لم يقترن أسم شاعر-في الكون- بالمطر كما أقترن ب(السياب)صنوانا وعنوانا لترابط أبداعي عذب،ذاب و لاذ بروح ( بدر) حداثة الشعر في عز زمن تحرره من قيود وشروط القافية والنظم القديم،حتى لتشعر و(تهجس) برذاذ المطر يغمرك لمجرد أن تهمس بمطلعها:(عيناك غابتا نخيل ساعة السحر…….)
لا أضيف شيئأ من شأنه تعميق العلاقة- مجددا-ما بين(بدر) وبين رائعته (أنشودة المطر) سوى دخول قصدي لمحاولة رائعة جاءت تلامس روح(السياب) بمكر وذكاء…ولطالما أرتبط الذكاء بالمكر مسالما ودودا في الكثير من نواحي المغامرة بالابداع ،وهنا،أعني- بالتحديد-محاولة المخرج العراقي المقيم في الدنمارك (جودي الكناني) حين تقدم بسيناريو فلمه المعنون (السياب) مجردا من رفق أو أضافة أية كلمة أخرى تزيد من متانة العنوان وتغري لجنة فحص النصوص في دائرة السينما والمسرح لقبول أنتاج هذا الفلم التسجيلي ضمن قوائم أنتاجها لعدة أفلام روائية وتسجيلية وأخرى وثائقية ضمن منهاج أحتفالها السينمائي بمشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية لعام/ 2013.
ثقة المخرج (جودي) بجهوده وصدق انتمائه للسينما التي درسها وقدم لها العديد من الافلام طوال مسيرته الابداعية الممتدة لأكثر من ثلاثين عاما في ميدان حبه الرحب لهذا الفن النبيل،ونال عنها عدة جوائز في عدد من المهرجانات العربية والعالمية،وأخرها كان فلمه الأثير(الأخضر أبن يوسف)عن تجربة وجانب من حياة الشاعرالكبير(سعدي يوسف)،فضلا عن ثقته بعبقرية(السياب)وعظمة شعره وعمق شقائه و تنوع عذاباته التي جعلته يقول في أحدى أوجع قصائده : (أنا أشقى من ضمت الأرض) لذا أكتفى(المخرج-مؤلف ذات النص)بسحر وأختصارعنوانه المعبر والدال(السياب)….ليضم جوانب وحالات وجدانية وانسانية وأحداث وظروف سياسية قاهرة مر بها العراق وعاشها الشاعر المبتكر بوعي مبكر ومرارة قاسية،فاضت بها مشاهد ذلك السيناريو المدهش حين أختصر حياة الشاعر متوزعة- بأسى ولوعة وعذاب- ما بين فقر ويتم ومرض ومنفى وموت في ريعاب الشباب،وبعد أن أتاح لي(جودي الكناني) قراءة سيناريو فلمه- قبل أيام قليلة- تمعنت وتمتعت بما حوى من أفكار و موصلات ما فعل(جودي)حين قام بمسح وفحص ودرس كامل نتاج شاعر المطر بعناية ودقة تفوق عمل مصلح الساعات فبعد قراءة و(تفليس) تسعمائة وواحد وسبعين قصيدة ليختار منها ما لم لا يتجاوز سوى أربعين بيتا مؤثرا وعميقا في صياغة عمله المرهف والشاق،دون أية أشارة لذكر المطر قصدا دلاليا مباشرا ومقحما بل جاء عمق منساق وتواق لروح بطله شاعر المطر بلا منازع،وليحيط ذلك العمل بروح وصنعة مهارة السينما،عبرعقل وعين عدسة الكاميرا-بكثافة غامرة- راحت تقلب كل الظروف والأحداث وترصد مصائب ومتاعب ومصاعب بطله الموجوع منذ صرخة ميلاده حتى أخر مشهد ضمه شريط فلم(جودي الكناني)حيث يرد على لسان شرطي يقوم بختم بيت السياب بالشمع الأحمر وحين يلح أحد الصبية في ذلك الثناء بالسؤال والاستفسار عن السبب،يجيب الشرطي بلا أكترث:(مات..مات ..الشاعر مات).
ولكن(السياب) لم يمت….فها هو مطر ذكراه يهطل كلما يحين يوم وفاته في الرابع والعشرين من كانون أول في كل عام.