشاق ذوي التجارب الفاشلة في الحب والتجار المفلسين والأزواج الهاربين والفارين بجلودهم من أقفاص الزوجية، كما يوفر للزبائن فرصة سانحة للبكاء الجماعي، بتقديم البصل والفلفل الأحمر وزيت النعناع كمواد تحفيزية في تطبيق شعار المقهى(من أجل بكاء أمتع)، كذلك توفير الدمى الحاجيات للثأر منها وتخفيف حدة الحقد والغضب لدى روادها المكتئبين.

     الفكرة نجحت .. يا جماعة الخير.. وأصحابها يفكرون بتعميمها في بلدان أخرى من العالم،فلماذا لا نفكر- نحن- بإنشاء مقاهي تمتص نقمة الشعب على الحكومة جراء استمرار ضعف الأمن ونقص الخدمات؟! 

  • من ملفات خيانات الترجمة

        يبدو أننا -فعلا- لا نتعلم من دروس الماضي، العبر والدروس اللازمة لتلافي الأخطاء والمقالب التأريخية والانسانية التي مرت بنا، أذكر أن انقلبت الدنيا ولم تقعد، ولم يصل العرب الى أية نتيجة، حين حاولت إسرائيل التحايل في مفاوضاتها، بعد نكسة حزيران/ 1967 وحرب تشرين/ 1973 لاستعادة (أراض عربية) وليست (الأراضي العربية) كانت قد احتلتها هذه الدولة اللقيطة، بسبب اعتماد بنود تلك الاتفاقيات الملزمة للأطراف النزاع العربي- الاسرائيلي على اللغة الانكليزية سبيلا للحل والتشاور، لكن مشكلة الترجمة وقفت (سكينة خاصرة) كما يقول المثل العراقي- في طريق تحقيق حقوقنا المهدورة،فالفرق بين (أراض) و(الأراضي) كبير جدا، وقد نجح -فعلا- في إضاعة حقوق واستحقاقات أجيالنا اللاحقة، الأمر الذي دعا -بعد فوات الأوان- إلى أن يتم اعتماد اللغة الفرنسية في كتابة وديباجة نصوص الاتفاقيات، ولكن، بعد فوات الأوان.

        كما أذكر -ايضا- صادف في تموز أو آب عام/2011 أن اعتذر السيد وزير النفط العراقي عن امكانية تزويد مجلس النواب بنصوص عقود الترخيص النفطية التي أبرمتها الوزارة مع عدد من الشركات العالمية،بحجة أن تلك العقود مكتوبة باللغة الانكليزية، وبسبب عدم وجود مترجم كفوء يقوم بترجمتها الى العربية، لكي يسهل عليهم (أي ممثلي الشعب) الاطلاع على تلك العقود، وهذا ما أدخل القضية في (حانه ومانه) استجوابية بطلها (لجنة الطاقة البرلمانية) التي حملت مفاوض وزارة النفط مسؤولية احتمال حدوث كارثة قد نكون -نحن- بسببها الخاسرين في ملحمة تلك العقود، بحيث يصعب -حسب زعم أحد نواب لجنة الطاقة- معاقبة تلك الشركات لو اخفقت أو تلكأت أو قصرت بالتزاماتها معنا، لسبب بسيط يتعلق بالناحية اللغوية وليست النواحي الفنية (اللوجستية) بعد اعتماد اللغة الانكليزية في كتابة تلك العقود وتحريرها وترتيب آلياتها بنودها.   ويشمخ أنف السؤال –هنا -قائلا: الا من ترجمة علمية/عملية، حقيقية تنصف حقنا بإنصاف ما يجب أن يصلنا صافيا من واردات النفط ،(بدون هل دوخة الرأس)؟!!

       تعالوا نقلب أوراقا أخرى من ملفات خيانة الترجمة،ونحن نقف عند حدود مناقشة قانون غسيل الاموال الصادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة -سيئة الصيت والسمعة والنية والهدف- بموجب الأمر المرقم (93) لسنة/2004 والذي (شكل قفزة نوعية قانونية في مكافحة الفساد وغسيل الأموال) كما يدعي خبراء في هذا المجال وهم يضيفون، أن تلك الجرائم والتي تشمل، أيضا، (المخدرات/تهريب الأسلحة/تجارة الرقيق/النشاط المالي المشبوه/الاختلاسات) تعد من أهم جرائم هذا العصر، قد نصت المادة الثالثة من ذلك القانون، بمعاقبة مرتكبي هذه الجريمة بالحبس مدة لا تزيد عن أربع سنوات، وهذا -طبعا- يحاول أن يلغي طبيعة الفرق ما بين(السجن)و(الحبس) في سياقات تنفيذ القانون، وحين أثارنا الفضول لتقصي الأمر،وجدنا من يقول من الخبراء والمختصين: المشكلة -ايضا- تعود لسوء في الترجمة، بسبب كون القانون مستنسخا من القوانين الأجنبية الأخرى.   وهنا تسكب العبرات حرى لتقول؛ أما كان يمكن أن يكون ذلك القانون بمستوى عال من الدقة،كي يتوافق مع ما ينتظر العراق من مشاريع واستثمارات و سيولة تجارية هائلة ؟!.

