ما أسهل التنظير وما أجمله، ألا يكفي انه يذلل المصاعب ويجعل المستحيل ممكناً، انه تركيبة سحرية من الأماني والأحلام والخيال الخصب، وهذا ما يميزه عن التطبيق، ذلك الفعل العسير المحاط بالعراقيل والمنغصات، انه باختصار فن الحياة وإيقاعها الحي!
هل جربتم حجم الأحاديث العاطفية، والتعابير الرومانسية المبتكرة التي القيناها على مسامع حبيباتنا، وتلقينا منهن مثلها او أعذب منها، قبل ان تحين ساعة الوصول الى المحكمة الشرعية والدخول إلى غرفة النوم والأسرة العريضة، والعيش تحت سقف واحد، وهل سألتم أنفسكم كم بقي من أحاديث الأمس ومناجاة القمر والهمسات الناعمة بعد الزواج ولما يمضي شهر العسل وكم تغير المشهد وتعكرت الصورة الى حد ان يلعن احدنا الآخر، والآخر شريك عمر، ورفيق رحلة ورهان سنوات من العذاب والانتظار والصبر الجميل، فإذا لاشيء من رشوشات الليل وأحلام الصعود إلى منازل النجوم ولاشيء من العهود المقطوعة والوعود المتبادلة على الاكتفاء بكوخ من سعف النخيل على ضفة نهر أو شاطئ بحر يشع بالمحبة وألق العشق، يغني عن قصر من اللؤلؤ والمرجان، لاشيء من مواثيق الأمس القريب وأيمانه الغليظة قد صمد أمام الخلافات وأدناها يقصم ظهر البعير، ليس ابتداء من وقائع الاحتياجات اليومية والمعيشية وليس انتهاء بتباين الطباع والأمزجة، وتقاطع الآراء والمواقف.
تساقطت الأقنعة والتنظيرات والأحلام ومساحيق التجميل وأوراق التوت ومرة اخرى لاشيء من الرجل باخلاق الفرسان ولاشيء من المراة بمواصفات الاميرة قد بقي في مواجهة الحياة التي كشفت المستور وسخرت من عذابات الحب!!
هل جربتم كما جربت حجم الوعود الكبيرة ونخوات الأصدقاء والأقارب ووضع الأصابع على الشوارب وكلها تقول «آني عندك ابو فلان ولا يهمك» حتى اذا عصفت بك محنة او عصرتك ضائقة مالية، ومددت بصرت ذات اليمين وذات الشمال طالبا العون وقد حان موعده، ارتد اليك البصر بحفنة من الأعذار وكان حصادك قبض ريح وأنت تعرف أن من سألتهم على ميسرة ولكل قاعدة استثناء كما يقولون ، ولكن أين القاعدة، -جنبنا الله وجنبكم شرورها- من الاستثناء ، حتى اذا انقشعت عنك الغمة، وتجاوزت المحنة وكنت من الذرية الصالحة الطيبة، دعوت في صلاتك وقيامك وتعودك ألا يمس الضر الإنسان ولا يضطر الى سؤال أخيه فلا يرجع بغير الخيبة، وما أصعب ان يخذل ابن ادم من اقرب الناس إلى روحه!
هل جربتم كم يمكن أن تتحدث عن الديمقراطية واصلها وفصلها، ونفاخر بالأعذار من صلبها والانتماء إلى حسبها ونسبها وكم نستطيع التنظير حول الرأي والرأي الآخر وعظمة الانتخابات وبساطة التداول السلمي سلطة وحرية التعبير، وحين تبدأ لحظة التطبيق ونكون نحن في بحبوحة الكرسي ونعيمة ونغنغته، نشتم الديمقراطية إلى سابع الظهر، وتنكر لها، ونلعن حاملها وشاربها وساقيها، إنها حلوة مثل ملكة جمال فرنسية نتغنى بزرقة عينيها ونحلق في أحلامنا مع مفاتن جسدها إلى عالم غير عالمنا فإذا دخلت بيوتنا وأصبحت ملك اليمين، قلبنا لها ظهر المجن، وبدأنا نراها أقبح من امة سوداء وعجوز شمطاء تنافسنا على ما نحن فيه، فلا تتورع عن وأدها خشية (الخسارة) ودفنها على رؤوس الأشهاد، ودفنها في أول مقبرة على الطريق!!