Blog

  • للعبرة والذكرى فقط.. ناصــر الاشكــر و(مينــاء) مبــارك الكبــير !!

    رسالة وصلتني من الأخ الصديق العزيز يوسف الأعرج الباحث والمحقق المقيم في ميشغان بالولايات المتحدة الأميركية يضمنها كلمة صغيرة ومعبرة وهي عبارة عن وثيقة تاريخية عثر عليها في مجال بحثه تتحدث عن علاقة الكويت بالعراق وصلات أهل العراق وكبار زعمائه وقادته بقادة الكويت وساكنيه .

    وناصر الاشكر هو ناصر السعدون باني الناصرية ووالد فالح السعدون ومؤسس عائلة آل السعدون الاعرجية في الناصرية واحد أهم قادة المنتفك وأميرها الأوحد ..  وكان الرجل شجاعا مغوارا.. وقد قاد المنتفك كإسلافه ، الطيبين الطاهرين باتجاه تحقيق استقلال العراق ومقاومة الهيمنة والسيطرة العثمانية والوقوف بوجه المد الوهابي الآتي من نجد .. وقد بادر الشريف ناصر لتأسيس تحالف عشائري لعشائر الجنوب بهدف تحقيق الاستقلال وكان هذا التحالف امتدادا للتحالف الذي أسسه جده ثامر بن سعدون الكبيرة الذي تمكن من انتزاع البصرة من العثمانيين ليتوجه بعدها الى بغداد ، حيث حاصرها وافتتحها عنوة واستتب الأمر له ، لولا  ان العثمانيين يجهزون جيشا كبيرا لم يكن لجيش العشائر القدرة على مجابهته الى جانب ” خيانة ” البعض وتسهيل مهمة تسلل الجيش العثماني من ثغرات عملت في جدار سور بغداد .لقد امتدت سيطرة ثامر باشا السعدون لتشمل جميع أجزاء البصرة واقضينها ونواحيها بما في ذلك ” قضاء ” الكويت وقد فرض الشيخ ثامر الإتاوة على من كان يسكن في الكويت وظل ذلك الأمر قائما إلى 1885 وفي عهد ناصر باشا السعدون أحجم الشيخ مبارك عن دفع الإتاوة فأرسل ناصر الاشكر السعدون ” 1000 ” فارس يصحبهم ، شطر من ابو ذية كتبها هو قال فيه ” الك سايات انه احصيهن وعدهن ” وأوصاهم أن لا يدخلوا عليه إلا صباحا وعندما يصلون إليه يبلغونه فورا ان عليه ان يقوم بتحضير وجبة غداء لألفين حيث ستصل الألف الأخرى قبل الغداء بقليل وبالفعل وصل الألف الثانية وبيدهم الشطر الثاني من البيت يقول فيه : ” وحطنهن لمن ياتي وعدهن ” واخبروه أن هناك الفا ثالثة ستصل قبل العشاء ومعهم الشطر الثالث وقد وصل الألف الثالث فعلا قبل العشائر وبيدهم الشطر الثالث يقول فيه : ” مثل عادا وثمود اكرب وعيدهن ” واخبروا الشيخ مبارك ان الشيخ ناصر سيأتي بنفسه ومعه الألف الرابعة قبل غداء اليوم التالي ومعه ألف رابعة وعليه أن يولم وليمة كبيرة وسيكون قفل الابو ذية معه ، وبالفعل حضر في اليوم التالي ضحى الشيخ ناصر ومعه قفل البيت يقول فيه :

    ”  الك سايات انه احصيهن واعدهن

    ألك سايات انه لمن ياتي وعدهن 

    مثل عاد وثمود اكرب وعدهن 

    لحط طينته أبخده العال بيه ”

    هنا أمر الشيخ ناصر … ” مبارك ” بارتداء “الهاشمي” الذي كانت ترتديه ” أخته ” وان يرقص أمام الرجال .. وفعل “مبارك” ما أمر به غير أن الشيخ ناصر استجاب لـ “دخلة” أخت مبارك فعفي عنه على أن لا يكرر فعلته مرة أخرى .

  • دعوة المالكي.. شجاعة

    أمنية أن يتحاور ويتكاشف القادة على الفضائيات وأمام الناس جميعا … و…ليحكم الناس بأنفسهم .. وان المتوقع (لو) حدثت هذه المكاشفة هو قيام الثورة وحصول التغيير عبر الفضائيات ..ويعرف كل نفسه وحجمه ودوره ..فهل يتحادث القادة ويكشفون الأوراق ويفضح اللصوص والقتلة أنفسهم ؟؟؟

    الرهان على حقيقة ان اللصوص والجهلة والملفقين ومن تصدوا لادوار لا تناسبهم  ينتهون الى كشف وفضح أنفسهم .. وستكون حديث العصر وحديث البشرية لو حدثت هذه المكاشفة …لا سيما وانها ستكون ذروة التجلي للطباع والنزوات وكسر العظم ..وانا ومن بعدي الطوفان ..ويا روح ما بعدك روح ..والشاطر من ينقذ نفسه ..وهذه سر السرقات والتزويرات والمجازر واقتلاع البلد من جذوره ..فهل هذا ممكن ؟؟هل يحدث هذا …ويلتفت المواطن الى نفسه ويتفحصها ويقلبها ويدرك مقدار غفلته وحجم اسهامته في فجيعة بلده ؟؟؟

    على الاغلب لن تكشف الأوراق ولن يلصق الطين على الخدود المناسبة ..فللمصالح حكمتها ومنطقها وآلياتها ..ومن شأنها ان تنبه اغبى العقول وأكثرها حماقة…  وسيتلافاها من لم يسبقهم اخطر لصوصية وفسادا وانعدام ضمير.

    دعوة المالكي للمواجهة امام الشعب والعالم مباشرة,  وعلى الفضائيات تحدي الواثق مما يحمل ويدخر ويعد ..واذا كانت هناك ثقة عمادها السذاجة والبلاهة وعدم التبصر ..او ضرب من التحدي لما لا نعرفه ولا قدرنا ه حق قدره ..او تهديدات من تلك التي توهم بها السلطة ..فان السيد المالكي ,وكما يبدو ..وكما تشهد له سيرته انه يقصد ما يقوله ..وان لديه ما يفجر به ثورة لا بفيالق  عسكرية ..بل بفيالق الرأي العام…ومن شأن ثورة رائدة ان تعيد خلق الشعوب,  بأفكارها وقناعاتها وتوجهاتها وصيغ خلق مستقبلها …فهل تحدث مثل هذه الثورة وتسن طريقا للشعوب في خياراتها السياسية ؟؟ولكن …ماذا عن توقع الافتراءات والاتهامات والاختلافات والوثائق المزورة؟؟من يفصل في شهود الزور وتجليات الضمائر الضئيلة والايمانات التجارية الباطلة ؟؟

    في كل الحالات واحتمالاتها فان العراقيين هم المستفيدون من درس بهذه الضخامة والجسامة والاثارة ..ويتعرف مجانا على نماذج (نمونات )القادة وهم يوترون اعصاب المشاهدين بوقائع لا تمر في عقل حشاش ..يتصور اقتلاع بلد برمته والتطويح به وقذفه الى الخراب ..ولهذا فان ابسط المطلوب من المواطن دعم دعوة السيد المالكي والاصرار عليها ..وان كان تحققها من باب المستحيلات ..مادام الشيطان لا يخرب قصره ولا يستغني عن اكبر ثروات الأرض.

  • ديمقراطية الإخوة الأعداء

    لا أحد يعرف حتى الآن كيف نجتاز الأزمة الراهنة, التي باتت تهدد وجود الدولة العراقية, ولا احد يدري متى نضع أقدامنا على طريق المستقبل في ظل هذا التنافر الحاد بين الإخوة الأعداء.  

