Blog

  • النتيجة تتبع اقل المقدمات ” العملية السياسية مثالا “

    كلما أراد العراق أن يحلق يجد في أجنحته أثقالا تعيقه وتمنعه من الطيران ؟

    واليكم المحطات التي اخفق العراق من التحليق والطيران فيها إلى حيث بناء الدولة ورفاه المجتمع وهي :-

    1-  محطة ما سمي بنقل السيادة الى العراق في 30|6|2004 وفي أجواء تلك المرحلة الملغومة بحيل ومكر الاحتلال , وبشراهة من قدموا مع الاحتلال او عملوا معه , ثم عرفوا لاحقا بأحزاب السلطة , انقل للقراء والمتابعين الكرام هذه الواقعة الموثقة ميدانيا : وزعت منظمة ” RTI ” دعوات لعقد مؤتمر بعنوان : ” دور الأحزاب في بناء العراق الجديد ” وذلك في شهر تشرين الأول من عام 2004 وحمل لي بعض الشباب دعوة خاصة بي من تلك المنظمة المشبوهة التي كتبت عنها كثيرا والتي تعتبر من اخطر منظمات الاحتلال الأمريكي تدخلا في الوضع الداخلي العراقي ولاسيما في الحكومات المحلية , وأتحدى أي حزب من أحزاب السلطة أن يقول انه قام بدور وطني لفضح ومنع ما تقوم به تلك المنظمة؟ وعندما استلمت الدعوة وقرأتها : قلت للشباب : هذه دعوة مشبوهة ؟ وهذه المنظمة لا يحق لها بعد 30|6|2004 أن تتدخل بالشأن العراقي , وهذا المؤتمر يجب أن لا ينعقد ؟ فرأيت الارتباك واضحا على الشباب , إلا إن بعضهم قالوا لي : نحن يا دكتور لا نقدر على ذلك ؟ وأنت من يستطيع منعها ؟ فقلت لهم : أنا عندي غدا محاضرة الساعة العاشرة في مدينة طويريج , وما دام مؤتمر المنظمة الساعة التاسعة فسأحضر هناك لمنع مؤتمر المنظمة المشبوهة ومن ثم اذهب إلى موعد محاضرتي , وعندما ذهبت إلى مؤتمر المنظمة وهو في قاعة نسائية في مدينة الحلة أخذها الأمريكيون وقالوا بعد شهرين نسلمها لكم ولكنهم حنثوا بوعدهم كعادتهم التي لم يحاسبهم او يعترض عليهم احد , وهذا من المقدمات السيئة التي أشرت إليها في عنوان هذا الحديث , وعندما وصلت الساعة التاسعة صباحا وجدت مجموعة من العراقيين نساء ورجالا من العاملين في تلك المنظمة المشبوهة من اجل الراتب وهم مشغولون بنصب أجهزة التسجيل والتصوير وعندما سلمت عليهم رحبوا بي , وقلت لهم : أنا عندي محاضرة الساعة العاشرة وجئتكم لألقي عليكم بعض التوجيهات بالنسبة لمؤتمركم فافتتحوا الجلسة حتى يتسنى لنا الذهاب إلى محاضرتنا الأخرى في طويريج , وكانت القاعة قد امتلأت بالمدعوين من مختلف الأحزاب , وفعلا أسرعوا بالافتتاح وقدموني باسم المفكر الإسلامي , فأخذت الميكرفون وقلت مخاطبا الجمهور : انتم ممثلو الأحزاب العراقية هنا ونحن اليوم في أجواء ديمقراطية , والسيادة أرجعت للعراق في 30|6|2004 وهذه المنظمة الأجنبية مشبوهة ولا يحق لها أن تعقد مؤتمرا للأحزاب العراقية عن العراق الجديد , وعليه اطلب منكم التصويت على رفض انعقاد هذا المؤتمر ؟ فرفع الجميع أيديهم موافقين على طلبي ؟ فما كان من منظمي المؤتمر إلا أن طلبوا مني باستعطاف ورجاء أن اتركهم يكملوا مؤتمرهم , فقلت لهم : هذا الجمهور الحاضر وافق على إلغاء المؤتمر وإذا كنتم في منظمة ديمقراطية , فهذه هي الديمقراطية , فعليكم الامتثال لرأي الجمهور , ثم طلبوا مني ولو يستمروا لمدة نصف ساعة ؟ فقلت لهم لا يمكن ذلك بعد استفتاء الجمهور على إلغاء المؤتمر , ثم قلت لهم : إن منظمتكم تقول إنها لا تتدخل في السياسة في نظامها الداخلي ولكنها تقول في باب آخر إنها تعمل من اجل الديمقراطية ؟ فكيف يتفق هذا مع ذاك ؟

    ثم قلت لهم : ارفعوا أجهزتكم انتهى المؤتمر وخرج الجميع ثم خرج موظفو المنظمة , وأغلقنا باب القاعة , وذهبت للمحاضرة الأخرى في مدينة طويريج , وهذه الحادثة ذات الموقف الوطني المميز يتذكرها كل من حضرها من الأحزاب العراقية الذين شاركوا في السلطة لاحقا , مثلما تتذكرها بعض النسوة ومنهن من أصبحن عضوا في مفوضية الانتخابات , ومنهن من عملن لاحقا في منظمات المجتمع المدني وفشلن فشلا ذريعا في كلا الحقلين لعدم وجود بوصلة العمل الوطني , وفشل بعض النسوة كان رديفا لفشل أحزاب السلطة التي ارتبطن بها لإغراءات المناصب وامتيازاتها ولعدم وجود الخبرة لدى من التحقن او التحقوا بأحزاب السلطة , وظهروا في المسرح السياسي وهم لا يمتلكون مفاهيم العمل السياسي ولا يعرفون أدوات اللعبة السياسية وهذه من المقدمات غير الصالحة التي أنتجت وليدا سياسيا هزيلا يتعب المرضعة , ولا يسر القابلة , ويكون عبئا ثقيلا على العائلة العراقية , وهذا ما حصل لنا في العراق وما نتذمر منه اليوم , ومن يلتحق بنا ممن دخل السلطة وذاق مرارتها وعرف أخطاءها فاستنكرها فهو مرحب به.

