روبرت نيمان
أظهر استطلاع للرأي أجرته شبكة “سي إن إن” مؤخراً، أن أربعة من كل خمسة من الناخبين الديمقراطيين يعارضون خطاب رئيس الوزراء “الإسرائيلي” المطوّل، المقرر أن يلقيه أمام الكونغرس، ويعارض فيه الدبلوماسية . وفي صباح يوم الخميس 19-،2 أقدم ثلاثة وعشرون من أعضاء مجلس النواب الديمقراطيين، على خطوة حيال ذلك، فقد بعثوا برسالة تدعو رئيس مجلس النواب، جون بوينر إلى تأجيل خطاب نتنياهو المقرر أن يلقيه في 3 مارس/آذار إلى ما بعد الانتخابات “الإسرائيلية” التي تجري في 17 مارس/آذار، وإلى ما بعد قيام الكونغرس بالنظر في مطالبات الجمهوريين بنسف الدبلوماسية المتعددة الأطراف مع إيران، عن طريق تمرير عقوبات جديدة (خبراء الاستخبارات في الحكومة “الإسرائيلية” يعترفون بأن تمرير عقوبات جديدة الآن سوف ينسف الدبلوماسية)، ووضع الولايات المتحدة على مسار حرب أخرى في الشرق الأوسط .
ويورد الكاتب أسماء أعضاء مجلس النواب الديمقراطيين الثلاثة والعشرين، ثم يشير إلى ما ذكرته صحيفة “ذي هيل”، من أن أربعة عشر آخرين من أعضاء الكونغرس الذين يشكلون لجنة حزبية ديمقراطية، قالوا إنهم لن يحضروا الخطاب إذا مضى وفق ما هو مخطط .
ليس هذا بالشيء القليل، لأن اقتراحات اتخاذ إجراء معتدل قد لا توافق عليه الحكومة “الإسرائيلية” اليمينية، اعتادت أن تخلف على الديمقراطيين في الكونغرس، الأثر ذاته الذي تخلفه اقتراحات اتخاذ إجراء معتدل قد لا توافق عليه الرابطة الوطنية للبنادق .
فلو طُلب من الديمقراطيين في الكونغرس أن يفعلوا أكثر الأشياء معقولية، وأشدّها اعتدالاً، لتساءل الواحد منهم: هل سأدخل في ورطة مع “اللوبي “الإسرائيلي” اليميني من وراء فعل ذلك الشيء؟ وهل سيطالِب المتعصبون اليمينيون في منطقتي الانتخابية علناً بمعاقبتي؟ وهل سيُغدِق المانحون اليمينيون ذوو الجيوب العميقة أموالاً لا حصر لها، على غريمي في الانتخابات المقبلة؟ وفي مثل هذا السياق، فإن هؤلاء الأعضاء الديمقراطيين السبعة والثلاثين في الكونغرس، الذي يرغبون حتى الآن في النأي بأنفسهم علناً عن حملة نتنياهو الداعية إلى الحرب، يستحقون “شارة الشجاعة الحمراء” .
وبطبيعة الحال، تميل الشجاعة البرلمانية في الكونغرس إلى أن تكون أكبر بكثير عندما يكون الجمهور متنبهاً ويعرف ما يدور . ذكرت شبكة “سي إن إن”، أنّ 63% من الأمريكيين يعارضون خطاب نتنياهو المزمع ضدّ الدبلوماسية، بما في ذلك 81% من الديمقراطيين و61% من المستقلين .
ومما يساعد أيضاً، أن نتنياهو ورفاقه يتسمون بالفجاجة التامة فيما يخص دوافعهم . فقد قال نائب وزير الخارجية “الإسرائيلي” تزاخي هنغبي، في معرض الدفاع عن خطاب نتنياهو المزمع: “إن الجمهوريين يعرفون، كما أوضح الرئيس من قبل، أنه سوف يستخدم الفيتو ضدّ هذا التشريع- (أي تشريع فرض عقوبات جديدة على إيران)- ولذلك، يَلزم لتمرير تشريع يتغلب على الفيتو، الحصولُ على تأييد الثلثين في مجلس الشيوخ . وعليه، فإن رئيس الوزراء إذا استطاع إقناع واحد آخر أو اثنين، أو ثلاثة آخرين أو أربعة، فسوف يكون لذلك وزن” .