  • الفساد العلمي

      لم أتطيّرْ من كلمة شاذة، مريبة ونابية، من تلك التي يحويها قاموس الكلمات المعيبة والمحرمة أخلاقيا، مثلما أتطير من كلمة (فساد) وهي تلعن وتعفن أي مجال يرد بعدها من مجالات الحياة الكثيرة والمعروفة بتفرعاتها، لكن أن يقترن الفساد بالعلم (الذي هو نور، والجهل-طبعا- ظلام) فذلك أمر يجب ألاّ يمرّ مرور الكرام،  نعم ندرك -تماما- بأن الاتفاق أصل والاختلاف فرع، فقد يختلف هذا الحزبي أو ذاك على مسألة معينة، وقد تختلف هذه الكتلة مع غيرها، أو ذاك الائتلاف مع غيره، لكن الوطنية الحقة، يجب أن تترفع على الاختلاف السياسي بكل أشكاله، لكي يبقى السؤال:  (الوطن أم الحزب؟) هو الأهم، ولعل الإجابة عليه ستفتح أفواه الجروح تلو الجروح، أمام ريح ذلك السؤال القاسي، حتى لنخشى على حياتنا الراهنة برمتها أن تميل صوب رياح الفرع (أي الاختلاف) وتترك الأصل (أي الاتفاق) جراء استشراء ذلك الداء، متمثلا بالفساد الذي راح يدبّ في جميع المفاصل حتى بات ينخرها، فلم تعد تنفع وصفات وعقاقير اللافتات والإعلانات التي تعلقها فروع وأصول هيئات النزاهة ودائرة المفتش العام في مباني واستعلامات الوزارات والدوائر، ومفترق الطرق الخارجية،  كي تنبه وتحذر من تفشي ظواهر الفساد عبر الرشاوى وقبول الهدايا والعطايا المشبوهة، ولعل من أكثر ما يحيرني ويثير استغرابي نص العبارة المرصوفة بتصميم أنيق وخط واضح ورشيق، والتي عادة ما تصادفني مكتوبة على لافتات (الفلكس) في عدد من ساحات بغداد المهمة، وهي تقول بالفم المليان: (نتصدى للفساد باحترام الزمن)، ولا أعرف كيف يتم ذلك التصدي، ونحن نرمي بالوقت هباء (ممطوطا) في أبسط مراجعة لانجاز أبسط معاملة.

       قبل  أكثر من عامين،  كلفت من قبل إحدى القنوات الفضائية بعمل برنامج عن مكافحة الفساد، بالتعاون مع إحدى منظمات المجتمع المدني، وجمعت ما جمعت من معلومات وإحصائيات ودراسات، كما اتصلت بعدد من الخبراء والمختصين في مجالات لها علاقة بموضوع البرنامج الذي اخترت له عنوان (نحو النزاهة) وكان من أهم وأدق البحوث والدراسات العلمية والعملية تلك الدراسة التي للقاضي والباحث الصديق (د.سالم الروضان) تحت عنوان (حين يسهم القانون بالفساد) ليس من مجال -هنا- لمناقشة كل ما فيها من وقائع وتأكيدات قانونية تفند حقيقة ما حمله وأراد مناقشته ذلك العنوان الواقعي والمثير من معلومات وايضاحات مباشرة إلى الكيفية التي يسهم فيها القانون بالسماح للفساد أن يتغلغل و(يأخذ راحته) في الكثير من القضايا والإجراءات تحت خيمة ومظلة ما  يمكن أن يسمى بـ(تصادم القوانين).

        وتأتي اليوم فرضيات أكاديمية تؤكد وتشير الى تفشي ظاهرة (الفساد العلمي) عبر تزوير الرسائل الجامعية وسرقة الأبحاث وهجرة وتهجير العقول بسبب سطوة بعض القوانين والتعليمات، فضلا عن ممارسات إدارية تنتهجها بعض الجامعات، لتبرهن على وجود سلسلة من القصير والفساد، تبدأ من المدارس التي لا تعلم الطلاب بما ينبغي ويؤهلهم لكي يواصلوا مسيرة، ولا تنتهي إلا بتفشي تلك الظاهرة-المصيبة، التي تقــــربنا من مقولــــة السيد المسيح (ع) الشهيرة: إذا فسد الملح).