    2-  مرحلة انتهاء الاحتلال في 31|12|2011 هذه المرحلة كان المفروض اغتنامها من قبل الجميع لاسيما أحزاب السلطة بالعمل كفريق واحد من اجل العراق , ونبذ الخلافات والتوجه نحو عملية البناء من خلال الانفتاح على أصحاب الخبرات والكفاءات لتطعيم أجهزة الدولة بالحيوية والجدية بعد أن استسلمت لحالة من الترهل والكسل وشبه توقف للإنتاجية ولكن ذلك لم يحصل وبقيت الحواشي تتصدر المشهد الحكومي في موقف لا يحسد عليه أي وطني محب لوطنه ومخلص لشعبه ؟

    3-  انعقاد مؤتمر الجامعة العربية في بغداد : كانت هذه من المحطات والمناسبات ذات الخصوصية الاستثنائية للوضع العراقي المحاط بالشك والريبة من قبل بعض دول الجوار وكان المفروض بالجميع، أحزاب وعشائر ومنظمات وحواضن دينية , وإعلام , ولاسيما أحزاب السلطة أن يبدأوا مرحلة جديدة من العمل المصحوب بالألفة والمودة والتضحية من اجل الوطن الذي أصبح مهيئا لاستعادة دوره المحوري في المنطقة , وهذا امتياز يفوق كل الامتيازات الحزبية وكتلها السياسية , ولكن أحدا لم ينتبه لتلك الفرصة الوطنية وظل الجميع مشغولين بالحصص والمواقع , حتى شاع خطأ مفهوم ” الشراكة والمشاركة ” فسقطوا جميعا في ثرثرة الجدل المخيب للآمال الوطنية التي تنتظر بفارغ الصبر تعقل أهل السلطة والحكم حتى يعودوا إلى الحاضنة الوطنية التي لا تسمح بتأخر الكهرباء على نحو ما جرى, مثلما لا تسمح أي حاضنة وطنية ببقاء هذا الكم الهائل من تردي الخدمات وانتشار الفساد , الذي أعاق وصول حنان ورحمة الدولة إلى : الأيتام , والأرامل , والمرضى , والمعاقين , والعاطلين عن العمل , والبطالة , والمتقاعدين , وذوي الدخل المحدود , وكل عراقي صاحب حاجة يسمع بالبترول ولا ينعكس عليه شيء من إنتاجه المتصاعد ؟

    هل عرفتم بؤس المقدمات ورداءة النتائج ؟ غيروها تتغير حالكم , دعوة لطاقم الحكم والمالكي معني بها تعيينا .

  • كشف طبي للعملية السياسية

    حتى العـيــادات الخـــارجية والمستوصفات الصحية الموجودة في قلب الحدث باتت عاجزة عن التكهن بمآلات الوضع السريري للعملية السياسية الراقدة في مستشفيات الأمراض العرقية والحزبية والإقليمية, وظهر جليا إنها لم تكن محصنة من العين والحسد, ولم تكن ملقحة بجرعات التطعيم ضد الوباء الطائفي المستشري في بدنها المتهالك داخل ردهة العناية الفائقة, وهذا ما أكد عليه الكشف الطبي المرفق مع أوراقها التحليلية, وفيما يلي ابرز نتائج الفحوصات المختبرية :-

    • صعوبة تشخيص التغيرات المستقبلية الطارئة على حالتها, وتعذر التنبؤ بالقراءات المرتقبة في ضوء الظروف القلقة التي حددتها شاشات الأشعة السينية. 

    • التراشق الكلامي خارج ردهات البرلمان, وتقاطع التصريحات عن إقالة الرئيس, والتحالفات المعلنة والمبطنة بخصوص توحيد المواقف لتنحيته واستبعاده. .

    • إصرار أصحاب الشأن على مواصلة الحوار مع بعضهم البعض, وإطلاق التهديدات داخل خيمة العملية السياسية الممزقة, من دون التفكير بإدخالها إلى أروقة البرلمان الدستوري لاكتساب الشفاء العاجل على يد حكماء القبائل المتناحرة. 

    • تعرض كهنة العملية السياسية إلى الإصابة بقصر النظر, وفقدانهم القدرة على الرؤية البعيدة, وبخاصة في الأمور المتعلقة بتحديد شكل الحكومة, التي ستحتضن العملية برمتها بعد إقصاء رئيس الوزراء من منصبه, إذ لم يظهر علينا حتى الآن حكيم واحد يستطيع وصف صورة الحكومة البديلة وشكلها النهائي بعد اكتمال إجراءات الجراحة الترقيعية العاجلة.

    فهل ستكون الحكومة بملامح هلامية (توافقية) ؟, أم بملامح جينية (مشتركة) ؟, أم بملامح سريالية مرسومة بفرشاة (الأغلبية) ؟, فإذا كانت (توافقية) الملامح والخصال, فهل يمكن تركيب صورتها الكارتونية من دون مشاركة دولة القانون ؟, وكيف ستكون ملامحها الهجينة المشتركة إذا رفضت دولة القانون (المشاركة) في تحسين صورتها ؟, اما الاحتمال الثالث فيعني الإذعان لرغبات (الأغلبية), وبالتالي سيكون لدولة القانون حرية التصرف باستعمال الفرشاة واختيار الألوان والجدران, التي ستطبع فوقها الصورة المرتقبة بالزي الجديد, وهذا يعني عودة الإخوة الأعداء إلى الحجامة بكؤوس النار, والتداوي بالعقاقير البدائية, التي رفضها عرب الشيخ متعب, بعد أن تسببت باستفحال الأمراض, وأدت إلى انتكاس الوضع الصحي للمريضة, ويعني أيضا إن الأبواب ستكون مفتوحة على مصاريعها لدولة القانون لترشيح مرشحها نفسه, عندئذ سيكون نوري المالكي هو الرئيس المرتقب لحكومة (الأغلبية), وستكون المسارات متاحة أمامه للعودة إلى تبوأ مركز رئيس الوزراء لحكومة (المشاركة) بالملامح التي حددتها (الأغلبية), لذا فان الاحتمال الكارثي المتوقع يعكس البعد المأساوي للأزمة المستعصية, وينذر بخضوع المريضة لجلسات الشعوذة بالسحر الأسود, واللجوء لتعاويذ الرقية السياسية بمشورة العفاريت القابعة في دهاليز دول الجوار, ونخشى أن يكون (بتر الأطراف), وفصلها عن جسد العراق هو الخيار الغامض, الذي تخفيه القوى الراغبة بإجراء العملية القيصرية الخاطفة لانتزاع الجنين غير الشرعي من أحشاء المريضة, والهروب به إلى قمم الجبال قبل الموعد المقرر لانطلاق تسونامي الطوفان, والله يستر من الجايات.

