التصنيف: الرأي

  • الحرب المجيدة

    فيصل عابدون
    الأمم الحية لا تعيش في ظل انتكاساتها زمناً طويلاً فهي سرعان ما تستيقظ وتحشد قوتها وإرادتها لتصحيح مسارها وتعويض خساراتها. وقد كانت حرب رمضان المجيدة واحدة من صحوات العرب الكبرى، جددوا بها سجل البطولة الناصع وصنعوا للأجيال تاريخاً جديداً للفخر والاعتزاز ومحطة للقدوة والاعتبار إذا داهمتهم العواصف.
    لم يكن صباح العاشر من رمضان السادس من أكتوبر من العام 1973 يوماً عادياً مثل غيره من الأيام، ففي ذلك اليوم نجحت الجيوش العربية على جبهتي سيناء والجولان في إلحاق الهزيمة بجيش الاحتلال «الإسرائيلي»، حطمت غروره وكسرت إرادته واستعادت الأرض المسلوبة وعززت الكرامة ورفعت راية العرب بين الشعوب والأمم.
    حققت العسكرية العربية عنصر المباغتة بشكل كامل وخلال ساعات قليلة كان الجنود وضباطهم قد تمكنوا من اختراق السد الترابي وعبر آلاف الجنود بمعداتهم الحربية الكاملة نحو تحصينات خط بارليف وإجبار قوات العدو على الانسحاب والهروب. وبالتزامن كانت الجيوش السورية تدك تحصينات الاحتلال وتنشر الفوضى والذعر بين صفوف قواته على جبهة الجولان.
    وحرب رمضان المجيدة هي أول وأهم الحروب الشاملة التي تخوضها الأمة العربية في تاريخها المعاصر. ولم تقتصر مفاجآت الحرب على التخطيط العسكري المتفوق والإرادة القتالية المذهلة للجنود فحسب، لكنها ظهرت أيضا في مستوى التعاون والتضامن والتنسيق بين القادة والزعماء العرب وبشكل لم يسبق له مثيل وكان أحد العوامل الحاسمة في تحقيق الانتصار.
    لقد تدفقت قوات الإسناد من كافة الدول العربية على الجبهات مع أول البيانات العسكرية التي بشرت بالعبور، العراق أرسل الدبابات والجنود، والمقاتلات الليبية لعبت دوراً مهماً في الهجوم الجوي وفي التصدي للهجمات المضادة، وتدفق الدعم المالي لتغطية التكاليف الطارئة. وفي وسط حالة الانهيار في صفوف الاحتلال وقياداته السياسية استنجدت «إسرائيل» بالظهير الغربي وطالبته بالدعم والتدخل لكن دول الخليج العربي تصدت لهذه التحركات بقوة وأدخلت سلاح النفط إلى المعركة.
    يقول المؤرخون إن خطة الحرب تم تصميمها مباشرة بإشراف الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بعد انتكاسة العام 1967، وأن الرئيس المصري الراحل أنور السادات وجنرالاته طوروا الخطة بعد ذلك لتواكب المستجدات الطارئة. ففكرة اختراق السد الترابي باستخدام المياه جاءت بعد وضع التصميم الأساسي. 
    واختلف المحللون والخبراء في تقدير أهمية نتائج المفاوضات السياسية اللاحقة. ولكن ومهما تكن التقديرات حول حجم المكاسب والخسائر فإن الثابت أن حرب رمضان وضعت نقطة مضيئة وملهمة للأجيال العربية. كما أقنعت الاحتلال بأن العرب قادمون ولو طال بهم الصمت.
  • وعود «ترامب» وكلينتون: الواقع والوهم

    ألبرت هانت
    يرى عدد من الجمهوريين أن مقترحات دونالد ترامب بشأن الهجرة والتجارة ليست إلا عرضاً سياسياً بعيداً عن الواقعية. وبالمثل يرى بعض الديمقراطيين المؤيدين لحرية التجارة أن موقف هيلاري كلينتون بشأن حماية التجارة ليس هو أيضاً إلا رطانة سياسية فارغة. وأنا أقول إنهم جميعاً واهمون في رؤيتهم، فالبحث الأكاديمي والتاريخ الحديث يظهران أن الرؤساء المنتخبين حديثاً يحاولون الالتزام بتعهدات حملاتهم الانتخابية.
    وقد ذكرت «شيرلي آن وارشو»، وهي باحثة بارزة في الدراسات السياسية أن «الرؤساء الجدد يحاولون فعلياً أن يقتنعوا أن لديهم تفويضاً، ويشعرون بأن لديهم السلطة… وما من سبب يجعلنا نعتقد أن الزمن مختلف».
    وإذن، فعلى السياسيين والناخبين افتراض أن ترامب بعد أن يصبح رئيساً سيبدأ في ترحيل ملايين المهاجرين غير الشرعيين وبناء جدار على امتداد الحدود المكسيكية، وتهديد الصين بحرب تجارية، والارتداد عن لوائح تنظيمية تتعلق بـ«وول ستريت» والبيئة، ويتقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ومثل ذلك أيضاً افتراض أن كلينتون إذا أصبحت رئيسة فإنها ستؤيد زيادة الضرائب على الأثرياء، وتدشن حزمة كبيرة من البرامج الاجتماعية الجديدة تقل عما دافع عنه منافسها الديمقراطي بيرني ساندرز، وتضع اتفاق التجارة للشراكة عبر الهادي في موضع حرج.
    لقد كان هناك بعض الشك فيما إذا كان المرشحان رونالد ريجان وجورج بوش الابن، جادان بشأن مقترحاتهما المتعلقة بالخفض الكبير في الضرائب. ولكن الواقع أنهما كانا جادين بشأن مقترحاتهما. وكان هناك شك في أن أوباما سيسعى حقاً لتعديل نظام الرعاية الصحية، ولكنه فعل هذا حقاً. وأحياناً يتبع الرؤساء تعهدات حملاتهم الانتخابية التي تكون خطيرة سياسياً.
    وقد يحتاج بعض الرؤساء إلى التلكؤ في عدم الوفاء بوعد غير حكيم، فقد استغرق الأمر من جورج بوش الأب عامين تقريباً ليتخلى عن تعهده بعدم فرض ضريبة جديدة. وصفقة الميزانية لعام 1990 التي تضمنت زيادة الضرائب كان لها تأثيران، فقد ساعدت في دعم الازدهار الاقتصادي في التسعينيات، وفي المقابل كبدت بوش تكلفة سياسية.
