التصنيف: الرأي

  • الباب المفتوح في الأزمات

    واثق الجابري 
    لا يوجد تاريخ لشعب ما دون تضحيات جسام وأعظمها الشهادة، التي لا تنالها إلاّ القامات العالية والأرواح المتألقة، فتذهب الى بارئها وأفكارها تدور في أرض الوطن، وتلتصق على جبين المخلصين ومَنْ تمتد جذورهم في أرض بلدهم، فيرحل الأشخاص وتبقى المشاريع تتوالد أجيال.
    كم نحن بحاجة الى تلك التضحيات، وما عزيمة الحشد الشعبي إلاّ إمتداد لقادة كبار؛ أتسع قلبهم للعراق وشعبه، وإمتدت يدهم لتجمع لا تفرق.
    يخبرنا التاريخ أن الدماء إمتزجت في أعلى صخور الجبال ومياه الأهوار، وتحدثت الأجساد في المقابر الجماعية عن قوة العراق بتنوعه تحت راية الوطن، وهي ذات الدماء منذ 40 عام، ونفسها مَنْ يقاتل الإرهاب في هيت والفلوجة والموصل، وذات المشروع المُعادي؛ أن لم ينجح بالإرهاب والفساد، فقد إعتمد التضليل وخلط الأوراق، وتشويه دعوات حماية الثروات بأنها للإنفصال وتخوين الشركاء، ومحاولات مستمرة لإشعال النار في بيت الوطن.
    تلك التضحيات حاربها المكر والدهاء؛ فكانت صابرة مؤمنة بمشروعها، وكم حاولوا كسرها فتكسرت تلك الأيادي، أمام سارية تحمل صور الشهادة ومشروع الوطن والعقيدة، ومنطلق الاعتدال والوسطية في زمن التطرف والمزايدة، وقلوبها صامدة التي لا تهزها انتكاسات؛ صارت محطات للمراجعة، والإنتصارات لا تُغري أصحاب المشاريع الوطنية. يصعب الحديث عن إيجاد مخرج للأزمات؛ في وقت تنغلق القوى السياسية على بعضها، وتترك التضحيات والحلول على قارعة الأنا والمزايدة والمشاريع المشبوهة، وبين هذا وذاك يبقى باب مفتوح مهما تبدلت التصورات وإختلفت المحطات وتعالت الشخصنة والنرجسية وسياسة التأزيم.
    إن الإختلاف لا يرقى الى الخلاف في وجه نظر العقلاء، وما دامت معظم القوى تعتقد أنها تسعى لتقريب وجهات النظر حسب رؤيتها؛ لذلك تعدد وجهات النظر إثراء للقضية وكسب لأكبر قدر من القبول الشعبي والوسطية، وتخطي لمنتصف طريق؛ فيه ربح للطرفين وبالنتيجة كسب الوطن لجناحين، ومن ضرورات المرحلة وخطورة المنعطفات والتهديدات؛ يبقى الرهان على تشخيص القوى لنقطة الإلتقاء والباب المفتوح في كل الأزمات، وإستذكار قيمة التضحيات.
    الحديث صعب؛ إلاّ عند قوة وطنية عاقلة في مشهد تنوع العراق، ولها القدرة على ممازجة أجيال الخبرة والتضحية وشباب يتطلع للأمل؛ بمشروع واضح المعالم.
    من فيض ذكرى الشهيد محمد باقر الصدر (قدس)، والشهيد محمد باقر الحكيم (قدس)، وبنظرة عقلائية بسيطة؛ قلّ ما نجد إجتماع خطاب الشركاء والفرقاء والمختلفين في وجهات النظر، ويجدر بالذكر أن بوصلة السيد عمار الحكيم؛ هي الوحيدة القادرة على ترك بابها مفتوح في كل الأزمات، وما إجتماع القوى السياسية في ذكرى يوم الشهيد؛ إلاّ دليل على حاجة القوى السياسية؛ الى الإستفادة من تجربة تضحيات الشهيدين ووفاء لما قدموا من أجل هذا الوطن؛ حيث جادوا بكل ما يملكون؛ لوحدة التراب ورفض كل أساليب التفرد والإستئثار، وليتذكروا أن الدماء التي سالت قبل 40 عام الى اليوم؛ ليس لها هدف سوى المحافظة على سيادة الوطن وحماية مواطنيه، وتوحيد الخطاب برؤية مشروع بناء دولة.
     
  • «إسرائيل» قاعدة أمريكية

    يونس السيد 
    يخطئ من يعتقد أن حدود العلاقة بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة تتوقف على إنشاء قواعد عسكرية أمريكية، سواء كانت سرية أو علنية، فالكيان كله عبارة عن قاعدة أمريكية متقدمة في المنطقة، وهو الثابت الوحيد في الاستراتيجية الأمريكية، وكل ما عدا ذلك يخضع لحسابات الإبقاء على تفوق الكيان على كل محيطه الإقليمي، ما يجعل من العلاقة بين الجانبين علاقة عضوية أكثر منها علاقة تحالفية أو تبادلية كما يجري تصويرها.
    ورغم ما يقال عن برودة العلاقات أو حتى الخلافات التي تنشأ بينهما في بعض الأحيان، كما هو حال حكومة نتنياهو وإدارة أوباما في الفترة الأخيرة، فان هذه الخلافات تبقى في إطار البيت الواحد. ولو عدنا إلى بديهيات هذه العلاقة، لوجدنا أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وليس إدارة أوباما وحدها، ملزمة بتقديم الدعم العسكري للكيان وتوفير الحماية العسكرية له، بدءا من تزويده بأحدث أنواع الأسلحة وتخزين كميات إضافية هائلة لديه سرعان ما يجري تقديمها له كهبات خارج نطاق المساعدات المعلنة، وصولا إلى مفاوضات التسوية التي إما أن يجري توظيفها لمصلحة الكيان أو يتم وقفها. حتى الحروب والصراعات الدائرة في المنطقة، يجري إدارتها وتوجيهها وفق بوصلة أمن الكيان، فتدمير أقوى الجيوش العربية وليس مجرد إشغالها في حروب وصراعات داخلية، واستنزاف طاقات الدول العربية المحيطة وفي الإقليم وإعادة بعضها إلى العصور الوسطى، أليست كلها عوامل تصب في صالح الكيان وإدامة احتلاله لفلسطين.
    وعندما تكشف الصحافة الصهيونية عن إقامة قاعدة أمريكية للدفاع الجوي ضد الصواريخ، فهي لا تذيع سرا بقدر ما توجه رسائل إلى كل المعنيين بتوجيه صواريخهم إلى الكيان في لحظة تاريخية فاصلة تشهدها المنطقة، قد يعاد فيها خلط الأوراق، بأن الكيان محم ومحصن ضد أية مفاجآت، حتى وان اضطرت القوات الأمريكية نفسها إلى المجيء للدفاع عنه، فالقاعدة الجديدة التي كشف موقع «والاه» العبري عنها، تقتضي وجود عسكري أمريكي مباشر نظرا لارتباطها بمحطة رادار (X) المقامة سابقا قرب مفاعل ديمونا في صحراء النقب والتي يشغلها جنود أمريكيون أيضاً، ويقال إنها قادرة على رصد إطلاق الصواريخ من مسافة آلاف الكيلومترات، ما يعني ليس فقط توفير الإنذار المبكر للكيان، وإنما إقامة منظومة متكاملة للسيطرة والرقابة بين الجانبين، بما يعنيه ذلك أيضاً من انخراط أمريكي فعلي ومباشر في القتال إلى جانب الكيان عندما يقتضي الأمر.