  • (ظاهرة) عراقية في (الترجمة) اسمها…….!!

    يذكر التاريخ (تاريخ بغداد الزاهرة) أن الخليفة المأمون كان يعطي مترجمه (اسحق إبن حنين) وزن ما يترجم ذهبا..تصوّروا ّ!!

    ليس ابن حنين وحده؛ وإنما كل من كان ينقل للعربية كتابا يشكّل إضافة لوعي الأمة ولثقافتها ..

    ومن المفارقات أن بعض الأمم التي تُرجمتْ أعمالها إلى العربية؛حين فُقدَ الأصل من خزائن مكتباتها؛ ترجمته من العربية إلى لغتها الأم؛ كما حدث ذلك مع رائعة ابن المقفع(كليلة ودمنة)!!

    ولذلك تعالت المعارف والأفكار؛ وازدهرت الآداب والفنون في زمن بني العباس..حدّ أن أذهل هارون الرشيد شارلمان ملك الإفرنج؛ حين أهدى إليه ساعة (أوقفت) عقل من شاهدها؛ في حين كان الزمن (يمشّي) على 24حباية !!

    يقول الجاحظ عن الترجمة (ولا بدَّ للتَّرجُمانَ من أن يكون بيانهُ في نفس الترجمة، في وزْن علمه في نفسِ المعرفة، وينبغي أن يكون أعلمَ الناس باللغة المنقولة والمنقولِ إليها، حتَّى يكون فيهمِا سواءً وغاية)

    ..اعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها

    أي جهد إذن يحتاجه المترجم؛ وكيف ينبغي أن ننظر إلى إبداعه؛ وسط حقول الألغام التي يتحرك فيها بين معنى..ومعنى مرادف؛ وبين نقل (حرفي) و (حرية) في الاستنباط والتصرّف.؟

    في حياتنا الثقافية- التي شهدت طفرة نوعية في صناعة الكتاب وترجمته منذ فترة السبعينيات والى اليوم- كنّا نبحث– كقراء- عن أسماء معينة حين نمسك كتابا مترجما؛ فقد تكوّنت لدينا قناعة بلغة هؤلاء المترجمين؛ وبما يضيفون إلى النص المترجم من روحهم ومن ثقافتهم..وكل ذلك بلغة منسابة لا يوقفها تقعّر..أو تثلمها جعجعة فارغة .

    هكذا كنا نبحث عن شكسبير-جبرا إبراهيم جبرا؛ وعن ماركيز- صالح علماني؛ وعن فولكلور- رشدي صالح؛ وعن..سامي الجندي- لوحده سامي الجندي .

    (وما يفرحني الان أن الأدباء السبعينيين الذين هاجروا إلى أوربا عادوا إلينا بمنقولات من أجمل التراجم؛ ومنهم: كاظم جهاد؛ وشاكر لعيبي..على سبيل المثال)

    في داخل العراق- اليوم- ثمّة (ظاهرة ترجمية) اسمها (محمد درويش)

    ..فهذا الفتى الستيني؛ نشر حتى الآن؛ وأرجوكم دقّوا على الخشب: أربعين كتابا مترجما..تقارب بعض صفحات عناوين هذه الكتب.. أل 700 صفحة؟!!

    وما زال في جعبته الكثير؛ وبما تراهن كبرى المكتبات العربية على رفع سقف مبيعاتها بسببه؛ فقد استطاع أن يصنع له (بصمته الخاصة) في عالم الترجمة المتلاطم؛ وتمكّن من ترويض هذه (الحرفة الميكانيكية) لدى تجار النشر وهواته.

    فحوّل (حرفتها) إلى إبداع؛ و(ميكانيكيتها) إلى ممارسة يومية أشبه ما تكون بـ (يوغا كتابات)..يوغا تعينه على نقل أفكار؛ وثقافة؛ وأسلوب من يترجم له؛حتى لتشك-أحيانا- بان هذا النص مُترجم؛ وذلك لما فيه من مذاق ونكهة عربية خالصة؛ على الرغم من عوالمه الأجنبية؛ وهذا متأت من تبحّر في اللغتين؛ ومن معرفة دقيقة بالتراكيب..والقواعد..والأسرار؛ التي تصل في بعض المواقف إلى اللهجة الدارجة !!

    محمد درويش..أيها الفتى الناشط ؛ لا عليك من جيلنا؛ فستحفظ لك الأجيال القادمة انك كنت مِن بين مَن ساهموا في تقريب الثقافات بين البشر؛ ومِن بين مَن جعلوا التواصل الإنساني ممكنا .

    .. مبارك لك صدور كتابك ذي الرقم أل 40 ؛ يا من افخر باني من أصدقائه .