  • زمن التبرير

    نعم…الثقافة تحرر الإنسان، وتفك قيود الجهل لديه، فهي الوجه الآخر لعملة المعرفة، والمعرفة بحد ذاتها قوة كما يشير ويؤكد المفكر (فرنسيس بيكون)… أو مثلما ينظر عالم العلم بتقنيات عصرنا الراهن عبر تطبيقاتها العملية بمنظار الدقة والتواصل والبحث، لما سعت الوصول اليه روح وجوهر حكمة الامام علي (ع) وهي تصف كل من تساوى أو تشابه يوماه.. بالمغبون.

        فهل لمثل تشابه أيامنا من غبن تلو آخر، يغزو حاضرنا، ويضبب أفاق مستقبلنا، ويحيل أحلامنا قبض ريح وتراجع وانكفاء، وتقليب أوراق ملفات ضخمة، وقضايا راسية في بحار من التأجيلات و التسويفات، الغارقة بوعود وعهود وآهات -طالت عموم مفاصل الحياة- من أدنى الى أعلى مستويات من يمسك بزمام السلطة وصناعة القرارات، بدءا بقرارنا السياسي، وانحدارا نحو توفير أبسط، أبسط الخدمات؟!

        لم تسلم كل نوايا الوصف والتعبير في ترسيم حدود مديات الثقافة، بعد أن توزعت أوصافها وتنوعت أغراضها وتكاثرت أنواعها -قصدا ملموسا- في أغلب قواميس وسائل اعلام عصر السموات المفتوحة وتنامي شبكات وإمبراطوريات التواصل الاجتماعي، بالشكل  الذي حدا أن تسبق كلمة (ثقافة) العديد من الأفعال والسلوكيات الشاذة حتى اتسخت، بثقافة العنف/ ثقافة الإرهاب/ ثقافة التخوين/ ثقافة الانحراف، وغيرها من ملحقات لا تمت بأدنى صلة لجوهر وعمق الثقافة بمعنى ثقلها العام، فضلا عن سلسلة أخرى لممارسات قد تبدو ايجابية في استخداماتها، لكنها متحاملة -بمحتوياتها- على شرف الثقافة وقدسية منابعها، وطهارة وجدانها، حتى ليطول ذيل تلك القائمة في سريان استهلاك رخيص لمعنى قيمتها التأريخية، وبنود آفاقها المعرفية الخالصة.

       ولعل ما أصاب واقع الثقافة من جرب هذا الغبن والتجني وسوء الاصطلاح، يعود إلى جبروت ومكر وجنون السياسة وأهوائها وحرص تحريضاتها على استمالة الخطاب الاعلامي العالمي،نحو مصالحها، ومساعي إفراغ هذا المصطلح الهادف الرصين من محتواه الإنساني وأبعاده الحضارية، لشرط حتمي لذلك الاستهداف البلاغي، ومداه السياسي.

      ولعمري أن أعترف بأن الحيلة أعيتني -هنا- في محراب ثوابت دفاعي عما أصاب الحياة – برمتها- وسط تفاقم حالات الخلط والنط والمط حتى بلوغ تزايد تلك التبريرات، وتعالي كثبانها في صحراء الغبن، الذي -عادة- ما يلحق بالشعوب الغارقة في أمواج (الملاعيب) التبريرية،التي لا تقنع-في الكثير من الأحوال- حتى عقول مطلقيها، بحثا عن استخدام أمثل لكلمة (ثقافة) كمفتاح (ماستر-كي) يختصر هول وزحمة التبريرات بفوارق الغبن الذي أجمل -لنا- نسق استعمالي لها (أي للثقافة) بالضد منها،أو بقبولها مدخلا أضحى عاما-ومستعملا، بل رائجا في سوق ومحال و(مولات) مع جمع من مصطلحات وتوثيقات دلالية  توافدت إلينا -عنوة- بعد أحداث/الحادي عشر من أيلول(سبتمبر)/2001،وسقوط بنايتين (مركز التجارة العالمي في/ مانهاتن) بالكامل،ليتم احتلال دولتين، بالكامل (أفغانستان والعراق) ثمنا باهظا جدا،جاء مقابل تلك البنايتين الآيلتين للسقوط،كما أشيع وأعلن،قبل ذلك التأريخ، لتبدأ مرحلة جديدة (جدا) من  زمن تناسل التبريرات ونمو طحالب أخرى من أنواع الغبن الحضاري والنفسي،حتى أضحت أبرز سمات عصرنا الحالي،بل(زهو) علاماته الفارقة،وعنوان (ثقافته) الواثقة،من قدرة  التأثير بالكثير من أنظمة السياسة والسوق والمال وجميع الأحوال،لغرض تسطيح جوهر ثقافتها المحلية،جراء تزايد الحاح نباح…العو..عو..عو..لمة،على عباد الله من البسطاء،و(المكاريد).