    ويمكن توقع أن ترامب الذي شن هجوماً على السياسيين الذين لم يحافظوا على وعودهم، سيبدأ في ترحيل 11 مليون عامل بغير وثائق. ويتعهد ترامب بأنه سيفعل ذلك على مدار عامين دون تحديد الكيفية التي سيغطي بها التكلفة الفلكية لهذا التعهد. وسيحاول أيضاً البدء في بناء جدار على امتداد الحدود الجنوبية للولايات المتحدة على رغم أنه سيكلفه أكثر من تقديراته، ولن يتمكن من إرغام المكسيك على تغطية التكلفة. وفي التجارة ستقيد القوانين الدولية والمحلية قدرته على الحفاظ على تعهده بفرض رسوم كبيرة على البضائع الصينية أو المكسيكية، وقد يحاول الالتفاف على هذه القيود بالاستعانة بالسلطات الرئاسية في الرد على «تهديد غير اعتيادي واستثنائي».
    وفي ظل إدارة ترامب المحتملة قد يتم التراجع عن نظم متعلقة بـ«وول ستريت» والبيئة. ويمكن توقع أن يدشن ترامب جهات تنظيمية صديقة للصناعة ويجعل الكونجرس يتعطش لتمويل الوكالات المتضررة ويجري بعض التعديلات التشريعية.
    وسياسة ترامب الخارجية ليست هي أيضاً واضحة في معظمها ويبدو أنه لم يفكر كثيراً في الموضوع لأن تصريحاته فضفاضة ومرسلة في معظمها، فهو يعلن أن دولًا أخرى يتعين عليها تحمل عبء الدفاع عن نفسها، ولكن هناك بعض الآراء غير التقليدية، فقد تحدث عن إعجابه ببوتين، والرئيس يستطيع الإقدام على عمل عسكري ضد تهديد يراه ملحوظاً، وترامب قد لا يجد حرجاً في فعل هذا.
    وفي حالة كلينتون، يعتقد بعض مؤيدي «وول ستريت» أن مقترحاتها وخطابها الأشد صرامة بشأن البنوك ليس إلا رداً سياسياً على ساندرز، ولا تراهنوا على هذا. ولكن يمكنكم المراهنة على أنها ستسعى جاهدة لجمع ضرائب من الأثرياء. وبعض أنصار سياسة كلينتون الاقتصادية يرون أنها حقاً من أنصار التجارة الحرة، وأن مقترحها بشأن اتفاق التجارة عبر الهادي الذي يؤيده أوباما وتعهدها بإعادة التفاوض في اتفاق التجارة الحرة في أميركا الشمالية «نافتا» ليس إلا تلميحات سياسية. والواقع أنها لن تتراجع، واتفاق الشراكة عبر الهادي ينتهي أمره إذا لم يجر تنفيذه في دورة محدودة الصلاحيات بعد انتخابات هذا العام. وفي المجمل، فقد رسم ترامب وكلينتون خارطة طريق للمكان الذي يريدان أن تصل إليه البلاد. وعلى الناخبين أن يحملوا وعودهما على محمل الجد.
  • أطفال الصهيونية الجديدة

    مفتاح شعيب
    كشف إعلام الاحتلال «الإسرائيلي» عن تنظيم أنشطة لتدريب أطفال في رياض الحضانة على حمل السلاح وإطلاق النار وتفريق التظاهرات، يرسي من حيث لا يعلن نظاماً فاشياً لا يقل خطورة عن أي منظمة إرهابية تربي أجيالاً من الأطفال على الكراهية وسفك الدماء والعدوان.
    من نافلة الاستنتاج أن الزج بأطفال لا تتجاوز أعمارهم السنوات الخمس في أجواء مواجهة «عدو مفترض»، وفي هذه الحالة هو العربي والفلسطيني، سيزرع في نفوس هؤلاء الصغار تعاليم تقوم على الاستعداد الدائم لمواجهة من يصوّر أنه تهديد أزلي. وبإمكان علماء النفس أن يخضعوا هذه التجربة للتحليل ليكتشفوا أن الأطفال في هذه السن لديهم قابلية للتأثر والتعلم والمحاكاة في كل ما يدور في بيئتهم. ولن يستطيع طفل في مستوى الحضانة أن يقتنع بأن تدريبه على استخدام السلاح سيكون للدفاع عن النفس وتسجية للوقت وليس للبطش بالآخرين وتهيئته ليكون قاتلاً ومجرماً بحق تظاهرات سلمية، مثلما فعل آباؤه وأجداده في فلسطين المحتلة على مدى عقود الاحتلال البغيضة.
    ربما تكون هذه النشاطات المسلحة المخصصة لأطفال في بعض مستوطنات الكيان محدودة وتهيّئ لولادة صهيونية جديدة، ولكنها في جانب من جوانبها تكشف طبيعة هذا المجتمع الصهيوني المحاصر بالخوف من المجهول، والذي لن يستطيع أبداً أن يعيش بسلام طالما يغتصب حقوق أصحاب الأرض الحقيقيين، ويسعى بكل ما أوتي من مخططات إلى أن يغير معالم فلسطين وجوارها ليبني الوهم الذي لم يسقط من مخيلته بعد. وكلما بدت بوادر الخيبة في مساعيه، توغل خطوات أبعد في ثقافة العنصرية ونفي الفلسطيني من الوجود، وهذا ما يلاحظ في مشاريع الاستيطان والتهويد والاعتماد على البطش الأمني والعسكري ورفض كل المبادرات الدولية الخاصة بالتسوية.
    ليس جديداً أن يعتمد الكيان الصهيوني على مجتمع مسلح، وهو الذي اعتمد على عصابات مسعورة في اغتصاب فلسطين وتهجير أهلها قبل 68 عاماً. ومن المفارقة أن هذا الكيان، الذي يدّعي أنه ديمقراطي ويرعى حقوق الإنسان، لا يتوّرع عن «التنديد» بمقررات التعليم الفلسطينية والعربية التي لم تسقط مناهجها خريطة فلسطين ونكبتها التاريخية من أجل أن تظل القضية حية في النفوس والضمائر، ومن أجل أن تظل المطالبة بتحريرها لواء ترفعه الأمة جيلاً إثر جيل حتى يأتي اليوم الموعود. والفرق بين التربية الفلسطينية والتحريض الصهيوني، هو أن الأولى ترمي إلى التجذّر في الهوية والولاء لها، أما الثاني فهو تأكيد على سياسة العسف والغطرسة والجريمة، وجعلها مدوّنة سلوك يرضعها الأطفال ليسيروا عليها عندما يصبحون رجالاً في الغد القريب، وهي بحد ذاتها جريمة بحق هؤلاء الأطفال بقطع النظر عن المجتمع والثقافة التي ينتمون إليها، حتى ولو كانت «إسرائيلية».
