ليونيد بيرشيدسكي
لأني أميل إلى الموقف الألماني في ما يخص مسألة الديون اليونانية، فإني كثيراً ما أسمع أن الدائنين ينبغي أن يحمَّلوا مسؤولية دفع المتخلفين عن تسديد ديونهم مثل اليونان إلى حافة الإفلاس. وهذا صحيح إلى حد ما، لكن ليس عندما يكون المدين حكومة. ذلك أن الدول تملك «سلطة المصادرة» التي تسمح لها بأن تفعل لدائنيها ما كان ملوك القرون الوسطى يفعلونه لليهود. وبالتالي، فمن الخطأ الزعم بأن بلداً مثل اليونان هو أكثر هشاشة مما هو عليه في الحقيقة.
عالم الاقتصاد الحائز على جائزة نوبل، جوزيف ستيجليتز، وصف فكرة خطأ المقرضين على نحو بليغ في مقال نشر مؤخراً، إذ قال: «إن الديون تمثل عقوداً، أي اتفاقيات طوعية، وعليه، فإن الدائنين مسؤولون عنها تماماً مثل المدينين. بل يمكن القول إن الدائنين مسؤولون أكثر لأنهم عادة ما يكونون مؤسسات مالية متطورة، في حين أن المقترضين هم في كثير من الأحيان أقل تعوداً على تقلبات السوق والأخطار المرتبطة بترتيبات تعاقدية مختلفة.. لقد أدركت كل البلدان (المتقدمة) أنه من أجل إنجاح الرأسمالية لابد من منح الأفراد بداية جديدة. فسجن المقترضين في القرن التاسع عشر كان يمثل فشلا، وأمراً غير إنساني ولا يساعد على إعادة تسديد الديون. أما ما يساعد، فهو توفير حوافز أحسن لإقراض جيد عبر جعل الدائنين مسؤولين أكثر عن عواقب قراراتهم».
وهذا أمر منطقي تماماً كقولنا إن مروجاً للمخدرات أكثر مسؤولية من المدمن الذي يشتري منه. بيد أن الفرق الوحيد هنا هو أن الحكومات ليست مقترضاً بسيطاً أو جاهلا، فهي تدرك أنه إذا ما ساءت الأمور، فإنه ستعمد بكل بساطة إلى رفض تسديد الدين. وإن هي فعلت، فليس ثمة سجن ينتظرها. كما أنه ليس ثمة أي آلية إفلاس: إذ لا يمكن بيع ممتلكات بلد من أجل تسديد ما عليه من ديون. وفي المحصلة النهائية، فإن المصرفيين الذين يشترون سندات بلد ما يصبحون مرهونين بإرادة البلد تماماً على غرار اليهود الأوروبيين الذين كانوا مرهونين بإرادة الملك قبل نحو ألف عام.
فبعد أن قدموا إلى الجزر البريطانية مع النورمان الغزاة، سرعان ما أصبح اليهود يهيمنون على سوق القروض في إنجلترا. ذلك أن المسيحيين لم يكونوا يستطيعون فرض فوائد على القروض بشكل صريح بدون انتهاك تعاليم الكنيسة. أما اليهودية، فقد حرّمت الربا، ولكن ليس لغير اليهود. وهكذا، وفي ما بدا ترتيب مناسب للجميع، أصبح اليهود، الذين كانوا محرومين من معظم الحرف الأخرى، مصرفيي البلاد. وكانوا يفرضون 21 إلى 43 في المئة سنوياً. وابتداءً من سنة 1190، أصبح لدى إنجلترا سجل قروض رسمي يسجل كل صفقة.
سبب نجاح هذا النظام هو أن اليهود كانوا يوفرون سُبع إجمالي عائدات المملكة على شكل ضرائب. ولهذا، حرصت الحكومة على ضمان تسديد الديون بصرامة، لأنها إذا لم تفعل، فإن اليهود لم يكونوا سيستطيعون دفع ضرائبهم.
ولاحقا، ظهر المصرفيون الإيطاليون كمنافسين في القرن الثالث عشر حيث قدموا شروطاً أفضل للإنجليز. وفجأة أصبح من المربح أكثر بالنسبة للملوك الإنجليز أن يصادروا الرأسمال اليهودي من أن يستمروا في جباية الضرائب على استعماله، وهو ما بدأه هنري الثالث وخلفه إدوارد الأول، قبل أن يقوم الملك إدوارد عام 1290 بطرد اليهود، الذين أضحوا فقراء، من إنجلترا.
والواقع أن الدول الحديثة تستطيع أيضاً أن تقرر فجأة أن أرباح مصادرة جزئية لأموال مقرضيها تفوق الأخطار. ولا يهم أن بلدانا أخرى ترزح تحت ثقل أعباء خدمة الديون أو تتحمل مستوى معيشة متدن لأن الحكومة تستطيع رفع ورقة «التفويض الديمقراطي»، مثلما تفعل الحكومة اليونانية حالياً، وسيكون ذلك نهائياً بالنسبة لمقرضيها على غرار رغبة الملوك الإنجليز خلال القرن الثالث عشر.
والواقع أنه لطالما دعا ستيجلتز إلى آلية كونية لحالات إفلاس الدول تجعل من أخطار عدم تسديد الديون واضحة للمقرضين والمقترضين معاً. وفي غياب مثل هذا الإطار، يمكن القول إن ألمانيا أحسنت صنعاً من خلال حرصها على ألا تنجذب حكومات أخرى إلى السير على خطى اليونان، فقط لأنها تريد إنفاق أكثر مما تسمح به ديونها.