ولنتجاوز لوهلة مسألة اللياقة في قيام رئيس الوزراء “الإسرائيلي” علناً بتأليب الكونغرس على الرئيس بهذه الطريقة . ما هو هدف نتنياهو، وفق نائب وزير خارجيته؟ ليس الضغط على الجمهوريين في مجلس الشيوخ . فالجمهوريون في مجلس الشيوخ قاطبة، باستثناء راند بول وجيف فليك، لا يعصون لنتنياهو أمراً . ولكي يحصل نتنياهو على أغلبية الثلثين في مجلس الشيوخ، ينبغي عليه الضغط على الديمقراطيين . والشيوخ الديمقراطيون الذين يأمل نتنياهو في إقناعهم هم العشرة المؤيدون لبوب ميننديز (رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، الذي يعتزم طرح مشروع قانون يطالب بتشديد العقوبات على إيران، ولكنه أجّل تقديمه إلى حين . .) . فقد كان هؤلاء الشيوخ الديمقراطيون العشرة (يذكر الكاتب أسماءهم) قد أذاعوا علناً احتمال سعيهم إلى تقويض سياسة الرئيس أوباما .
ومع 52 عضواً جمهورياً وهؤلاء الديمقراطيين العشرة، سيكون نتنياهو قريباً جدّاً من الحصول على أغلبية مجلس الشيوخ المقاوِمة للفيتو الرئاسي، والمؤيدة للحرب . ومن دون أن يكون هؤلاء الديمقراطيون العشرة في صفّ نتنياهو، لن يكون في حوزته شيء يهدد الرئيسَ أوباما به . وهكذا فإن من أهداف خطاب نتنياهو، إضافة إلى خدمة حملة إعادة انتخابه، ممارسة الضغط على هؤلاء الديمقراطيين العشرة في مجلس الشيوخ لضعضعة موقف الرئيس الديمقراطي .
ولا يتعلق الأمر بطبيعة الحال، بقيام نتنياهو بإعطاء هؤلاء الأعضاء في الكونغرس معلومات ليست لديهم . فكل عضو في الكونغرس متاحٌ له الوصول إلى المعلومات الاستخبارية عن برنامج إيران النووي، ويستطيع نتنياهو أن يتقاسم معهم ما شاء من المعلومات في أي وقت يشاء . بل يتعلق الأمر بمحاولة نتنياهو استخدام الاستعراض الإعلامي لخطبته العصماء يوم 3 مارس/آذار في الكونغرس ضدّ الدبلوماسية، لحشد الناخبين اليمينيين في مناطق هؤلاء الشيوخ لكي يضغطوا على شيوخهم الديمقراطيين لمعارضة الرئيس الديمقراطي . ووفق شبكة “سي إن إن”، فإنّ الناخبين اليمينيين الذين يأمل نتنياهو في تعبئتهم لا يمثلون أكثر من 14% من الديمقراطيين، ونصف الجمهوريين فقط . ولكن نتنياهو يأمل في أن يُنجز جيشه من المؤيدين، بالكثافة، ما يفتقرون إلى إنجازه بالأعداد .
من هنا تنبع الأهمية الحاسمة لموقف ال 81% من الديمقراطيين المعارضين لخطاب نتنياهو المزمع ضدّ الدبلوماسية . ويجب عليهم ألاّ يكتفوا بالتعبير عن رأيهم في استطلاعات الرأي وحسب، بل أن يبلغوا ذلك الرأي لممثليهم في الكونغرس مباشرة.