  • المدينة الدولة.. والأمة الدولة

    نوح سميث 
    في يوم 23 من يونيو القادم، ستصوت بريطانيا على ما إذا كانت ستنسحب من الاتحاد الأوروبي أم لا. وقرار بريطانيا في هذا الشأن بالغ الأهمية، وستترتب عليه تداعيات اقتصادية واجتماعية بعيدة المدى، يدور حولها في الوقت الراهن سجال محموم. فإذا ما صوت البريطانيون على الخروج، فإن ذلك يمكن أن يؤدي إلى تفكك الاتحاد الأوروبي نفسه، وإعادة التوجه العالمي نحو المزيد من الاندماج السياسي خطوات أخرى إلى الوراء، ويثير هذه الأمر عدداً من الأسئلة المهمة منها:
    ما هو الحجم المثالي للأداء الاقتصادي؟ وهل نحن أفضل حالاً مع وجود الكثير من الدول- المدينة الصغيرة المتنافسة، أم مع وجود عدد قليل من الدول الكبرى (الدول- السوبر) التي يبلغ عدد سكان كل منها مئات الملايين؟ وإذا كان النموذج الأكبر حجماً هو الأفضل، فماذا عن الحكومة العالمية؟
    الواقع أن الاقتصاديين فكروا في مثل هذه الأسئلة بما فيه الكفاية، ففي عام 1956، اعتقد «شارلز تايبوت» أنه قد وجد حلاً لمشكلة حجم الدول، وكانت الحجة التي قدمها في هذا الشأن، هي أن معرفة الحكومات المحلية باحتياجات شعوبها تفوق معرفة الحكومة المركزية البعيدة، وبالتالي فإن النظام الأفضل هو نظام تقوم فيه الوحدات المحلية الحاكمة (دولة مدينة أساساً)، بتقديم حزم مختلفة من الخدمات العامة، وتتولى فيه تحصيل الضرائب.
    وهذه رؤية جذابة للغاية، فـ«تايبوت» يريد أن يقول من خلال رؤيته: هل تريدون أن تعيشوا في جنة تحررية تكون فيها جميع الطرق والمدارس منشأة بواسطة القطاع الخاص؟ في عالم «تايبوت»، ستكون هناك مدينة قائمة جاهزة لاستيعابك.. أم أنكم ستفضلون العديد من القطارات والمستشفيات المقدمة من طرف للحكومة؟ هذا أيضاً متاح.
    وفي الحقيقة أن بعض المفكرين المعاصرين، قد اقترحوا العودة إلى نمط الدولة- المدينة المقترح من قبل «تايبوت» كحل لمشكلات الجمود السياسي وشلل السياسات العامة أحياناً، وذكروا في معرض التدليل على صواب وجهة نظرهم هذه نماذج ناجحة للدولة- المدينة في عالمنا المعاصر مثل سنغافورة، وهونج كونج.
    وبعض الخبراء يزعمون أن التقسيم السياسي إلى وحدات صغيرة كان نافعاً في الماضي، ففي كتابه: «مدافع، وجراثيم، وفولاذ» أكد عالم الإنثروبولوجيا «جاريد دايموند» أن المنافسة بين الدول الصغيرة، إبان فترة الثورة الصناعية، أتاحت الفرصة لأوروبا لأن تبدأ بداية أفضل وأسرع من الصين الكبرى الموحدة.
    كما ذهب عالما الاقتصاد «براد دي لونج»، و«أندريه شليفر» أيضاً في عام 1993 إلى أن الدولة- المدينة قد ساعدت أوروبا على النمو (على رغم أن ثمة أدلة حديثة تعارض ذلك).وهناك أيضاً أدلة عارضة أخرى تثبت أن وجود تايوان إلى جانب الصين قد ساعد على تقديم النموذج الرأسمالي للصين الأم، بما مكنها من إحياء اقتصادها المشرف على الاحتضار في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.
    ولكن هناك أيضاً حججاً مقابلة تؤيد الرأي المعاكس لذلك تماماً، فقد عكف «ترومان بيولي»، أستاذ الاقتصاد والرياضيات، على فحص فكرة «تايبوت» في الثمانينيات، وخلص إلى أن تشكيلة مختلطة من الدول- المدن- الصغيرة قد لا تقود دائماً إلى نظام اقتصادي يعمل بشكل جيد.
    وهناك عدد من الأسباب التي تفسر احتمال فشل فكرة «تايبوت»، وأولها، أن الكثير من الخدمات التي تقدمها الحكومات هي ذاتها ما يطلق عليه علماء الاقتصاد «السلع العمومية» وهي سلع قد لا يرغب القطاع الخاص، أو قد لا يستطيع تقديمها، ومن أمثلتها الدفاع، والشرطة، والمحاكم والبحوث والدراسات الأساسية.
    فعندما تكون لدينا سلع عمومية، فإن الرفاه الاقتصادي لشخص ما قد يعتمد على مدى استعداد الأشخاص الآخرين في «المدينة» لدفع تكلفة أشياء مثل الطرق، وشبكات السكك الحديدية، وشبكات الصرف الصحي، وهو ما يضع عقبة كبيرة في سبيل تطبيق نموذج «تايبوت»، لأن هناك أنواعاً عديدة من هذه السلع العمومية من ناحية، ولأن المقدار الذي يحتاجه كل فرد منها قد يختلف اختلافاً بيّناً أيضاً من ناحية أخرى.
    والسبب الثاني، هو أن الحكومات قد لا تكون لديها دائماً الحوافز السليمة للعمل. فبعضها قد يهتم بمضاعفة حجم القاعدة الضريبية، وبعضها قد يهتم فحسب برفاهية المواطنين، في حين أن بعضها الآخر قد يكون حريصاً على المصالح الخاصة في المقام الأول، وأكد أستاذ الاقتصاد «بيولي» أن هذا السبب تحديداً يمنع نموذج «تايبوت» القائم على تشكيلة مختلطة، من أن يمثل يوتوبيا فعالة اقتصادياً.
    وهناك العديد من المشكلات الأخرى، التي لم يتطرق إليها «بيولي». فقد يكون من الصعب للغاية التنسيق بين الدول- المدن. فقد تقرر حكومة محلية معنية بالحفاظ على فضاء ممتد ومفتوح، الاعتراض على إقامة طريق دولي سريع يمر عبر قارة، وسيستفيد منه جميع مواطنيها. وهناك أيضاً احتمال أن تقرر بعض الدول- المدن غزو جيرانها مما يعيدنا إلى عالم الإمبراطوريات.