    الكثير من قادة الاحتلال ومستوطنيه يفاخرون بهذه المناورة التي تقوم بها أيضاً التنظيمات الإرهابية في الوقت الراهن مثل «داعش» و«القاعدة»، وجرّبتها إلى وقت قريب الأنظمة الشمولية الفاشية والنازية، وكانت النتيجة كارثية، فقد آذن الزج بالأطفال في حروب الكبار بزوال تلك الأنظمة مبكراً. ولن يفلت الكيان الصهيوني من المصير نفسه مهما بالغ في العسكرة وتمادى في عنصريته وعنجهيته المنافية لكل القيم والأخلاق.
  • معركة عظيمة وانتصار أعظم

    عبد الرضا الساعدي 
    كانت الأرض هناك وكان الشعب الأبي كذلك، وبفارغ الصبر واللهفة والأمل، على موعد مع قدوم رجالنا الأبطال من الجيش العراقي الغيور وقوات الحشد الشعبي لكي تزيل هذه الوحوش الداعشية المجرمة من على الأرض في الفلوجة وغيرها من الأماكن المدنسة بفعل هؤلاء المجرمين، رغم جسامة الظروف ومشقتها، فجاءت الضربة القاصمة للأوغاد بشكل مذهل أرعب الأعداء أولا وأدهش العالم الذي يتابع ويراقب الحدث الكبير المفصلي، كما أدخل البهجة ومشاعر الفخر لدى شعبنا المتوحد في معركته هذه وفي واحدة من أروع الملاحم البطولية التي يخوضها العراقيون ضد الإرهاب.
    بدت المعركة كالزلزال الغاضب الذي انتظر اللحظة الحاسمة للانقضاض على جراثيم العصر الداعشية، فتقدمت الصفوف المتراصة المتلاحمة من كل الصنوف والطوائف والدماء الوطنية الحارة التي تغلي بحب العراق والدفاع عنه مهما كلفت التضحيات من أجل كرامة الناس والأرض وخلاصهم من هذا الجحيم الظلامي المتحجر، فجاءت تباشير النصر تلوح في الأفق من أول ضربة عراقية شجاعة لأوكار التخلف الإرهابي الذي عاث بكل شيء فسادا وظلما وشرا لايمكن وصفه، فاستحق هذه الضربة القاصمة التي ستغير من كل حساباتهم المريضة، وستعيد لنا الأرض مزهوة بالكرامة والزهو والإنتصار العظيم.
    ما تحقق لحد الآن من نصر باهر في الفلوجة وغيرها من المدن والأماكن العراقية المحررة يدعونا جميعا إلى وقفة تليق بهذا الإنجاز العظيم، وقفة تنسجم مع الظرف الإستثنائي الذي يمر به البلد وهو يواجه الأعداء، كما يواجه وضعا اقتصاديا استثنائيا أيضا يرافقه مطالب شعبية ملحّة بالإصلاح والتغيير على مستويات عدة في سبيل إعادة البناء والخدمات ومكافحة الفساد، وهي مطالب مشروعة بلا شك، ولكن في ذات الوقت مطلوب منا أن نضع الأولويات الأهم في المقدمة ومن ثم التفرغ لمهمة الإصلاح والتغيير المنشود، والأولوية اليوم تكمن في الخلاص من السبب الرئيس في الدمار والخراب والتعويق الذي يحدث بسبب المؤمرات الصهيونية الأمريكية علينا وعلى المنطقة عموما التي أنجبت أدواتها الإرهابية من الدواعش والتكفيريين والوهابيين الذين أرادوا أن يصنعوا لهم كيانا غاصبا آخر يماثل الكيان الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين من خلال حلم مريض بتأسيس دولة قذرة لهم على أرض العراق وسوريا بدعم من دول معروفة بتوجهاتها الحاقدة على شعوب المنطقة، كالسعودية وتركيا وقطر وحلفائهم  كي تصبح هذه الشعوب تابعة وذليلة وغارقة بالطائفية والتقسيم والتناحر والظلام ، خدمة للكيان الصهيوني والأجندات الخارجية الإستعمارية بعيدة المدى ، ضد مستقبل وتطلعات هذه الشعوب  الطامحة بالحرية والرفاهية والحياة الحرة الكريمة.
    نحتاج في الداخل، كموقف شعبي وسياسي معا، أن نهدأ الآن في موجة المطالب المعروفة والمشروعة لكي لا نضيع فرحة النصر العظيم المتحقق في المعركة اليوم، ونحن نتقدم بخطى جبارة باتجاه تحرير مناطق أخرى وأراض أخرى في الموصل التي تنتظر كما انتظرت الفلوجة يومها المنشود بالتخلص من هؤلاء الأرجاس الداعشيين ..
    نحتاج أن نبتهج ونؤازر ما تحقق من إنجاز ومن ثم سيكون لمطالبنا موعدا مناسبا يليق بتضحيات هذا الشعب وصبره وأحلامه في الإصلاح والبناء والحياة التي تليق بنا كبلد يكتب بحروف من نور تاريخا جديدا في البطولة والتضحيات والرغبة الملحّة بالإصلاح والتقدم والاستقرار.
  • البحث عن الحرب النظيفة

    عمران العبيدي
    يحاول الكثيرون حرف الحقائق وتزوير الحدث وفقا لرغباتهم النابعة من التفكير الطائفي العدواني تجاه العراق، فمنذ لحظة الخلاص من الحقبة الصدامية المقيتة اندلعت الحرب الطائفية ضد العراق خصوصا من محيطه العربي حيث برزت المواقف الطائفية للعرب بشقيهم الرسمي والشعبي وان كانت بنسب متفاوتة وعد بعضهم التغيير في العراق خروجا من المنظومة السنية العربية وهو ما لا يتصوره العرب، وهذه النظرة القاصرة فاقمت من الاحداث واصبحت كل المواقف العربية توضع في هذا الميزان رغم المحاولات العراقية الكثيرة لتفسير الموقف، ومن ثم ادى ذلك الى تبني مواقف تحريضية لبعض من سنة العراق ضد المتغير الجديد وتحت ذرائع شتى من اجل تأزيم الموقف اكثر، فكانت معزوفة المظلومية والتهميش التي كانت ذريعة لصدام مسلح في اكثر من جانب واكثر من موقع، الامر الذي افرز في النهاية موقفا اتخذ صورة صراع سني شيعي والذي انتج مواقف طائفية عربية لنصرة جهة على اخرى، ما ادى في النهاية الى تأجيج الموقف وخروج مدن عدة عن سيطرة الحكومة.
    التدخل العربي هذا اخذ اشكالا عدة ومن ضمنها مساندة جميع قوى التطرف ضد المتغير العراقي الجديد الذي يعد متغير لا يتناسب والنسق السياسي والمذهبي العربي فكانت التنظيمات هي الاذرع العربية لهذا الصراع وكان آخر تلك الاذرع داعش ومن على شاكلتها، وكلما حاول العراق التخلص من ذلك تناخى العرب وزاد صراخهم على ادعاءات ومزاعم حول ابادة شيعية للسنة، فيتجحفل الاعلام العربي  ومعه الدبلوماسية العربية وممن يساندها من ضعاف النفوس في العراق لتأجيج الموقف وتصوير الامر على انه تصفيات وثأر ولم يقل احد منهم ان وجود داعش في العراق هو النشاز بعينه.
