د.ذِكْرُ الرحمن
قبل ثلاثة أشهر، شهدت ولاية كشمير الهندية انتخابات أسفرت عن نتائج لم تمنح أي حزب الأغلبية، انتخابات خرج منها الحزب «الديمقراطي الشعبي» كأكبر حزب بـ28 مقعداً في برلمان الولاية في حين تمكن حزب «بهاراتيا جاناتا» من الفوز بـ25 مقعداً. وكانت الانتخابات قد عرفت استقطاباً حاداً في الولاية حيث صوّت سكان وادي كشمير ذي الأغلبية المسلمة للحزب «الديمقراطي الشعبي»، في حين صوّت الناخبون في منطقة «جامو» ذات الأغلبية الهندوسية لحزب «بهارتيا جاناتا».
الحزبان الفائزان لديهما أيديولوجيتان مختلفتان وأهداف مختلفة والقليل من الأشياء المشتركة. ومع ذلك، قررا بعد شهرين من المفاوضات تشكيل تحالف هذا الشهر من أجل إدارة الجانب الهندي من كشمير. غير أن الحزبين، اللذين يعتبران شريكين غريبين، سرعان ما بدآ يصطدمان بالمشاكل بعيد أسابيع قليلة على تشكيل الحكومة في هذه الولاية الحساسة. ولئن لم يكن ثمة شك في أن التحالف، الذي يصفه البعض بغير الطبيعي، سيواجه المشاكل، فإن السؤال هو حول كيف يمكن للحزبين أن يتجاوزا خلافاتهما الكثيرة.
والواقع أنه منذ تشكيل الحكومة بعد شهرين من المفاوضات، لم يكن الحزبان يقومان بشيء غير إطفاء الحرائق. الحرائق التي اندلعت عندما قام زعيم الحزب «الديمقراطي الشعبي» مفتي محمد سعيد، بعيد تنصيبه في منصب كبير الوزراء، بتقديم الشكر لباكستان ناسباً إليها الفضل في توفير بيئة سلمية وهادئة لإجراء الانتخابات التي كانت خالية من الحوادث. والحال أنه بالنسبة لحزب «بهاراتيا جاناتا» القومي الهندوسي، الذي كثيراً ما كان يتحدث عن ضرورة انتهاج سياسة خارجية هجومية وتبني موقف صارم تجاه باكستان المجاورة، كانت تصريحات سعيد محرجة للغاية.
ومعلوم أن كشمير كانت في صلب النزاع بين الهند وباكستان على مدى عقود، حيث تدعي الهند سيادتها على كل كشمير باعتبارها جزءاً منها، وهو ما تطعن فيه باكستان. وقد سبق للبلدين أن خاضا حربين بسبب هذا النزاع، ولكنهما مازالا بعيدين عن إيجاد حل لهذه المشكلة، حيث تشهد الحدود بين الهند وباكستان إطلاقا للنار بين الجانبين وتتبادل الهند وباكستان الاتهامات بخرق اتفاقات وقف إطلاق النار. والواقع أنه حتى العملية الانتخابية كانت تعاني عراقيل كثيرة في الولاية. ذلك أنه منذ سنوات ونسبة المشاركة في الانتخابات منخفضة نتيجة تلبية سكان كشمير دعوات الانفصاليين إلى مقاطعة الانتخابات، التي يصفونها بأنها عملية انتخابية باطلة. ولكن الأمور بدأت تتغير الآن حيث يرغب سكان كشمير في عودة الحياة الطبيعية إلى الوادي مع تحول الخطاب إلى خلق الوظائف وتحسين البنى التحتية. غير أنه مازال من غير الواضح ما إن كانت الحكومة الجديدة في الولاية ستكون قادرة على توفير حكامة جيدة وتحقيق تطلعات سكان كشمير.
ولكن تصريحات مفتي محمد سعيد حول باكستان لم تمثل حادثا معزولاً. ففي الجدل الثاني والأكبر ربما، قام كبير الوزراء الجديد بالإفراج عن زعيم حزب «الرابطة المسلمة» في كشمير «مسرت غالم»، ما فجّر جدلاً سياسياً آخر، وفاجأ حزب «بهارتيا جاناتا». ذلك أن «غالم» متهم بالمشاركة في احتجاجات تم خلالها رمي الحجارة في كشمير في 2010، وهو زعيم انفصالي معروف توجه له اتهامات كثيرة مثل الانشقاق والتحريض على الاحتجاجات والتورط في أعمال شغب. وقد أدى الإفراج عنه إلى اضطرابات كبيرة داخل حزب «بهارتيا جاناتا»، الذي لم يكن يعلم بهذه الخطوة.
هذا الإفراج تسبب في تصدع بين الحزبين حيث ذهب حزب «بهارتيا جاناتا» إلى حد تحذير الحزب «الديمقراطي الشعبي» إلى أنه قد ينسحب من الائتلاف إذا لم يتم التشاور معه بشأن قرارات تخرج عن نطاق الأجندة الرئيسية التي تم الاتفاق عليها بين الحزبين. وعلاة على ذلك، فإن تداعيات الموضوع لم يسلم منها رئيس الوزراء «ناريندرا مودي» نفسه الذي اضطر للدفاع عن حزبه في البرلمان بعد أن انتقدت أحزاب المعارضة حكومة الولاية بسبب إفراجها عن الزعيم الانفصالي من السجن.
الحزبان كانا قد تفاوضا حول برنامج الحد الأدنى المشترك قبل التوصل لاتفاق حول تشكيل حكومة ائتلافية في كشمير. ولكن من الواضح أن ثمة اختلافاً في تأويل هذا البرنامج المشترك. ومن الواضح أيضاً أن هذا الأمر لن يكون نهاية الخلافات، ذلك أن «مفتي سعيد» ذهب خطوة أبعد من خلال إعلانه عن أن حكومته ستواصل الإفراج عن الزعماء الانفصاليين من السجن في مسعى لبدء مرحلة جديدة من مفاوضات السلام.