  • الحزب السياسي بين البقاء والضمور

    الحزب حاضنة ولائية تنمو بسرعة وتموت بسرعة , كل الأحزاب البشرية تشيخ ثم تموت ؟ أصحاب المبادئ يقبلون بهذا الراي , لان المبادئ أيا كانت وخصوصا تلك التي تأخذ بوصلتها من السماء , تنظر إلى المصداق , وتتطلع إلى التكامل مع السنن الكونية , ولذلك هي تتجاوز الأسماء من خلال أطروحة ” العصمة ” التي تأتي بعد الاصطفاء وهو خيار رباني تتحقق فيه المصلحة البشرية التي تتقبل الاعلمية من خلال التجربة والملاحظة حتى يصبح اقترابها من مفهوم العصمة ممكنا على مدى الشوط الدنيوي رغم التأخر والتراجع هنا وهناك , ولكن لحظة الحسم المودعة في شروط العهد الرباني ” وإذ اخذ ربك من بني ادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم الست بربكم , قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ” 

    لحظة الحسم المنتظرة تطال الجميع ” يا أيها الناس إن زلزلة الساعة شيئ عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ” .

    من هنا فان أصحاب المبادئ لا يتوقفون عند الحالات الآيلة إلى الزوال بالرغم من أخذهم حالاتها بالحسبان من باب التجربة ” في التجارب علم مستأنف ” كما يقول الإمام علي عليه السلام .

    وبما أن الحزب كعمل سياسي تنظيمي آيل إلى الزوال حسب السنن الكونية في الاجتماع الإنساني طال الزمن أو قصر , وبما أن بعض الأحزاب قد تتعرض إلى عوامل تعجيل في ذبولها واضمحلالها , ولتلك الحالة أسباب يطول شرحها .

    فليس من العقل والمنطق الإصرار على بقاء الحزب الذي استنفد مقومات بقائه في المنظومة الاجتماعية , لان الحالة هذه إن تحققت تصبح عبادة لعنوان ميت ومهجور , وهي بالتالي تشبه عبادة الأوثان مع الفارق بين الحالتين , لان حالة الولاء هذه تتحول من المبادئ إلى المظاهر الفارغة من المعنى والمحتوى , وهذه هي الحالة الحزبية التي تدعو إلى النزاع والصراع بدون مسوغ أخلاقي او شرعي , والمقتول فيها ينتمي إلى ما قتل عليه ؟

    لان الإصرار على التمسك بالحالة الحزبية الفاقدة للمضمون المشخص عقلائيا أو من خلال بوصلة السماء هو إصرار من اجل كل من :-

    1-  الجاه

    2-  المنصب

    3-  المنافع الشخصية

    وهذه العناوين لا رصيد لها على المستويين :-

    1-  الشرعي

    2-  الأخلاقي

    وإذا كانت المبادئ قد وجدت قبل الحزب , وهي ستبقى بعده حتما فان الرجوع إلى المبادئ هو ظاهرة حضارية تعارفت عليها الأمم والشعوب برغم نسبة التفاوت في ما بينها .

    وفي الساحة العراقية أحزاب فقدت حيويتها واستنفدت تجربتها ولم يعد لديها مزيد من الجمهور , كما لم يعد لديها قدرة على تسويق شعاراتها , وهي بهذا المعنى أصبحت مصابة بالصنمية التي هجرها المجتمع الإنساني منذ آماد سحيقة وكرس أنبياء الله تسفيهها ولم يبق لها إلا بعض الشوائب في نفوس البعض تعزى إلى المرض النفسي .

    ويتساوى في حالة ذبول وأفول الأحزاب كل من :-

    1-  بعض الأحزاب الدينية

    2-  بعض الأحزاب الليبرالية

    3-  بعض الأحزاب اليسارية

    4-  بعض الأحزاب القومية

    وتحتاج مرحلة الخروج من قوقعة الأحزاب التي فقدت قدرتها على البقاء والاستمرار إلى خصال قيادية في بعض الأشخاص مثل :-

    1-  أن يعرف عنه الصدق والأمانة

    2-  أن يعرف عنه القدرة الفكرية والثراء المعرفي

    3-  أن يعرف عنه تجرده من العمل لمصالحه الخاصة

    4-  أن يعرف عنه الشجاعة في المواقف

    5-  أن يعرف عنه السخاء في العطاء

    6-  أن يكون قادرا على كسب تجمع بعض الثقاة من حوله

    7-  أن يكون الظرف السياسي والاجتماعي مناسبا

    والأشخاص الذين تتوفر لهم مثل هذه المواصفات يستطيعون الخروج من الآفاق الضيقة إلى رحاب المناخات المتجددة بالحيوية والعطاء .

    وهؤلاء يستطيعون تغيير الأسماء والعناوين بل وحتى المضامين مع سلامة المبادئ ووضوحها .

    والتجديد السياسي أصبح مطلوبا في الساحة العراقية ولكن بضوابط ومواثيق تلبي حاجة الناس , والتجديد السياسي لا يكون ذا مصداقية ما لم يكن مصحوبا بالتجديد الحزبي , فهل ذلك ممكن ؟

    سنة الحياة تقول نعم

    وسنة الاجتماع تقول نعم

     وسنة الكون منفتحة على الأحسن , والأصح , والأكمل , والاتم : ولا تنسوا قوله تعالى :” الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ”

    تلك هي الأطروحة المتحركة التي ترفض الجمود الحزبي ؟

  • مبدعون لا نستحقهم

     والغضب يرغم أحيانا للقناعة بان من حق الانكليز أن يدعوا ملكيتهم للنفط العربي ,طالما هم من اكتشفوه .. وإننا بلا غضب كررنا القول بان المبدع الذي لا يراه مجتمعه وشعبه وأمته لا تستحقه .. فالعباقرة ينتسبون أولا لمن يراهم ويعرفهم وينزلهم منازلهم … وقد درجنا على اليقين , في مجال الإبداع , وكعدوى من السياسة, على أن من لا يروج لنفسه ويثابر على عرضها وإقحامها بعيون وانتباه الناس يموت مهملا ومنسيا ويتلاشى هو وإبداعه حال غيابه عن العيون … ربما يعود هذا إلى أن حياة العراقي أشبه بالمعركة يتعين على المرء أن ينتبه بشدة إلى من يهدده والى من يحميه وينقذه .. أما من لم يكن من الاثنين فالنظر إليه والانتباه لوجوده قد يصرفه عن رؤية الأخطار والتهديدات وكل ما يطيح به …