    وهذا تحديداً ما حدث في أوروبا والصين وأماكن أخرى عديدة في كل مرة كانت هذه المناطق تتعرض فيها للتفتيت، فالطريقة التي وجدت الدول- الأمم أنها أفضل طريقة للتصدي لإمبراطورية مجاورة غازية هي أن تتوحد مع بعضها بعضاً وتكوّن دولة- أمة أكبر، ولذلك فإن الإجابة على سؤال التقسيم إلى وحدات صغيرة هي: ليس هناك حجم نموذجي، ففي بعض الأحيان تكون الدولة- المدينة هي النموذج الأفضل، ولكن في حالات أخرى تكون «الدول السوبر» أفضل أيضاً.
    وبناء على ما تقدم، يمكنني القول إن المملكة المتحدة في الوقت الراهن تقف على مشارف تجربة مثيرة ومصيرية. فإذا ما غادرت الاتحاد الأوروبي، فإن التاريخ فقط هو الذي سيقول لنا، ما إذا كان ذلك الخروج كان فكرة صائبة في حينه، أم أن العكس هو الصحيح أيضاً.
  • بتاريخ 36 آذار «مارس»

    نهلة الشهال 
    وهناك أيضاً 32 و33 من آذار (مارس) وهكذا… تقويم جديد؟ من المعتاد أن تقوم الثورات الكبرى بتغيير أسماء الأشهر، ولكن هذه هنا مجرد إشارة رمزية لاستمرار 31 آذار، اليوم الذي انطلق فيه معاً أكثر من مليون متظاهر فرنسي ضد مشروع قانون العمل الجديد الذي بات يعرف باسم الوزيرة في حكومة مانويل فالس، مريم الخمري، ثم عدِّل، ثم لم يمْكن إقراره حتى الآن.
    الحزب الاشتراكي الذي حاز على الحكم في 2012 في الانتخابات الرئاسية ثم النيابية وشكّل الحكومة، تجرأ، باسم اشتراكيته ولكن «الواقعية»، على ما كان اليمين يحلم به ويتمناه ولا يتمكن من تحقيقه أو تمريره. صحيح أن طريقاً طويلاً قطع في الأثناء، على يد الاشتراكيين واليمين على السواء، ولكنه كان يرسم بالقطّارة، بينما مشروع قانون العمل هذا يرجع عن كل المكتسبات التي تحققت في مجال تنظيم العمل المأجور خلال أكثر من قرن: الحقوق والحمايات التي تَحول دون الصرف السهل من الخدمة لحجة الحاجة الاقتصادية إلى «المرونة»، وكذلك تحديد ساعات العمل التي لم تكف عن التقلص حتى صارت 35 ساعة بعدما كانت حُوّلت الى 44 ساعة إثر حركة «أيار (مايو) 1968».
    يوجد في القلب من تظاهرات 31 آذار، الطلاب مجدداً، جامعيين وثانويين، تماماً كما كانوا في قلب أيار 68 ثم التحركات الكبرى في 2006. وهؤلاء يجدون أن عالم الغد الذي يوعَدون به بات بائساً سوداوياً، وأن تحصيلهم الجامعي وشهاداتهم ليست إلا «خداعاً» كما تقول شعارات تحركهم الحالي، فيما أصاب الإرهاق الأكبر سناً ممن انخرطوا في العمل أو يعانون من البطالة.
    المد الاحتجاجي الكبير في 31 آذار دفع الآلاف إلى الاتجاه نحو أشكال من البقاء في الشارع، خشية أن يتعلق الأمر بتظاهرة احتجاجية أو مطلبية تنتهي في أحسن أحوالها بمفاوضات مع الحكومة لا تؤدي الى شيء سوى تنفيس الزخم. هكذا وجدوا أنفسهم في «ساحة الجمهورية» الهائلة، في قلب باريس، وبدأوا ما سموه «يقظة الليل» (nuit debout). وفي التسمية مستويان للمعاني، استحضار اليقظة ولكن أيضاً «الوقوف» بالضد من «الخضوع»: التجمع كل يوم بدءاً من المغرب حتى وقت متأخر من الليل أو حتى الفجر، حين يطلب منهم البوليس فك خيامهم والتفرق، ليعودوا في اليوم التالي. وقد حاولت رئيسة بلدية باريس وضع حد زمني لهذه الحركة، وأعطت مهلة أسبوع، ولكن لا يبدو ذلك ناجعاً، كما لا يبدو مؤثراً في شعبيتهم شعارها الذي أطلقته من على المنصة بمناسبة عامة: «لا يحق لأحد احتكار ساحة الجمهورية».
    ينتشر النموذج الباريسي بسرعة إلى مدن فرنسا الأخرى، كبيرها وصغيرها، وتبدو حركة «يقظة الليل» مرشحة للرسوخ. يقارنها البعض بحركة «الساخطين» indignados)) الإسبانية التي أنتجت «بإمكاننا» (podemos)، الحزب الذي حقق نجاحاً مدهشاً في الانتخابات النيابية الأخيرة. وهي بدأت في الأصل باعتصام سلمي في أكبر ساحات مدريد، «بويِرتا دل سول»، في 2012، رفضاً لبرامج التقشف التي فُرضت على اسبانيا. ويستحضر بعضهم الآخر حركة «احتلوا وول ستريت» التي بدأت في 2011 في نيويورك بتظاهرة صغيرة ثم شاركت فيها ألف مدينة عبر العالم، وأصبحت تسميتها «احتلوا» (occupy) فحسب، وصح عليها وصف «سريان النار في الهشيم».
    إلا أن ذاك هو تحديداً ما يتخوف منه المبادرون الى «يقظة الليل». فهم لا يريدون التحول الى حزب، ويصرون على أفقية حركتهم، وينتقدون التراتبية العمودية التي وقعت فيها حركة «الساخطين» الإسبانية، بعدما كانت انطلاقتها تمارِس «الديموقراطية المباشرة»، كتلك التي تتبناها الحركة الفرنسية الحالية. وهم لا يريدون أن يكونوا مجرد «فورة» سرعان ما تنطفئ مثلما حدث مع «احتلوا». ولمقاومة الخطرين، يجري استدعاء «تقاطع النضالات»، فتحضر في التجمع الليلي حركة «الحق في المسكن» التي مضى على وجودها زمن والتي تتحرك حول قضية السكن ولكن أيضاً البطالة واللجوء والنزوح وكل الهشاشات، وهم منحوا خبرتهم للمبادرين في الحركة الجديدة. كما حضرت الشبكة النقابية العمالية «متعاضدون» (solidaires) التي ولدت من رحم انتقاد بيروقراطيات المركزيات الفيديرالية النقابية الكبرى، وكذلك حركة «أتاك»، التشكيل الفكري الاقتصادي المطالب بفرض ضرائب على حركة تنقل رأس المال المالي العالمي، وهي تبقى نخبوية على رغم امتدادها وتوسعها في زمن سابق، حين كانت شريكاً أساسياً في اطلاق «المنتديات الاجتماعية العالمية» في 1999 في سياتل بالولايات المتحدة، والتي سريعاً ما احتضنتها البرازيل (مدينة بورتو اليغري في 2001). وهي كانت الرد الذي لجأت اليه حركات فكرية واجتماعية ونقابية شديدة التنوع، تبدأ من تلك ذات الطابع اليساري ولا تنتهي عند تلك الكاثوليكية، التي تتشارك في مناهضة العولمة، والرد على زهو «المنتدى الاقتصادي العالمي» الذي يعقد سنوياً في دافوس، وعلى ما بدا سيطرة مُحْكمة للنيوليبرالية بوصفها «نهاية التاريخ».
