التصنيف: الرأي

  • هدف إسرائيل الآن: «تشريع» احتلالاتها

    عبد الوهاب بدرخان
    ماذا قال رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير دفاعه الجديد؟ أنهما مع حلٍّ لقضية الفلسطينيين وفقاً لمبدأ «دولتين لشعبين»، وزاد الأول أنه «مستعد لمفاوضات مع الدول العربية انطلاقاً من المبادرة العربية للسلام (اقترحتها السعودية وأقرّتها قمة بيروت العربية عام 2002)، لكنه يريد «تحديثها»، أي تعديلها «بما يتوافق والتغييرات التي طرأت على المنطقة». أما وزير الخارجية الفرنسي، فقال – بعد انتهاء مؤتمر دعت إليه باريس نحو ثلاثين دولة ومنظمة إقليمية للتباحث في إحياء المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، إن «حل الدولتين يواجه خطراً كبيراً»، وأوضحت مسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي أن ذلك الحلّ «يتلاشى». لا داعي لشرح مستفيض وصولاً إلى خلاصة هي أن أحداً لم يصدّق تصريحات بنيامين نتنياهو وأفيغدور ليبرمان، لأن أحداً لم ينسَ تأكيدهما طوال أعوام مضت أن حل قضية الفلسطينيين، لم يعد على جدول أعمال أي حكومة تضم ائتلافاً يمينياً متطرفاً، بل إن نتنياهو نفسه، المصنّف «أقلّ تطرّفاً»، قال عشية الانتخابات الأخيرة إن «حلّ الدولتين» لم يعد قائماً، ثم اضطر للتراجع والنفي؛ لأن معظم العواصم الغربية، بما فيها واشنطن، استنكرت آنذاك هذا الموقف؛ لأنه ينسف كل أسس التعامل الدولي مع إسرائيل.
    مارس نتنياهو كل أنواع الضغط لثني فرنسا عن التقدم بمبادرة، بعدما كان أحبط كل المبادرات الأميركية طوال ولايتي باراك أوباما. ورغم أن باريس أدخلت كل التعديلات التي طلبتها إسرائيل، وخفّفت اقتراحها الأساسي بالتقدم بمشروع قرار في مجلس الأمن يطالب بإيجاد حلٍّ تفاوضي خلال فترة أقصاها سنتان، ومع ذلك واظب الإسرائيليون على رفض المبادرة شكلاً ومضموناً، وذلك لفرض شرطهم وهو التفاوض المباشر مع الفلسطينيين «من دون شروط مسبقة»، رغم أنهم يفرضون شروطاً عدة، أبرزها ألّا يثير الفلسطينيون مسألة التوسّع الاستيطاني، وأن يعترفوا بـ«يهودية» الدولة الإسرائيلية. ويعتبر نتنياهو أن باريس نالت تشجيعاً من واشنطن على مبادرتها، بدليل أن جون كيري لعب دوراً في تعديل الأفكار الفرنسية، كما في تسريع المؤتمر وتأجيله أكثر من مرّة، ثم أنه حرص على أن تكون مشاركته شكلية وباهتة، فظروف الانتخابات الرئاسية تمنعه من استفزاز إسرائيل.
    ثمّة جدّية في التحرك الفرنسي، بمعزل عما يمكن أن تكون النتائج، لأن التغيّرات التي اجتاحت الشرق الأوسط «زادت العملية تعقيداً، وجعلت عودة الجانبين إلى التفاوض أكثر إلحاحاً»، وفقاً للرئيس الفرنسي. هنا يختلف نتنياهو جذرياً مع فرانسوا أولاند؛ لأن الملحّ في نظره ليس التفاوض مع الفلسطينيين، بل دخول إسرائيل إلى المساومات التي فرضتها متغيّرات المنطقة لتحصيل مكاسب محدّدة باتت موضع بحث بينها وبين الولايات المتحدة وروسيا، وفي تقديره أن القضية الفلسطينية ستحلّ تلقائياّ في سياق تلك المساومات. لذلك فهو يطالب بـ«تعديل» المبادرة العربية التي تنص على: 1) إقامة دولة فلسطينية في حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، و2) حل عادل لقضية اللاجئين، و3) الانسحاب الإسرائيلي من هضبة الجولان والأراضي التي لا تزال محتلة في جنوب لبنان. وفي المقابل تقترح: 1) اعتبار الصراع العربي – الإسرائيلي منتهياً، و2) تطبيع العلاقات مع إسرائيل لقاء السلام الشامل. وقد أضيف بند يدعو إلى عدم توطين الفلسطينيين في بلدان لجوئهم. ولم يفصح نتنياهو عما يريد تعديله لكن قراءة مواقف حكوماته المتعاقبة تشير الى أن العودة إلى «حدود 67» غير واردة، وهي شرط أساسي لإقامة الدولة الفلسطينية، كذلك «حق العودة» للاجئين ما يستدعي توطينهم حيث يوجدون، وأما الانسحاب من الجولان فصار مستحيلاً في نظره بسبب تشظّي الخريطة السورية، ولم يبقَ سوى إلغاء صفة الاحتلال عن الوجود الإسرائيلي في الجولان واستطراداً في مزارع شبعا اللبنانية. من هنا أن دعوته إلى «التفاوض مع الدول العربية»، تعني أن وقت «التطبيع» حان. خلال الأعوام الخمسة الماضية، أوحت إسرائيل بأنها تتجنّب التدخّل في سوريا، لكنها دخلت منذ البداية على خط التفاهمات الأميركية – الروسية، وكانت مؤثّرة في كل القرارات والمراحل (حسم إبقاء النظام والتحكّم بوظيفته، عدم التسليح النوعي للمعارضة، الاتفاق على تدمير الترسانة الكيماوية…)، وقد ساعدها التدخّل الإيراني في فرض مبدأ تحاصص الأراضي السورية مصالح ونفوذاً، ثم ساعدها التدخّل الروسي على منع أي عمليات إيرانية ضدّها. وهكذا دعا نتنياهو مجلس الوزراء للانعقاد في الجولان، ودعا إلى الاعتراف بـ«شرعية» الاحتلال الإسرائيلي للهضبة. وعلى قاعدة هذا الاعتراف، إذا حصل، تريد إسرائيل نزع صفة الاحتلال عن الأراضي الفلسطينية التي لا تزال تحتلّها.
  • ازدراء سياسة أميركا الخارجية

    فيكتور ديفز هانسون
    لقد حذر مسؤولون روس، أخيرا، إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما من تثبيت نظام جديد مضاد للصواريخ البالستية في رومانيا، متحدثين عن احتمال وقوع مواجهة نووية من شأنها تحويل الدولة المضيفة للنظام لـ»أنقاض ينبعث منها الدخان«، مع »إبطال مفعول« أي نظام دفاعي ترعاه أميركا.
    ويأتي مثل ذلك الخطاب المروع عقب أشهر من البلطجة الروسية في السويد المحايدة، ومضايقة السفن والطائرات الأميركية، وإطلاق تحذيرات لدول حلف شمال الأطلسي في أوروبا، فضلاً عن التهديدات المستمرة لدول البلطيق.