    طوبى للمتواضعين ؟؟ في بعض مجتمعاتنا لا طوبى للمتواضعين ومن لا يكدون ويلهثون للتظاهر والانتفاخ والتحليق وإرغام العيون على رؤيتها .. وإلا .. لينتظر العباقرة من يكتشفهم بعد حين ومن ينقب عنهم ويزيل التراب عن عبقرياتهم … ويغدق عليهم الأمجاد التي لا تتسرب من تراب القبر لتروي عظامهم النخرة …

    بالمصادفة …عرفنا أحفاد الفنان الكبير سلمان شكر وصدموننا عندما بدأوا من النهاية ,وقالوا انه مات من سنوات وان من شيعوه لا يتجاوزون عدد أصابع اليد .. وان هذا الموسيقار الذي ضجت وانفعلت لموسيقاه قاعات العالم  .. وسحر قلوب الملايين يموت مريضا وجائعا ووحيدا .. ولولا منظمة البيت الكردي وبالتعاون مع مؤسسة شفق للثقافة والإعلام للكرد الفيليين وعقدها الندوة الاستذكارية للفنان لما ذكره احد .. فأي مصير حي ومجسد للفنان والمبدع العراقي في عراقه ؟؟؟.

    ومصير الموسيقار شكر ليس صدفة ولا استثناء .. فقافلة المبدعين في مصيرهم البائس متواصلة .. وأخبار موتهم في المهاجر والمنافي على الفضائيات .. فبين السياسيين من انصرف بكليته وبكامل مشاعره لخدمة المواطن في متطلباته اليومية ولتعويضه عن معاناته الماضية , حيث سرقوا من مفردات بطاقته التموينية الوسكي واللحوم والدولارات التي قررتها أمريكا في وقتها .. هذا الطراز من السياسيين مشغول بالانتقام ممن سرقوا من بطاقته التموينية ولم يلتفت للمبدعين في المناحي المختلفة وماتوا ويموتون بالنسيان .. فالوقت لا يسمح بترف الموسيقى قبل إكمال مفردات البطاقة وتصريف الأحقاد والانتقام من الحرمان بتكديس الثروات وإقامة الفلل في العواصم الكبرى التي تناسبها الموسيقى ….

  • فجوة معرفية

    تقول حكاية شعبية أشبه بالنكته ظل يتداولها العراقيون في مجالسهم الخاصة وبعيدا عن الاعين الذئبية للبعثيين ايام نظام صدام التعيسة ، لااعادها الله علينا وعليكم ، تقول  ان كلبين عراقي وتركي التقيا عند حدود بلديهما ، سأل كلبنا العراقي  شبيهه التركي لماذا تريد دخول العراق ، اجاب التركي : اريد ان اشبع . ولكن لماذا تريد انت دخول تركيا ؟ . اجابه العراقي : أريد ان انبح …

    جميعنا عشنا زمن المحنة المكثفة التي بدأت تطحننا منذ عام 1979 حين انقلب الطاغية المقبور على رفاق الامس واستولى على صولجان الحكم بمسرحية هزيلة هتف فيها انه سوف يكون سيفا بين السيوف وليس السيف الوحيد ، وفي ذات العام قام بكسر حزمة مهمة من السيوف حين اقدم على اعدام ثلة من رفاقه القدامى بدعوى التآمر على الحزب والثورة ، وراحت بذور الرعب تنمو وتكبركل يوم بل كل ساعة ، وصار العراقي محض شبح من الخوف ، تتزارق عيونه في كل اتجاه رعبا من جواسيس السلطة وكلابها المسعورة ، حتى صارت عبارة (للحيطان أذان) لازمة تردف كل حديث ، بما في ذلك حديث الزوج وزوجته والابن وابيه .. وتحت وطأة ذلك كله ، اجتهدت مؤسسة الطغيان في ( فلترة ) كل ما له صلة بانتشار المعلومات عبرالرقابة المشددة على المقروء والمسموع والمرئي والحجب الكامل لمعظم مصادر الخبر او المعلومة ، ليس المختلفة مع سياسة النظام فقط ، بل حتى المحايدة او التي تصنف في خانة التخصصات العلمية او الادبية البعيدة عن المساس بنهج النظام وممارساته ، ما يعكس مدى تطير وهلع تلك المؤسسة وغبائها المحكم . ومع مضي الزمن وتراكم فعل التجهيل المتعمد ، تعمقت الفجوة في وعي جيل كامل من العراقيين وتكرست القطيعة المعرفية بنحو شديد ، ليس بين ماضي العراقيين وحاضرهم فقط ، وانما مع أشواط معرفية وحضارية كبيرة قطعتها بلدان العالم وغاب عنها العراق بفعل رقدته الطويلة في مستنقع التجهيل المقصود . بعد انعطافة (9/4/2003) أندحر بعبع الطغيان لينطلق المارد الذي كان مكبلا من قمقمه فيجد نفسه أمام تحد مصيري، اول موجباته تحقيق الكينونة المغيبة وتوكيد ذات لم تزل تنزف من شدة الطعن والأيلام ، وليس من سبيل الى تحقيق ذلك سوى أعادة الوصل المنقطع مع روح العالم ووعيه ، وليس من سبيل الى ذلك أيضا ألآ فتح اكبر ما يمكن من قنوات الاتصال ، سواء عبر الشبكة الالكترونية او غيرها من قنوات مرئية ومسموعة ومقروءة أومبادلات تعليمية وثقافية وسياحية وما شاكلها من وسائل اتصالات أخرى . وعلى الرغم من مرور ما يزيد على الاثني عشر عاما منذ ان انفتحت ابواب المغاليق المعرفية المختلفة على مصاريعها ، وعلى الرغم من حدوث بعض الاختلالات هنا او هناك ، فاننا اليوم بالكاد ردمنا نسبة تكاد لاتذكر من حجم الفجوة التي وقعنا ضحيتها ، وجوعنا المعرفي لم يزل ماضيا وشديدا ، ذلك ان فعل الهدم طوال زمن الاستبداد لايقارن بصعوبة البناء وغضاضة عمره . واليوم نسمع مايدهشنا من دعوات هنا وهناك لوضع تعليمات اوقانون ربما يقوم بحجب  بعض المواقع الالكترونية تحت تبريرات واهية لاتنظر لأبعد من انوف مطلقيها ، متناسين ان أعظم البلاء وأشد الضرر هو مالحق بنا بسبب ثقافة (الفلترة) والحجب ، وان كل ما منع وحجب عن الناس ازداد تعلقهم به حد التطرف والمغالاة ، ثم إن كنا نريد أتقاء شر المعرفة (الهدامة) فالنجتهد بتكريس وتنمية أسس المعرفة البناءة ، والبقاء للاصلح .