    ولتحقيق ذلك «التقاطع في النضالات»، و «الأفقية»، والتلاقي بين الطلاب وسائر فئات المجتمع، و «تجنب التقوقع»، ولتجسيد النفور من أجهزة الأحزاب والنقابات المتكلسة (التي أصبحت هي نفسها «غاية وجودها»)، يناقش المبادرون الوسائل: التجوال على أماكن أخرى، كضواحي باريس التي كثيراً ما التهبت بتحركات احتجاجية على البطالة والإقصاء، وإدماج قضايا اللاجئين والنازحين مثلاً في صلب الاهتمامات التي تعلن في جمعيات عامة ليس فيها رؤساء جلسات ولا منظِّمون، ويتم التصويت فيها بحركات من اليدين صامتة، كلغة جديدة اتُفق على معانيها.
    تعرض أفلام وثائقية خلال ساعات «يقظة الليل» تلك، ويأخذ الكلام في النقاشات أحياناً فلاسفة واقتصاديون كفردريك لوردون، وتتولى مجلة ذاتية التمويل كـ «فقير» (Fakir) تسجيل تلك النقاشات، ويأتي الى الحضور فنانون من كل نوع، فرق موسيقية أو مسرحية (كـ «جولي موم» التي اشتهرت في سنوات خلت)، محترفة أو هاوية، ودانيال مرميه وهو كان صاحب برنامج إذاعي شهير في إذاعة «فرانس انتر» أوقف في 2014، ما تسبب باحتجاجات كبيرة. وهؤلاء جميعاً «خبراء» في كشف آليات استيلاء كبار رجال الأعمال على وسائل الإعلام عبر التمويل فالتملك (صحف كبرى وتلفزيونات الخ…).
    يجري كل ذلك على وقع الإعلان: «هذا العالم الذي لم يعد مقبولاً العيش فيه». إنها محاولة أبدية، يُظَن دوماً أنها فاتت وماتت، لكنها تعود.
  • فساد مقنن!

    نجاح العلي 
    هناك فرق بين من يتحدث عن الفساد بشكل عام دون الخوض في تفاصيله، وبين من يتناوله في تفاصيله الدقيقة، فهناك شياطين عديدة تكمن في هذه التفاصيل وليس شيطانا واحدا فقط، بحكم عملي في احدى المؤسسات التي تعنى بمكافحة الفساد وطوال مسيرتي المهنية مع ثلاثة مفتشين عموميين عبر اللجان التفتيشية والتحقيقية وجدت الكثير من القوانين والتعليمات التي تشرعن الفساد وتسهل تهرب المفسدين منه، او ما يمكن ان نصطلح عليه بـ(الفساد المقنن) الذي لايمكن ان يكتشفه ديوان الرقابة المالية او لجان النزاهة عبر الطرق التقليدية، ورغم محاولات هيئة النزاهة ومكاتب المفتشين العموميين في الوزارات والهيئات مازال العراق يتبوأ مركز الصدارة في التقارير السنوية لمنظمة الشفافية الدولية، اذ ان اغلب عمليات الفساد في بلدنا تأتي عبر لجان المشتريات في دوائر ومؤسسات الدولة وفي المناقصات والعقود المبرمة مع الشركات المحلية والاجنبية وفي التعيينات واشغال الدرجات الوظيفية والتسرب الوظيفي او ما اشيع استخدامه اعلاميا (الفضائيين). فيحرص المسؤول على زج احد معارفه في لجان المشتريات او لجان ابرام العقود والمناقصات او لجان التعيين رغم ان بعضهم تم تعيينه حديثا اذ لاتتجاوز خدمته بضعة شهور ولايمتلكون خبرة ادارية وقانونية تؤهلهم للدخول بتفاصيل الشراء وتوقيع العقود وارساء المناقصات وفي عملية اختيار المتعينين حديثا، ويكونون مسيرين من بعض اصحاب النفوس الضعيفة، ومن الغريب ان المشرع لم يتنبه لهذا الموضوع المهم والحساس فمن المفترض وضع تعليمات ونصوص تمنع زج موظفين حديثي عهد بالوظيفة بهكذا لجان بل عليها ان تضع شرطا وهوان لاتقل خدمة الموظف عن خمس سنوات او كثر تؤهله ليكون عضوا في هذه اللجان مما يقلل من امكانية حدوث الفساد.الامر الاخر المتعلق بلجان المشتريات وابرامها اتفاقات مشبوهة مع اصحاب المحال والشركات بأخذ عمولة، وهو امر معروف ومتداول في الاسواق العراقية مع الاسف الشديد، بل ان بعض المحال تعطي لهذه اللجان وصولات فارغة لتقوم هذه اللجان بملئها كما تريد وبالاسعار والمواصفات التي تريد، دون حسيب او رقيب، وهو امر لايمكن اكتشافه الا عبر مقارنة اسعار الشراء المثبتة في الوصولات مع اسعارها في السوق، وحتى لو ثبت وجود فرق شاسع، فانه بحسب القوانين والتعليمات في العرف الاداري العراقي يتم التحقق من صحة الوصولات واختامها فقط، دون القدرة على اثبات التواطؤ او الفساد بشكل قانوني لان الاسعار متفاوتة من محل الى اخر ومن وقت الى اخر وجميعها ترتبط بالعرض والطلب واسعار صرف العملات الاجنبية، ولتلافي هذه الحالات، بالامكان تثبيت سعر الشراء في الوصولات بالدولار وتسهيل عمليه شراء لجان المشتريات عملة الدولار من البنك المركزي العراقي وبالسعر الرسمي الموثق رسميا بشكل يومي بالنشرات الدورية للبنك العراقي المركزي وبالتالي قطع الطريق على الفاسدين واصحاب النفوس الضعيفة في التلاعب بالاسعار، كذلك بالامكان تفعيل الاسواق المركزية العراقية وحصر عملية الشراء منها مما يقلل من التلاعب بالوصولات التي تصدر  في هذه الحالة من جهة رسمية وايراداتها تذهب الى خزينة الدولة ومعرضة للتفتيش والرقابة.وقد يحصل في احيان معينة تواطؤ بين هذه اللجان والاعضاء المراقبين في مكاتب المفتشين العموميين باقتسام غنيمة الفساد، فبدل ان تقوم الجهات الرقابية بالكشف عن الفساد تدخل شريكا في الجريمة خاصة وانه في ارض الواقع هناك اقارب واصدقاء لموظفي المكاتب في الوزارة او المؤسسة المكلفين بمراقبتها فتدخل المجاملات والتستر او المشاركة في عمليات الفساد، ولمعالجة هذا الامر نقترح ان تتم مناقلة موظفي المكاتب بين الوزارات والدوائر للقضاء على كارتلات الفاسدين الذين تجمعهم العلاقات المالية المشبوهة وتبادل المصالح، وان تتم عملية المناقلة بصورة دورية كل ستة اشهر او سنة او سنتين كحد اقصى.
