فيصل عابدون
الأمم الحية لا تعيش في ظل انتكاساتها زمناً طويلاً فهي سرعان ما تستيقظ وتحشد قوتها وإرادتها لتصحيح مسارها وتعويض خساراتها. وقد كانت حرب رمضان المجيدة واحدة من صحوات العرب الكبرى، جددوا بها سجل البطولة الناصع وصنعوا للأجيال تاريخاً جديداً للفخر والاعتزاز ومحطة للقدوة والاعتبار إذا داهمتهم العواصف.
لم يكن صباح العاشر من رمضان السادس من أكتوبر من العام 1973 يوماً عادياً مثل غيره من الأيام، ففي ذلك اليوم نجحت الجيوش العربية على جبهتي سيناء والجولان في إلحاق الهزيمة بجيش الاحتلال «الإسرائيلي»، حطمت غروره وكسرت إرادته واستعادت الأرض المسلوبة وعززت الكرامة ورفعت راية العرب بين الشعوب والأمم.
حققت العسكرية العربية عنصر المباغتة بشكل كامل وخلال ساعات قليلة كان الجنود وضباطهم قد تمكنوا من اختراق السد الترابي وعبر آلاف الجنود بمعداتهم الحربية الكاملة نحو تحصينات خط بارليف وإجبار قوات العدو على الانسحاب والهروب. وبالتزامن كانت الجيوش السورية تدك تحصينات الاحتلال وتنشر الفوضى والذعر بين صفوف قواته على جبهة الجولان.
وحرب رمضان المجيدة هي أول وأهم الحروب الشاملة التي تخوضها الأمة العربية في تاريخها المعاصر. ولم تقتصر مفاجآت الحرب على التخطيط العسكري المتفوق والإرادة القتالية المذهلة للجنود فحسب، لكنها ظهرت أيضا في مستوى التعاون والتضامن والتنسيق بين القادة والزعماء العرب وبشكل لم يسبق له مثيل وكان أحد العوامل الحاسمة في تحقيق الانتصار.
لقد تدفقت قوات الإسناد من كافة الدول العربية على الجبهات مع أول البيانات العسكرية التي بشرت بالعبور، العراق أرسل الدبابات والجنود، والمقاتلات الليبية لعبت دوراً مهماً في الهجوم الجوي وفي التصدي للهجمات المضادة، وتدفق الدعم المالي لتغطية التكاليف الطارئة. وفي وسط حالة الانهيار في صفوف الاحتلال وقياداته السياسية استنجدت «إسرائيل» بالظهير الغربي وطالبته بالدعم والتدخل لكن دول الخليج العربي تصدت لهذه التحركات بقوة وأدخلت سلاح النفط إلى المعركة.
يقول المؤرخون إن خطة الحرب تم تصميمها مباشرة بإشراف الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بعد انتكاسة العام 1967، وأن الرئيس المصري الراحل أنور السادات وجنرالاته طوروا الخطة بعد ذلك لتواكب المستجدات الطارئة. ففكرة اختراق السد الترابي باستخدام المياه جاءت بعد وضع التصميم الأساسي.
واختلف المحللون والخبراء في تقدير أهمية نتائج المفاوضات السياسية اللاحقة. ولكن ومهما تكن التقديرات حول حجم المكاسب والخسائر فإن الثابت أن حرب رمضان وضعت نقطة مضيئة وملهمة للأجيال العربية. كما أقنعت الاحتلال بأن العرب قادمون ولو طال بهم الصمت.