  • ليل البنفسج

    يذكر لنا ماضينا القريب أن كوكب الشرق (أم كلثوم) كانت قد اتصلت بالزعيم الراحل (جمال عبدالناصر) بعد سنوات من قيام ثورة (يوليو/1952) لتشكيه من أن الإذاعة المصرية لم تعد تبث أغانيها، فبادر الرئيس -رغم مشاغله ومهماته الجسيمة- إلى الاتصال مباشرة بمدير عام هيئة الاذاعة والتلفزيون-اعتقد انه كان(فكري أباظة)على ما الظن- ونقله له شكوى سيدة الغناء العربي، وما كان من السيد المدير إلا أن أجاب بأنها تركة من تركات النظام السابق، نظام الملك فاروق!، فرد عليه (عبدالناصر) -رحمه الله- بسؤال آخر، (معاك رافعات كبيرة وعملاقة؟) استغرب الرجل من سؤال السيد الرئيس بعد أن أجاب بكلمة (نعم) فحسم (عبدالناصر) الأمر- تماما- بأن طلب منه أن يقوم برفع أهرامات الجيزة ورميها في النيل، لأنها -أيضاً- من تركات النظام الملكي، خجل المدير من كلام الرئيس،ليندلع -بعد إتمام تلك المكالمة الهاتفية– صوت (أم كلثوم) عميقا، صادحا، مغردا، حاضرا، حتى يومنا هذا. 

       طيلة طريق عودتي- قبل أيام- من أربيل إلى بغداد كان سائق سيارة الأجرة التي أقلتني يتهدج طربا بسماع قرص (سي.دي) يتناوب بالغناء فيه صوت عملاقين هما الملحن الكبير (طالب القره غولي) والمطرب الأثير (ياس خضر)، فيما ينفرد صوت (ياس خضر) غناء معبرا للحن (القره غولي) في سفر رائعته (ليل البنفسج) وهي تقطر أنينا وحنينا وعتابا حانيا كان قد توالد من عبقرية صانع تلك المفردات والصور المذهلة الشاعر الفذ (مظفر النواب)، رحلتان كانت في طريق تلك الرحلة من أربيل الى بغداد،رحت أستعيد أمجاد وخوالد ما قدم(أبو شوقي)- طالب القرغولي- من مآثر الحان عصية على أي تجاوز أو نسيان، عميقة- راسخة في ضمائر وعينا ونسيج وجدان ذائقتنا السمعية، منذ أن خطا بموهبته -منتصف ستينيات القرن الماضي- ليمضي بأغنية (ياخوخ يا زردالي) نحو رسم وترسيم معابر حضوره وثقة تواصله قادما من سحر وعمق الناصرية مدينة ثوالث الاداء الشجي المرهف (حضيري أبو عزيز/ وناصر حكيم/ وداخل حسن) ليمنح الأغنية العراقية فضاءات أوسع وبهاءً (المع) وليمد بدفقها وحنينها الى مصاف علوم الموسيقى ومعارفها بعيدا عن الارتجال و الاستجابة الآنية وليحقق لها الانفتاح ووصيت الشهرة الأوسع عبر تلحين القصيدة الفحصى والأغنية الشعبية الرائقة والأعمال المسرحية وغيرها من المثابات الكبيرة التي أطرت تجربة هذا الجنوبي الجميل بروحه وصدقه وسلامة قلبه وانتمائه الوطني، فهل يصح أن يركن أو أن تركل إنجازات (طالب القره غولي) هكذا بحجج انضوائه تحت خيمة مرحلة النظام السابق، و(يكافأ) بهذا الإهمال والعقاب النفسي، هناك بعيدا عن محبيه، عن شواطئ ذكرياته ونسائم احلامه، عن (حاسبينك) عن (ليل البنفسج)، عن (روحي لا تكلها شبيج،، مكطوعة مثل خيط السمج روحي) عن (جذاب) أو(اعزاز) عن (سفر أيوب) السياب أم (صبر أيوب) عبدالرزاق عبدالواحد، قصائد وأغاني تبدأ ولا تنتهي في سجل مبدعنا (القره غو لي)وهو يعاني المرض والغربة معا.

    من يرفع عنه الهم والغم ووحشة روحه هناك، فهل يحتاج الأمر-هنا- إلى (عبدالناصر) جديد؟!