  • التاسع من نيسان .. فرحنا المؤجل

    كاس سانشتاين 
    يظل يوم التاسع من نيسان من العام 2003 من المنعطفات التاريخية الحاسمة في تاريخ العراق ,حين أسس لمرحلة جديدة  كانت ابرز عناوينها الإطاحة بنظام البعث الدكتاتوري الذي يعتبر واحدا من أشرس الأنظمة استبدادا وطغيانا ليس في تاريخ العراق المعاصر ,بل في المنطقة أيضا ,حيث حقق هذا النظام وعلى مدى العقود الثلاثة التي حكم فيها العراق ارقاما قياسية هائلة في اعداد الضحايا  من العراقيين الذين أبادهم وفي الحروب التي أشعلها ضد دول الجوار والتي  أكلت عشرة أعوام من تاريخ العراق, إضافة الى اثني عشر عاما  اخرى من العقوبات الدولية التي جعلت العراق دولة من العصور الوسطى وفاقدة للسيادة. 
    كان النظام السابق مختزلا بشخصية رئيسه الذي عمل على شخصنة  الدولة باسمه ,حيث حملت الجسور والدوائر والمستشفيات جميعها اسمه , بل جعل ايضا من نظام الحكم نظاما عائليا يهيمن  ابناؤه واشقائه والمقربون منه على كافة مفاصله وحلقاته الرئيسة  الامنية والاقتصادية والسياسية ولم يكن هناك أي حق لمواطن بانتقاد النظام والاعتراض عليه .حيث فقد اكثر من نصف مليون مواطن عراقي على الاقل حياتهم نتيجة لمواقف وانتقادات عارضت سياسات النظام وتوجهاته, اذ لم تكن هناك أية صحف معارضة ولا احزاب  وكان المواطنون يساقون الى محاكم يديرها ضباط امنيون, حيث التهم الجاهزة والاحكام المسبقة بالاعدام من دون ان يسمح لاي مواطن بالدفاع عن نفسه. اسس هذا النظام لكي يستمر في السلطة جيوشا امنية خاصة كانت تسهر على امن النظام وكانت مستعدة لابادة اية مدينة عراقية يحاول سكانها الثورة على النظام  وبالرغم من ذلك فان العراق شهد انتفاضات وثورات لم تكلل بالنجاح بسبب العامل الدولي والاقليمي الذي كان يعترض على طريقة اسقاط النظام وتفضيله خيار الانقلاب العسكري من الداخل وهو السيناريو الذي لم يحدث طوال 12 عاما قبل ان تتخلى الولايات المتحدة عن هذا الخيار لتلجأ الى الاجتياح المباشر للعراق وإسقاط النظام . لقد مثل التغيير فرصة لا تعوض من اجل إعادة ترميم النظام السياسي في العراق بنظام اكثر حداثة يتماشى مع معايير التقدم في النظم السياسية العالمية المتطورة , لكن هذا الهدف الحلم لم يصل العراقيون الى ضفافه بسبب ضعف الطبقة السياسية التي ظهرت عبر التغيير وعجزها المزمن عن انتاج حلول  حاسمة  لمختلف المشاكل والأزمات التي واجهت العراق بعد العام 2003 والتي اتخذت طابع الصراعات الدينية والاثنية والاختلافات الحادة حول هوية الدولة والنظام السياسي ,اضافة الى بناء المؤسسات الامنية والادارية. كان القبول بالمحاصصة واحداً من اكثر الاخطاء الكارثية التي اصابت عملية التغيير في صميمها ,حين انتجت هذه الخطوة نظاما سياسيا مشوها كان وما يزال عرضة  للتأزم والاختراق من قبل الكتل والأحزاب السياسية والتي قادت لاحقا إلى  تعرض مؤسسات الدولة الى اخطر عمليات فساد مالي منظم التهمت تحت لافتة  عمليات اعادة الاعمار معظم  عائدات الدولة المالية من دون ان تظهر اية مشاريع ومنجزات عمرانية حقيقية على ارض الواقع . كان ظهور هذا الفساد واحدا من مظاهر الفوضى الديمقراطية التي عصفت بالبلاد مع عجز شبه تام للمؤسسات الرقابية التي اكتفت بدور المتفرج على ما يحدث من دون ان تكون لها كلمتها في الواجهة مع هذا الفساد ,حيث تشير التقديرات الى تبديد اكثر من 500 مليار دولار نتيجة لذلك. العجز عن اقامة نظام سياسي ناجح يكون بديلا عن الديكتاتورية المستبدة التي عانى منها الشعب طيلة اكثر من ثلاثين عاما يؤشر العجز القاتل الذي تعاني منه السياسة العراقية محليا وعجزها عن استيعاب المتناقضات والأزمات الكامنة في عمق المجتمع العراقي والتي ظلت تشكل الحاجز المانع لأي برنامج بديل يمكن أن يقفز عليها ويتجاوزها . لقد كان النظام السابق نظاما عاجزا ومفلسا في سنواته الأخيرة  ومتآكلا من الداخل نتيجة الصراعات التي أخذت طابعا دمويا بين أقطابه ورموزه , إذ كان ببساطة عبارة عن نظام قروي متخلف يحمل طابعا عشائريا تمثل في اعتماده على أبناء قريته الحاكمة من العرفاء والمجندين السابقين في الشرطة والقوات المسلحة  ليصبحوا قادة للمؤسسات ووزراء وقادة كبار للجيش والمؤسسات التعليمية والصناعية , حيث أداروا الدولة وفق مفهومهم  الإجرامي الذي يقوم على القتل والنهب وتقاسم موارد الاقتصاد وتجارة العملة ,إضافة إلى تشكيل الميليشيات الرديفة التي كانت تتولى قطع الأذرع والألسن للمواطنين الأبرياء كنوع من رسائل التخويف والقمع للشارع العراقي . 
    كان التاسع من نيسان وما يزال فردوسنا المفقود الذي أضعناه بعنادنا وببداوتنا وبيأسنا واحباطاتنا ومن خلافاتنا المزمنة التي لا تنتهي ولا تقبل الحل وتجاهلنا المخيف لايجاد حل شجاع وحاسم لها يوصد الباب بوجه أي تدخل او تأمر دولي او اقليمي يستهدفنا عبره . انتهى النظام بتلك الصورة المتوقعة ,حين انهارت جيوشه الامنية ومؤسساته القمعية التي عجزت عن حماية الطاغية الذي انتهى به المطاف ان يستخرج من حفرة عميقة تحت الارض ووضعه اشبه بالجرذ  في مشهد كان يفصح بلاغة بان مصير الطغاة دوما الى الزوال والسقوط.
  • التاسع من نيسان .. مراجعات مفتوحة

    علي حسن الفواز 
    مازال المشهد السياسي العراقي بعد ثلاث عشرة سنة من سقوط النظام السابق يثير العديد من الأسئلة، والعديد من المراجعات، فهل حملت هذه السنوات معها مشروعا حقيقيا للدولة المدنية؟ وهل أن مرجعيات أزمة هذا المشروع الدولتي يرتبط بـ(الاحتلال) أم بهشاشة القوى السياسية الجديدة؟
    هذان السؤالان المفصليان يضعان الوقائع العراقية على طاولة الحوار والجدل والمراجعة، إذ تتمثل معطياتها عبر سلسلة من الأزمات والصراعات، تلك التي جسدتها مظاهر المحاصصة الطائفية، والتخندقات الجماعتية والمصالح الحزبية، وصولا الى شرعنة وجود عنفي لظاهرة بوصفه قوةً ومؤسسةً، إرهابا وعنفا مارسته جماعات رافضة للعملية السياسية، مثلما تمثلت معطياتها الأخرى عبر تضخم وعجز مالي وترهل في مؤسساتها، وعجزها عن صياغة حقيقية لـ(العقد الاجتماعي) ولهوية الدولة، ولبناء مؤسسي تُعززه التشريعات والحقوق، والقوى المدنية الساندة..
