حين انتقل والدي إلى رحمة الله تعالى ، كنت اكبر أولاده الثلاثة وبناته الأربع وقد توليت مسؤولية البيت في وقت مبكر من حياتي ، والحق لم أعان صعوبة تذكر ، لان أبي ترك للأسرة بيتا كبيرا جنبها متاعب الإيجار ، ولأن أمي سيدة مشهود لها بالصلاح والتقوى وطيبة القلب وتنحدر من ( عائلة ) ثرية ورثت عنها بستانا في منطقة اليوسفية ودارا سكنية في بغداد ( حي دراغ ) .
كنت يومها موظفا حديث التعيين وما احصل عليه من راتب شهري ومخصصات إيفاد بحكم وظيفتي التي تستوجب التنقل الدائم بين المحافظات ، وما يدره علينا بيت أمي المؤجر زيادة على وارد البستان ، قد جعل أسرتنا تعيش في بحبوحة تحسد عليها ، ولم أكن أتصرف بدينار واحد من مدخولات العائلة ، بما في ذلك راتبي ومخصصاتي ، أضع المبلغ كاملا في يدها ، وأعينها على تنظيم ميزانية الأسرة وأتولى في الوقت نفسه أعباء المنزل الخارجية بالكامل فانا من يهيئ اللحوم والخضراوات والفاكهة والحلوى ومتطلبات المطبخ الكثيرة ، وأنا من اصحب أشقائي وشقيقاتي لشراء حاجياتهم من الملابس والأحذية ، وأنا من يتابع أوضاعهم الدراسية ، ومن يأخذ على عاتقة شراء الصغيرة والكبيرة لكي يتفرغ الأشقاء لجامعاتهم ومدارسهم ، حتى في العطلة الصيفية لا أكلف أحدا منهم ، وكانت أمي تشفق على متاعبي ، غير أنني كنت سعيدا بذلك الشعور الأبوي !!
في عام 1981 وقد بلغت الحرب العراقية الإيرانية حدا خطيرا من النشاط العسكري ومواكب الشهداء .. والبحث عن مزيد من المقاتلين ، كان شقيقاي التوأم قد انهيا دراستهما الجامعية ، واتخذا قرارا لا رجعة عنه في الهرب إلى خارج العراق لان الجبهة في انتظارهما ، وسيخوضان حربا لا جدوى منها ولم يكن لي رأي مؤثر في قرارهما طالما اقتنعت والدتي بوجهة نظرهما ، وهي التي ثكلت باثنين من أولاد عمها قبل أشهر قلائل ، وهكذا باعت على عجل بستانها في اليوسفية وبيتها في حي دراغ بنصف سعرهما الحقيقي ، ولم تمض سوى بضعة أسابيع حتى بلغتنا أخبارهما فقد دفعا مبالغ طائلة وعبرا الحدود واستقر المطاف بهما في مكان آمن خارج العراق !!
انقلب خارطة المنزل الاقتصادية ، فقد كان على راتبي ( وحده ) مواجهة مصاريف العائلة ، وسنوات الحصار المرة ، وإنها لأعوام قحط وبطاقة تموينية وطحين مخلوط بالرمل و … وفي تموز عام 2003 عاد شقيقاي بعد غياب ( 22 ) سنة ، كان احدهما قد أطلق لحيته ، وتزوج من امرأة محجبة فيما كان الثاني يتأنق على الطريقة الأوروبية وتزوج من امرأة سافرة ، وكانت فرحتنا ـ وخاصة أمي ـ عظيمة ، غير إن الذي أحزنها هو أن ولديها رفضا السكن معنا برغم سعة المنزل وغرفه الكثيرة !
الأمر الذي لم يتحسب له احد هو المطالبة بإرثهما من بيت أبي الذي نسكنه لم تصدق أمي ما سمعته وواجهتهما بحقيقة البستان والبيت ، ولكنهما ركبا رأسيهما ، وهكذا اضطررنا إلى بيع الدار والانتقال إلى مسكن صغير ، وأربكت الحادثة صحة أمي ، ونقلناها غير مرة إلى المستشفى ، ولهذا وقفت إلى الصلاة ذات مرة بعد أن بلغ الحزن مبلغه ، ورفعت يديها إلى السماء والدموع تغمر وجنتيها وقالت ( اللهم إني بريئة منهما ، اللهم فوضت أمري إليك ) ، ومن لحظتها لم يهنأ شقيقاي بيوم راحة ، من مصيبة هنا إلى أزمة هناك ، كان آخرها مشكلة عويصة بينهما ، جعلتهما اقرب إلى العدوين منهما إلى الشقيقين ، وفي كل ذلك أنا أتمنى لهما السعادة وراحة البال من غير جدوى ، لان دعاء أمي طرق أبواب السماء ، وهل يرد دعاء الأم إذا غضبت ؟!
تنويه : في موروث الحضارة العراقية القديمة ، وعلم النفس والأدب الحديث ، ترمز الأم إلى الأرض ، والأرض هوية الوطن الأولى ، لذا اقتضى التنويه !!