  • مظفر النواب

    مع مستهل العقد الستيني من القرن الماضي، وأنا طالب إعدادية، بدأت أتلمس طريقي الأولى نحو عالم القراءة والأدب والثقافة وكنت قد سئمت من القصائد الكلاسيكية، وأشبعت نهمي من عذوبة الارتخاء بين موسيقى جبران خليل جبران ورومانسيات (أبو شبكة) ودغدغات عبد القدوس العاطفية، ووجدت نفسي أمام هوى جديد يقوده طه حسين والحكيم ونجيب محفوظ وشتاينيك وهمنغواي ومصطفى جواد وطه باقر والتراث، ومن بين هذا الحشد الذي ابهرني، كنت امتعض من (حوارات محفوظ) المكتوبة بالعامية، لأن (الفصحى) بالنسبة لي يومها كائن مقدس أملته طبيعة المرحلة وطبيعة قراءاتي، ولهذا لم أكن امقت الشعر الشعبي فقط، وإنما أحاربه بيدي ولساني وقلبي، واتهم من يتعاطاه ويتعاطى العامية بالخيانة العظمى! ومضت بضع سنوات اتسعت معها دائرة معارفي، حيث اطل السياب والعيسى وعبد الصبور وماركس وسارتر وفرويد، من بين من اطلوا، وفوجئت ذات يوم في غفلة مني ومن الزمن، أقف ضد قناعاتي القديمة وان الفتوى التي أصدرتها بحق العامية، والقاضية بهدر دمها، قد ذبلت وتراجعت وتغيرت، إلى الحد الذي أعلنت فيه ندمي وتوبتي، لان شاعرا يدعى مظفر النواب، استطاع بما أتاه الله من موهبة نادرة وقوة شعرية، ان يهز عرش الفصحى، ويقتحم بلاط الشعراء ويجالس أمراءه من المتنبي الى الجواهري، وزوادة سفره مفردات عامية صاغها شعرا شعبيا، ارتقى به إلى مصاف الكبار، صورة وعذوبة وخيالا وأسلوبا وبلاغة ومضمونا، و….وفقدت توازني وأصابني هوس اسمه (النواب)!

    هو الذي جعلني أتابع سيرته الذاتية، وما يروى من حكايات بطولية عن الهور وسجن الحلة، فازداد تعلقا، وأحفظ عن ظهر قلب، واحتفظ في أرشيفي بكل بيت شعري وشاردة من قصائده، حتى أصبحت راوية من رواته، ومصدر ثقة يعتد به، لا اوثق منه ولا أحفظ!!

    جنون لازمني غير قليل من السنوات، قبل أن ابرأ منه، حتى لم يبق من الشعر الشعبي في ذاكرتي سوى الحب القديم، إلا أن ذلك الجنون ما كان يمر بسلام او من دون عقاب، وكان عليّ أن ادفع الضريبة راضيا صابرا صاغرا جزّاءً وفاقا على تنكري للعروبة و(العربية)!! وها هي الأحداث تعود بي أو أعود بها إلى نهايات العقد الستيني طالبا في الجامعة المستنصرية ـ قسم اللغة العربية، وكان النواب، أمير القصيدة الشعبية بلا منازع ما زال يستعبدني حتى ذلك التاريخ، وكان الدرس درس (نقد أدبي) والمحاضر هو الدكتور (محسن غياض) ـ رحمه الله حيا او ميتا، الغاضب من شيء ولا شيء 25 ساعة في اليوم ، وكان الرجل من أكثر أساتذتنا الأفاضل تعصبا للضاد، ومن أشدهم خصومه للعامية، وأنا اعرف ذلك، ولكن النواب أنساني هذه الحقيقة، ففي محاضرة غياض بالذات كنت أحاول حفظ قصيدة (جنح غنيدة) التي نشرتها مجلة «ألف باء» ذلك اليوم على صفحتين ملونتين، وحين فطن الدكتور إلى جريمتي التي لا تغتفر لعن النواب والمجلة باللغة العربية الفصحى، وطردني من المحاضرة، باللهجة العامية!! 

  • تباً لمن اعتدى على النجيب

    لم أتمالك نفسي وأنا أشاهد شيخ المذيعين العراقيين (نهاد نجيب) يبكي وينتحب ويتظلم بحرقة, ويتحدث بانكسار شديد أمام عدسات التلفاز بعد الاعتداء الهمجي, الذي تعرض له قبل بضعة أيام على يد مفرزة منفلتة من مفارز شرطة كركوك في طريق عودته من المصرف الذي تسلم منه راتبه التقاعدي. .

    http://www.youtube.com/watch?v=IIurCbZxe3s

    لقد طال هذا الاعتداء واحدا من ابرز القامات الإعلامية, التي كان لها حضور راسخ في ذاكرتنا الوطنية, وهو اعتداء شنيع يعبر عن الوحشية, التي لجأت إليها القوى الفوضوية المستهترة في تعاملها المزاجي مع الناس, وتعبر أيضا عن الإفلاس الأخلاقي لتلك العناصر الغبية, التي لا تفرق بين الصغير والكبير, ولا تعي الفرق بين (الاحترام) و(الإجرام), فاعترضوه وقطعوا عليه الطريق بعد عودته من المصرف الواقع في منطقة طريق بغداد وسط كركوك, وتعمدوا الإساءة إليه والاستخفاف به. . 

    انقض عليه أفراد شرطة الطوارئ, واعتدوا عليه بالضرب, واسمعوه  كلامهم البذيء, وعباراتهم الجارحة, وتطاير الشر من عيونهم حين عرَّفهم بنفسه معتقدا إنهم لا يعرفونه, قال لهم: انه الصحفي والمذيع والمواطن النجيب, وابرز لهم بطاقته التعريفية, فزادت نقمتهم, وانهالوا عليه مرة أخرى بالضرب المبرح بذريعة انه ركن سيارته في مكان محظور, ثم كبلوه بالأصفاد الفولاذية من الخلف, وسحبوه في الشارع, بقصد اهانته, والانتقاص من قدره. .

    تصوروا مجموعة من الشرطة الشباب بكامل عدتهم وعتادهم, وهم يقتادون هذا الشيخ الكبير والإعلامي الجليل, ويسيئون التصرف بهذه الأساليب الفظة, يتراقصون حوله, يتهكمون عليه وسط المدينة, يسمعونه أقذع الألفاظ والعبارات أمام زوجته, وعلى مرأى ومسمع من المواطنين, الذين لا حول لهم ولا قوة, لا لشيء إلا لأنه (نهاد نجيب). . 