    لقد حذرت الصين أميركا، وحثتها على إبقاء سفنها وطائراتها بعيداً عن الجزر الاصطناعية والقاعدة العسكرية الجديدة في أرخبيل سبراتلي، الواقعة وسط بحر الصين الجنوبي. فيما تتعالى نبرات كل من كوريا الشمالية وتنظيم »داعش« إلى مستوى جديد من التهديدات، بدءا بتنفيذ هجمات نووية على أميركا ووصولاً إلى وضع قوائم لأميركيين كأهداف للقتل.
    ويظهر تشابه بين التهديدات بالسلاح خلال العام الجاري، وبين الفخر والبلطجة من إيطاليا الفاشية، واليابان الإمبريالية، وألمانيا النازية، في ثلاثينيات القرن الماضي. ولكن لماذا كل ذلك الحديث الصارم، ولماذا الآن؟
    لقد تآكلت مصداقية أميركا عقب الانسحاب من العراق عام 2011 وانهيار البلاد لاحقاً. وعقب الخطوط الحمراء الوهمية في سوريا، والإخفاق في إعادة ضبط الأمور مع روسيا، ناهيك عن الفشل الذريع في بنغازي، وخفض القدرات العسكرية، خسرت أميركا قوة ردعها القوية.
    زعم الرئيس الأميركي بارك أوباما، خلال مقابلة أجراها، أخيراً، أن سياسته المتخبطة في سوريا، مثلت إحدى لحظاته المثيرة للفخر، كما قلل من شأن بعض حلفاء البلاد، (ومن بينهم على نحو مفترض بريطانيا وفرنسا)، باعتبار أنه من غير الممكن الاعتماد عليهم.
    لقد ألمحت كل من اليابان وكوريا الجنوبية بالتوجه لحيازة قوة نووية، من منطلق عدم ثقتهما المتنامي فيما يتعلق بعقود من التعهدات الأميركية لحمايتهم من مضايقات الدول المجاورة، كالصين وكوريا الشمالية وروسيا.وعمل نائب مستشار الأمن القومي وكاتب خطابات الرئاسة، بن رودس، في مقابلة مع مجلة »نيويورك تايمز«، أخيراً، على السخرية من مؤسسة الخارجية الأميركية. وتفاخر أيضا بخداع الصحافيين وخبراء السياسة للدفع باتجاه صفقة إيران من دون موافقة مجلس الشيوخ أو تأييد الرأي العام. ويبدو أن بن رودس يؤكد على اتهامات أن تلك الإدارة تحمل الازدراء للسياسة الخارجية التقليدية لأميركا.إذا كان لنا أن ندرك كيف ومتى خسرت أميركا قابليتها على ردع الأعداء وحماية الأصدقاء. فلماذا غضب العالم، فجأة، خلال العام الأخير من رئاسة باراك أوباما؟
    قد تؤكد المقابلات الأخيرة مع الرئيس الأميركي ومستشاريه على الانطباع في الخارج بأن النظام العالمي، أصبح لقمة سائغة، وذلك بينما تتراجع إدارة البطة العرجاء من دور قيادة أميركا كرائدة للعالم.
    للاستفادة من ذلك الفراغ العالمي، بالنظر إلى بقاء ثمانية أشهر، وحسب، على انقضاء فترة باراك أوباما الرئاسية، فإن كلاً من روسيا، والصين، وإيران، وكوريا الشمالية، وتنظيم »داعش« الإرهابي قد باتت تعتقد، بالفعل، بأن أميركا لن تفعل أي شيء لوقف تعدياتها، بمجرد بدئهم في تغيير وقائع العالم عن طريق استخدام القوة.
    لقد باتت كل من كوريا الجنوبية واستونيا واليابان ورومانيا وجمهورية التشيك وبولندا والفلبين والكثير من الدول الأوروبية تتوقع التعرض للاستفزازات، مع المخاوف بأن تكتفي أميركا..
    وحسب، بإصدار المزيد من الخطوط الحمراء، والمواعيد النهائية، والتهديدات الجوفاء، بدلاً من أن تهب لمساعدتها. إن المتعدين ليسوا متأكدين ما إذا كانت هيلاري كلينتون، في حال انتخابها، ستحكم البلاد كأي رئيس ديمقراطي تقليدي ملتزم بقيادة التحالف الغربي. وفي حال انتخاب دونالد ترامب فلن يعرف أي معتد، تماماً، لماذا أو متى أو كيف قد تكون الضربة الموجهة إليه.
  • اختطاف مؤتمر باريس

    يونس السيد
    لم يكن متوقعاً أن يسفر مؤتمر باريس الذي انعقد بمشاركة 30 دولة وغياب الطرفين الفلسطيني و«الإسرائيلي»، للترويج للمبادرة الفرنسية، عن إضافة جدية في إطار المساعي الرامية لتسوية القضية الفلسطينية، أو التحول إلى خطة عمل دولية للضغط على الكيان، ليس بسبب الموقف «الإسرائيلي» الرافض جملة وتفصيلاً للمؤتمر فحسب، بل بسبب اختطاف المؤتمر برمته وفرض الأجندة «الإسرائيلية» على جدول أعماله، على حساب الحقوق والثوابت الوطنية الفلسطينية.
    «تمخض الجبل فولد فأراً»، بهذه العبارة يمكن تلخيص ما آل إليه مؤتمر باريس، الذي لم ينجل سوى عن خيبة أمل فلسطينية جديدة، تضاف إليها بضع توصيات عامة على شاكلة التأكيد على «حل الدولتين»، والتحذير من خطورة استمرار الوضع الراهن، وعدم إيجاد حل للصراع باعتباره منطلقاً لعدم الاستقرار وظهور حركات العنف والتطرف في المنطقة.
    كما حملت التوصيات وعداً بعقد مؤتمر يشارك فيه طرفا الصراع مع نهاية العام الحالي، مشفوعاً ببعض الحوافز على صعيد الاقتصاد والتعاون والأمن الإقليميين لإقناع الطرفين بالعودة إلى المفاوضات، والحقيقة أن الطرف المعني بذلك هو الطرف «الإسرائيلي» الذي يسقط من حساباته كل المؤتمرات الدولية ويصر فقط على المفاوضات المباشرة، التي لم تحصد على مدار 23 عاماً سوى الفشل تلو الفشل.
