يقال أن اسم المقهى مشتق من كلمة (قهوة)، وهي المشروب المعروف.. ولكن الغريب ان 99% من مقاهينا العراقية، والى وقت قريب لا تقدم القهوة، وإنما تكتفي بالشاي، عادة وأحيانا (الحامض)، ولهذا اعتقدت ان أجدادنا كانوا أكثر صوابا ودقة منا، حين كانوا يطلقون على المقهى اسم (جاي خانه ـ أو ـ جايخانة)، وخانة مفردة عثمانية تعني المكان، وبذلك يراد بالاسم (المكان الذي يقدم الشاي)، وإذا تجرأ احد واتهمني بأنني عميل من عملاء الاحتلال العثماني وأروج للغته، فسوف اتهمه بالعمالة لقوات متعددة الجنسية المحتلة التي روجت للطائفية والمحاصصة والأكثرية والأقلية والمناطق المتنازع عليها !!.
بعيدا عن وباء السياسة، فان المقاهي ظاهرة أممية، وهي على انواع عدة، وتؤدي شتى الأغراض، والعراق لا يخرج عن هذه الظاهرة، وفي حدود ما تسترجعه ذاكرتي وتحتفظ به، فان المقاهي البغدادية قد أدت ادوارا تحمل سمات وتضاريس مرحلتها الزمنية، واستجابت للظروف المحيطة بها، ففي أربعينات القرن الماضي وحتى خمسيناته مثلا، كان للمقهى دور سياسي عام، ودور ترفيهي لتزجية الوقت والتسلية، وممارسة بعض الألعاب المعروفة، ولكنها في الوقت نفسه ادت مهمات أخرى لم تعد قائمة اليوم، منها انها المكان الذي يجتمع عنده أصدقاء العريس ليلة دخلته، ومنها أنها المكان المفضل الذي يقصده ومرشحوا البرلمان عند اقتراب موعد الحملة الانتخابية للترويج لأنفسهم، يوم كان النائب قادرا على الجلوس في مقهى الطرف، والسكن في بيت من بيوت المحلة، ومع التطورات الحضارية التي شهدها العراق، ظهرت (المقهى الثقافية)، وربما كان العقد الستيني هو عقد ازدهار هذا النوع من المقاهي كالبرلمان، والزهاوي وحسن عجمي والبرازيلية وام كلثوم والبلدية وعارف أغا وغيرها.. حيث أخذت على عاتقها رسم المشهد الثقافي وصراعاته وطموحاته وتطلعاته، وكانت مقاهي (أبو نواس) المسائية تستكمل المشهد النهاري، وعلى العموم فان تلك المجاميع الشبابية، متنوعة الثقافات والاتجاهات لم تكشف بصياغة الثقافة العراقية، بل كنت عنصرا فاعلا في رسم المشهد السياسي، الى الحد الذي قيل يومها، ان الثقافة تقود السياسة وتوجهها وليس العكس !!.
منذ مطلع السبعينات صعودا تراجع دور المقاهي بعد أن تحولت إلى عيون أمنية ترصد الهمسة، وحركة الداخل والخارج، والصامت والمتحدث، وتكتب تقارير يومية بالغة الدقة والتفاصيل، وأيا كان القول فان مقاهي بغداد والعراق كلها عاشت عصرها الذهبي بعد سقوط النظام حيث راحت تستقبل أعدادا متزايدة، من خريجي المعاهد والكليات الذين لم يجدوا ابوابا تستقبل شهاداتهم العلمية سوى أبواب المقاهي، مثلما راحت تستقبل آلاف الموظفين الذي لا يصلون إلى دوائرهم إلا في يوم الراتب، وناهيك عن آلاف أخرى من الموظفين والعسكريين الذين يحملون دراجة هوائي او رتبة فضائي!!.