    لقد كشف إنهيار النظام السابق عن ضعف دولة الاستبداد القديمة، لكنه كشف أيضا عن غياب الرؤى الواضحة للقوى الجديدة، وافتقادها لمشروع الدولة المدنية، والتعرف على  طبيعة تحدياتها الداخلية والخارجية، فبقطع  النظر عن القوى الدولية- أميركا ودول التحالف- التي أسقطت النظام السابق، والتي فرضت واقعا احتلاليا ضاغطا على العراق، فإن وجود قوى سياسية تدرك شروط بناء مؤسسي للدولة كان ينبغي أن يكون هو الرهان الحقيقي على المواجهة، وعلى التعاطي مع التحديات التاريخية والنفسية والسياسية والأمنية الجديدة، ومع المشكلات الـ(لاواعية) وتمظهراتها الطائفية، التي عمل النظام السابق على زرع (ثقافاتها) في البيئة العراقية بدءا من تورطه في الحرب مع إيران واغتيال الشهيد محمد باقر الصدر وشقيقته الشهيدة بنت الهدى وحملة التصفيات البشعة للقوى الوطنية اليسارية والدينية، وتواصلا مع قمعه الوحشي للانتفاضة الشعبانية، والمناورة بما سُمّي بـ(الحملة الايمانية) وانتهاءً بالسماح للجماعات الارهابية بالدخول للعراق تحت يافطة الدفاع عنه ضد الاحتلال الامريكي بدءا من عام 2002..
    إرث النظام السابق لا يعني التغافل عن تداعيات  أزمة (الإدارة) المرتبكة للعملية السياسية منذ تأسيس مجلس الحكم واستمرارا مع الحكومات الخمس التي تشكلت خلال هذه السنوات، إذ تلازمت هذه الادارة  مع مشكلات عميقة على مستوى التعاطي مع الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية والخدماتية.. فرغم التحديات الكبرى التي واجهها العراق سياسيا وأمنيا، فإن غياب الستراتيجيات الكبرى كان أكثر تمثلا لواقعٍ يستلزم وعيا بحيازة إرادة وقدرة تؤمّن صناعة أسس (الدولة القوية) والتي لايمكن تأسيسها خارج وجود الادارة الوطنية، وخارج بناء المؤسسات التنموية والتعليمية والرقابية، إذ أن هشاشة هذه المؤسسات كان مسؤولا عن غياب أي مشروع حقيقي للتنمية البشرية، ولتحسين فاعلية استثمار الثروة الوطنية والحفاظ عليها، مقابل تدهور الكثير من الخدمات التعليمية والبرامجية الصحية والبلدية والمصرفية، مقابل ذلك تضخمت مظاهر الفساد والعجز وهدر المال العام، وإتساع مديات العنف والارهاب، الذي تتحمل مسؤولياته الكتل السياسية التي انشغلت بمصالحها وامتيازاتها وصراعاتها..
    سياسات وحسابات
    ونحن نستعيد ذاكرة التغيير بعد ثلاث عشرة سنة، لانجد أمامنا سوى أطياف لحراك شعبي كان يطمح الى التحوّل الديمقراطي، والى بناء دولة جديدة تتعزز فيها قيم الحرية والديمقراطية والعدالة والحقوق، ونبذ الكراهية والعنف والاستبداد، لكن مجريات الواقع وضعت الذاكرة على (الرف) إذ كشفت الكثير من القوى السياسية عن شراهتها وطمعها، ورفضها للقبول بواقع التغيير، بل إن إنشدادها للماضي ظل رهانا على صناعة القوة المضادة، وهو ماتبدت معطياته من خلال شيوع العنف الطائفي، والتخندق مع أجندات اقليمية ودولية لها مواقف طائفية  وسياسية من العملية السياسية في العراق.. ولعل أخطر حلقات هذا العنف الطائفي برز بعد تفجير الإمامين العسكريين في سامراء العام 2006 إذ راهنت هذه القوى على المجاهرة بمشروع التكفير والعنف والرفض، وخلق البيئة السياسية والأمنية والطائفية الرخوة، والمُستعِدة للتخريب، التي تمثلت أكثر لحظاتها خطورة وتهديدا العام 2014 بعد احتلال مدن الموصل وصلاح الدين واحتلال الرمادي العام 2015..
    السؤال الأكثر إثارة في هذا المجال: ماهي التصورات والأفكار والخطط التي كان يمكن أن تعتمدها القوى المشاركة في العملية السياسية لمنع هذا التدهور؟
    هذا السؤال يرتبط بالكشف عن تراكم الأزمات في الواقع السياسي، والضعف في تبني أي برنامج حقيقي لترصين ودعم المؤسسة العسكرية والأمنية بشكل مهني، إذ كانت البيئة السياسية العراقية بيئة صراعات وخلافات وتقاطعات وتفتقد الى أي جهد فاعل ومشترك لتعزيز دور السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية في مواجهة التحديات الوطنية للدولة ولاستحقاقاتها، ولاتخاذ الاجراءات المناسبة سياسيا وأمنيا واقتصاديا لقطع الطريق  على تضخم الـ(جماعات) المعادية للعملية السياسية، والتي لها أجندات معروفة، والعمل على صياغة سياسات داخلية وخارجية تحمي المشروع الوطني من جانب، وتعيد وضع العراق الجديد في منظومة العلاقات الدولية والعربية.
    بعد ثلاث عشرة سنة ندرك أهمية وجود مراجعات حقيقية ومفتوحة لوقائع العملية السياسية، ولضرورة أن يجد الشعب والامة نفسيهما أمام معطيات جديدة، ومساحات أكثر تقبلا للمشاركة والنقد والتقويم، وهو مابدا واضحا في الحراك الشعبي، إذ تحول الى ممارسة وطنية شاملة للتحفيز على التغيير وعلى مواجهة تحديات الفساد والتدهور والفشل وإهدار الثروات الوطنية.
  • الأرجنتين وتفاؤل المستثمرين

    ماثيو وينكلر 
    خلال أربعة أشهر، منذ انتخاب عمدة بوينس آيرس السابق موريسيو ماكري رئيساً للأرجنتين، أصبحت البلاد قوة جاذبة للمستثمرين العالميين، إذ يتوقعون حدوث أكبر طفرة في النمو في أميركا اللاتينية، وتراجعاً مماثلاً في نسبة التضخم، وأفضل العائدات من الشركات الأكثر ثراء في القارة.
    وغالباً ما تضفي الأسواق هالة من التفاؤل على الحكومات الجديدة، ويتلاشى ذلك عندما لا يتم الوفاء بالوعود. والمستثمرون في الأرجنتين معتادون على خيبة الأمل هذه، وإن كانوا يقولون إن هذه المرة مختلفة. وربما يكون الأمر كذلك، حيث إن ماكري هو أول رئيس منتخب خلال مئة عام، دون أن يكون متصلًا بحزب «خوان بيرون»، أو التوجهات الجذرية التي تمنع الأرجنتين من النمو إلى اقتصاد متطور مستدام.