    أخطر ما شهدته كواليس المؤتمر هو محاولات حرفه عن البوصلة التي انعقد من أجلها، وفرض الأجندة «الإسرائيلية» عليه عبر التحركات الأمريكية التي قادها وزير الخارجية جون كيري الذي عمل، بحسب مصادر فلسطينية متابعة، على شطب واستبعاد المقترحات التي تضمن الحقوق الفلسطينية، بما فيها حق العودة والانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967، وأبقى على بند التعاون الفلسطيني والعربي «الإسرائيلي» أمنياً واقتصادياً، ما جعل من المؤتمر محفلاً دولياً للتطبيع مع الكيان وليس من أجل حل القضية الفلسطينية. وهذا في الواقع أكثر بكثير مما كانت تنتظره «تل أبيب» الغائب الحاضر في المؤتمر. فحكومة عتاة التطرف والإرهاب الصهيوني ممثلة بتحالف نتنياهو – ليبرمان ليست بوارد «حل الدولتين» ولا أي حل للقضية الفلسطينية، وهي تعمل، رغم رفضها المعلن للمبادرة الفرنسية، على استثمار ما هو مطروح عليها من مبادرات، ليكون جزءاً من المواجهات الإقليمية – الإقليمية دون مقابل، والأهم هو استثمار المناخ الإقليمي والدولي في التغطية على القوانين والتشريعات التي تعمل على سنها، بإخضاع الضفة الغربية للقوانين والتشريعات الصهيونية، أي ضمها عملياً للكيان وإلغاء ما يسمى «الخط الأخضر»، وصولاً إلى التصفية النهائية للقضية الفلسطينية.
  • ليبرمان ونتنياهو وتصريحات لا تحمل معانيها

    حازم مبيضين
    قوبلت تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي الجديد أفيغدور ليبرمان، حول تأييده حل الدولتين، بالتجاهل أو السخرية حتى في أوساط واسعة في السياسة والإعلام بإسرائيل، وهذا ينسحب على تصريح رئيسه نتنياهو الذي أكد التزامه بالسلام، وبحل الدولتين وإجراء مفاوضات على أساس المبادرة العربية للسلام، بعد تعديلها بشكل يعكس التغييرات منذ إطلاقها عام 2002 مع الحفاظ على الهدف المتفق عليه، وهو إقامة دولتين للشعبين وبخلاف ما اعتدناه تجاهل نتنياهو ذكر شروطه السابقة التعجيزية للموافقة على هذا الحل، كاعتراف الفلسطينيين بإسرائيل أولاً كدولة يهودية. يظن كثيرون أن تصريحات نتنياهو كانت بالتنسيق مع الرئيس المصري السيسي، وأنها قد تكون مقدمة لعقد مؤتمر إقليمي بمشاركة الدول العربية المعتدلة، وأنها جزء من خطوة أكبر ينسق خطواتها مبعوث الرباعية الدولية السابق توني بلير، ويدحض ذلك تاريخ نتنياهو، الذي يؤكد أنه يقوم بمناورة مفضوحة لتجميل صورة حكومته المتطرفة، وأنها ليست أكثر من خطوة تكتيكية لتحاشي الضغوط الدولية المحتملة، في ظل مساع فرنسية وأوروبية للبحث عن حل سياسي.
     أما حارس الملهى الليلي السابق ليبرمان الذي كان قد هدد بقصف السد العالي، وأسس حزباً تقوم برامجه على فكرة ترحيل فلسطينيي الداخل، فإنه يعرف بأن عدم إمكانية تحويل تصريحاته إلى أفعال، سيؤدي إلى انهيار الائتلاف الحكومي، وهو يدرك أن رئيسه يؤمن إيديولوجياً بأرض إسرائيل الكاملة، وأن تصريحاته هذه أولها كذب وآخرها كذب. مدهش أن يكون المبعوث الخاص للأمم المتحدة لشؤون السلام في الشرق الأوسط، نيكولاي مالدنوف، قد اقتنع بتصريحات نتنياهو وليبرمان بشأن المبادرة العربية، وأن بإمكان هذه التصريحات المساعدة في المفاوضات لتحقيق حل الدولتين، وربطها بتصريحات للرئيس السيسي، دعا فيها الإسرائيليين والفلسطينيين لمواصلة المسيرة التاريخية نحو سلام، كالذي أقامته بلاده مع إسرائيل قبل حوالي 38 سنة، وهي دعوة لقيت ترحيباً من نتنياهو وليبرمان، مع أن القناعة كاملة في اسرائيل بأنه لا جديد في كلام نتنياهو، فهو كان تحدث قبل سبع سنوات عن أن مساعي الدول العربية لحث مبادرة السلام تستحق التقدير العميق، غير أنه طوال سبع سنوات بعد ذلك كرر نتنياهو مثل هذا الكلام من دون أن يعني هذا التكرار ظهور أي شيء عملي أو يحرك جمود المفاوضات.
    المبادرة العربية تحولت إلى واحدة من مبادرات السلام الأساسية، ونالت تأييد واشنطن والأوروبيين، غير أن الإسرائيليين تجاهلوها خصوصا ما تعلق منها بمشكلة اللاجئين وتحويل شرقي القدس إلى عاصمة للدولة الفلسطينية، لكن رفض الحكومات لا يعني انعدام مؤيدين لها باعتبارها جدية، وقد عارضت سوريا كلمة «تطبيع» وأصرت على حق الفلسطينيين في الاستمرار بالكفاح المسلح، لكنها في النهاية وافقت، وقد تشجع الفلسطينيون لها باعتبار أنها الفرصة الأكبر لحل الأزمة، مع تمسكهم بقرار 194 لمجلس الامن التابع للامم المتحدة، وقد طلب أبو مازن من الرئيس الاميركي باراك اوباما أن يتبناها، وعارضها الإخوان المسلمون وترددت حماس بين الرفض والموافقة المتحفظة، وقالت إن حق العودة عامل أساسي في المبادرة. واضح أن تصريحات قطبي اليمين الصهيوني المتطرف، أتت للتشويش على مؤتمر باريس الذي يجمع وزراء خارجية 29 دولة، للبحث في خطط تحريك العملية السلمية، ووضع جدول أعمال ومعايير محددة للمؤتمر الدولي الذي دعت إليه المبادرة الفرنسية، التي ينبغي التذكير بأن نتنياهو رفضها، باعتبار أن السبيل للسلام لا يمر عبر مؤتمرات دولية تحاول أن تفرض تسوية، وأنها تشكل كسراً لاحتكار الرعاية الأميركية للمفاوضات، مع أن وزير الخارجية الأميركي أيدها ربما بهدف حصر نتائج اللقاء في بيان عمومي قدر الإمكان، وربما لتهدئة المخاوف الإسرائيلية وربما أيضاً لمنع تطوير اللقاء وحصر المبادرة بالاجتماع الوزاري. معروف أن الأمم المتحدة تسعى لحل الدولتين، والفلسطينيون والدول العربية كذلك، وهي تقدم العديد من المبادرات بالتعاون مع الدول الكبرى لتحقيق هذا الهدف، ومع هؤلاء أيضاً بعض الإسرائيليين، أما أن يؤيد ليبرمان ذلك وهو الذي لا يشك أحد بتطرف مواقفه تجاه الشعب الفلسطيني، وخصوصاً عدم الاعتراف بحقوقهم في أرضهم ووطنهم، وهو من عمل جاهداً على عرقلة التوصل إلى حل يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، ضمن حدود آمنة ومعترف بها دوليا، ويؤيد تهجير الفلسطينيين من موطنهم، كحل للصراع، فهذا ليس أكثر من نكتة سمجة غير قادرة على انتزاع ابتسامة أحد.