    لقد خاض الشعب العراقي في العقود الماضية معترك الأزمات الخانقة, وتجاوز أصعب التجارب, في متواليات المصائب المأساوية, التي تجرع فيها السم الزعاف على جرعات قاتلة, جرَّب فيها نكبات الحروب الطويلة, وجرَّب تداعيات الأنظمة الملكية والجمهورية والانتقالية, وجرَّب ويلات الثورات والانقلابات والانتفاضات, وجرَّب خناجر الحصار الاقتصادي, وجرَّب شظايا القرارات الدولية التعسفية, وجرَّب كوارث الغزو والاحتلال, لكنه لم يواجه في تاريخه أية تجربة تهدد مصير الدولة العراقية مثل هذه التجربة, التي وصلنا إليها بمعاول الإخوة الأعداء, عندما قادونا إلى بوابات مغلقة بكتل خراسانية لا نعرف كيف نزيحها, والسبب الأساسي إنهم عجزوا عن فهم الأدوار المنوطة بهم, ولم يدركوا حتى الآن إن التغيرات الديمقراطية المطلوبة ينبغي أن تكون في الحقائق, وليس في المواقع, بمعنى إن الدولة وبنيانها ومؤسساتها هي التي ينبغي أن تتغير نحو الأفضل, وليس مجرد إعادة توزيع السلطات بموجب الحصص المقررة في الدهاليز المظلمة, ولم يعلموا بعد إن الدولة نفسها هي القضية المحورية في التغيير الأكبر, وليس المناصب والمواقع السلطوية الزائلة, ولم يدركوا بعد إن تمجيد الأشخاص وتأليههم لا علاقة له بمنطق العمل الديمقراطي المتحضر. 

     بات من المسلم به إن بريق الكراسي العليا, والسباق المحموم نحوها هو الذي هيمن على عقول معظم الكيانات المتناحرة, وهو الذي قادها إلى منزلقات الضياع تحت تأثير مغريات السلطة وغواية الاستحواذ عليها, وهو الذي بعث فيهم أحلام جلجامش في البحث عن سر العظمة, وهكذا وجد الإخوة الأعداء أنفسهم في خضم الماراثون المصيري للفوز بالسلطة, ولم يدركوا إن أهدافهم الوطنية ينبغي أن تتلاحم وتتعاظم في تفعيل مشاريع بناء العراق, والانتقال به من حال إلى حال.

    لقد تصور الإخوة الأعداء إن الديمقراطية تعني التقافز فوق كراسي الحكم من سلطة إلى سلطة, وليس من دولة إلى دولة, فانحرفت مسارات مفاهيمهم الخاطئة نحو مستنقعات التخبط بين مفهوم السعي لإعادة بناء الدولة, ومفهوم السعي للحصول على الفرص المتاحة في أجواء المحاصصة السلطوية, وهذا هو سوء الفهم الذي وقع فيه الإخوة الأعداء بسبب تهافتهم على السلطة, فشحذوا هممهم للفوز بالجولة, وأهملوا الدولة, وفرطوا بمستقبلها. 

     وبواقع الأمور فان تصرف الإخوة الأعداء جاء من داخل صناديق الاقتراع, أي بمنطق الانتخابات (الدستورية), التي جرى التصويت فيها في أجواء ملبدة بسحب الحماسة الطائفية والعشائرية والعرقية, من دون أن يسألوا أنفسهم عن خطوات الانتقال من (ماذا ؟) إلى (ماذا ؟), ومن اجل (ماذا ؟), ولماذا ؟؟؟. واكتشفنا بعد انتهاء الانتخابات إن ما جرى هو مجرد إعادة توزيع للحقائب الوزارية, فتوسعت دائرة شكوكنا بها, لأنها اقتصرت على تأثيث المراكز القيادية بالكراسي البديلة, من هنا لابد لنا من البحث عن القواعد السياسية المبنية على الأسس الصحيحة لضبط التوازنات في الممارسات الديمقراطية, وصيانتها من الانحرافات المزاجية المتوقعة, التي قد تخلقها ظروف الصراع العقيم بين الإخوة الأعداء, أو قد تولدها تداعيات الشد والجذب والعناد المتفجر في مناخات تتحكم فيها العقد الطائفية, فالفتن التي تتخفى وراء قناع الدين صارت هي التجارة التخريبية الرائجة في هذا الزمن العجيب . والله يستر من الجايات.

  • عرب وأكراد وتركمان وكلد وآشوريون .. العراق في غابة الوحوش الكواسر

    في الحلقة الأولى، تساءلنا عن المشكلة في العلاقة، بين العرب والأكراد بشكل خاص وعموم المكونات التي يتكون منها الشعب العراقي.. لاسيما العلاقة بين الشيعة والسنة…. وبين المسلمين والمسيحيين والأديان الأخرى، وفي هذا الجزء نحاول أن نجيب على قدر المتيسر لنا من معلومات واجتهادات وتحليلات، في اطار من الموضوعية والعلمية والنزاهة، ولا غاية لنا غير ان نسهم في ما ينبغي على مستوى ترصين الانتماء الوطني وتأكيد أهمية وفعالية الهوية الوطنية بعيدا عن الولاءات الطائفية او القومية او الاثنية او المناطقية او العشائرية. 

    يبدو ان هناك عاملين او سببين أساسيين يحكمان مجمل العلاقة العربية الكردية في العراق:

    الأولى: انعدام الثقة واستفحال ظاهرة الشك.

    الثانية : الجهل بما سيأتي، اي انعدام وجود النظرة المستقبلية والحكم على الظواهر والمظاهر والحوادث بمنظار أني يعتمد على ما متيسر من افتراضات وتوقعات وتفسيرات قاصرة او باستخدام وسائل وأساليب بدائية في التحليل والاستنتاج وإسقاط قدرات وطاقات غير مرئية.. في لحظة اعتماد الموقف من الطرف الآخر.

    المؤكد، ان هناك خشية متقابلة تحكم العلاقة بين الأكراد والعرب في العراق فالاكراد يخشون الدكتاتورية وما يترتب عليها من تهميش وتغييب وترتيب في سلم الموطنة التي تبدأ وفق منطق الدكتاتوريين من الدرجة الممتازة التي هي حكر على من ينتمون الى الدكتاتور عشائريا ومناطقيا وحزبيا وقوميا ومذهبيا ودينيا، ثم الدرجة الثانية لاصحاب المصالح والمتنفذين والانتهازيين وماسحي الاكتاف ودافعي الرشا واصحاب الليالي الحمراء، ثم تأتي الدرجات تباعا ولايجد الاكراد انفسهم الا وهم في اخر سلم الترقيم!! 

    تقابل هذه الخشية خشية عربية من جنوح الأكراد الى التقسيم والتفكيك والانفصال وهنا، حل الشك والريبة محل الثقة، والظن محل الاطمئنان، ولا يمكن ان تكون الامور على غير ما الت اليه اخيرا، لو ما يكن هناك من سمح لأولئك الذين حاولوا ويحاولون بشتى الوسائل والاساليب تعكير اجواء العلاقة وتسميم المناخ العام وتلغيم أو تفخيخ القضايا بأحاجي وتلميحات وتصريحات وتصرفات وكتابات هنا او هناك بشكل مباشر او غير مباشر بأشعة الأكاذيب والتلفيقات واطلاق الاشاعات وفبركة المعلومات الكاذبة، وكل ذك من اجل زرع العبوات الناسفة في طريق التفاهم والحوار وتبادل الرؤى والنقاش وتعقيد القضايا وتصعيب الحلول، وكل ذلك صادر من اعداد الاخوة الكردية العربية في اطار العراق الواحد، حيث كانوا ولازالوا هؤلاء الاعداء وباستمرار لايستهدفون من وراء هذا العداء تكريس توجهاتهم المنحرفة وحسب، بل وايضا ابقاء العراق بقرة حلوبا لهم مستفيدين من غياب الاجماع على مقاومة الهيمنة والسيطرة الدكتاتورية، ونجد مصداقية ذلك في أن فرصة تاريخية واحدة أتيحت للعراق من خلال تعاون وتعاضد وتآزر العرب والأكراد وكل المكونات الأخرى، انجبت نظاما تعدديا اتحاديا ديمقراطيا فتح الأبواب على مصاريعها باتجاه التقدم النمو والتحول الكبير على كافة الأصعدة والمستويات غير أن ذلك لم يسلم من كيد الكائدين اللذين دبروا أمورهم بليل، وجمعوا قدراتهم وهيأوا وسائلهم واساليبهم لاستئناف جهودهم التخريبية. 

    البعض يصب جام غضبه على ما يصفه بـ (نظرية المؤامرة) معتبرين ان الذين يتحدثون عن مؤامرة أو ما دبر بليل غير علميين وغير موضوعيين وهم ضحايا وهذا غير موجود إلا في مخيلاتهم اسمه المؤامرة، اقول ان هذا البعض الذي ينبغي وجود المؤامرة هم من المستفيدين من هذا النفي، والفائدة تتجسد في استغفال الشعوب، وتنويمها على اساس  ان لا احد يتآمر عليها وان كل ما يقع لها من شر وخير هو من صنعها ومن فعلها! 

    هكذا و بسهولة، يريد القاتل اقناع القتيل بأنه هو الذي قتل نفسه، وعليه ان لا يسأل عما تفعله قطر وما سبب تدفق الاموال السعودية على العراق وبارقام فلكية ولماذا وكيف تواصل من إسرائيل عمليات شراء الأراضي في العراق، وما سر تواجدها الكثيف في السفارة الأمريكية بالمنطقة الخضراء وفي مناطق مختلفة من العراق وما سر التحركات المشبوهة لساسة عرب خليجيين وغيرهم وما يجري في الخفاء من محادثات وحوارات، الشيء الوحيد الذي ربما نتوقع ان يتوافق مع ناكري وجود المؤامرة، هو استخدام تعبير، الخطط او البرامج او السيناريوهات المعدة، وليس بين الاثنين اختلاف الا في التعبير.

    العراق الان مستهدف لاينكر ذلك الا الضالع في المخطط المؤامرة ووسيلة الوصول الى اهداف الاستهداف هو ما يجري الان على مسرح الاحداث في العملية السياسية فكلما يتضح ان المتآمرين على امن وسلامة العراق ومستقبل وجوده الواعد وجدوا التربة الصالحة لنمو طفيلياتهم وبكترياتهم.. وجدوا السماعين لما يقال لهم دون ترو وادراك وفهم جميع وهكذا بتنا على كف عفريت.. ومن مهازل القدر، ان من يتآمر علينا ويبذر بذور الفتن والاضطراب بيننا هم سقط المتاع. 

    التجارب تقول وتؤكد ذلك.. الحكمة والمنطق والعقلاني ان البناء صعب والتخريب او التدمير سهل جدا من حيث متطلبات وتكاليف التنفيذ ومن حيث الحاجة المطلوبة للابقاء على زخم عملية التدمير والتخريب بشكل متصاعد ومتواتر، بينما نجد ان البناء والتشييد والفعل البناء باتجاه خلق الحالة الأفضل والأحسن يحتاج إلى قدر يتناسب طرديا مع طبيعة ونوع الهدف المراد الوصول اليه، بل ان الأمر قد يتطلب أحيانا ثمنا باهظا جدا لا يتوقف عند التضحيات المادية بل يتجاوز ذلك إلى التضحيات البشرية والمعوية والاعتيادية.

    الذي اريد الوصول اليه هو ان الانتباه لما يجري بعين الحذر واليقظة وبعين فاحصة مدققة هو الذي ينبغي ان يكون المعيار والذي توزن به الافعال والاقوال والخدمات والنصائح المقدمة، فليس كل شيء معسل وكبراق وناعم الملمس مطلوب ومقبول ومفيد فثمة من يخوض السلم الزعاف بين تجاويف خيوط الحرير او في العسل وكل المتآمرين هم في الواقع من أولئك الذي يملكون جيوشا من عسل .

    الحقيقة التي ينبغي ان تكون هي الاساس في التميز بين الطالح والصالح بين الاسود والابيض، هو العلاقة العربية الكردية والاقليات القومية الاخرى فاي اتجاه او مسعى يتعارض او يتقاطع الان او في المستقبل مع هذه الحقيقة الثابتة هو مؤامرة. ذلك.. أن هذه العلاقة لم تحصل نتيجة وجود مفتعل يعكس مصلحة وهي بذلك وجود تراكمات فيه جهود تاريخية هي حصيلة تضحيات وافعال ومواقف بالغة الصعوبة وعالية التكاليف حصلت نتيجة بناء وتشييد وتعمير وترميم استلزم ايجادها مساحة زمنية كبيرة ووعيا عقائديا وثقافة تسامحية بناءة تستند على اصرار نابع من قناعة على تحمل المصاعب واتعاب الاثقال والاجهاد مع قدرة الدفع باتجاه الافضل وتحمل الاذى والضرر.. ولم يكن ما حصل، حصل في فراغ بل هو حصل في اطار التحديات والجهود المستخدمة والتآمر المباشر وغير المباشر، غير ان احكام البناء وصلابته والاصرار على الدفاع كان من بين أهم الاسس التي انطلق بها ومنها الأكراد والعرب للدفاع عن اخوتهم الثابتة والقائمة على معايير وثوابت لا يمكن ان تتغير او تتبدل، ليس لانعدام البديل بل لانعدام السبب الدافع الى ذلك فهذه العلاقة التي وجدت من اجل ان تبقى، تمثل ومثلت على الدوام احدى اهم الحاجات الاساسية لبناء عراق مقتدر صلب متماسك هو نتاج جهد الجميع دون تمييز وتفريق.

    اذكر ان مجلسا ضمني مع عدد كبير من الشخصيات العراقية في دار المرحوم الدكتور عبد الله سلوم السامرائي في أيام عام 1975 وكان احد الحاضرين المرحوم طاهر يحيى والمرحوم يوسف الخرسان والاستاذ المحامي عاد تكليف الفرعون والأستاذ المحامي عباس الجابري والدكتور عبد الستار الجميلي وغيرهم كثيرون، ذكرت منهم من تذكرت من باب الاستشهاد وليس الحصر وكانت الأنباء الساخنة تتحدث عن انهيار الثورة الكردية بعد اتفاقية الجزائر عام 1975 وفي لحظة قطع المرحوم طاهر يحيى سكون الجالسين معلقا على مناظر الأكراد وهم يسلمون أسلحتهم للجانبين العراقي والإيراني ويرسلون بقوافل لا احد يعرف إلى أين هي ذاهبة فقال بانزعاج وغضب : كان بودي ان يكون التعامل مختلفا عما أراه، كان ينبغي ان يكون التعامل بعيدا عن التشفي والتعالي فنحن لم ننتصر، المنتصر الوحيد هي إيران، وبهذه الأعمال الصبيانية نؤسس لما سيأتي وما سيأتي سيكون أشد وبالا فإيران لم تكتف بما اخذته وستعود ثانية  لاستغلال ما فعلناه الان.. فرد احدهم، ولكنه انتصار حقيقي على “تمرد”، فرد بسخرية: الحكومات لا تنتصر على شعوبها، ومن يفكر على هذا النحو يفتقر للانتماء الوطني، لأنه غريب عن شعبه.

    تلك هي الحقيقة، انك عندما تختلف مع أخيك ينبغي أن لا تذهب باتجاه قطع كل ما يربطك به ويوصلك بكيانه ووجوده، فذلك أمر يقع خارج إطار إمكانية تحققه هذا هو بالضبط جوهر العلاقة بين الأكراد والعرب في العراق، فهم إخوة في كل شيء، وهم وجدوا لكل شيء,  إذن فلا ينبغي تحميل الأمور أكثر مما تتحمل.. ولا ينبغي ان نكون سماعين لما يقال من قبل البعض فهذا البعض يتواجد في كلا الطرفين مدفوع له الاجر سلفا من اولئك الذين يزرعون الفتن من اجل تدمير العراق، فيتبرقع ببرقع الغيرة على الاكراد او على العرب، فيعلن ان القيامة قامت وان الاكراد يستحقون الذبح وان العرب ينبغي أن يبادوا ويقتلوا من خلاف وان الاكراد غرباء ويجب تطهير الشمال الحبيب منهم. وعلى هذا المنوال بدأت وتستمر الفضائيات والصحف الصفراء ومنابر الغش والوقيعة وبالاعتماد على البسطاء والاميين والمغفلين من الأكراد والعرب، في حملة منظمة ومرتبة تقول إحدى قصص الف ليلة وليلة، ان ثلاثة إخوة ترك لهم والدهم ثروة طائلة.. وكانوا على قدر كبير من الترف والعيش الرغيد كان بينهم أخ طماع فأراد ان يستأثر بما ترك والده من ارث فذهب إلى شخص يستشيره لعله يعطيه الفرصة السانحة فقال له، هل تريد ان تخلص نهائيا من اخويك؟ قال.. بلا فقال له فرق بينهما واكثر من القيل والقال وسأمدك بعدد من النمامين والوشاش والقوالين وبالفعل حصل ما اراد الناصح فانقلبت الإخوة الى عداء واخوهما يرمي المزيد من الحطب كلما مالت النار الى الهدوء وفي ذات يوم اسود ارتفعت حدة العداوة وتفجر الموقف وصار السلاح هو الفيصل والحكم، وبدا الناصح ينصح أخاهما ان يدخل بينهما للمحاجزة، وماهي اللحظات حتى انجلى الموقف وإذا بالإخوة مضرجون بدمائهم على الأرض تاركين الناصح يستأثر بكل شيء وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح!! 