    هل يمكن تصور ان داعش يخرج من العراق بالطرق الاعتيادية، ام ان الامر يتطلب حربا ضروس ضد هذا الكائن الغريب والذي لا يمكن القول انه تنظيم بل هو ببساطة مجموعة دول تحارب على ارض العراق لتقتل العراقيين بدم بارد؟.
    الوسائل الاعلامية والدبلوماسية العربية تريد حربا لا يجرح ولا يموت فيها احد، ولا ندري اين وجد هذا العقل مثل هذه الحروب، فلا يمكن تصور وجود حرب نظيفة تدور رحاها في المدن وشوارعها وازقتها ضد تنظيم لغّم واستباح كل شيء.
    الحروب فيها الموت وفيها التضحيات ولا يمكن تحويل مسارها وتحريفها عن حقيقتها لمجرد موت شخص مدني فيها، رغم اننا مع الحذر الكبير في تجنب اي خسائر يمكن تجنبها، ولكن لا يمكن لعاقل ان يتصور انها حرب نظيفة بالكامل، فلا وجود لمثل هذا حتى في الخيال العلمي. من يريد تحرير مدنه واعادتها الى سلطة الدولة عليه ان يتوقع كل شيء، ولكن ما زال العرب بدبلوماسيتهم واعلامهم يصورون كل الامور عكس حقيقتها واظهار الامر بأنه انتقام شيعي ضد السنة، لا لشيء سوى لأن نهاية داعش هي نهاية مخططاتهم، لهذا ليس مستغربا صراخ الدبلوماسيبة السعودية او صراخ مشايخ الازهر الذين لم يقولوا كلمة واحدة بحق داعش الارهابي. المهم في نهاية الامر ان هذا الصراخ معزوفة طائفية بامتياز، وهذا معروف والاهم من كل هذا ان تستمر مسيرة القضاء على داعش وهو ما سيلجم الافواه ليكون نهاية داعش من كامل الارض العراقية، وللذين يبحثون عن الحرب النظيفة نقول ان هذا امر محال وان استطعتم ان تأتونا بمثال وفق ذات الظروف فاخبرونا يا اصحاب المشروع الطائفي.
  • النخب يمكنها دعم سياسات الهجرة الخاسرة

    فيكتور ديفز هانسون
    سواء كان الأمر دعماً أو معارضة فإن الهجرة الجماعية تعتبر قضية طبقة بعينها، وليس مسألة عرقية أو عنصرية. وعادة ما يدعم النخب سياسات الهجرة وغالباً ما تعارضهم طبقة العوام.
    وفي أعلى القائمة هناك نخب المكسيك. وتقدر نتائج الهجرة غير الشرعية بنحو 25 مليار دولار ترسل في شكل تحويلات إلى المكسيك كل عام.
    وأبدت حكومة المكسيك قلقها على هذه التحويلات التي تعتبر مصدر البلاد الأول للتحويلات الأجنبية، أكثر مما أبدته على المواطنين من ذوي الأجور المنخفضة في الولايات المتحدة الذين يحجمون عن إرسال الأموال إلى المواطنين. وتعفي التحويلات الحكومة أيضاً من إعادة هيكلة الاقتصاد أو إعادة موازنة البرامج الموجهة ضد الفقر.
    وترى المكسيك في الولايات المتحدة الطريق ذاته الذي رأته الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر: باعتباره مخرجاً ملائماً للمستائين غير السعداء الذين يمكنهم الهروب بدلاً من البقاء في منازلهم وإحداث تغيرات طال انتظارها. الموظفون الأميركيون في عدد من القطاعات مثل البناء والتصنيع والضيافة وقطاعات أخرى طالما رحبوا بالهجرة غير الشرعية بسبب تكاليف العمالة منخفضة الأجور.
    وأنها أكبر تجمع للمهاجرين غير الشرعيين وبسبب الضغط الأقل من قبل العاملين لرفع أجورهم. هذا كان سببا في أن عمال المزارع المتحدة التابعين لسيزار تشافيز في سبعينيات القرن العشرين نفذوا دوريات على الحدود الجنوبية في نمط »حملة غير شرعية« للحفاظ على المهاجرين غير المسجلين، بينما يعارضون برامج العمال الوافدين.
    أكثر من ذلك، النفقات الاجتماعية الإضافية المرتبطة مع ملايين العمال غير الموثقين الذين هم في ارتفاع في مجال الرعاية الصحية والتعليم وتكاليف إنقاذ القانون غالباً ما يتم انتقاؤها من قبل دافعي الضرائب العامة، وليس من قبل أرباب العمل. النخب العرقية أيضاً تفضل سياسات الهجرة. وبالنسبة إلى ملايين المهاجرين غير الشرعيين لايزال استيعابهم يتم بسرعة فضلاً عن دمجهم وزواجهم.
    وعادة ما يندمج جيلان من الواصلين مع عامة الشعب. لكن عندما تكون معظم الهجرات غير مشروعة وبأعداد كبيرة ومن دون تنوع عرقي فإنه يتم استيعابها. وعوضاً عن ذلك، توفر موجات المهاجرين غير الشرعيين شبه الدائمة فرصاً سياسية للنشطاء لتزويدهم بالتمثيل الجماعي. وإذا كانت الحدود مغلقة أمام الهجرة غير الشرعية فكون المرء عندها من أصول أسبانية سيكون مماثلاً لكون المرء إيطالياً أو يونانياً أو برتغالياً أو أميركياً من حيث إن للمرء إمكانية ضعيفة في توقع مستقبل سياسي واحد لهؤلاء.
    التدفق القاري المشوه للوافدين الجدد المحتاجين إلى الإحصاءات المتعلقة بالفقر والمساواة يعزز من أخلاقيات النخب في السياسة والصحافة والتعليم العالي للسعي من أجل التعويض عن الدخل الدائم والاختلالات الثقافية.
    وينظر إلى تقديم عمل إيجابي للجيل الثالث من أصول أسبانية أميركية ممن لا يتحدثون اللغة الإسبانية بوضوح باعتباره طريقة لمساعدة آلاف الواصلين حديثاً من المهاجرين الفقراء من أواكساكا، المكسيك، والعثور على مكافئ.