  • سنغافورة.. لماذا نجحت وفشل العرب؟

    د.خالد الحروب
     زيارة هذا البلد الجميل الذي قدم لدول العالم النامية نموذجاً في التقدم والقيادة الرشيدة، تولد في الحلق مرارة إن كان الزائر عربياً وتأمل في قصة النجاح بعض الشيء. هنا تكاتف الإصرار على الاستقلال والاعتماد على النفس مع روح جماعية مُدهشة وقيادات سياسية مخلصة لوطنها قدمت مصلحته على أية أنانيات فردية، فأخرج هذه المدينة التي كانت مجرد ميناء خدمات استعمارية طيلة ثلاثة قرون من قيود التبعية، وحولها إلى شعلة من الوهج المُبهر. لم يدر بخلد السير ستامفورد رافلز الذي بنى معبر السفن سنة 1826 كجزء من النشاط الاستعماري لشركة الهند الشرقية، أن تتحول هذه النقطة القصية إلى دولة ناجزة كما هي عليه الآن. ولم يتوقع أحد أن يطوي ذلك الميناء الرث، ليفربول الشرق كما كان يُسمى، ماضياً مر به البرتغاليون والهولنديون واحتله البريطانيون واليابانيون واشتغل فيه السكان الأصليون المختلفون إثنياً ودينياً، عمال سخرة للأجانب، ثم يتحول إلى طاقة جماعية مُذهلة من العمل والإنجاز.
    عندما استقلت سنغافورة عن بريطانيا عام 1963 كان العديد من الاستقلالات العربية قد أُنجزت ومضى عليها بضعة عقود، بل إن دولاً مثل مصر والعراق وسوريا والمغرب والأردن كانت قد ترسخت أنظمتها واقتصاداتها، ومصر تحديداً من بينها كانت تقوم فيها جوانب نهضة واعدة من الصناعات الثقيلة إلى صناعة السينما. اليوم يصل الناتج القومي العام لهذا البلد الصغير بملايينه الخمسة والنصف (ومنهم 40% أجانب) إلى 308 مليارات دولار، متجاوزاً نظيره المصري حيث عدد السكان يفوق سنغافورة 15 ضعفاً. وتتقدم دول العالم في معايير التنمية الإنسانية سواء في التعليم أو الصحة أو انخفاض نسبة البطالة، كما تتصدر المدن الأكثر جذباً للاستثمار والكفاءات، والمستقبلة للتكنولوجيا الحديثة، إضافة إلى امتلاك الغالبية الكاسحة من السكان بيوتهم.
    وهناك أيضاً عبقرية السيطرة على التنوع الإثني والديني، والذي تحول إلى مصدر قوة. قائد الاستقلال وباني نهضة سنغافورة «لي كوان يو» كان من الأغلبية الصينية، لكنه رفض سيطرة الأغلبية على الأقليات وصمم على تأسيس مواطنة سنغافورية تساوي بين الأفراد. نحى أيضاً إغراء التبعية والولاء للصين الكبرى الوطن الأصلي له وللأغالبية، وانهمك مع حكومته في محاربة ذلك المنطق، منخرطاً في شكل من «الهندسة الاجتماعية» التي استهدفت تأسيس هوية سنغافورية وطنية جامعة.
    الترسخ التدريجي للمواطنة والإيمان الجمعي بالولاء للدولة الناشئة ودحر الولاءات المنافسة، هو الأساس المتين الذي وفر لقصة النجاح السنغافوري أن تستمر. وفي الآن ذاته اشتغل التقدم الاقتصادي والوفرة المالية، التي لم تستند إلى موارد طبيعية، بل إلى نشاط الأفراد ويقظة الحكومات وتشجيعها للاستثمار واتباع سياسات منصفة وغير محابية لأية شريحة في المجتمع، على تعميق الانتماء عند الناس وإحساسهم بالمساواة.
    ربما لم يكن لسنغافورة أن تنجح لو لم تمنحها الأقدار قيادة فريدة ممثلة «لي كوان يو» ورفاقه. «كوان يو» الذي كان رئيس وزرائها الأول واستمر في المنصب خلال عقود التأسيس الحساسة والمهمة، يُعتبر الأب الروحي لسنغافورة الحديثة. قراءة إرثه السياسي والفكري الذي سجله في عدة كتب أهمها مذكراته: «من العالم الثالث إلى الأول: قصة سنغافورة»، يجب أن تكون واجباً مدرسياً على كل مسؤول عربي يريد تلمس مدارك القيادة الرشيدة والناجحة.
    كيف نتعلم من القصة السنغافورية؟ هناك بدايات عديدة، منها استعادة قصة التاجر اليمني الناجح والشهير سيد عمر الجنيد، ابن حضرموت الذي وصل إلى سنغافورة سنة 1816. قصة الجنيد، وكما تعرضها جداريات المتحف الوطني السنغافوري، تقول بأنه كان أحد أهم التجار الذي جابوا البحر الأحمر والمحيط الهندي وصولاً إلى أرخبيل الجزر المالاوية، وممن تمتعوا بثقة الجميع استناداً إلى نسبه النبوي وحمله لقب «سيد». استقر الجنيد في سنغافورة وهناك ازدهرت تجارته الأمينة وعلاقاته الجيدة وأحبه الناس، وبنى أول جامع في سنغافورة «مسجد عمر كامبونغ ملكا» سنة 1820. إلى جانب ذلك تبرع بالأرض التي بُنيت عليها كاتدرائية سانت أندروز ومستشفى شهير إلى جوارها. الجنيد ساهم في تأسيس التعايش والمواطنة السنغافورية التي خلقت تاريخاً من الوئام ووفرت جزءاً من الأرضية التي تقوم عليها سنغافورة اليوم.
  • رسالة «دراغي»

    محمد العريان
    بعد انتهاء أشغال اجتماع المجلس الحاكم للبنك المركزي الأوروبي يوم الخميس الماضي، شدد رئيس البنك ماريو دراغي على أربع نقاط تتجاوز أهميتُها ودلالاتها الأسواقَ والاقتصاد، ولذلك، يجدر بالزعماء السياسيين الأوروبيين أن يتبعوا رسالته ويترجموها إلى تدابير اقتصادية ذات مصداقية.
    1- مرة أخرى، كانت السياسة النقدية فعالة في تجنب نتائج سيئة حقاً. فلولا التدابير الشجاعة الإضافية التي أعلن عنها البنك المركزي الأوروبي في مارس الماضي، فإن الاضطراب الذي عرفته السوق المالية العالمية في يناير وفبراير الماضيين كان سيؤدي إلى ضغط نمو انكماشي.
