علي حسن الفواز
ظل مفهوم الإصلاح إشكاليا بأبعاده، وبطبيعة إجراءاته، ليس لأنه صعب، وان طرقه عسيرة، بل لأن معطيات هذا الإصلاح ترتبط بالكثير من التقاطعات الاجتماعية والسياسية والطائفية والاقتصادية، والتي لا يجد البعض فيها مجالا يتناغم مع مصالحه ومع رؤيته للتعاطي مع هذا المفهوم..
وحين ندرك حاجة الدولة العراقية قارة لتوصيف الإصلاح، ولشرعنة وجوده في واقع مأزوم، وغارق بالكثير من الصراعات، ومظاهر الفساد، فإننا ندرك معها خطورة (تسويف) مفهوم الإصلاح، وتعويم مطالب التظاهرات والاعتصامات، وبقطع النظر عن تقاطع هذا المفهوم مع حسابات بعض الكتل السياسية، فإن التهويل من مخاطر تنفيذ برنامج السيد رئيس مجلس الوزراء، والشك بإجراءاته وبقائمة مرشحيه لتشكيل الكابينة الحكومية الجديدة سيكون رهانا خطرا على إعادة إنتاج الأزمة، وعبر التلويح بالرفض، أو بمقترحات غير واقعية، لأنها ستكون جزءا من المشكلات التي تضخمت وكثُر مفسدوها..
تحرير السلطة التنفيذية- الحكومة- من هيمنة الكتل والأحزاب يمثل الحلقة الأخطر في مجرى الفكرة الاصلاحية، ودفعها باتجاه التعاطي مع التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية، لأن تاريخ أزمة العملية السياسية العراقية يرتبط بهيمنة تلك الكتل على الحكومة، وعلى خياراتها وصلاحياتها، وعلى صلاحية رئيس مجلس الوزراء بشكل خاص، إذ تفرض الكتل والأحزاب وزراءها وحتى كابينتها الوظيفية، وتحديد مرجعياتهم، وبالتالي تعطيل أية محاسبة للوزير في حالة عدم تنفيذه لبرنامجه، أو قيامه بأية مخالفة، فهذا الوزير يقدم استقالته لرئيس كتلته أو حزبه، وليس لرئيسه التنفيذي، وهذه سابقة خطيرة في تحديد هوية الكابينة الحكومية، ومسؤولية رئيسها وترسيم صلاحياته..
الإصلاح والآليات
النظر الى مفهوم الإصلاح يفترض وجود فلسفة تعزز الوعي به، وبشروطه وسياقاته، لأن الاختلاف بشأنه لا يحسب بتقاطع النظر الفلسفي، بل بطبيعة ما يترتب عليه من آثار وتداعيات، لا سيما أن خطورة هذا الإصلاح تكمن في تهديده لمصالح الكثيرين الذين وجدوا في الهشاشة السياسية والاقتصادية مجالا للتعويم، وللفساد بعيدا عن أية رقابة حقيقية، أو حساب صارم لمرتكبي هذا الفساد. من هنا لا نجد محيدا من تطبيق الإصلاح، أو بمعنى أدق، فرضه على الواقع المتخم بالمصالح والتحاصص والتخندق الطائفي، والعمل على إيجاد آليات فاعلة تتجوهر في تحرير الكابينة الحكومية من هيمنة الأحزاب والكتل، وإعطاء رئيس مجلس الوزراء أحقيته الدستورية في اختيار وزرائه، وتحمل مسؤوليات هذا الاختيار، وهو ما يعني توسيع العمل الرقابي لمجلس النواب لعمل الوزراء، ومدى التزامهم بالبرنامج الحكومي، محاسبتهم. وتجاوز عقدة (الحكومة الجامعة) التي تعني إشراك الجميع من الموالاة والمعارضة في العمل التنفيذي، وهو تقليد غير مألوف وغير واقعي، وسينعكس سلبا على عمل مجلس الوزراء، ويفقد رئيس الوزراء صلاحياته في محاسبة الوزراء، لأن هؤلاء الوزراء محميون من قبل كتلهم وأحزابهم السياسية..
حديث الحكومة الجامعة سيكون أكثر خطورة لو فرضته جماعات متقاطعة في كل شيء، وهذا ما يجعل العمل الوزاري أشبه بلعبة جر الحبل، وبطريقة تربك الحفاظ على الهوية الديمقراطية للدولة، لأن هذا السياق يعني تكريسا لدولة التوافقات الهشة، ولقدرتها على مواجهة التحديات الساخنة، وفي المناطق التي تعاني من مشكلات أمنية، فضلا عن ضعف قدرتها في التعاطي مع ملفات السياسة الخارجية، والذي يمثل واحدة من أهم الحلقات الصراعية، لأن العديد من الجماعات/ الكتل ترتبط للأسف بأجندات إقليمية ودولية، وهو ما ينعكس على صياغتها للعديد من المواقف السياسية، وعلى معالجة المواقف الأمنية، وحتى على التدخلات السياسية في الشؤون الداخلية للعراق..
ومن هنا ندرك خطورة أن يكون هذا الإصلاح بمستوى المسؤولية، وأن تكون التقاليد السياسية الجديدة منطلقا لبناء الدولة القوية، الدولة التي تتحدد فيها الصلاحيات، والأطر، وتضيق فيها مساحات المركزة السياسية والحزبية التي تكرست للأسف منذ أكثر من عشر سنوات..
مناقشة مجلس النواب لملفات الوزراء المرشحين ستكون محتدمة، وستواجه الكثير من العقبات، لكن الحرص على تنفيذ آلية الاختيار سيكون هو الرهان على البدء الفعلي بعملية التغيير أولا، وشرعنة حقيقية لعملية الإصلاح ثانيا، لأن هذه الآلية ستعطي دفعة حقيقية لتجاوز ما تكرس من مهيمنات وتوافقات في المنظومة السياسية، التي عطّلت الكثير من إرادة التغيير، وعمقت بالمقابل سياسة التراضي ومراعاة المصالح الحزبية على حساب المصالح الوطنية..
تعارضات وتوافقات
إن حساسية البعض من تطبيق برنامج حقيقي للإصلاح تنطلق من زاوية المصالح، والحفاظ على مكاسب ومعطيات للاثرة السياسية والاقتصادية، مقابل ما نجده في الشارع العراقي، وعبر التظاهرات التي انطلقت منذ 25 شباط 2011 والى يومنا هذا، والتي تطالب بالإصلاح الحقيقي، وتغيير واقعي في الآليات السياسية، وفي مواجهة الفساد ومحاسبة الفاسدين، وهو ما يعني الحاجة الى مواقف جادة وواقعية، تضع تأييد المرجعية الرشيدة للتغيير دعما لها، مثلما تضع حقوق الجمهور العراقي أفقا لبناء مؤسسة حكومية قادرة على مواجهة التحديات.