    النخب الأميركية من ذوي الدخل العالي يفضلون على نحو كبير المهاجرين غير الشرعيين بسبب كثير من الأسباب. أصحاب الكفاءات من الذين يملكون رواتب قليلة »يساعدون« في تنظيف البيوت وإعداد الوجبات ومساعدة الصغار والكبار والعمل على نحو معين. الاستعانة بمصادر خارجية مثل هذه عادة ما لا تكون أمراً متاحا أمام الطبقات المتوسطة والمتدنية.
    وغالباً ما يكون على النخب أن تلتف على سلبيات الهجرة غير الشرعية، ويمكنهم دفع أجور أعلى تكون نتيجة للهجرة غير الشرعية. الدعم المقدم إلى سياسات الهجرة عادة ما يكون لهؤلاء الذين يعيشون في حالة من الفصل العنصري. ويمكن للنخب تجنب العيش في أحياء متكاملة أو إرسال الأطفال إلى مدارس متنوعة، ولكن يمكن تكبير هذه الدائرة من خلال تقديم دعم نظري للملاذات.
    نرى أن نفاق سياسات الهجرة قد قل، مثل المرشحة الديمقراطية للرئاسة هيلاري كلينتون، وشخصية نيفيسيون خورخي راموس ومؤسس الفيسبوك مارك زوكربيرج. من الذي لا يستفيد من الهجرة الجماعية؟ الفقراء في الغالب والأقليات والمنتمون إلى الطبقات الدنيا.
    هؤلاء ليسوا موظفين بل يمكن مقارنتهم مع المهاجرين غير المسجلين في الوظائف ذات الأجور المتدنية. وغالبا ما ينظفون بيوتهم بأنفسهم ويقومون بأعمال الحدائق المنزلية بأنفسهم أيضاً. لا يمكنهم إرسال الأطفال إلى مدارس مختلفة عندما تصبح مزدحمة جدا.
    لا يمكنهم دفع الضرائب المتزايدة المطلوبة لدعم ملايين الواصلين الجدد. دونالد ترامب حاول عدم الاكتراث بالهجرة غير الشرعية على أسس عرقية. إلا أن المسألة ليست من أين يأتي المهاجرون غير الشرعيين أو من هم بل التأثير على الطبقات العاملة المكافحة التي تؤلف مجمل الخلفيات العرقية والطائفية. بعيداً عن الخطابة المسألة أصبحت سهلة: النخب يربحون من ارتفاع الهجرة غير الشرعية، بينما معظم السكان الأميركيين يدعمون الهجرة فقط عندما تكون شرعية ويمكن قياسها وتنويعها.
  • دعوة ميدانية للإعلام العربي

    علي شايع
    تشرفت للمرة الثانية بالمشاركة الميدانية ضمن قواطع المواجهة في جبهات القتال ضد تنظيم «داعش» الإرهابي، بصفة صحفي مستقل، وأيقنت مجدّداً أن الميدان شيء آخر، لا يمكن لأي صحفي عربي إدراك حقيقته عن بعد، ما لم يكن مشاركاً في تغطية ما يجري بضمير متجرد من الإملاءات القسرية التي تفرضها أكثر المؤسسات العربية على العاملين فيها لقول أشياء تخالف الحقيقة والوقائع الجارية على أرض الواقع.
    ميدان مواجهة «داعش» الإرهابي ربما يختلف من جبهة إلى أخرى من حيث الجغرافيا وبعض التفاصيل الستراتيجية، لكنه في واقع الحال لا يختلف من حيث المبدأ، فالعدو واحد والجبهة واحدة ومن يواجهونه يواجهون باسم الوطن الواحد لا الطائفة أو العرق، ومن يعاين هوية المشتركين بالمواجهة سيجد ألوان الطيف العراقي مجتمعة في تلك الحرب المصيرية.
    من يتابع الإعلام العربي وتغطياته للأحداث العراقية سيكتشف تفاصيل مريرة جرت على مدار السنوات، كان الإعلام العربي خلالها مجافياً للحقائق وخارجاً على الأعراف المهنية الدولية.
    هذه الكلمات ليست تقييماً شخصياً عابراً وإنما هي لمحة استقراء لوجهات نظر عالمية طالما نظرت بقلق إلى الوضع الإعلامي العربي المتردي، ووضعته في أدنى مستويات التصنيف بسبب ما يرتكبه من مخالفات أحدثت أزمات التوتر الطائفي والمناطقي.
    للأسف بقي الإعلام العربي وحتى هذا الوقت – ورغم انكشاف تداعيات الإرهاب في الدول العربية – بعيداً عن مسؤولية فضح أفكار التطرّف والإرهاب، ولم يتخذ إجراءات فعلية لتطبيق ما يرد في المؤتمرات والملتقيات الإعلامية الكثيرة وبالأخص في الملف العراقي، حيث سجل المنصفون تجاوزات كثيرة، رفع بعضها إلى الجهات العربية المختصة  لكنها لم تلق استجابات نافعة.
    ولعلّ القضية تنطلق من بعد أخلاقي ومهني يستحق الحزن الوفير، فعلى رأي الشاعر:» وإذا أصيب القوم في أخلاقهم.. فأقم عليهم مأتماً وعويلاً»..فمن يتابع بعض الفضائيات ووسائل الإعلام العربي في الأيام الأخيرة، ويحلل ما تبثه من أخبار سيقيم المأتم بالفعل، فالإعلام العربي وفي الكثير من أركانه يبدو فاقداً للإنسانية في أبسط صورها، وكم سيكون مضحكاً في مثل هذا الحال تذكّر عنوان الدورة الخامسة عشرة لمنتدى الإعلام العربي «الإعلام.. أبعاد إنسانية»، والتي جرت في دبي الشهر الماضي، وحضرتها أطراف يمكن اعتبارها ضد «الإنسانية» من خلال ما تروج له وتعمل عليه من فتن وثغرات يدخل منها الإرهابيون ويحاولون استغلالها في الصراع الدائر.
     حتى هذه اللحظة لا توجد لدينا جهة تختص بتوثيق خروقات الإعلام العربي أو تعنى بأرشفتها، ولعلّها فرصة مناسبة الآن لتأسيس مرصد إعلامي يهتم بالقضية، يمكن أن تفرضه الضرورة، ليكون طرفاً مساعداً أيضاً في وضع التسهيلات الأمنية والفنية، من أجل تقصي الحقائق والاتصال بالباحثين عن الحقيقة، من الإعلاميين والصحفيين الراغبين بالتغطية والمتابعة المباشرة، حتى يتسنى لهم المعايشة والتفاعل مع الأحداث بشكل يومي، بدلاً من التخفي بعيداً والاعتماد على مصادر خبرية مغرضة تتجاوز المواثيق وتخالف المهنية وتكون أداة للإرهاب من حيث لا يحتسب الغافل، حيث أثبت الإرهاب إن الإعلام أبرز أدوات نشاطاته في هذه الحرب.