    2- على رغم أن سياسة حازمة للبنك المركزي الأوروبي يمكن أن تقلل من خطر أية مؤشرات سيئة، إلا أنها لا تستطيع أن تحقق ما هو مطلوب حقاً: نمو اقتصادي مرتفع ومستديم. وكما أشار إلى ذلك دراغي على نحو صحيح مؤخراً، فإن تحقيق تلك النتيجة سيتطلب تقاسم الحكومات عبء السياسات مع البنك المركزي، واتخاذ جملة من التدابير التي من شأنها تعزيز الإنتاجية والطلب. وفي هذا الإطار، شدد دراغي على الحاجة إلى الإنفاق على البنى التحتية العمومية وسياسات ضريبية «صديقة للنمو».
    3- نظراً لأن أوروبا معرَّضة أيضاً لصدمات غير اقتصادية -من قبيل تطورات سياسية مقلقة في بعض الدول الأعضاء، إلى جانب الخطر المتمثل في إمكانية انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي- يتعين على الزعماء السياسيين أيضاً العمل على تعزيز وتقوية الهندسة المالية والاقتصادية لمنطقة اليورو. وهذا يشمل إكمال الاتحاد المصرفي، والتوصل لتوافق بشأن الطريق نحو مزيد من الاندماج الضريبي، وإظهار وحدة سياسية أقوى.
    4- إن أي مؤسسة لن تقبل الآن بمهمة الزعامة وأخذ المبادرة لوحدها بخصوص التعاطي مع بعض البلدان المتعثرة، وفي مقدمتها اليونان، وذلك بعد الكثير جداً من خيبات الأمل المتكررة، ولكن البديل المفضل -الأمل المتمثل في تحرك متزامن- أُضعف هو أيضاً بسبب غياب ثقة متبادلة كافية بين المقرضين (أي الحكومات الأوروبية، والمفوضية الأوروبية، والبنك المركزي الأوروبي، وصندوق النقد الدولي، وأيضاً بين هذه المؤسسات مجتمعة واليونان).
  • حشدنا الإلكتروني

    ميعاد الطائي
    في حرب غير تقليدية تمكن الشباب العراقي من الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي من تحقيق نصر كبير بعد ان قرروا ان يكونوا الحشد الالكتروني للدفاع عن العراق ودعم القوات الامنية والحشد الشعبي في حربهم المقدسة والتصدي للاعلام الداعشي المضاد الذي يشن حربا اعلامية غير نزيهة على مواقع التواصل الاجتماعي مسنودة من دول وقنوات معروفة بوقوفها مع الارهاب.
    ولا بد ان ندرك اليوم بأن حربنا مع الإرهاب لم تعد حربا تقليدية مقتصرة على الجهد العسكري فقط بل علينا الالتفات الى الجوانب الاخرى من المعركة لا سيما الجانب الاعلامي، فالاعلام اليوم قد اصبح سلاحا فاعلا في المعركة، فتنظيم داعش الارهابي لديه مؤسسات اعلامية تعمل على تزييف الحقائق ونشر انتصارات كاذبة كما تعمل على تشويه صورة القوات الامنية وابطال الحشد الشعبي وتسيء اليهم عبر نشر صور واخبار مفبركة تحاول من خلالها نقل صورة مشوهة الى العالم.  
    الحشد الالكتروني العراقي سجل اول انتصار له عندما احتل هاشتاغ (اقتحام الفلوجة) المركز الاول عالميا على موقع التواصل الاجتماعي تويتر بـ ١٢٤ الف تغريدة خلال ساعات فقط من انطلاق عمليات تحرير مركز مدينة الفلوجة، ليحقق حشدنا الالكتروني انتصارات عالمية هامة في ميادين الحرب الالكترونية والتي تعد الحرب الناعمة الافتراضية ويشار الى ان داعش في ذروة مكاسبه في شهر حزيران ٢٠١٤ وصلت عدد تغريدات حربه النفسية ٤٠ الف تغريدة فقط كما رصدتها المراكز الخبرية العالمية آنذاك، حيث اعتبرت ان قوة داعش تتركز في «تويتر». ما نلاحظه اليوم في معركة تحرير الفلوجة هو ان الشعب العراقي اصبح مواكبا للثورة الالكترونية بعد ان ادرك الشباب بأن الاعلام الالكتروني ثورة عظيمة وسلاح فعال في المعركة يمكن من خلالها فضح جرائم داعش وتفنيد الاكاذيب والرد على الافلام والصور المفبركة.  ان مواقع التواصل الاجتماعي هي وسيلة اعلامية سهلة الاستخدام وفي متناول الجميع وهي قادرة على عبور الحدود والوصول بعيدا ومن هنا تأتي الحاجة الملحة الى ضرورة اهتمام الحكومة العراقية والاجهزة الامنية بهذا الجانب والسعي الجاد والحقيقي لايجاد وتأسيس منظومة إعلامية حكومية ترعى الناشطين والمدونين لكي يعملوا بشكل رسمي ومنتظم اضافة الى ضرورة صناعة حملة اعلامية رسمية تقودها السفارات العراقية في الخارج لنوحد الجهود الوطنية لتصب جميعها في صالح حسم المعركة مع الارهاب. وعلى الجميع ان يدرك بأن الحملات التي قادها ويقودها الشباب العراقي على «تويتر» تعمل على رفع المعنويات العراقية اسوة بالانتصارات العسكرية على الارض، فالناشط المدني هو مقاتل في الجبهة الاعلامية وهو يحمل سلاح الإعلام الالكتروني، وهو الاشد خطورة وفاعلية في التأثير على المشهد على الأرض والنصر الذي حققه حشدنا الالكتروني بات واضحا للجميع من خلال نشره لصور القوات الامنية والحشد الشعبي وهم يساعدون المدنيين الهاربين من جحيم داعش الارهابي وتمكنوا بذلك من تفنيد قصص الاعلام الداعشي وأكاذيبه التي حاول من خلالها تشويه صورة الجيش والحشد الشعبي.
  • في وداع الشهيد

    علي شايع
    قبل أيام، تشرفت بوداع شهيد من أبناء مدينتي (الدغارة)، ضمن قوافل شهداء تزفها محافظة الديوانية كلّ يوم، تحت رايات الجيش والحشد الشعبي المساهم بعمليات مواجهة قوى الإرهاب. 
    قوافل الشهداء الأبطال تلك تحظى بحفاوة كبيرة، إذ ليس هنالك وداع كمثل وداع الشهيد في مدننا، ولعلّه إرث للتفاخر، ترك لنا الأهل فيه صفحات من الأهازيج و(الهوسات) وبما يستحق الاستذكار الدائم، وهي بكلّ تأكيد امتداد ثقافة عريقة، فكم ذا تسابقت الأصوات لتخليد بطولات الشهداء، حتى حفظنا صغاراً عشرات القصائد المادحة، ولعلّ أجمل ما كان يتم استذكاره رائعة أبي تمام في مديح شهيد يستهلها بالقول: «كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر.. فليس لعين لم يفض ماؤها عذر». 