     

  • واجهات مباني.. بغداد !!

    إن من السهل جدا على المرء أن يكون حكيما بعد وقوع الحادثة، حادثة ما، أو حصول أمر ما، قضية ما، فسرعان ما ينبري بالتعليق والنصح من ينبري ويتبرع بطرح الرأي جزافا وجهلا من يتبرع في التصريح والتجريح دون تدقيق وتحليل في معرفة الأسباب والدواعي التي تقف وراء ما يحدث ويحصل، ولا نكاد نسمع غير التبرير والوعظ المجاني وإلقاء اللوم على هذا الطرف أو ذاك دون أدنى تفكير علمي ومعرفي، لذا عادة ما تأتي تلك (الحكمة) طارئة، آنية، لا تحتمل غير التخويف والتحذير واللوم أكثر مما تحمل نواحي التدقيق والتحليل والبحث عن الاسباب التي تقف وراء كل ما حدث، و-ربما- ما سيحدث، في ملحقات حياتنا الراهنة، ومدى تعلق سطوع حكمة أن يكون الجميع حكماء ولكن بعد فوات الأوان.

    ولأن الأوان لم يفت –تماما- بعد بخصوص ما يحصل ويحدث من عشوائية وارتجال (ذوقي) وفوضى (ذوقية) في تصميم واختيار تغليف واجهات المباني الخارجية بما هب و دب من ألوان وتصاميم لا تمت بصلة لحضارتنا (وهي أقدم حضارة، طبعا في التأريخ الإنساني) عبر استعمال مواد جاهزة مستوردة -حتما- تحمل اسم (الكابوند) وحين توهم سمعي حال سماعي تلك الكلمة قلت  باستغراب؛ (كاوبوي أيضا)؟! جاء من صلح ليس الاسم قائلا :(لا يا به لا.. كابوند) التي انتشرت وسرت سريان النار في الهشيم عبر تغليف مباني العاصمة، بغداد الحضارة والأناقة والأبهة بهذا الشكل الصارخ الباذخ بحدة وتضارب الألوان وعدم تناسيقها بالمرة وبما شوه هوية مدننا من الناحية المعمارية والحضارية، ليس -فقط- ببغداد الحبيبة بل في كل مدن ونواحي العراق التي تسنى لي زيارتها في السنوات الأخيرة.

    أعاود رمي كرة الحفاظ على تراثنا المعماري في ملعب (لجنة الذوق العام) في أمانة بغداد، الى جانب واجبات وحرص الدائرة الهندسية وكل من له علاقة في الحفاظ على ذلك التراث العمراني الأصيل أن يتبنى موقفا ومقترحا صريحا يحدد رسم خارطة طريق حول نوع التصاميم الواجب توافرها واختيارها لواجهات المباني بما يتناسب وقيمة المدينة التأريخية، وعدم ترك الحبل على الغارب لمن يرغب في تغليف واجهات المحال والمباني والمطاعم وفق ذائقة ومزاج أصحابها في اختيار الألوان بشكل عشوائي، وأخشى أن أقول (همجي) لا يراعي أو يداني الذوق العام والخاص لهذه المدينة التأريخية، التي بدت في بعض شوارعها ومعالمها الرئيسية تستغيث من فرط تفاقم تلك الظاهرة، ولعل الأدهى والأنكى ان تنصاع بعض الدوائر الرسمية والمهمة  لفوضى (الكابوند) اللاخلاقة!! حتى في تشييد مبانيها  ومنشاءاتها الحديثة، بعد أن كانت مهمة التغليف تنحسر بسد عيوب المباني القديمة، لتسكب العبرات -هنا- أكثر.!

  • هوية الرجل.. أخلاقه “وليس نسبه” !

    من الأمراض التي يعانيها البعض هي عقدة النقص , وهذه العقدة تشكل ارتدادا سلوكيا تختلط لديه الأوراق والمفاهيم, فيبدأ بإنتاج الخطأ وتكرير التهافت الذي يجعله ويجعل من حوله قابلين للدور الخياني الذي ينتظره أعداء الأمة .

    ومن مظاهر ذلك التهافت والارتداد السلوكي هو محاولة تسقيط بعض الناس لاسيما أولئك الذين كانت لهم وقفة تاريخية أو انجاز وطني لبلدانهم أو ثراء معرفي يضاف إلى موائد الثقافة الإنسانية.

    وهذا التسقيط وذلك التشهير لم تسلم منه النماذج المميزة في تاريخ البشرية وأولئك هم ” الأنبياء ” رسل السماء وأمناء الوحي وخيرة أولاد ادم “عليه السلام” .

    وإذا كان النسب وطهارته يشكلان ضرورة لقناعة الناس من حوله قال تعالى ” يا اخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا ” – مريم – 30- فان الأخلاق هي المصداقية التي تنعكس من خلالها صفات ومواقف الناس وسعيهم نحو النجاح , وهذه المصداقية يحتاجها النبي “عليه السلام” مثلما يحتاجها عامة الناس لبلوغ مناهم وأهدافهم , ” ومن الأمثلة المعاصرة اليوم رأينا ما حدث للسفير الامريكي المرشح حاليا للعمل في بغداد من مراجعة وتشكيك بسبب رسائله الجنسية كما يقولون “.

    إلا أن النسب لا يشكل لعموم الناس قيمة حقيقية بمقدار ما تشكله الأخلاق من قيمة مطلقة تعارف عليها اغلب الناس ودخلت في قاموس الأمم والشعوب مع وجود التفاوت النسبي الذي لا يفقدها قيمتها التعاملية , ولا يقلل من مرجعيتها .

    ومن رصيدنا العقائدي الذي نغترف منه لا من غيره نجد ما يلي :-

    1- قال تعالى :” وانك لعلى خلق عظيم ”

    2-  وقال تعالى :” فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفظوا من حولك “.

    3-  وقال تعالى ” ان أكرمكم عند الله اتقاكم ”

    4-  وقال صلى الله عليه واله وسلم : اتوني بأعمالكم ولا تأتوني بانسابكم ”

    5-  وقال “ص” : لا فضل لعربي على اعجمي إلا بالتقوى ”  

    6-  وقال “ص” “لعن الله الداخل في النسب والخارج من النسب ”

    7-  وقيل لأحد أئمة أهل البيت عليهم السلام : فلان علامة , قال : علامة بمن ؟ قيل : بالأنساب ؟ قال : ذلك علم لا يضر ولا ينفع ”  

    وقال الشاعر :

    كن ابن من شئت واكتسب أدبا

                     يغنيك محموده عن قلة النسب 

    وقال الشاعر الآخر :-

    وانما الأمم الأخلاق ما بقيت

                فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا 

    ومن خلال هذه المراجعة المختصرة في كتاب الله , وفي احاديث رسول الله “ص” ومواقف أهل بيت النبوة “عليهم السلام” وفي ديوان العرب الشعري , وجدنا ان المعيار الأخلاقي هو المعول عليه دون المعيار النسبي على أهميته بالنسبة لحالات النبوة والأسباب في ذلك معروفة.

    الا اننا نجد اليوم بعض المدونات وبعض الصحف تسلط الأضواء على مواقف تشهيرية هادفة إلى تسقيط بعض الشخصيات ومنها شخصية قدمت لوطنها شيئا جعلها في وجدان غالبية أبناء ذلك الوطن الجار وتلك الأمة التي امتزجت معنا من خلال العقيدة الإسلامية التي تشرفنا بها جميعا .

    وحتى يكون حديثنا معرفيا إنسانيا , فإننا سوف لن نذكر اسم الشخصية التي تصور البعض ولأغراض غير معروفة بأنهم ربما يحققون شيئا من الشهرة بسبب ذلك , او تصوروا بأنهم قادرون على استحداث حالة من التشكيك في هوية تلك الشخصية ومصداقيتها, فاختاروا قضية النسب , ناسين او متغافلين عن حقيقة فيما يتعلق بالنسب مفادها ان رواية الأنساب دخلها الشيء الكثير من الادعاء والتضليل والأسباب معروفة , ولذلك كانت الأخلاق مرجعية صائبة ودالة على هوية الواحد منا , وهي إجازة المرور إلى حب الناس وتقديرهم.