  • حرب بين الجيش الإسرائيلي والسياسيين

    رونين بيرغمن
    في عدد من البلدان، تشرف الطبقة السياسية على مؤسسة الدفاع وتقيد القائمين عليها بقيود تحول دون انتهاكهم حقوق الإنسان، أو دون انتهاج سياسات خطرة وعدائية. وفي اسرائيل، انقلبت الأمور. فالسياسيون الإسرائيليون يزدرون مبادئ الدولة والقوانين، ويسعون الى حلول عدائية وحربية، في وقت يحاول قادة «جيش الدفاع الإسرائيلي» ومديرو وكالات الاستخبارات تهدئتهم وتقييد نوازعهم (غير السياسية). ففي الأسبوع الماضي، عرض رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو منصبَ وزير الدفاع على أفيغدور ليبرمان، وهو سياسي قومي متطرف عدائي. وهذا فصل من الحرب الدائرة بين نتانياهو والقادة الاستخباراتيين والعسكريين، والنزاع طويل بينهم وقد يقوّض حكم القانون وحقوق الإنسان أو يفضي إلى حملة عسكرية غير مجدية وغير ضرورية. ويرى رئيس الوزراء ان مؤسسة الدفاع تنافس سلطته وتعارض اهدافه. وتسليم ليبرمان الانفعالي والمتطرف المستهتر والمجازف دفة المؤسسة العسكرية هو مؤشر لا لبس فيه الى طي مرحلة القبول بمعارضة الجنرالات وقادة الاستخبارات. وليبرمان معروف بالرد الوقح على من يعارض وجهات نظره. والجولة الأخيرة من النزاع بين السلطتين السياسية والعسكرية بدأت في 24 آذار (مارس) حين قتل إيلور عزريا، وهو رقيب في الجيش الإسرائيلي، فلسطينياً مصاباً وملقى على الأرض، بعد ان طعن زميل الرقيب. ودان قادة الجيش الإسرائيلي عملية القتل. ولكن السياسيين اليمينيين المتطرفين أيدوا الرقيب عزريا، ولجأ ليبرمان، وكان يومها على رأس جناح صغير من المعارضة اليمينية المتطرفة، الى القضاء العسكري، ودعم الجندي. واتصل نتانياهو بوالد عزريا للتضامن معه.
    وأبلغني جنرال ان كبار قادة المؤسسة العسكرية رأوا أن هذا الاتصال الهاتفي تحد فاضح للسلطة العسكرية. واختار نائب رئيس الأركان، الجنرال يائير غولان ذكرى بالغة الحساسية والأهمية في الروزنامة الإسرائيلية، اي أمسية إحياء ذكرى الهولوكوست، للرد على السياسيين. وقال ما أشبه إسرائيل اليوم بألمانيا في الثلاثينات (من القرن الماضي). وفي وقت هاجم نتانياهو الجنرال غولان، أيده وزير الدفاع، موشيه يعالون، وهو رئيس أركان سابق وعضو في حزب رئيس الوزراء الذي يؤيده الجيش. ودعا كبار الضباط إلى الكلام على سجيتهم، ولو كان كلامهم مخالفاً لأراء القادة السياسيين.
    فاستدعى رئيس الوزراء الإسرائيلي يعالون، ثم دعا ليبرمان إلى ائتلاف حكومي يشارك فيه تياره البرلماني الصغير واقترح عليه حقيبة الدفاع. وفي تاريخ إسرائيل القصير، درج قادة الجيش والاستخبارات على الدعوة الى توسل القوة، وفي كثير من الأحوال ازدروا القوانين وحقوق الإنسان. وكان القادة السياسيون أكثر انضباطاً. وفي 1954، بادرت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، في الخفاء عن رئيس الوزراء يومها موشيه شاريت، إلى سلسلة من الهجمات الإرهابية في مصر. ورمت هذه الهجمات إلى زرع الشقاق بين ذلك البلد وبين الولايات المتحدة وبريطانيا. وفي 1967، حضّ العسكر رئيس الوزراء، ليفي أشكول، على الهجوم على مصر وسورية. وحين طلب منهم الانتظار، خططوا لاعتقاله في القبو إلى أن ماشاهم.
    ولكن ماذا وراء انقلاب الجيش وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية إلى حمائم سلام، نسبياً طبعاً، وتحول السياسيين صقوراً؟ في العقود الثلاثة الأخيرة، صار الجيش والاستخبارات اكثر تحفظاً في خرق القوانين. وساهم في التحول هذا الخوف من الملاحقة امام محكمة الجنايات الدولية. وليست الإيديولوجيا والديانة أو الحسابات الانتخابية دافع الأجهزة الإسرائيلية، إلى «الاعتدال»، بل ترجيحها كفة المصلحة القومية. وقادة الجيش والاستخبارات مطلعون من كثب على طبيعة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وعلى الثمن المترتب عليه.
    ولكن العامل الراجح في النزاع بين المؤسسات السياسية والدفاعية يختزل بكلمتين: بنيامين نتانياهو. كثر من الضباط في الجيش والاستخبارات يمقتونه. «فهو أسوأ مدير عرفته في حياتي، وتركت العمل لأنني لم أعد أطيقه… وعرفت عدداً من رؤساء الوزارة، وعلى رغم ان أياً منهم لم يكن منزهاً او بريئاً، كانوا يرجّحون كفّة المصالح القومية على المصلحة الشخصية. ونتانياهو يغرد خارج سربهم،»، يقول مائير داغان، مدير «الموساد» السابق. واصطدم نتانياهو بالمؤسسات الأمنية حول عدد من المسائل، منها اقتراحات تحسين ظروف عيش الفلسطينيين في الضفة الغربية (وعارض نتانياهو مثل هذه الخطوة)، واتهام رئيس السلطة الفلسطينية بإذكاء الإرهاب (قال جهاز الأمن الداخلي، «شين بيت»، ان الرئيس يساهم في مكافحته)، واقتراح نتانياهو ترحيل أسر الإرهابيين (لم يؤيد الأمن الداخلي الاقتراح، وأعلن المدعي العام انه غير قانوني). وعارض كل من جهاز الشين بيت والموساد الحملة على غزة في 2014.