    لم تكن جريمة الاعتداء على هذا الرجل حدثا منقطعا عما قبله, وإنما جاءت امتدادا لما سبقها من اعتداءات استهدفت النيل من العلماء والأدباء والصحفيين والفنانين, لكنها جاءت هذه المرة بهراوات العناصر التي يفترض بها أن تصون القانون, وتحمي الحريات العامة, ولا أدري كيف يحصل الاعتداء من مفارز تنتمي إلى مؤسسة أمنية شعارها (الشرطة في خدمة الشعب) ؟؟, وكيف تتحول دوريات الشرطة إلى أداة من أدوات الاضطهاد والتعسف والاستفزاز ؟؟. . 

    لقد تكررت هذه الاعتداءات, وبلغت بهذه الحادثة حدا مخجلا, تجاوزت فيه حدود الأدب والأخلاق, ولم نسمع حتى الآن أي اعتذار رسمي من مدير شرطة كركوك, لاسيما إن حادثة الاعتداء لم تكن بالحادثة العابرة, ولم تكن من إفرازات المواقف الطارئة أو القضاء والقدر, لقد حدثت في مركز المدينة مع سبق الإصرار والترصد, ولن تتغير ردود أفعالنا بسماعنا عبارات الاعتذار الجوفاء, ولا بقراءة بيانات الشجب والاستنكار, فقد سبق السيف العذل, (والفأس وقع بالرأس), ولن يثنينا هذا الاعتداء الغاشم عن قول الحقيقة, ولن يزيدنا إلا تمسكا وصلابة بمواقفنا الوطنية الرافضة للفوضى والرافضة للجور والظلم. .  

    http://www.youtube.com/watch?v=e892mJewBaU&feature=endscreen&NR=1

    ختاما نقول: تباً لمن اعتدى على شيخ المذيعين العراقيين نهاد نجيب, وتبا لمن لا يحترم رموزنا الإعلامية والأدبية والعلمية, وتبا لمن فقد مروءته ولجأ إلى الأساليب الوحشية التعسفية الهمجية, ولن نتنازل أبداً عن إنسانيتنا مهما اشتدت بشاعة الاعتداءات, وسوف نتمسك بالحكمة المرورية التي تقول: إذا قدت سيارتك وآذاك معتوه فلا تنزعج, وطبق القاعدة المكتوبة على المرآة الجانبية: 

    ((الأجسام التي تراها في المرآة هي أصغر مما تبدو عليه في الواقع))

  • والله خبلتونا ؟!!

    المدقق اللغوي الموجود في اللابتوب ؛ وضع خطا احمر تحت مفردة (خبلتونه) وقد عذرته؛ ومنحته حريته في البحث عن مفردة بديلة فلم يجدها؛ وسط شماتتي به؛ فهذه المفردة عراقية بامتياز وربما هي المفردة الوحيدة التي يمكنها أن تلخص معاناة الإنسان العراقي مع سياسييه الشهماء هذه الأيام (الشهماء جمع شهم – لأنهم خربطوا كل أحوالنا ؛ فعلى الأقل أخربط صفاتهم؛ وليضع لي المدقق اللغوي ألف خط احمر) !!

    قيل لامرأة من أهلنا ( حجيه .. صرنه بوضع ديمقراطي ؛ وكل 4 سنوات راح تتغير حكومةّ)!!

    المرأة فوجئت بهذه المعلومة التي هي خارج وعيها وصاحت مذهولة( يمه.. كل 4 سنوات يعني يصير فرهود) ؟!!

    الساسة الموقرون كانت حساباتهم مع الديمقراطية غير حسابات هذه المرأة البسيطة؛ وغير حساباتك أو حساباتي ؛ ولذلك فإنهم جعلوا من الأيام كلها فرهودا؛ ولا أدل من ذلك أنهم الآن يستقتلون من اجل أن تمضي الـ(4 سنوات) على خير ولا تتغير الحكومة أو البرلمان ؛ فتغيرهما يعني ان سنتين من(اللفط) ستضيع عليهم !

    ومن المؤسف ان هناك قوى وطنية دخلت المعمعة؛ وبدون ان تدري بان اللعبة اكبر منها؛ وان هناك توافقات ومصالح مشتركة وملفات يحفظها الجميع ضد الجميع؛ ومتى ما حانت ساعة المكاشفة فشعار(عليّ وعلى اعدائي) سيكون عنوان المرحلة .

    قبل مؤتمر القمة العربية بأشهر.. والمعارك محتدمة بين قادتنا؛ ومن اجل عيني الزعماء العرب (الذين لم يحضر منهم سوى 3 وصرفت ملايين الأوراق الخضراء لأجلهم؛ ولفط 3 / أرباعها الأشاوس ؛ حتى صارت الاتهامات لأخوة موزة !!)

    سمعنا أن صليل السيوف سوف يؤجل؛ وان كان شرار الكلام يتطاير من هذا اللسان المسنون او ذاك اللسان الباشط ؛ وما ان انتهت القمة المباركة إلا و( كام الداس .. يا عباس)!

    فهاجم الجميع الجميع.. واجتمع الجميع مع الجميع؛ والجميع يدعي الحديث باسم المواطن؛ والشارع ؛ والمستقبل؛ واشهد ان لا احد من الجميع يعرف ماذا أكل المواطن ؛ ولا أين يبيت ابن الشارع ؛ وكل ما يهمه من المستقبل هو مقدار ما يضعه في جيبه من أموال هي حصة المواطن والشارع والمستقبل !!

    وعلى صدى ما سمعناه وعايشناه توقعنا بان الأمر محسوم ؛ وإذا بالأخبار تتوارد: انتظرونا.. لحين ما تنتهي الزيارة المقدسة ؛ ثم : لا عليكم فلم نجتمع عبثا.. وها هي جلسات البرلمان آتية!! 

    الآن .. تتوارد الأنباء بان هناك لجانا قد شكلت لدراسة الأوراق ؛ ومن المؤمل أن تنهي أعمالها خلال شهرين.. ثم تتوجه بعدها للبرلمان !!!

    يابه والله خبلتونا .. تصالحوا أو ليحمل بعضكم سكاكينه ويطعن الآخر في البرلمان أو في أي مكان غيره؛ فقد زهقت أرواحنا ؛ وأصبحنا مضحكة حتى لسكان جزر القمر !