    ومن حق القراء والمتابعين ان نبين لهم جزءا من صفات ومواقف ذلك الرجل الذي يراد تسقيطه من خلال النسب والتشهير به بطريقة لا تنم الا عن تهافت غير محمود وبحث خال من المجهود على طريقة قول الشاعر :-

    وقصيدة قد قلتها ليقال من ذا قالها

                     تأتي الملوك غريبة ليقال من ذا قالها ؟

    فالرجل المقصود بالإساءة إليه من خلال النسب من خلال محاولة تجريده من ذلك النسب وهو نسب رسول الله “ص”.

    وحتى نعرف صحة هذا الادعاء من عدمه , علينا تحري شخصية ذلك الرجل لنرى هل هو ممن يبحث عن الدنيا والنسب من أعراض ومظاهر الدنيا أم لا ؟

    وهذا الرجل عرف بالبساطة والتواضع , ومن أدلة ذلك كان يخدم ضيوفه بيده ويقدم الشاي بنفسه .

    وهذا الرجل رب أسرة مثالي كان لا يأكل الا مع زوجته في البيت عندما لا يكون عنده ضيوف .

    وهذا الرجل هو مؤلف كتاب ” الاربعون حديثا ” ومؤلف كتاب ” الاداب المعنوية للصلاة ” ومؤلف كتاب ” الحكومة الإسلامية”.

    وهذا الرجل عندما قاد ثورة شعبه ضد الدكتاتور الذي كان يقيم احسن العلاقات مع إسرائيل , وكان الأمريكي يستعبد شعبه ولا يقبل ان يحاكم الأمريكي بمحاكم ذلك البلد , فقلب هذا الرجل تلك المعادلة وقطع العلاقة مع اسرائيل وحول سفارة إسرائيل الى سفارة للدولة الفلسطينية , وهذا الرجل رفض السكن في القصور, وسكن في بيت متواضع يعرفه الجميع , وهذا الرجل لم يسمح لأبنائه وأحفاده من ان يدخلوا في السلطة واخذ المواقع كما يفعل المسؤولون في البلاد العربية, وهذا الرجل عندما قرب اجله أوصى الشيخ في قريته الأصلية انه يمتلك ارثا من والده هي قطعة ارض مساحتها ” 4000″ متر مربع , أوصى ان توزع على عوائل الشهداء في تلك القرية , وهذا الرجل عندما قرب اجله امر ولده بدفع ماليهم من حقوق شرعية إلى مدرسي الحوزة في بلاده ليوزعوها رواتب للطلبة !

    فهل من يفعل ذلك هو من عشاق الدنيا الباحثين عن الألقاب والمظاهر , والانساب ومنافعها ؟ نترك هذا السؤال برسم الجميع .

  • الدكتاتورية والديمقراطية!

    يوم سقط رمز النظام السابق بطريقة مذلة في ساحة الفردوس، ارتفع راتب العم (هكذا كنا ندعوه) عباس إلى 30 ضعفاً عما كان يتقاضاه في عام 1998 وهو العام الذي أحيل فيه على التقاعد، ومع مرور السنوات التي أعقبت (التحرير) تصاعد راتبه التقاعدي حتى بلغ (412) ألف دينار شهريا، ومثل هذا الرقم بالنسبة للعم عباس، اقرب إلى الخيال منه إلى الواقع، وكادت فرحة المفاجأة تقضي عليه لولا اللطف الرباني، حيث أصيب الرجل بحالة طارئة يسميها الأطباء (إغماء السعادة) عادة ما يتعرض لها الناس عندما يلتقون حبيبا طال غيابه، أو يسمعون تصريحا حكوميا يسبق الانتخابات!! 

    حين استعاد العم عباس وعيه، ومضت بضعة أشهر على فرحة الراتب الجديد والزيادة التي طرأت عليه، وبدأ يتعامل مع تفاصيل الحياة المعيشية، أدرك انه يعاني من ضائقة مالية شبيهة بضائقة الايام السود التي مر بها في عهد الدكتاتورية المقيتة فقد تراجعت مفردات البطاقة التموينية، ومن جانب آخر قام المؤجر برفع بدل إيجار البيت الذي يسكنه العم عباس إلى أربعة أضعاف، كما تنبه الى ان سعر قنينة الغاز أصبح 6 آلاف دينار في الوقت الذي كان سعرها 250 دينار أي تضاعف سعرها 24 مرة، بينما ارتفع سعر كيلو اللحم الاحمر من 7 الاف دينار الى 15 الف دينار اي اكثر من مئة بالمئة، ولم تكن الزيادات التي شملت أسعار الدجاج والسمك وبيض المائدة والفواكه والخضار، أفضل حالا حيث ارتفعت في المعدل ما بين 80% الى 100% في حين قفزت الزيادات الجديدة في أجور الطبيب والحلاق وعمال البناء والتاكسي والكيا وعموم وسائط النقل إلى أرقام فلكية، واستغرب الرجل وهو يراقب اشتعال الأسعار من حوله الى الحد الذي وصلت حرائقها الى الفصولات العشائرية. 

    كان من غير الطبيعي، ومن غير الممكن في الوقت نفسه ان يقف خارج حركة التطور وبمعزل عن سمة المرحلة الاقتصادية ومتطلباتها بعد 2003 ومن هنا وجد نفسه ملزما بدفع 45 ألف دينار شهريا أجور لمولدة الكهرباء الأهلية وهي من الأجور الحديثة التي لم تكن معروفة قبل التحرير وان يدفع من بين الأجور الحديثة كذلك مبلغ 25 ألف دينار في الحد الأدنى ثمنا لكارتات الموبايل وبعد أن قام بعمليات حسابية مطولة وأجرى مقارنة دقيقة بين راتبه التقاعدي 412 الف دينار وبين مجمل المصروفات والايجار ومدارس الأولاد والقرطاسية والملابس اكتشف لماذا امتنع وأسرته عن تناول اللحوم والفواكه بأنواعها كما كانوا قبل 2003، ولماذا لا يكفيه الراتب مع انه ضخم مقارنة بما كان عليه، ولماذا عليه الاقتراض باستمرار ولماذا يجب عليه العودة إلى بسطة سجائره القديمة؟ ولكن اكتشافه المذهل تمثل في إدراكه المتأخر، ان الدكتاتورية المقيتة والديمقراطية الرائعة تختلفان في سياسة الحرية والتعبير عن الرأي وتلتقيان في سياسة الفقر والتجويع!! 

  • عرب وأكراد وتركمان وكلد وآشوريون .. العراق في غابة الوحوش الكواسر

    ليس هو كلام يقال من اجل المجاملة، أو هو سرد في أحاديث تجري على عواهنها، أو هي هواء في شبك، والمعاني فيها باهتة كأوراق أشجار الاسكيمو، بل هي الحقيقة ورودها تأكيد لواقع وتكريس لقناعات وتأسيس لمواقف وعناوين لرأي ثابت عايشني وعايشته منذ أن كان الخوض فيه والبوح عنه يسبب صداع مستديم بأقل الافتراضات ضررا وبأسوأها ألما ووجعاً.اذكر هنا أن لي صديقا في أربيل لا اعرف ان كان يرضى أن اذكر اسمه أو لا.. بعث لي برسالة في أواسط التسعينات من القرن الماضي، بيد شخص يثق به، يخبرني فيها بأشياء كثيرة عنه وعن أوضاع كردستان ويذكر انه الآن في أتم الصحة والعافية والفضل يرجع بعد الله لابن اخ لي هاجر الى اربيل وفتح عيادة له هناك ونال من خلالها الشهرة والسمعة الطيبة وقال انه وجد لديه العلم والدراية والمعرفة والمفهومية، وانه تعرف عليه وعرفه بنفسه، وطلب منه أن لا يتردد في مراجعته بأي شيء يحتاجه مؤكدا له: انه عمٌ له تماما لا فرق بيني وبينه ثم أخذ يعتذر عن انقطاعه فترة عن الكتابة لي مؤكدا أنه يدرك تماما حراجة موقفي في الوقت الحاضر ثم يقول: “اعرف انك تشبه المثل القائل “مكروهة وجابت بنت” أي المرأة المكروهة من قبل زوجها وولدت له بنتا” وأوضح : “أنت شيعي” وفي نفس الوقت فأنت “تحب الأكراد” وتتعاطف معهم وقدمت لهم أشياء كثيرة ومهمة ليس في وسع الأكراد نسيانها او تجاهلها فقلمك بالنسبة لنا معين لا ينضب في الإخوة الحقيقية والإنسانية السامية والوطنية الصادقة إلينا!! 