    وفي عدد من الحوارات مع كبار الضباط، دار الكلام على احتمال انقلاب عسكري إثر تعيين ليبرمان وزيراً للدفاع. ولكن الكلام هذا كان على سبيل التندر. ومثل هذا الانقلاب مستبعد. ويتوقع أن يأتي التحدي الأبرز للعلاقة بين السياسيين اليمينيين المتطرفين وبين كبار الضباط حين يسعى ليبرمان إلى تنفيذ ما اقترحه في السابق. فما موقف قادة الاستخبارات إذا أمر الوزير الجديد بعدم ملاحقة مرتكبي جرائم في الخليل من أمثال إيلور عزريا أو باغتيال قادة «حماس» إذا لم يســـلموا رفاة جندي أو «احتلال غزة» أو «قصف سد أسوان»، كما قال في حال نشبت حرب مع مصر؟ فهل سينزل هؤلاء القادة على أوامره أم يعصونها؟
  • قبرص بين أحلام تركيا ومخاوف أوربا

    محمد خليفة
    عندما أغلق المجد أبوابه أمام العديد من الإمبراطوريات التاريخية بقيت بعض المسائل عالقة، وكأنها تبقى شاهداً على تلك الحقبة التاريخية الغابرة، من هذه المسائل الشائكة قضية قبرص، وهي إحدى المشاكل التي خلفتها الإمبراطورية العثمانية في أوروبا، فقد وقعت هذه الجزيرة تحت سيطرة تلك الإمبراطورية سنة 1571، وكانت قبل ذلك تحت سيطرة الفرنجة البنادقة «نسبة إلى البندقية الإيطالية»، الذين كانوا يمارسون القرصنة في البحر الأبيض المتوسط. وتشكلت بالجزيرة جاليات تركية مسلمة حتى بلغ عددهم بالجزيرة ثلث السكان خلال قرن واحد.ومع تدهور أحوال الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر، وطمعت الدول الاستعمارية الأوروبية في أراضيها، فقد عقدت الإمبراطورية المنهارة، سنة 1878، اتفاقية مع بريطانيا، حصلت هذه الأخيرة على حق إدارة قبرص مع الاحتفاظ بسيادة الدولة العثمانية عليها، مقابل مبلغ مالي تدفعه بريطانيا. وكان أول ما فعلته السلطات البريطانية، تكوين مجلس محلي يعين فيه 6 موظفين بريطانيين، وينتخب القبارصة فيه 9 من القبارصة اليونانيين، و3 من القبارصة الأتراك حسب النسب بين الجماعتين في ذاك الوقت. وبعد دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى سنة 1914 إلى جانب ألمانيا، أعلنت بريطانيا ضم الجزيرة إليها. وبموجب معاهدة لوزان سنة 1923 تخلت الدولة العثمانية عن قبرص لبريطانيا. وفي سنة 1925 أعلنتها بريطانيا إحدى مستعمراتها. وفي سنة 1963 تقدم الرئيس القبرصي الأسقف مكاريوس بتعديلات دستورية إلى البرلمان، ذكر فيها أن دستور سنة 1960 قد أعطى للقبارصة الأتراك ما يفوق حقوقهم. ورفض القبارصة الأتراك تلك التعديلات وأيدتهم في ذلك تركيا. ونتيجة لذلك اندلعت أعمال عنف في الجزيرة بين القبارصة اليونانيين والأتراك، مما دفع الأمم المتحدة إلى إرسال قوات حفظ السلام الدولية إلى الجزيرة سنة 1964، وتمكنت القوات من إعادة الأمن والاستقرار إلى البلاد، ولكنه كان سلاماً هشاً، إذ ما لبثت أن اندلعت أعمال العنف سنة 1967، واستمرت حتى سنة 1974، ففي تلك السنة قامت القوات التركية بمهاجمة السواحل الشمالية الغربية لقبرص، ونجحت في تحقيق تقدم عسكري ملموس والسيطرة على ما يقرب من 39% من أراضي الجزيرة، وأجبرت 170000 قبرصي يوناني على النزوح إلى جنوب البلاد، ونتيجة للسيطرة التركية على شمالي قبرص قام حوالي 50000 قبرصي تركي بالنزوح إلى شمال البلاد. وفي سنة 1983 أعلن القبارصة الأتراك المناطق الشمالية من قبرص دولة مستقلة، أطلقوا عليها «جمهورية شمالي قبرص التركية». وأصبح رؤوق دنكتاش رئيسها. واعترفت بها تركيا فقط. وفي 1 مايو 2004 أعلن الاتحاد الأوروبي انضمام قبرص اليونانية إلى الاتحاد، وظلت قبرص التركية خارج الاتحاد الأوروبي. وفي ظل التقارب الكبير الذي حدث بين تركيا والاتحاد الأوروبي على خلفية أزمة اللاجئين السوريين التي حدثت أواخر عام 2015، ظهرت بوادر لحل الأزمة القبرصية. وشهد عام 2015 زيارة عدد كبير من الوفود الدولية إلى قبرص، بهدف تشجيع العملية التفاوضية. ففي نوفمبر الثاني وديسمبر من العام نفسه شهدت الجزيرة زيارات لمسؤولين بارزين، بينهم وزراء خارجية الولايات المتحدة وروسيا وألمانيا والصين.وقد تواصلت المفاوضات بين الزعيمين القبرصيين، التركي مصطفى أكينجي، واليوناني نيكوس أناستاسياديس، ارتكازاً على الإعلان الثنائي، الذي اعتمده الجانبان في فبراير 2014، وبناء على الأعمال المضطلع بها منذ بداية المفاوضات الشاملة في سبتمبر 2008. ومن السمات البارزة للمفاوضات القبرصية الاتفاق على تمكين الاتحاد الأوروبي من القيام بدور معزز لجهود التسوية. وقام الزعيمان القبرصيان، خلال اجتماعهما، في 20 ديسمبر الماضي، بتسجيل رسالة فيديو مشتركة، لم يسبق لها مثيل، بمناسبة رأس السنة الميلادية، أعربا فيها عن رغبتهما في رؤية قبرص موحدة خلال عام 2016. وتحدث كل منهما باللغتين اليونانية والتركية. وكانت الحكومة التركية قد استثمرت أزمة اللاجئين السوريين لمصلحتها، ودفعت الاتحاد الأوروبي إلى عقد اتفاقية معها في 19 مارس 2016 تهدف إلى وقف تدفق الهجرة غير القانونية إلى أوروبا عبر الأراضي التركية، في مقابل منح تركيا 6 مليارات يورو للمساهمة في إيقاف تدفق اللاجئين، وتتضمن الاتفاقية أيضاً السماح للأتراك بالهجرة إلى أوروبا من غير تأشيرة، لكن يبدو أن هذه الاتفاقية لن تستمر، لأن هناك إدراكاً أوروبياً واسعاً أن الحكومة التركية هي التي تقف خلف أزمة اللاجئين، وأنها ستستمر في ابتزاز أوروبا بهذه القضية. ومن هذا المنطلق، يسعى عدد من قادة دول أوروبا إلى تحويل ال6 مليارات دولار المخصصة لتركيا، لإيواء اللاجئين على أراضيها، إلى اليونان، وإذا تحقق ذلك، فإن جزر اليونان ستصبح نقطة تجمع للاجئين، وستجرى في هذه الجزر عملية النظر في طلبات تقديم حق اللجوء إلى أوروبا، ومن هذه الجزر أيضاً ستتم إعادة اللاجئين إلى بلدانهم. وإذا كانت المصالح الاستراتيجية تحتم على أوروبا التعاون مع تركيا في هذه الأيام، فإن الوضع في المستقبل قد يتغير، وخاصة مع تغير الواقع السياسي الدولي، وسعي تركيا لتثبيت نفسها كقوة إقليمية على حساب جيرانها في الشرق الأوسط وأوروبا. وسيعيد مساعي السلام في قبرص إلى نقطة الصفر.
