لست مصابا بما يسمى (عقدة الغرب) أو (عقدة الخواجة) كما يسميها أخوتنا في مصر على طول كل العصور التي تلت فترات الثورات والانقلابات وصولا الى ما وصلت اليه الأمور منتصف هذا العام بعد نجاح أول ممارسة ديمقراطية لهم في اختيار رئيس جمهورية منتخب، كان قد درس في جامعات (ماما أمريكا) ونال منها شهادات عليا في علوم الفضاء، لكن -والحق يقال- أنا معجب جدا بالطريقة التي يفكر فيها العقل الغربي والأمريكي، خاصة في ما يتعلق باستقطاب الطاقات والمواهب والنوابغ لصالح أغراضهم وجعلها تنصهر وتنسجم مع نسيج مجتمعاتهم،دون أدنى تلميح بالعرق أوالدين أو المذهب أو الطائفة، أو.. أو.. أو، ثم إلى آخر قوائم تشتيت تلك الطاقات، فالعلم وجدية النظر للثقافة وتقيم الموهبة تمثل المعايير الراسخة والواثقة في قبول جميع تلك الكفاءات ورعايتها،ولعل الفروق تسطع واضحة، صافية مثل (عين الديك) بين ما عندنا من إهدار وضياع معلن للمواهب والكفاءات،وبين ما عندهم من دعم واستقطاب و رعاية وتشجيع وتخطيط، لقد وجدت في مقولة العالم المصري (د.أحمد زويل) الحاصل على جائزة نوبل في علوم الكيمياء بأن (الغرب ليسوا عباقرة…ونحن أغبياء!! هم فقط، يدعمون الفاشل حتى ينجح، ونحن نحارب الناجح حتى يفشل) ضالتي فيما أنا ذاهب اليه،ومبررا لنفسي عدم الاصابة بتلك العقدة، وصحة وثقة ادعائي بالطريقة التي يفكرون فيها-هناك- في الغرب،وكيف نتصرف نحن -هنا- في قلب بلادنا العربية.
***
موجات من مشاعر مختلطة، تناوبت ما بين فرح وحزن، وما بين حيرة واستغراب وفخر ولذوعة مرارة مفاجئة، تكالبت كلها علي مرة واحدة،حين سمعت بخبر تعيين الجراح العراقي البروفسور( آرا درزي) وزيرا للصحة في بريطانيا منذ/2007، بعد أن قام بوضع خطة متقنة لتطوير نظام الرعاية الاجتماعية،والتي أعتبرت الأهم في العالم،ومن مآثر هذا الطبيب النجيب أن منح عام/2002أرفع وسام ملكي من قبل ملكة البلاد التي لا تغيب عنها الشمس،ولينال بموجبه لقب(السير)أي النبيل،بعد أن ذهب برفقة عائلته- بسبب الظروف التي كانت تحدق في العراق نهاية السبعينات- ليقيم في بريطانيا،وهو المولود عام/1960في بغداد لاسرة من أصول أرمنية،أنهى الابتدائية في مدرسة (فرانك عيني) التي أسسها في بغداد(السيد محسن ثري)والثانوية في كلية بغداد،درس الطب- بعد ذلك- في دبلن،وتتدرج بالدراسة ليصبح رائدا لنوع من العمليات ذات التقنيات الجديدة،وينعم بشهرة عالمية في مجال تقنيات الجراحة المتطورة واجراء العمليات بطريقة الانسان الآلي(الربوت)،أسهم في تطوير طرق مبتكرة للتدريب في مجال الجراحة عن طريق استخدام أسلوب (الحقيقة الافتراضية).
أوسمة والقاب،عضويات وشهادات علمية، منح وزمالات من جامعات ومؤسسات علمية بريطانية وأمريكية،تتفاخر بمنحه شرف هذه التثمينات،تقديرا لجوهر وروح العلم- ليس الا- وليكون بجدارة حقيقية،لا وجود لاي رائحة محاصصة فيها -على الاطلاق- كأول طبيب من أصل عراقي يحمل حقيبة وزارية في بريطانيا. ماذا في حقيبة السادة المسؤولين-عندنا- ممن جاءوا تحت لافتة التغيير والحلم بعراق جديد،حول هذا الموضوع؟! مجرد سؤال،خال تماما من أية براءة.