    أضحكتني الرسالة وأفرحتني، رغم أنها سببت التوتر والانزعاج لزوجتي التي راحت تضرب أخماسا بأسداس حول ما إذا كان “الكاكه” الذي حمل الرسالة لي، نزيها وليس “خطا مائلا” غير أني تركتها لهمومها التي فيها شيء من الواقعية، وانصرفت اذكر أياما جميلة عشناها معاً قضيناها في سفوح وذرى جبال أربيل والسليمانية ودهوك حيث اكلت لاول مرة “الجوز” الأخضر وعرفت كيف اميز بين “جوز” شقلاوة وفي غيرها وأدمنت على عسل الجبال ولبن أربيل الذي كان يأتيني منه بين حين واخر “قدر” مملوء حتى تجمعت لدي منها عدد كبير ورفض أخذها فاستفادت منها أمي رحمها الله في طبخ “قيمة” الحسين في عاشوراء.

     اعود لأصل الموضوع الذي اتناول فيه العلاقة بين الاكراد والعرب في العراق على وجه الخصوص وبالتحديد وصلب التأكيد على هذه العلاقة التي ضاعت او كادت تضيع مع الأسف حقائقها وتوصيفاتها وكينونتها وسط ضجيج وهوس العابثين المغامرين الذين وصلوا الى مقاليد السلطة والتسلط بالقوة فأساءوا اكثر من مرة لأنفسهم أولا ولبلدهم ولمكوناته فضاعت قواعد وأسس وحيثيات العلاقة التي أصلا، أساس التكوين وجوهر الصيرورة، بدونها لا تنهض الثوابت ولا يكون البتة أي وجود منفتح باتجاه التطور والرقي وهو أن الوقت قد حان الآن وليس غدا، لمناقشة هادئة وموضوعية لهذه القضية.

    لقد ضاعت سدى تلك الحقيقة طوال عشرات السنين تحت اطنان من الكذب والتزوير والتلفيق الذي أسهم في بناء معتقدات وأوهام وظنون وشكوك لها أول وليس لها آخر، ورغم أن هناك الكثيرين على طرفي الواقع، حاولوا بجهد واجتهاد طوال الوقت ان يزيلوا “صواعق” التفجيرات، واذابة ما علق بأذهان الجميع هنا او هناك بظنون وتصورات وتخيلات وافتراضات، بيد أن الفشل كان يتسلل عبر فجوات وشبابيك وابواب وثقوب، عملت منذ زمن بعيد، وظلت تفعل فعل مرض “الكساح” مدمر غير انه ليس مميتا.

    اذكر مرة دار بيني وبين صحفي فرنسي مختص بشؤون الشرق الأوسط ويعمل في جريدة “اليغيغارو” منذ أكثر من ثلاثين سنة، حوار طويل انقل منه هذا القول وبالحرف الواحد: 

    ـ تأكد يا صديقي، ان الذنب ليس ذنب احد غيركم العالم كله مكونة دولة من مكونات دينية وقومية واثنية ومذهبية متعددة ومتنوعة واراهن انك لن تقدر أن تعطيني ولا دولة واحدة في العالم تخلو من التعددية والتنوع ومع ذلك فليس هناك شبيه لكم… انتم سبب المشكلة وانتم السبب في تفاقمها وانتم ضحاياها.

    ـ قلت ولكنك أسقطت تدخلات دول الجوار ومحاولاتهم لتصدير مشاكلهم الداخلية إلينا!!

    ـ نعم اعرف ذلك تماما.. واعرف ايضا أن من ينام بلا ابواب عليه ان لا يلوم اللصوص بل يلوم نفسه.. والأبواب التي اعنيها ليست حرس الحدود وقوى الأمن وأسلحة الدمار الشامل.. بل اعني ان لا تترك اولادك يعانون من عقدة الشعور بالنقص، وعقدة الخوف منك.. ليتقبلوا ما يوحي به جارك بإعجاب ونهم ورغبة.. إن من يرضي “زوجته” عليه أن يثق بأنها لا تنظر لغيره.

    في هذا الاطار وتناغما معه، اذكر يوما جمعتني جلسة نقاش وحوار مع عدد من المثقفين الأكراد منهم المرحوم المحامي نجيب بابان الذي تمتد صداقتي به إلى عام 1964 وكان في بداية حياته في المحاماة وكانت المناسبة هي الاحتفال بالذكرى الثانية لاتفاق 11 آذار وكان الحديث يدور حول علاقة الأكراد في العراق بإيران فراح احد الجالسين يشن هجوما على القيادة الكردية متهما إياها بالعمالة لإيران وبهدوئه المعروف واتزانه الثابت قال المرحوم نجيب بابان وهو يبتسم: “لو كان لنا هنا من يرحمنا لما فتشنا عن أبواب نهرب منها وقت الضيق” واختتم قائلا “إذا كانت لنا علاقات بإيران أو بغيرها فسببها انتم”.

    ما أريد أن أصل اليه، هو ان لا نعلق مشاكلنا على شماعة غيرنا، سواء كانت ايران او تركيا رغم أن علينا ان نعترف رضينا أم لم نرض، إن ما يجري الآن على الساحة الكردستانية كاملة في ايران والعراق وتركيا وسوريا هو حرب، بكل ما في هذه الكلمة من معنى جزء منها ظاهر او أجزاء غاطسة في بحور السياسة التي تنهض الآن على مبدأ “صراع الاحتمالات” لإعادة صياغة الواقع في هذا الجزء من الشرق الأوسط وفق متطلبات أجندة قيام الشرق الأوسط الكبير بقيادة إسرائيلية.

    كان من المفترض، أن يشكل عام 2003، تحولا جذريا ومهما في سياق العلاقة الأخوية بين العرب والأكراد بشكل خاص وعموم المكونات والأطياف التي يتكون منها الشعب العراقي، بيد أن الرياح جاءت هذه المرة أو كعادتها معنا، بما لا تشتهي السفن.

    إن ما حصل في الماضي، حصل وانتهى ولا ينبغي أن يشكل في أي حال من الأحوال عقدة كساحية مدمرة والآن هناك إمكانية ومتسع من القدرة في إطار ظروف مواتية لاصلاح ما افسده الدهر واعادة المياه الى مجاريها، طبعا ليس ولا منطقيا افتراض ان الاساءات التي حصلت ولحقت بالعلاقات العربية الكردية هي من صنع طرف واحد، كما ليس صحيحا جعل خطأ الفرد وكأنه خطأ جمعي، والصح المطلوب هو التركيز بالعمل المتواصل على الثوابت المبدئية والأخلاقية والوطنية في العلاقة وليس ماطرأ الفعل ملابسات هي بالقطع وليدة اوضاع شاذة رافقت قيام الحكم الوطني في العراق منذ عام 1920، ارتكزت على الانفراد بالسلطة والتفرد وتغييب الاخر لاسباب واعتبارات طائفية وعنصرية تحولت فيما بعد الى نخبوية طائفية ثم عائلية طائفية واخيرا مناطقية عائلية حزبية وطائفية، وفي كل ذلك كان القاسم المشترك الطابع الديكتاتوري الاستبدادي الغارق في النرجسية والغرور والتعالي.. وبين الحين والاخر يلجأ النظام الى التحايل والتضليل والخداع فيتلاعب بالمشاعر والهويات والثقافات والانتماءات المذهبية والقومية والاثنية فمرة يدعي ان العرب هم الاكثرية والاغلبية فيهم.. عندما يكون الحديث مع الاكراد والأقليات القومية الاخرى.. ومرة يقول للشيعة انهم ليسوا اقلية، بل هو قد يصل إلى ما يقارب عدد الشيعة فيضمّ معه الأكراد والتركمان باعتبارهم سنة وهكذا كان وباستمرار ما بني على الباطل باطل. فانعكس على طبيعة وجودهم التي اتسمت بالضغط والهزال والتردي مضار كل همهم السعي لإشعال فتيل العداء العنصري الطائفي، فشرعوا يحيكون الاحابيل والحيل والأضاليل من اجل دق الأسافين المكرسة للكراهية والبغض والحقد.. وجرى حبك وفبركة القصص التي تتحدث عن كراهية كردية للعرب ورفض كردي للعرب العراقيين أيا كان موردهم او موقفهم او رأيهم. 