  • تمارين في الديمقراطية

      حين سألت بعض أصدقائي الرياضيين والمهتمين بهذا الشأن عن أصل تسمية العاب الإحماء، أي تلك التمارين الأولية والبسيطة والتي يمكن أن يزاولها أي شخص بيسر وسهولة بالألعاب السويدية، أجاب من تسنى لي الثقة بمعلوماته، إنها جاءت بجهود الشخصية الرياضية الفذة (أكرم فهمي) مؤسس الألعاب الأولمبية في العراق، منذ عام/ 1948، أما تسميته تلك الألعاب بـ(السويدية) فأنها تعود -أيضا- إلى جهود الراحل (أكرم فهمي) حيث درس وتخصص بالتربية الرياضة -هناك- في السويد، وقام بنقلها إلينا -هنا- في العراق، مشيرا وموجها الى ضرورة ادخالها ضمن المناهج الدراسية، أيام كان درس الرياضة لا يقل أهمية عن درس  الرياضيات، لأن تلك الحركات التمهيدية تفيد لغرض الإحماء وتسخين الجسم عبر سلسلة تمارين عامة، تسبق أية ممارسة لأي نوع من أنواع الرياضات، كي تتهيأ وتنشط عضلات  الجسم والدماغ وباقي الأعضاء لإجراء تمارين وممارسات أصعب  واعقد منها.

        يبدو أننا في العراق الجديد وبعد الإطاحة بكرسي الدكتاتورية وإسقاط نظام الطاغية، وبعد سير كل سنوات التغيير الماضية  من عمر وحياة دخولنا (عش الديمقراطية) وقفصها الذهبي، لم نزل نحبو نحو ممارسة نوع من تلك التمارين التي تشبه الألعاب السويدية، وأننا بحاجة الى تقوية عضلات مسؤولينا من السياسيين والبرلمانيين ومن هم بمرتبتهم،من أولئك الذين يسهمون بصنع القرارات الوطنية الكبرى والمصيرية بغية النهوض بالعملية السياسية، التي لم تزل تراوح في ساحات وميادين التشكيك و التناحر العلني والملموس، فلا يمر شهر أو شهرين -بل أقل- من عمر المصالحة الوطنية والأمل المرتجى بجني حصاد الشراكة، حتى تندلع نيران الخلافات وتتعالى أدخنة الأزمات، وتتوالى زخات أمطار النار والثأر، لتعيدنا الى أقصى حافات المربع الأول من رقعة التنافس الملازم للعملية السياسية ملازمة المدافع للمهاجم الخصم في لعبة كرة القدم، مثلا، وسرعان ما تنفتح أبواب الحجج باللبس والتسويف والترويج لعدم فهم  طبيعة ومديات الصلاحيات الممنوحة لهذا الطرف، أو لذلك المنصب، أو عدم وضوح هذه الفقرة أو تلك من الدستور،والأدهى أن بعض الأطراف التي سهرت وساهمت بوضع دستورنا، هي أول من يعترض على بعض فقراته (حين يضمه الضيم، وتتقاطع مصالحة الآنية، مع جوهر تلك الفقرات)، الأمثلة كثيرة والمواقف والسوالف و(الدالغات)  أكثر حول واقع نمو ديمقراطيتنا الناشئة بتحديث لافتات واهية، لاهية بأيامنا وأرواحنا تقف لتشير وتؤكد بأننا لم نزل في حاضنات الأطفال الخدج أو حديثي الولادة في مهودها، وأننا بحاجة الى رعاية وعناية كي ننمو بشكل صحيح وسليم، يناسب ثقل ووزن وحجم وهول ما تركه فينا النظام السابق طوال عقود حكمه الطاغي والباغي بحق الحياة الحرة وأساليب نحره لها، وأن علينا أن نوازي ونداني ما موجود في دول العالم المتقدمة من ديمقراطيات مختلفة منها التقليدية المعروفة، ومنها اللبيرالية الجديدة، وأخيرا، فثمة طريق ثالث لها يسمى بـ(الديمقراطية الاجتماعية) الساعية لتحقيق الحلم بالرفاهية الشاملة، عبر حماية المواطن من المهد إلى اللحد، وما علينا سوى الصبر والمطاولة والتفاني بالاستمرار وإجراء التمارين الأولية اللازمة للوصول إلى طريقها الأول، رغم انه لم يزل بعيدا ونائيا عنا حتى الآن.

