لم يكن الخبر الذي هاتفني من أجله صديقي (د.شفيق المهدي) مدير عام دائرة السينما والمسرح مساء الأربعاء (2/أيار) الذي سبق يوم تحديد موعد وضع الحجر الأساس لإنشاء مبنى (دارا الأوبرا) صباح الخميس (3 /أيار) خبرا يحمل أمرا عاديا- على الإطلاق- لعدة أسباب، (أولا) كونه خصني به – مشكورا- هذا الرجل المواظب العجيب المصاب بداء الحرص والحب الخالص لشتى صنوف الثقافة والفن في عراقنا اللائذ بمبدعيه،- (ثانيا) كونه يتمتع بذاكرة مصنوعة من الفضة التي تقاوم الصدأ والنسيان، فقد ذكرني -خلال نقله للخبر الذي تنفست منه رائحة نشوة فرح عارم وتلمست درجة حرارة الغبطة التي سكنته وطغت على صوته- بما وعدني به قبل أكثر من عام حول امكانية تحقيق حلمنا بإنشاء دارٍ للأوبرا في بلاد الملاحم والشعر والنخيل، وقص لي جوانب من دأبه وإصراره على نبش كل ما يتعلق بوثائق وخرائط ومصورات ذلك الصرح الحضاري وتتبع معرفة عنوان المهندس المعماري الذي وضع التصاميم، وقد اتضح أنه يسكن ولاية (فلوريدا) الأمريكية، حسبما سعى -بجد وجهد ومثابرة- (د.شفيق) لإعادة نبض الروح لفكرة ذلك المشروع الوطني الكبير، و-(ثالثا) دعوته الشخصية لي لحضوري ذلك الاحتفال مع عدد من المثقفين والفنانين والصحفيين لوضع حجر الأساس من قبل السيد وزير الثقافة (د.سعدون الدليمي) الذي تبنّى عمق تلك الدعوات التي لم يجرؤ على تلبيتها باقي طاقم من شغل حقيبة هذه الوزارة لا قبل ولا بعد التغيير.
تصورّوا حجم أهمية وعظمة ذلك الأثر والإرث الانساني والمعلم الحضاري الذي كان سينفذ، لو سنحت الفرصة وتلاءمت الظروف، في ذلك الزمن الذي أقر فيه مجلس الإعمار انشاء دار للأوبرا في العراق وبتخصيص مساحة واسعة جدا تمتد من (جزيرة أم الخنازير حتى منطقة الزعفرانية/شرق بغداد) لتستوعب -أيضا- إنشاء سبعة مسارح بتقنيات عالية منها ما هو مخصص للكبار وأخرى للأطفال فضلا عن بناء قاعات عروض للفنون التشكيلية، محاطة بمتنزهات وحدائق ومدن للألعاب، وفق ما كان مقررا أن يبدأ العمل فيه عام (1954) ليكون جاهزا في استقبال الفرق السيمفونية والفرق الفنية والمسرحية العالمية والمعارض والمهرجانات في العام (1959).؟! لكن الريح جرت بما لا تشتهي السفن.
وجاء -الآن- اليوم (أن تأتي متأخرا خيرٌ من ألاّ تأتي) الذي نحاول فيه تلمّس تحقيق نغمات وإيقاعات ذلك الحلم، تتويجا لمعنى عمق حاجتنا للموسيقى الراقية، فهي لغة العالم وضميره، وإذ يقول المفكر (شوبنهاور)؛ «كل الفنون تطمح أن ترتقي الى مصاف الموسيقى»، فيما تنص عبارة تحذير ترد في أحد نصوص مسرحيات (شكسبير) بالقول:(احترسوا من هذا الرجل فهو لا يعرف الضحك… ولا يحب الموسيقى)، لتبقى حكمة وتوصيف المتصوف الجليل (أبو حامد الغزالي) الواردة في متن كتابه الشهير (إحياء علوم الدين) ساطعة بلمعان وهجها -قبل أقوال شوبنهاور وشكسبير بعقود طويلة- ملخصة فهم جوهر نقاء الفن والجمال بنصها الروحاني الرائع حين يقول: (من لم يعجبه الربيع وأزهاره… ومن لم يطربه العود وأوتاره.. فهو فاسد المزاج ولا ينفع معه العلاج).