    والأرجنتين، التي تراجعت في السنوات الأخيرة إلى فئة الدول التي فيها أعلى مخاطرة، لديها القدرة على تخطي منافسيها في السوق.
    وهذا ما تعهد به ماكري الذي ترشح لمنصب الرئيس في أكتوبر الماضي، وهو ما يسعى للوفاء به منذ أن تولى منصبه في شهر ديسمبر: إلغاء ذلك المزيج من القيود المفروضة على العملة والأسعار والتجارة الذي فرضته الرئيسة السابقة كريستينا فيرنانديز دي كريشنر، واستبدال ذلك بتسهيل الحصول على الائتمان وتخفيض العجز من خلال خفض الدعم على الطاقة بنحو 1,5% والإنفاق الفيدرالي بنسبة 0,8% خلال هذا العام، ووقف تمويل العجز من خلال تحويلات البنك المركزي للخزانة، والتي بلغت 78 مليار بيزو (5,8 مليار دولار) العام الماضي.
    وقد ألغت الحكومة الجديدة أيضاً قيود العملة ومعظم التعريفات المفروضة على صادرات المنتجات الزراعية، حيث خفضت – على سبيل المثال – الرسوم المفروضة على صادرات الصويا بنسبة 30% تقريباً مقابل الدولار، وسمحت بالوصول غير المقيد لسوق الصرف الأجنبي لأول مرة منذ أربع سنوات.
    وبالفعل، بدأ عمل ماكري السياسي يؤتي ثماره. فقد ارتفع إجمالي العائد على ديون الأرجنتين منذ انتخابات نوفمبر إلى 7,5%، مقابل 3,5% لسلة من ديون الأسواق الصاعدة، وهي نسبة 2 إلى 1 التي سادت في السنوات العشر التي سبقت الانتخابات.
    وفي الوقت نفسه، يتحسن تصور الجدارة الائتمانية للأرجنتين. وفي هذا الإطار، انخفضت تكاليف الاقتراض في البلاد بنسبة 3% منذ الانتخابات مقابل ارتفاعها لأكثر قليلًا من 6% في 2014، لتبلغ أدنى مستوياتها على الأقل منذ أن قامت الحكومة بهيكلة ديونها في 2010. وهذا قلص الفارق بين تكلفة الاقتراض في الأرجنتين وشيلي إلى مجرد 2%، مقارنة بـ15% قبل عامين، بحسب بيانات «بلومبيرج».
    ولأول مرة في خمس سنوات، توجد ثقة كافية في التزام الحكومة بالأسواق الحرة لتقليص الفارق بين قيمة البيزو الأرجنتيني في الأسواق الدولية وقيمته الرسمية. وحتى تولي ماكري السلطة، كانت القيمة المعلنة للبيزو متضخمة بسبب القيود المفروضة على الصرف الأجنبي. وقد يجني المستثمرون الكثير من سياسات ماكري الاقتصادية في سوق الأوراق المالية، حيث إن 45 شركة تزيد قيمة رأسمالها السوقي على 100 مليون دولار، ولديها نسب أقل من الديون مقابل الأصول وهوامش ربح أكبر، وتعود بمزيد من الأرباح على مساهميها، مقارنة بمثيلاتها من الشركات في البرازيل وشيلي وكولومبيا والمكسيك وبيرو. كما يتفوق هامش العائدات، التي يتم تحويلها إلى أرباح، قبل خصم الفوائد والضرائب والاستهلاك في الأرجنتين حتى على مؤشر ستاندرد آند بورز 500 في الولايات المتحدة. ولا تزال الشركات الأرجنتينية تعتبر الأكثر حساسية لتقلبات سوق المال، قياساً على قابليتها للتغير. وفي حين أن تحديات تقلبات السعر المفاجئة لا تزال باقية، فإن المستثمرين العالميين يزدادون ثقة في أن الشركات الأرجنتينية ستحتفظ بقيمتها.
    ولعل أكبر محفز لارتفاع الثقة في أسواق الأسهم والسندات يتمثل في التوقعات بالنسبة للتضخم، الذي تقول حكومة ماكري إنه سيصل إلى ذروته هذا العام، قبل أن يتراجع في عام 2017. وقد ذكر 13 خبيراً اقتصادياً لـ«بلومبيرج» أن مؤشر أسعار المستهلك سينخفض إلى 19,7% خلال العام المقبل، مقابل 34,2% في 2016. وتتزامن التوقعات بتراجع التضخم مع توقع حدوث نمو قوي في العام المقبل. وبينما كانت الأرجنتين تتباطأ بين ستة اقتصادات رئيسية في أميركا اللاتينية خلال الفترة من 2012- 2015، فإنه من المنتظر أن يرتفع ناتجها المحلي الإجمالي بأسرع المعدلات، ليأتي بعد بيرو وكولومبيا، بحسب بيانات «بلومبيرج» أيضاً.
  • سقوط الأصنام

    عروبة النجار 
    الكثير من العراقيين انتظر لحظة تهاوي أبشع نظام قمعي حكم العراق في تاريخه، والكثير من ضحاياه استعادوا أرواحهم، لحظة تهاوي الصنم الأكبر في التاسع من نيسان العام 2003، ومن شهد اللحظة بدأ يشعر ان نهاية الطغاة حتمية وإن تأخر موعدها سنوات أخرى.لهذا يظل هذا اليوم يحمل طموحات شعب تخلص من طاغيته ويتطلع لمستقبل أكثر زهوا وازدهارا طالما إن الشعب تحرر من عقدة الخوف من الطغاة.ولم يكن أحد منا يتصور سيناريو سقوط هذا النظام الذي اعتاش على الحروب الخارجية منها والداخلية، هذه الحروب التي كان ثمنها ملايين العراقيين الذين كانوا وقودا جاهزا لنزوات الطاغية الذي لم يفكر سوى بالحروب التي كانت تشكل في فكره ركيزة من ركائز دعم نظامه القمعي .
    لهذا نجد بأن لحظة التغيير بددت كل الأسئلة التي دارت في مخيلتنا ونحن نرى ما يجري بعد كل هذه السنوات في الدول والأنظمة التي أصطف بعضها بالضد من مشروع العراق الديمقراطي وحاول جاهداً أن لا تطوله رياح التغيير، فإذا بها تهب لتقتلع من تقتلع منهم لتمنح الشعوب فرصة أن تكتب التاريخ بنفسها هذه المرة كما فعل الشعب العراقي.لهذا كان سقوط هذا النظام على يد تحالف دولي هو الحل الوحيد الذي جعلنا نتخلص منه ونبدأ مسيرة ديمقراطية حاول البعض من فلوله تعطليها لكن إرادة الشعب العراقي أكبر من أحلامهم الصفراء.ولعلنا نعيش هذه الذكرى بالتزامن مع انتصارات قواتنا المسلحة على»داعش» الإرهابية التي تمثل الوجع الآخر للتسلط والدمار، خاصة انها لا تختلف كثيرا في آليات بطشها وفكرها عن النظام الدكتاتوري القمعي الذي حكم العراق قبل 2003. وعندما ننظر لهذا اليوم سنكتشف بأن لحظة التغيير التي انتظرتها أجيال عراقية عديدة قبلنا كان موعدها مع هذا الجيل، جيل قُدر له أن يعيش وقع التغيير ويتعايش معه،جيل لم يكن أقل طموحاً من الأجيال التي سبقته ولم يكن أقل تضحية منها في سبيل أن يحقق ذاته في وطنه الذي حوله النظام الشمولي لسجن كبير مترامي الأطراف،لكن في التاسع من نيسان تهدم سور السجن وهرب السجان لنجد أنفسنا أحراراً من قبضة الدكتاتورية وحزبها وجلاوزتها الذين استكثروا علينا فرحة الخلاص من الجلاد.