    ولعلي ليس كعادتي هذه المرة، فلا اريد ان اطلق العنان لمشاعري وعواطفي خشية ان تسحبني إلى ما لا يناسب الظرف الراهن، بل هذه الساعات الحساسة التي نعيشها نحن شعب: العرب والاكراد والتركمان والكلدواشوريين من مسلمين شيعة وسنة ومسيحيين كاثوليك وبروتستانت وسبتين وارمن وتكليف وكلدان وسريان، وغيرهم ويهود ويزييدين وصابئة، وغيرهم. اقول ان مودتي ومحبتي واحترامي للأكراد لن تدفعني لان أبالغ في ما اقوله عنهم، في إطار كونهم مواطنين عراقيين مخلصين لا شابئة وليست هناك دالة واحدة تدل على عكس ذلك، هذا لا يعني ان ليس فيهم ما في اخوتهم العرب فليس هناك زور يخلو من واوي كما يقال. إن في وسعي ان اقول حقيقة مؤكدة عشتها منذ عشرات السنين.. وهي انهم كانوا ومازالوا ينبهون الى ان الجميع عراقيون أولاً وقبل كل شيء فأن من يرى نفسه “ناقصاً” لا يكتمل إلا بأجزاء له في الخارج، لا يمكن أن يكون قد فهم الانتماء إلى العراق فهما صحيحا فمن يشعر بـ” نقص” عليه ان يكمله من داخل الوطن ففي الوطن تكمن عراقيته الحقيقة وليست العراقية الزائفة.. نعم هناك ممن يحلم بأمته الكردية الواحدة وبدولته الكردية ورغم أن ذلك حق مشروع كما هو حق مشروع للعربي العراق أن يفكر ويحلم بدولة عربية واحدة وامة عربية واحدة، بيد ان الواقعيين المنطقيين لا يسقطون حقائق الأرض من حساباتهم لذلك فالانتماء للعراق ليس قضية مزاجية أو وقتية بل هو واقع ثابت ومؤكد لا يمكن ان يتغير او يتبدل بالاماني والاحلام.. على اننا ينبغي ان ننبه هنا الى حقيقة أن هناك ماهو أسوأ اذا لم نتعامل مع حقائق الواقع بوعي ويقظة وانتباه فما يجري الان في المنطقة خطير جدا.. انه صراع محتدم إن يكن حربا طاحنة بين العثمانية الجديدة والفارسية والمحور الامريكي الاسرائيلي القطري السعودي.. ووقود هذه الحرب الشعوب الصغيرة ذات الإمكانيات المحدودة والقدرات الضعيفة كما يحصل الآن في سوريا وما حصل في العرا وما سيحصل فيه مستقبلا ولا يستثنى من ذلك اي مكون من مكوناته واي طيف من اطيافه.. فتركيا حب هذه بكل ما لديها من اجل تصحيح اوضاعها الاقتصادية والديموغرافية والسياسية، بضم الاكراد في العراق اليها وإيجاد حزام امني بينها وبين علويي سوريا يمنع الاتصال والتواصل بينهم وبين العلويين في تركيا، كما يمنع الاتصال والتواصل بين الأكراد والطموح في الوصول الى البحر عن طريق الاسكندرونة او طرطوس. 

    ان تركيا بما لديها من ستراتيجية جديدة لا تفكر الان الا في اعادة رسم خرائط المنطقة بما يحقق لها: 

    1- الامن والاستقرار بإجهاض حركات كردية مسلحة كحزب العمال الكردستاني وكذلك انهاء التمردات الداخلية وإجهاض فكرة تطوير تلك التمردات الى كفاح مسلح من اجل الحصول على الحقوق التي حصل عليها اخوانهم الأكراد في العراق. 

    2- كان حلم وأمل أكراد تركيا في انتماء تركيا إلى الاتحاد الاوربي، اما الآن وبعد ان تبنت تركيا ستراتيجية الانفتاح باتجاه الجنوب وبتعاون تحالفي مع إسرائيل فقد تبخر كل شيء وأضحى الوضع يهدد بتطهير عرقي حقيقي من دون استخدام اسلحة دمار شامل خصوصا بعد أن أصبح إخوة الأمس حراس اليوم على حدود غير مسموع فيها ومنها غير اختراق عشرات الطائرات التركية للتدمير والحرق والقتل والابادة والتجسس على الأرض العراقية التي فر اليها من فر هربا من الموت المحقق او التتريك المؤكد.

    3- تأكيد وتركيز التواجد المالي والاستثمار والتجاري والاقتصادي والاستشاري في كردستان والانفتاح باتجاه تحقيق قدرة التأثير على الاوضاع الاقتصادية سلبا وإيجابا وتكثيف العمالة التركية في الكثير من الأنشطة والفعاليات بحيث يصبح اعتماد كردستان العراق كليا على تركيا تمهيدا لربطها ستراتيجيا بعجلة الاقتصاد التركي وبالسياسة التركية تلقائيا ومن خلال ذلك يمكن التأثير على محافظة الموصل وكذلك محافظة كركوك وتحقيق حلمها التاريخي في الوصول إليها باعتبارها مدينة تركمانية ولا يتوقف الحلم التركي عند هذا الحد بل هو يأمل الوصول إلى بغداد وربما البصرة أي كل العراق بلا استثناء ولكن على طريقة القضم وليس البلع. 

    4- ومن الجهة الشرقية، فان إيران ليست اقل من تركيا شهية حول ما هو ماثل أمامها، فهي تملك أجندة خاصة بها لا تعطي فرصة لأي حلم بالخروج من هذه الشرنقة المخيفة تلك هي حقيقة ما يحيط بنا، فأين تقع المشكلة او العقدة التي تمنع تضافر الجهود من اجل بناء عراق ديمقراطي تعددي اتحادي شفاف عراق شراكة حقيقية صادقة مخلصة؟ هذا ما سنتطرق اليه في حلقة أخرى بعون الله. 

  • قتلة الوقت الوسيمون

    الأغاني، دائما نقول عنها: إنها ثقافة شعب.

    باعتبارها تراكمات هواجس الناس.. أفراحهم وأحزانهم؛ وسجل حياتهم اليومية أيضا؛ ولذلك يلجأ الباحثون إلى استقرائها بحثا عن خصائص وجذور هذه الأمة أو تلك؛ بدءا من أغاني الطفولة إلى أغاني الحصاد إلى أغاني العمل؛ فالأعراس.. الخ.

    وهذه الأيام ينشغل التلفزيون العراقي؛ مثلما تنشغل بعض القنوات العراقية الأخرى؛ ببث الأغاني الرياضية؛ فالمنتخب يخوض مرحلة تصفيات مهمة وخطرة لا تقل أهمية وخطورة عما يخوضه السياسيون العراقيون من (تصفيات) ربما تنقلهم – كالمنتخب – إلى منصة التتويج؛ حيث المركز الأول، والسجّاد الحمراء، والسفر؛ والهدايا، والأموال التي لا يعرف احد من أين ستنهال (على المنتخب بالتأكيد.. لان سياسيينا – حفظهم الله ورعاهم – القمة في النزاهة وحفظ المال العام؛ وما ان يأتي لأحد منهم فلس واحد حتى يسارع لاشهار مصدره على الملأ؛ هذا اذا لم يتبرع به لاطفال المزابل وساكني بيوت الصفيح، لانه يخجل.. ان في البلد الذي يتباهى انه : استضاف القمة العربية؛ وكان موضع ثقة المجتمع الدولي والاقليمي فاجتمعت على ارضه البلدان النووية؛ وعلى مقربة من منطقته الخضراء مثل هذه المناظر !!)

    .. ما علينا. 

    •  ذاك اليوم.. دعاني صديقي عبد الله العراقي إلى شرب (استكان شاي) في المقهى؛ لاننا –بحسب ما ادعاه– ناس مسالمون؛ وبما أن القتل أصبح هذه الأيام (وجاهة) فلماذا لا نؤكد وجاهتنا بقتل شيء لا احد يطالبنا بدمه؛ ولا يمكن أن ننقاد بسببه إلى المحكمة، فتعال (نقتل الوقت)!!!