    عصر ذاك اليوم جلّ الخطب وفدح الأمر، فشهيدنا البطل كان في الصباح الباكر يزف بشرى الانتصارات لأهله، ليفاجئهم بعد ساعات أخ مقاتل آخر يشاركه الساحة القتالية بخبر استشهاده، ولم يكن الاستعداد للوداع معداً بما يستحق، إذ لا وداع يليق بشهيد مطلقاً، ما دام موعوداً بحضور أسمى وأكثر بهاء.
    تهاني ودموع حرى وباقات ورد وريحان وحلوى تناثرت فوق النعش.. وحمامة وحيدة – أقسم صادقاً – أني رأيتها تحلق حول الموكب لمسافة طويلة، وشهودها رؤوا معي أيضاً كيف احتضنت أخت للشهيد وأمه العلم كما لو أنه الراحل الفذّ. مشهد لا يتناقض في مدينة صغيرة زفّت قبل هذا الوداع بيوم واحد شهيداً أصغر، وتتسابق الأجيال فيها لنيل شرف خوض المعركة أو نيل الشهادة. على مشارف المدينة، وبعد ساعات من التبليغ عن قدوم موكب الشهيد، خرج وجهاؤها في مسيرة لا يمكن أن توصف إلا بما يستحقّه المجد الوطني بأبهى صوره، فالقضية أبعد من التناخي العشائري، لأن الحضور كان يشتمل على أطياف مختلفة.  
    ذلك الصفو وتلكم الهيبة كادت أن تلوث بأدران العبث والمقاصد الضيقة، ساعة تلاقف البعض بنادقهم مباشرين بإطلاق عيارات نارية عكرت سعة الطقس، بإضفاء نقيض للفرح كاد أن يتسبب بمأساة مروعة لولا لطف الله وتقديره للخير، حيث سدّد أحدهم بندقيته بعشوائية ليصيب سلكاً كهربائياً في أحد أعمدة الخط الوطني، تهاوى قرب رؤوس المشيّعين، دون أن يوقع خسائر، لتتصاعد الأصوات المستنكرة لهذا العمل ويتعالى لغط جانبي لم يكن في أوانه، انتقل بالأجواء المتآلفة إلى حالة من التشنج القسري تسبب بها مجموعة ربما يكون فيهم من يضمر النوايا الطيبة، ولكن ما الفائدة، فـ»طريق جهنم معبّد بالنوايا الحسنة».. كما يقول المثل. 
    من البعيد تنادت أصوات لأقارب الشهيد راجية من جميع الضيوف التمسك بشروط المراسيم السلمية، واستذكار وصايا الدولة، وتعليماتها القانونية التي تجرّم إطلاق العيارات النارية، داعية للالتزام بوصايا المرجعية الدينية وتنبيهاتها إلى ما يجري في الأفراح والأتراح من كوارث، حرّمت بسببها ذلك الفعل جملة وتفصيلاً في جميع المناسبات المشهورة بذلك التقليد الأهوج. وطالما أشارت المرجعية والجهات المسؤولة إلى  ضرورة ترشيد استهلاك الأعتدة وعدم تبذيرها في هذا الظرف الوطني الاستثنائي.
    في سنة سابقة خسرت مدينة الديوانية أثناء توديعها لأحد الشهداء طفلاً صغيراً ذهب ضحية الإطلاق العشوائي.
  • بيونج يانج وفزّاعة التجارب الصاروخية

    ÊÔÇæ ÓÇäÌ åæä
    íÈÏæ Ãä ÓáÓáÉ ÇáÊÌÇÑÈ ÇáÕÇÑæÎíÉ ÇáÝÇÔáÉ ÇáÊí ÃÌÑÊåÇ ßæÑíÇ ÇáÔãÇáíÉ ãÄÎÑÇð¡ æÈËåÇ áÃÔÑØÉ ÝíÏíæ áÚãáíÇÊ ÇÎÊÈÇÑ ÃÓáÍÉ ãÊäæÚÉ¡ ÊÚßÓ ÍÇáÉ ÇáÇÖØÑÇÈ ÇáÊí íÚÇäí ãäåÇ ÑÆíÓåÇ «ßíã ÌæäÌ Ãæä» æÓÚíå ÇáÍËíË áÊÍÓíä ãæÞÝå ÇáÓíÇÓí ÞÈá ÇäØáÇÞ ÇáÍæÇÑ ãÚ ÇáÕíä. æÃÌÑÊ ßæÑíÇ ÇáÔãÇáíÉ ÂÎÑ ÓáÓáÉ ãä Êáß ÇáÊÌÇÑÈ ÇáËáÇËÇÁ ÇáãÇÖí¡ ÞÈá ÓÇÚÇÊ ÞáíáÉ ãä æÕæá ãÈÚæËåÇ «Ñí Óæ íæäÌ» ÇáãÞÑøÈ ãä ÇáÑÆíÓ «ßíã» æÚÖæ ÇáãßÊÈ ÇáÓíÇÓí ÇáÊÇÈÚ áå¡ Åáì Èßíä. æÇäÝÌÑ ÇáÕÇÑæÎ ÇáÈÇáÓÊí ãÊæÓØ ÇáãÏì ãä äæÚ «ãæÓæÏÇä» áÍÙÉ ÅØáÇÞå æÝÞÇð áÎÈÑÇÁ ßæÑííä ÌäæÈííä. æíÞæá ÎÈÑÇÁ Åä ÇáÕÇÑæÎ ÇáÌÏíÏ ãÕãã ÈÔßá ÎÇÕ áÖÑÈ ÇáÞæÇÚÏ ÇáÌæíÉ ÇáÊÇÈÚÉ ááÞæÇÊ ÇáÃãíÑßíÉ Ýí ÃÑÎÈíá ÌÒÑ «ÌæÇã» æíãßäå Íãá ÑÃÓ äææí Ãæ ÃÓáÍÉ ßíãíÇÆíÉ¡ æßÇä íÊã ÊÃÌíá ÚãáíÇÊ ÇÎÊÈÇÑå ãÑÉ Êáæ ÇáÃÎÑì Åáì Ãä ÃØáÞÊ ßæÑíÇ ÇáÔãÇáíÉ ÊÌÇÑÈåÇ Úáì ËáÇËÉ äãÇÐÌ ãäå Ýí ÔåÑ ÃÈÑíá ÇáãÇÖí æáßäåÇ ÝÔáÊ ßáåÇ. æÚáì ÇáÑÛã ãä ÇáæÞÊ ÇáÖíÞ ÇáÐí ÇäÞÖì Úáì Êáß ÇáÊÌÇÑÈ¡ æÇáÐí áÇ íÓãÍ ááãåäÏÓíä ÈÇßÊÔÇÝ ÃÓÈÇÈ ÇáÝÔá¡ ÓÇÑÚæÇ Åáì ÅÌÑÇÁ ÊÌÑÈÉ ÌÏíÏÉ Úáì ÇáÕÇÑæÎ ÐÇÊå ÇáËáÇËÇÁ ÇáãÇÖí æßÇäÊ ÝÇÔáÉ ÃíÖÇð æÊßÔÝ Úä ÍÇáÉ ãä ÇáÊÎÈØ Úáì ãÓÊæì ÇáÞíÇÏÉ ÇáÚáíÇ Ýí ßæÑíÇ ÇáÔãÇáíÉ. æÊÚÒæ ÊÍÇáíá ÃÎÑì ÓÈÈ ÇáÝÔá Ýí ÇáÖÛØ ÇáÐí ãÇÑÓå «ßíã» Úáì ÇáãåäÏÓíä áÅÌÑÇÁ ÚãáíÇÊ ÊØæíÑ ÔÇãáÉ Úáì ÇáÞÏÑÉ ÇáÕÇÑæÎíÉ ÈÓÑÚÉ ÛíÑ ãÚÞæáÉ¡ æáåÐÇ ÇáÓÈÈ ßÇä ãä ÔÈå ÇáãÓÊÍíá Ãä íäÌ꾂 Ýí ÚãáíÇÊ ÇáÅØáÇÞ ÇáÇÎÊÈÇÑíÉ ãä ÇáãÍÇæáÉ ÇáÃæáì. æßÊÈ «Ìæä ÊÔíáíäÌ» ÎÈíÑ ÊÌÇÑÈ ÇáÕæÇÑíÎ æÇáÃÓáÍÉ ÇáßæÑíÉ ÇáÔãÇáíÉ ÇáÃÑÈÚÇÁ ÇáãÇÖí Úáì ãæÞÚ ÅáßÊÑæäí ãÊÎÕÕ ÈÊÛØíÉ Êáß ÇáäÔÇØÇÊ: «íÄßÏ ÇáÝÔá ÇáãÊßÑÑ ááÊÌÇÑÈ ÇáÕÇÑæÎíÉ Ýí ÃÞá ãä ÔåÑ ááãÍááíä ÈÃä ÇáãåãÉ áä íßÊÈ áåÇ ÇáäÌÇÍ ÃÈÏÇð¡ æáæ ßÇä åÐÇ ÇáÅÎÝÇÞ äÇÊÌÇð Úä ÞáøÉ ÇáÎÈÑÉ¡ Ãæ ßÇä ÈÓÈÈ ÓæÁ ÇÎÊíÇÑ ÇáÊæÞíÊ¡ ÝÅäå íÄßÏ Úáì Ãä ÈÑäÇãÌ ÕæÇÑíÎ «ãæÓæÏÇ仡 ÞÏ ÃæÔß Úáì äåÇíÊå¡ æåæ íØÑÍ ÃíÖÇð ÇáÊÓÇÄá Íæá ÅãßÇä ÊÍÞíÞ ßæÑíÇ ÇáÔãÇáíÉ áÃí ÊÞÏã íõÐßÑ Ýí ÊØæíÑ ÈÑÇãÌ ÇáÊÓáÍ ÇáÃÎÑì». æíæã ÇáÃÑÈÚÇÁ ÇáãÇÖí¡ ÈËÊ ßæÑíÇ ÇáÔãÇáíÉ ÃÔÑØÉ ÝíÏíæ áÚãáíÉ ÇáÅØáÇÞ ÇáÌÏíÏÉ ÇÔÊãáÊ Úáì ÇÎÊÈÇÑ ÚÏÉ ÃäæÇÚ ãä ÇáÞÐÇÆÝ ãä ÈíäåÇ Ãæá ÕÇÑæÎ ÈÇáÓÊí ãÖÇÏ ááÛæÇÕÇÊ. æÌÇÁ ãä ÍíË ÇáÊæÞíÊ ÞÈá ÇááÞÇÁ ÇáÐí ÌãÚ «Ñí» ÈÇáÑÆíÓ ÇáÕíäí «ÊÔí ÌíäÈíäÌ» Ýí Èßíä¡ æÊã ÈË ÇáÔÑíØ Ýí ãÍØÉ ÇáÊáíÝÒíæä ÇáãÑßÒíÉ ÇáããáæßÉ ááÏæáÉ¡ æÞÇá ãÍááæä ãÓÊÞáæä Åä ÊæÞíÊ ÈË ÇáÔÑíØ íßÊÓí ãä ÇáÃåãíÉ ãÇ íÝæÞ ÃåãíÉ ÇáÔÑíØ ÐÇÊå.
    æÈÚÏ ÝÔá åÐå ÇáÊÌÇÑÈ¡ ÞÇá ÇáÎÈÑÇÁ Åä ßæÑíÇ ÇáÔãÇáíÉ ßÇäÊ ÈÍÇÌÉ áÇÕØäÇÚ Ãí ÍÏË íãßäå Ãä íáÝÊ ÇáÇåÊãÇã áãÇ íßãä Ýí ÞæÊåÇ ÇáÕÇÑæÎíÉ ãä ÎØÑ Úáì ÃÚÏÇÆåÇ¡ æÃÔÇÑ ÇáÊÚáíÞ ÇáãÑÇÝÞ áÚÑÖ ÇáÔÑíØ Åáì ÇáÇÌÊãÇÚ ÇáßæÑí ÇáÔãÇáí – ÇáÕíäí ÇáÐí ÚÞÏ åÐÇ ÇáÃÓÈæÚ Èíä ÇáãÈÚæË ÇáßæÑí ÇáÔãÇáí æÇáãÓÄæáíä ÇáÕíäííä¡ æÃíÖÇð ááÍæÇÑ ÇáÓÑøí ÇáãÑÊÞÈ Èíä ÇáæáÇíÇÊ ÇáãÊÍÏÉ æÇáÕíä Ýí Èßíä¡ æÇáÐí ÓíÏæÑ Íæá ÈÑäÇãÌ ÇáÊÓáÍ ÇáßæÑí ÇáÔãÇáí¡ æÓæÝ íÍÙì ÈÇåÊãÇã ßÈíÑ ãä ÇáäæÇÍí ÇáÓíÇÓíÉ. æÞÇá ÇáÈÑæÝí «ßíã íæäÌ – åíæä» ÃÓÊÇÐ ÇáÏÑÇÓÇÊ ÇáßæÑíÉ Ýí ÌÇãÚÉ «ÏæäÌæß» Ýí ÓíÄæá: «Åä ÈË ÇáÔÑíØ ÈÍÏø ÐÇÊå íæÍí ÈÃä ßæÑíÇ ÇáÔãÇáíÉ ÊÍÇæá ÇáÊÛØíÉ Úáì ÝÔá ÊÌÑÈÉ ÕÇÑæÎ «ãæÓæÏÇ仡 æÃÑÇÏÊ ãä ÎáÇáå ÇáÊÙÇåÑ ÃãÇã ÇáÕíä ÈÃä ÈÑäÇãÌåÇ ÇáÕÇÑæÎí ÈáÛ ãÑÍáÉ ãÊÞÏãÉ¡ æÈÃä Úáì ÇáÕíä Ãä ÊÚí åÐå ÇáÍÞíÞÉ ÚäÏãÇ ÓíÌÊãÚ ãÓÄæáæåÇ ãÚ ÇáÌÇäÈ ÇáÃãíÑßí ááÊÈÇÍË Íæá ÇáÞÖíÉ ÇáßæÑíÉ ÇáÔãÇáíÉ».