  • يوم الأعسر العالمي

     أي نعم تحتفل بعض دول العالم في الثالث عشر من شهر آب من كل عام بهذا اليوم،وبما عرف -عندهم- بعيد الأعسر، والأعسر أو الأشول -كما يسمى في لغة القاموس- هو الشخص الذي يستخدم اليد اليسرى بدل اليمنى في تمشية أموره اليومية، أي بما نسميه، نحن في اللغة الدارجة بـ(اليسراوي).   ومن أجل زيادة وطمع وفضول في جمع معلومات عن خصوصية ودواعي ذلك العيد السعيد، كيف ومتى بدأ موعد الاحتفال الأول به؟ توصلنا الى أن أول يوم تم فيه الاعلان عنه هو (13 آب) من عام/1976 في بريطانيا بعد أن أطلق عليه بيوم (الأعسر العالمي) تجسيدا -حسب وصف وديباجة البيان التأسيسي لذلك الإعلان- للكفاح من أجل حرية وكرامة هؤلاء في مختلف أنحاء العالم، ولكن بعد ذلك التأريخ تصاعد الحراك (الأعسري) بسبب احتجاجات صارخة عمت عددا من ولايات ماما أمريكا في عام/1980 استنكارا لطرد شرطي أعسر (خطية) كان يضع مسدسه من الجانب الأيسر بدلا من الجانب الأيمن -كما تقضي تعليمات حمل السلاح من قبل الشرطة و رجال الأمن- يبدو أن تلك الحادثة قد عززت أهمية الدفاع عن هذه الشريحة التي تمثل -الآن- نسبة11 % من سكان تلك الدول، بعد أن كانت النسبة تصل الى 3% في عام/1910، حيث يعزو الخبراء والمختصون هذه الزيادة الى تقبل المجتمعات لهذه الحالات وعدم محاولة أصحابها إخفاء هذه الصفة التي كانت في عهد الرومان معيبة، وكانت تعد عوقا -أيضا- حتى بداية القرن العشرين، وكان ثمة اعتقاد ظل سائدا – لفترات قريبة يرى في حاملها أنه مصاب باللعنة، كون الشيطان كان أعسر كما يقول ذلك الاعتقاد.   لكن دراسات علمية متخصصة وبحوث عملية توصلت إلى كشف براعة الأعسر في مجال الخطابة وفن الإلقاء، كم وصفت من يتصف بهذه الصفة بالكنوز الرياضة في مجال(كرة القدم/ الملاكمة/التنس/والمبارزة)،وبالرغم من كونهم يمثلون نسبة قليلة في المجتمع الا انهم يشكلون نسبة (50%) تقريبا من عدد مشاهير العالم في ميادين السياسة والعلم والفن من أمثال الاسكندر المقدوني/ نابليون/ هتلر/ غاندي/ تشرشل/ مايكل أنجلو/ انشتايين/ بتهوفن/ تشارلي شابلن/ مارلين مونرو/ وغيرهم من الراحلين، فيما الأحياء من طراز/ فلاديمير بوتين/ باراك اوباما/ الاسطورة مارادونا/ وميسي اللاعب الشهير، وغيرهم من النجوم الذين يحتفلون بعيد الأعسر كل عام في موعده المحدد، في وقت تتثاءب فيه عجزا وكسلا وتبريرا وزارة التخطيط -عندنا- مع بقية الجهات الحكومية ذات العلاقة عن تحقيق أدنى مستوى من التقدم في مجال إجراء عمليات التعداد العام للسكان في عراقنا الجديد جدا، والذي نحن بحاجة ماسة وخاصة -في ظل ظروف ومجريات ما يحدث في تفاصيل واقعنا الراهن- الى بيانات حقيقية وإحصائيات إجرائية تحصي لنا ما حصل ويحصل حاضرا ومستقبلا.

     أليس من المحزن، بل العيب، ان نعتمد على إحصائيات منظمات دولية وتخمينات عشوائية تدلي بها جهات خارجية، وفق أهدافها ونواياها، لنبقى أمامها حائرين، مجرد أبرياء؟! تعالوا نسمع الجواهري ونتعلم مما قال: 

    ( ودع ضميرك يحذر من براءته

                                      ففي البراءات مدعاة إلى الزلل).