    لا اكتمكم.. استهوتني الفكرة؛ وتخيّلت نفسي (رامبو) آخر؛ او احد سفّاحي (مذبحة حديثة) من ابطال المارينز؛ فذهبت؛ لأجد أن (قتلة الوقت) في مقاهينا خير وبركة؛ بل إن من الممكن أن (ننظّم) منهم (ميليشيا دولية) يمكنها أن تجتاح حتى الصين.. الشعبية والرسمية؛ فالشباب الحلوين ممن يملؤون العين (عطالة بطالة) وقد أعطتهم هذه المهمة الوطنية؛ فرصة ذهبية.. اتقنوا فيها عمليات اقتناص (الدوشيش) واجتياح (الهبّبياض) ومحاصرة (خانة اليك) وبطرق لم تعرفها –ولن تعرفها– بلاك ووتر؛ او اية شركة امنية من المرتزقة، فهي (تريد مارك) عراقي صرف!!

     

    •  في المقهى.. تابعنا- عبد الله العراقي وانا- الأغاني الرياضية التي تشدّ من لاعبينا وجمهورنا على حد سواء، لكن فكرة الشبه المتماثل بين السياسيين واللاعبين سيطرت عليّ؛ بحيث بدأت اقلب على ضوئها ما اسمع من اغاني؛ فمثلا حين يقول المطرب(جيب الكاس جيبه) اتصور ان النائب فلتان من القائمة الفلانية يطالب – ضمنا – بكرسي النائب فلان من القائمة العلانية؛ وهو ما يضطر فلان وكورسه الى الردّ (صامد صامد صامد..على عناد كل حاقد)! 

    اما أغنية (حلوة ابو جاسم..للشبجه شكَكَها) فقد أحالتني إلى (ابو جاسم) وهو يمزّق كتل منافسيه ويجعل انقساماتها على قفا من يشيل؛ وضحكت على منافسه الذي لم يجد أمامه سوى أغنية (منتخبنه.. يا حسافة يغلبونه)!

    لكن الأغنية التي جعلتني اضع دشداشتي بين أسناني؛ واغادر المقهى راكضا وبدون ان اودّع صاحبي العراقي؛فهي أغنية (اولاد عمو بابا) لانني تخيّلت عمو بابا وهو يأمر اولاده بمداهمة المقهى و..(جيب) طارق حرب و(ودّي) احمد العبادي المحامي.

    وعليه..أصبحت ولا (كرستيانو رونالدو) أو (خضير زلاطه)!

  • أيــن نحــن مـن الأزمــة ؟

    العالم اليوم في أزمة , والاستقطاب الدولي الجديد هو بسبب وجود أزمة .

    والذي يدور حولنا هو من مضاعفات الأزمة ..

    واجتماعات مجلس الأمن هو بسبب وجود أزمة ..

    واجتماعات مجلس حقوق الإنسان هو بسبب وجود أزمة ..

    وبقاؤنا تحت الفصل السابع إلى الان هو بسبب وجود أزمة سابقة تفرعت عنها مشاكل لاحقة تنتظر الحلول , والحلول تنتظر العقول ؟

    فإذن علينا ان ندرس أمرنا ونتمعن بمصيرنا جيدا على طريقة وصية الإمام جعفر بن محمد الصادق “عليه السلام” الذي قال :” علمت أن عملي لا يقوم به احد غيري فاجتهدت”

    ولنبدأ من وصية الرجال الكبار فيما ينفع شأننا الداخلي الوطني لنرى أين نحن من تفكير الكبار ؟

    هل اعتمدنا على أنفسنا في حل مشاكلنا منذ 2003 والى اليوم ؟

    أم اعتمدنا على غيرنا في ذلك ؟

    ومن هو هذا الغير ؟

    والجواب سيكون صادما إذا توخينا الصراحة !

    فإذن سنمضي في طريق :” قل الحق ولو على نفسك ”

    ولنتذكر لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه .

    ثم لنتذكر قبل ذلك قوله تعالى : ” إن هذا القرآن يدعو للتي هي أقوم ”

    وقوله تعالى ” وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ”

    وقوله تعالى :” وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ”

    وقوله تعالى ” الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ”

    وبعد استحضار  كل هذه الاضاءات جاز لنا أن نقول : ” اننا كنا نستعين بالغير في حل الكثير من مشكلاتنا , ولذلك لم نتوصل إلى شيء .

    سيرفض البعض هذا الكلام ولكن من باب المكابرة.

    والمكابرة اليوم أصبحت حالة نفسية مستحكمة لدى البعض , مثلما أصبحت لدى البعض الآخر وسيلة لمصادرة وإلغاء الآخر .

    وسيرفض البعض الآخر هذا الكلام : بسبب الجهل وعدم المعرفة

    وتكاثرت الابعاض عندنا كتكاثر الذي ضرب به مثل ” ضعف الطالب والمطلوب ” حتى لم يعد لصاحب الرأي إذن صاغية في خضم هذا الصخب الذي تستجلبه الموائد وتخرسه قناطير الذهب والدولارات المقنطرة في الليالي المقمرة .

    وبسبب ذلك هتكت حرمات , واستبيحت كرامات , وفقدت سيادات لم ينفعها رفع الشعارات وكثرة اللافتات التي لو جمعت أموالها لما بقي فقير حائر , ومعوز يقف امام بخيل جائر , ويتيم ينتظر الرحمة ممن لا يرحم الحرائر .

    ولهذا فنحن في كل مرة نجد أنفسنا نراوح , ونخدع أنفسنا بأننا في سعة ونفطنا وغازنا هو لكل الشرائح .

    ثم نكتشف : ان عقودنا فيها الكثير من الفضائح واتفاقنا غير واضح . واجتماعاتنا تفوح منها الروائح وتصريحاتنا ملغومة بالقبائح ومؤتمراتنا ليس فيها إلا نحر الذبائح ولغتنا هجينة فيها الرطانة التي تجلب المهانة.

    ولهذا فنحن مازلنا نختلق الأزمات , ونصدر المشكلات , ونتفاخر بالمعجزات , ونختلف على الغيب والمغيبات التي سبقنا اليها أصحاب الأبراج وقارئ الفنجان , والكهنة الذين احتوتهم الفضائيات وخدعت بهم جمهور السهرات العازفين عن القراءة والبحث في المختبرات .

    فأصبحت أفكارنا مسطحة , ورؤانا محدودة , ونظرنا قاصر وأحلامنا صغيرة مهجورة , فأخذنا من حيث عرف ضعفنا وأغير علينا من ثغورنا غير المحمية , والتي أجلسنا فيها بعض الحرامية ؟

    فدخلت لنا امراض مهاجرة , وعادات بالسوء متواترة , ونحن في كل ذلك مازلنا نختلف حول أحقية عائدات المنافذ الحدودية مابين المركز والإقليم التي أصبحت كحكاية زليخة ويوسف التي لم ينقذها إلا وشهد شاهد من أهلها ؟

    واليوم نحن نعاني محنة الصدق في الشهادة : من يشهد لمن ؟

    أين الصحيح؟ …. وأين الخطأ ؟

    والشعب الذي لا ينتصر لنفسه وعقله , ولا يهتدي لمعرفة الصح والخطأ يصدرون له المشاكل والأزمات , ولقد عانينا من ذلك كثيرا حتى بلغ السيل الزبى ؟

    ان شعبنا يعرف الصحيح  ويشخص الخطأ , ولكن الذين شهدوا شهادة الزور , هم من شوهوا سمعته , وبخسوا حقه .

    وهؤلاء فيهم من داخلنا وفيهم من الخارج الذي صنع الإرهاب وفرق الأحباب , وهدم القباب , واعتدى على الكتاب . هل مازلتم تريدون المزيد …. واللبيب بالإشارة يفهم ؟

    فإذن علينا غربلة وضعنا كما يغربل الحب من الحصى , وتلك جولة لابد منها حتى نغادر ساحة المشاكل والأزمات , ونفتح بابا للتطورات , ونؤسس قاعدة للبناءات , تقوم على ما يلي :-

    1-  محاسبة المقصرين

    2-  معاقبة الفاسدين

    3-  تغيير الحواشي والمقربين

    4-  اعتماد الكفاءة والخبرة عمليا وليس مجرد شعارات

    5-  وضع خطة أمنية تعتمد على المسح الميداني لخلايا الإرهاب واشراك قطاعات معروفة من النخب الاجتماعية في سير العملية , مثلما ضرورة إشراك النخب الفكرية في وضع خطة البرامج الثقافية التخصصية لإعادة تأهيل الذين تأثروا بثقافة الإرهاب من الشباب.

    6-  ترجمة تحديد رواتب الرئاسات والوزراء والنواب بشكل واضح للشعب

    7-  المبادرة إلى انجاز حصة الشعب من عائدات النفط عمليا.