  • التهمة: مؤيد للفلسطينيين!

    جيمس زغبي
    لم أكن أنوي الكتابة عن هذا الموضوع، ولكن شيئاً ما حدث بالأمس أثناء تناولي الغداء دفعني إلى تغيير رأيي. فقد كنت أتناول وجبة غداء مع زوجتي، بينما جلس رجلان في المقصورة المجاورة، وبصوت مرتفع، بدآ يناقشان وضع المنافسة الرئاسية. ثم قال أحد الرجلين الجالسين خلفي مباشرة: «واختار ساندرز كورنيل ويست، وذلك الرجل رئيس الجامعة العربية الذي يكره إسرائيل». وهنا طفح الكيل. فالتفت وقلت بنبرة مهذبة لكن حاسمة: «أنا ذلك الرجل، ولست رئيس الجامعة العربية، وأطلب منكما تغيير الموضوع الآن». ورد أحدهما بعد أن بدت عليه الصدمة: «أنت هو!»، وبدأ يطرح أسئلة. ولكنني قاطعته، وأوضحت له أنني أتناول غدائي ولست مهتماً بمتابعة الأمر. وعلى الفور، غيّرا الموضوع، مثلما طلبت. وبعد أن أنهينا طعامنا، التفت مرة أخرى إلى الرجلين، وأوضحت لهما من أكون، والسبب الذي جعلني أعتبر الوصف الذي نعتاني به فظاً.
    ومن أوجه شتى، أعيب على صحيفة «واشنطن بوست» ووسائل إعلام أخرى إثارة زوبعة عقب تعييني مؤخراً في لجنة صياغة برنامج الحزب الديمقراطي. وفي البداية عندما سمعت من رئيس اللجنة «ديبي ويسارمان شولتز» أنه قد تم اختياري في اللجنة، توقعت هجوماً معتاداً من الجماعات اليمينية المتطرفة والمناهضة للعرب، والمتعصبين الموالين لإسرائيل. وبالطبع، هم لا يكلون ولا يملون، فقد نُعت بأنني «كاره محترف لإسرائيل» و«مدافع عن الإرهاب» ووصفت زوراً بأنني «اتهمت إسرائيل بارتكاب هولوكوست».
    ولسوء الحظ، هذا ما تعلمت أن أتوقعه من ذلك الحشد. وعلى رغم هذا، كان أكثر شيء مزعج هو العنوان الذي نشرته صحيفة «واشنطن بوست»: «ساندرز يكسب نفوذاً أكبر في البرنامج الديمقراطي ويعين ناشطاً موالياً للفلسطينيين». وبذلك سبق السيف العذل، إن جاز التعبير، وحذت صحف كبرى ووسائل إعلام أخرى حذوها مؤطرة المناقشة عن البرنامج وتعييني بأسرها بربطها بقضية إسرائيل وفلسطين، وقد بلغ الأمر ذروته باتصال هاتفي تلقيته أمس بعد الغداء مباشرة، من صحافي سألني عما إذا كان محقاً في افتراض أن «بيرني ساندرز» عينني لأكون «عصا له» ضد إسرائيل.
    وبالطبع، أنا مؤيد بقوة لحقوق الفلسطينيين، وكذلك «بيرني ساندرز» وغالبية الديمقراطيين، بحسب استطلاع حديث أجرته مؤسسة «جالوب». ولكن المحاولة الوقحة الرامية إلى تقليص حملة «ساندرز» بأسرها وجل عملي في محاولة «النيل من إسرائيل»، تمثل خيانة وتحيزاً مزعزعاً للاستقرار ضد العرب وهوساً غريب الأطوار وجب الرد عليه. وهو يضر بالفعل بـ«ساندرز» وبي، وبقدرة دولتنا على إجراء حوار مشرف بشأن قضية ذات أهمية كبيرة.
    ومن خلال التركيز على إسرائيل وتجاهل كافة القضايا الأخرى التي ألقى «ساندرز» الضوء عليها في حملة الانتخابات الرئاسية خلال العام الجاري، تسبب الصحافة ضرراً بالغاً لجهوده بشأن طرح قضايا الرعاية الصحية العالمية والرسوم الدراسية المجانية ورفع الحد الأدنى للأجور والاستثمار في الطاقة النظيفة وإعادة بناء بنيتنا التحتية المتداعية وحمل «وول ستريت» على دفع حصتها العادلة من الضرائب. ولا تبدو هذه محاولة ذكية لشيطنة الرجل والتقليل من شأن ترشحه.
    وينطبق الأمر ذاته عليَّ أيضاً، ففي رد على سؤال من المحرر بشأن السبب الذي دفع «ساندرز» إلى تعييني، ذكرت له القليل من سيرتي الذاتية. وبالطبع، أتشرف بأنني أسست عدداً من المنظمات الأميركية العربية، ولكنني أيضاً عملت في «اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي» لمدة 23 عاماً، وعملت في اللجنة التنفيذية لمدة 15 عاماً، وشاركت في رئاسة لجنة القرارات خلال العقد الأخير، وترأست «المجلس العرقي» في الحزب منذ عام 2009. وعينني الرئيس أوباما مرتين لفترتي عامين في المفوضية الأميركية للحرية الدينية.
    ولذا، عندما تجتمع وسائل الإعلام والجماعات اليمينية المتطرفة على تحويل حياتي العملية إلى «رسمة كاريكاتورية» من بُعد واحد وهي أنني «ناشط مؤيد لفلسطين»، فهي بذلك لا تجاملني. وإنما تخذلني. وعلى رغم أنها لم تخطئ، وأنا فخور بكوني مدافعاً عن حقوق الفلسطينيين، ولكن في ضوء هذا المناخ السياسي الذي نعيشه، فإن هذا الاختزال الفظ يؤصل للإقصاء والعنف السياسي. وعلى مدار سنوات، عانى الأميركيون من ذوي الأصول العربية من كافة هذه التحديات، وأعلم ذلك، بل وكنت شاهداً عليه.
    وعندما أيدت حل الدولتين في عام 1988، قبل أن يحظى هذا الموقف بتأييد واسع النطاق، أخبرني قادة الحزب الديمقراطي بأنه لن يكون لي مكان في الحزب مرة أخرى. وعقب مؤتمر الحزب في ذلك العام، رفض «مايكل دوكاكيس» تأييد «اتحادنا الديمقراطي الأميركي العربي» معللاً ذلك بأنه «مثير للجدل بشكل كبير». وعندما جاء «رون براون» في عام 1990، الذي كان آنذاك رئيساً للجنة الوطنية الديمقراطية، للتحدث في فاعلية أقامها المركز العربي الأميركي، في ضيافتي، أخبرني بأنه قد تعرض للتهديد بخسارة الدعم المالي «إذا اجتمع مع هؤلاء القوم تحت سقف قاعة واحدة».