    واليوم نحن مطالبون بالتخلص من آخر معرقلات بناء العراق الجديد إلا وهي التنظيمات الإرهابية التي تلقت ضربات موجعة. التخلص من الارهاب يتمثل عبر وحدة الموقف الشعبي والسياسي ودعم القوات المسلحة العراقية وهي تخوض حربا شريفة ضد هذه العصابات ومن معها من أجل تحرير العراق من شياطين الظلم والظلام الذين يحاولون إعادة العراق الى ما قبل التاريخ.
    كما وإننا بحاجة ماسة للإصلاح والتغيير الذي خرج من أجله ملايين العراقيين الذي يشكلون اليوم القوة الرئيسة الداعمة لقوى الإصلاح في هذا البلد الذي يتطلع شعبه لحياة أفضل.
  • «الجمهوريون» وقواعد أوباما للمناخ

    كاس سانشتاين 
    تعهد المترشحان الجمهوريان دونالد ترامب وتيد كروز بالتخلص من مجموعة كاملة من الإجراءات التنفيذية المتبعة في عهد إدارة أوباما. وإذا تمخض المؤتمر العام للحزب الجمهوري عن مرشح مختلف، توقعوا وعوداً مشابهة أيضاً. بيد أن هناك سبباً وجيهاً للشك في مصداقية ذلك إذا فاز واحد منهما. والسبب الرئيسي بسيط ألا وهو القانون. ولنأخذ على سبيل المثال قضية التغير المناخي. ففي الأسبوع الماضي، قال ترامب وكروز إنهما يريدان عكس النتائج التي خلصت إليها وكالة حماية البيئة عام 2009، التي تنص على أن غازات الاحتباس الحراري تهدد الصحة العامة والرفاه. وتعد القواعد المستندة إلى هذه المعطيات شرطاً مسبقاً قانونياً للعديد من لوائح إدارة أوباما التي تهدف إلى الحد من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والتي يقول الجمهوريون إنها تضر بالاقتصاد. وفي مقابل هذه النتائج، يقترح كروز وترامب تقليص المتطلبات التنظيمية العديدة التي فرضتها إدارة أوباما على مدار السبع سنوات الماضية. بيد أن هذا أصعب بكثير مما قد يظنان.
    وتتضمن لوائح التغير المناخي معايير غازات الاحتباس الحراري بالنسبة للسيارات والشاحنات، ومعايير كفاءة الطاقة للعشرات من الأجهزة مثل الثلاجات وغسالات ومجففات الملابس والمحركات الصغيرة، وقيوداً على الانبعاثات من محطات الطاقة الجديدة والقائمة. ولا يمكن لرئيس جديد أن يوقع على ورقة يلغي بها كل هذا دفعة واحدة، وبجرّة قلم.وما يستطيع عمله هو فقط توجيه رؤساء الوكالات على المستوى الوزاري لبدء عملية لإلغاء كل هذا بشكل تدريجي وفي زمن مديد. وينص القانون على معايير هذه العملية: بموجب قانون الإجراءات الإدارية لعام 1946، ينبغي أن تبدأ الوكالات بتقديم اقتراح رسمي للجمهور. وعادة ما يستغرق إخراج هذا الاقتراح ثلاثة أشهر على الأقل، وأحياناً عاماً كاملاً أو أكثر. ثم يتطلب القانون فترة ممتدة لتلقي تعليقات الجمهور، تمتد عادة لشهرين أو فترة أطول من ذلك. وبعد تلقي هذه التعليقات، تحتاج الوكالات لفترة لإنهاء مقترحاتها (ثلاثة أشهر على الأقل).وإذا كانت السلطة التنفيذية تعمل بسرعة كبيرة، ربما تكون قادرة على القيام بعملية إلغاء لائحة واحدة خلال عام تقريباً. وإذا كانت الإدارة الجديدة تعمل بأسلوب أكثر انتظاماً، وتريد فعلياً التخلص من مجموعة من اللوائح، فإن فترة عامين – نصف الفترة الرئاسية- ستكون موعداً سريعاً جداً. ولكن هذه الصورة تقلل بشكل كبير من حجم المشكلة. فكثير من الشركات قامت بتعديل سلوكها وفقاً لنتائج التعرض للخطر ولوائح التغير المناخي الأخيرة. وتقوم شركات السيارات بإنتاج سيارات أكثر كفاءة في استهلاك الوقود. وقد انتقلت بعض شركات الطاقة المهمة من استخدام الفحم إلى استخدام الغاز الطبيعي.
    وفي كثير من الأحيان يريد القطاع الخاص القضاء على المتطلبات التنظيمية، ولكن معظم الشركات أيضاً تفضل التأكد والقدرة على التنبؤ نتائج أية خطوات قد تتخذها. وعندما تضخ الشركات استثمارات اقتصادية كبيرة في استجابة مباشرة لهذه المتطلبات، فإن بعضها لن يرحب بحدوث تغيير كبير في المسار. وهذا يهم بالنسبة لأية إدارة جديدة، لأنه ليس من السهل تماماً أن تشرح للجمهور أسباب إصرارها على إلغاء اللوائح التي يريد المستهلكون وحماة البيئة وقطاعات المهمة من القطاع المنظم أن تظل قائمة. وهناك أيضاً المحاكم الفيدرالية، التي ستلغي أية إجراءات ترى أنها تتعارض مع القانون. وربما يكون من المستحيل بالنسبة للإدارة الأميركية الجديدة عكس تدابير مواجهة التغير المناخي، لأن العلم يدعم ذلك بوضوح. وإذا كانت وكالة حماية البيئة تلغي لوائح الاحتباس الحراري بالنسبة للسيارات الجديدة، فإنه لن يسمح لها بإنكار كون التغير المناخي الذي يحدث بفعل البشر يمثل مشكلة خطيرة. ولن يسمح كذلك لوكالة حماية البيئة بإنكار كون غازات الدفيئة هي «ملوثات» بالمعنى المقصود في قانون الهواء النظيف. وبالتالي، فإذا كان رئيس جمهوري يريد إلغاء لوائح الاقتصاد في استهلاك الوقود وكفاءة الطاقة، فإن هذا سيمثل تحدياً كبيراً للجميع (وكذلك تضييعاً للوقت)، ولن يكون في مقدوره الإتيان بتبرير كافٍ من الناحية القانونية، والنجاح في هذا المسعى ليس أكيداً في نهاية المطاف.