  • ظاهرة «ساندرز»!

    جيمس زغبي
    هناك ما يسمى بـ«ظاهرة ساندرز»، وهي ظاهرة حقيقية، والعوامل التي شجعت على ظهورها تحتاج إلى دراستها وفهمها. وعندما بدأت المنافسات التمهيدية في سباق الرئاسة الأميركية خلال العام الجاري، اعتبر كثيرون أن منافسة الحزب الديمقراطي بمثابة «صفقة محسومة». وكان من المفترض أن تصبح الوزيرة السابقة هيلاري كلينتون المرشحة الحتمية، وإن كانت المنافسات التمهيدية والمجمّعات الانتخابية شاقة ومتعبة، ولكنها صورة ضرورية على هيلاري أن تتحملها، إلى أن تحشد عدداً كافياً من المندوبين ليتم إعلانها مرشحة.وقبل عام مضى، كانت هيلاري تتقدم على بقية المرشحين في ميدان المنافسة الديمقراطي بما يتراوح بين 50 و60 نقطة، ولم يكن يُعتقد أن أحد خصومها سيكون منافساً جدياً، وخصوصاً «بيرني ساندرز» السيناتور الاشتراكي عن ولاية «فيرمونت» البالغ من العمر 74 عاماً. وحينئذ، حصل ساندرز على تأييد مجموعة أساسية من النشطاء التقدميين الذين يديرون حملته الانتخابية. وبعد عام، تغيرت أمور كثيرة، إذ ضاقت فجوة التأييد بين الديمقراطيين لهيلاري وساندرز إلى ما دون عشر نقاط. وعند حساب خيارات كافة الناخبين، من ديمقراطيين وجمهوريين ومستقلين، ومقارنة هيلاري وساندرز بصورة منفصلة في مواجهة مرشح الحزب الجمهوري» دونالد ترامب، تتضح صورة مختلفة. إذ يكشف متوسط استطلاعات الرأي خلال الشهر الجاري أن ترامب يتفوق على هيلاري بأقل من نقطة واحدة. ويظهر متوسط استطلاعات الرأي ذاتها تفوق ساندرز على ترامب بنحو 11 نقطة.وتكشف أيضاً استطلاعات الرأي في ولايات المنافسة الرئيسة بين الحزبين أرقاماً مماثلة، مع تقارب بين هيلاري وترامب وتقدم ساندرز على ترامب في جميع الولايات. وهذا هو ما يحدث، ولكن السؤال الذي يحتاج إلى إجابة: لماذا؟ هناك عدد من النقاط التي توضح الإجابة.
    إن جزءاً من مشكلة هيلاري أنها تترشح لمنصب الرئيس في عام يشكل فيه عدم ثقة الناخب في المؤسسات السياسية والاقتصادية المزاج العام في البلاد. ولا يعتقد كثير من الناخبين أن السياسيين ورؤساء الشركات يأخذون بعين الاعتبار راحة الشعب عند اتخاذ القرارات. وفي ضوء ذلك، أصبحت ادعاءات خبرة كلينتون وعلاقاتها القوية بالمستثمرين في «وول ستريت» عبئاً سياسياً. ولو أن المنافسة بين هيلاري وساندرز على أساس القادم من داخل المؤسسة أو من خارجها، لفاز ساندرز.
    وعلاوة على ذلك، تبقى مشكلة الصدق والثقة. فالاستطلاعات تظهر أن الناخبين، وخصوصاً الشباب ومعهم عدد كبير من أولئك الذين يعلنون عدم انتماءهم لأي من الحزبين، يميلون إلى ساندرز لأنهم يعتبرونه صادقاً، ويثقون فيه. وبين الناخبين الذين تقل أعمارهم عن 45 عاماً، يتفوق ساندرز على هيلاري بهامش 2 إلى 1. وعندما سئل جميع الناخبين عمن يثقون فيه بدرجة أكبر، فاز ساندرز بفارق 3 إلى 1. وهذان العاملان المتمثلان في عدم الثقة في المؤسسة والتلهف لزعيم صادق يمكن الوثوق به، يشكلان دعامتي «ظاهرة ساندرز».
    وأميركا، من دون شك، دولة ثرية. ويشير إجمالي الناتج المحلي وأداء سوق المال، على رغم التراجع من حين إلى آخر، إلى اقتصاد قوي. غير أن الدخل الحقيقي للطبقة المتوسطة ظل راكداً لعقود، وهو ما يجعل معظم الأميركيين يعانون من أجل تلبية احتياجاتهم.وعندما يشير ساندرز إلى أن أغنى الأغنياء الذين يشكلون 1 في المئة من الشعب الأميركي يسيطرون على أكثر من 90 في المئة من ثروة هذا الشعب، وعندما يشير إلى أن الطبقة المتوسطة تسيطر على نسبة من الثروة تقل عن أي طبقة متوسطة في أية دولة صناعية أخرى، فإن هذه الرسالة تجد صداها بكل تأكيد. وكذلك رسالته الأوسع بشأن العدالة الاجتماعية وإعادة ترتيب الأولويات السياسية والاقتصادية. وفي حين يتم رفض دعواته إلى «رعاية صحية من أجل الجميع»، و«تعليم عالٍ مجاني»، ومقترح دفع تكاليف هذين البرنامجين عن طريق فرض ضرائب أكبر على الطبقة الأكثر ثراء التي تمثل 1 في المئة، ووصف هذه الدعوات بأنها غير مجدية و«اشتراكية»، يتم قبولها من قبل الشباب والناخبين من الطبقة المتوسطة الذين يتلهفون للتغيير. وعندما ينتقد التأثير المفسد لـ«أموال الكبار» في السياسة الأميركية، يرد الناخبون بالموافقة.وبينما تشارف الانتخابات على دخول جولتها الأخيرة، من الواضح أنه ينبغي التعامل مع «ظاهرة ساندرز» بجدية. وعلى رغم أن المراقبين الإعلاميين والمؤسسة الديمقراطية يعتبرون أن المنافسة محسومة، ويدعون إلى انسحاب ساندرز من السباق، فهو يواصل إظهار القوة الانتخابية، بفوزه باثنتين من آخر 3 ولايات، و12 من آخر 20 ولاية جرت فيها الانتخابات.