Blog

  • تجارب حياتية

     ما أسهل التنظير وما أجمله، ألا يكفي انه يذلل المصاعب ويجعل المستحيل ممكناً، انه تركيبة سحرية من الأماني والأحلام والخيال الخصب، وهذا ما يميزه عن التطبيق، ذلك الفعل العسير المحاط بالعراقيل والمنغصات، انه باختصار فن الحياة وإيقاعها الحي! 

    هل جربتم حجم الأحاديث العاطفية، والتعابير الرومانسية المبتكرة التي القيناها على مسامع حبيباتنا، وتلقينا منهن مثلها او أعذب منها، قبل ان تحين ساعة الوصول الى المحكمة الشرعية والدخول إلى غرفة النوم والأسرة العريضة، والعيش تحت سقف واحد، وهل سألتم أنفسكم كم بقي من أحاديث الأمس ومناجاة القمر والهمسات الناعمة بعد الزواج ولما يمضي شهر العسل وكم تغير المشهد وتعكرت الصورة الى حد ان يلعن احدنا الآخر، والآخر شريك عمر، ورفيق رحلة ورهان سنوات من العذاب والانتظار والصبر الجميل، فإذا لاشيء من رشوشات الليل وأحلام الصعود إلى منازل النجوم ولاشيء من العهود المقطوعة والوعود المتبادلة على الاكتفاء بكوخ من سعف النخيل على ضفة نهر أو شاطئ بحر يشع بالمحبة وألق العشق، يغني عن قصر من اللؤلؤ والمرجان، لاشيء من مواثيق الأمس القريب وأيمانه الغليظة قد صمد أمام الخلافات وأدناها يقصم ظهر البعير، ليس ابتداء من وقائع الاحتياجات اليومية والمعيشية وليس انتهاء بتباين الطباع والأمزجة، وتقاطع الآراء والمواقف. 

    تساقطت الأقنعة والتنظيرات والأحلام ومساحيق التجميل وأوراق التوت ومرة اخرى لاشيء من الرجل باخلاق الفرسان ولاشيء من المراة بمواصفات الاميرة قد بقي في مواجهة الحياة التي كشفت المستور وسخرت من عذابات الحب!! 

    هل جربتم كما جربت حجم الوعود الكبيرة ونخوات الأصدقاء والأقارب ووضع الأصابع على الشوارب وكلها تقول «آني عندك ابو فلان ولا يهمك» حتى اذا عصفت بك محنة او عصرتك ضائقة مالية، ومددت بصرت ذات اليمين وذات الشمال طالبا العون وقد حان موعده، ارتد اليك البصر بحفنة من الأعذار وكان حصادك قبض ريح وأنت تعرف أن من سألتهم على ميسرة ولكل قاعدة استثناء كما يقولون ، ولكن أين القاعدة،  -جنبنا الله وجنبكم شرورها- من الاستثناء ، حتى اذا انقشعت عنك الغمة، وتجاوزت المحنة وكنت من الذرية الصالحة الطيبة، دعوت في صلاتك وقيامك وتعودك ألا يمس الضر الإنسان ولا يضطر الى سؤال أخيه فلا يرجع بغير الخيبة، وما أصعب ان يخذل ابن ادم من اقرب الناس إلى روحه! 

    هل جربتم كم يمكن أن تتحدث عن الديمقراطية واصلها وفصلها، ونفاخر بالأعذار من صلبها والانتماء إلى حسبها ونسبها وكم نستطيع التنظير حول الرأي والرأي الآخر وعظمة الانتخابات وبساطة التداول السلمي سلطة وحرية التعبير، وحين تبدأ لحظة التطبيق ونكون نحن في بحبوحة الكرسي ونعيمة ونغنغته، نشتم الديمقراطية إلى سابع الظهر، وتنكر لها، ونلعن حاملها وشاربها وساقيها، إنها حلوة مثل ملكة جمال فرنسية نتغنى بزرقة عينيها ونحلق في أحلامنا مع مفاتن جسدها إلى عالم غير عالمنا فإذا دخلت بيوتنا وأصبحت ملك اليمين، قلبنا لها ظهر المجن، وبدأنا نراها أقبح من امة سوداء وعجوز شمطاء تنافسنا على ما نحن فيه، فلا تتورع عن وأدها خشية (الخسارة) ودفنها على رؤوس الأشهاد، ودفنها في أول مقبرة على الطريق!! 

  • الفارس التاسع عشر

     لا علاقة لموضوعنا هذا بالفيلم الهوليودي المثير الفارس الثالث عشر (The 13th warrior), الذي قام بدور البطولة فيه الفنان الاسباني انطونيو بانديراس, 

     وكان من أفضل أعماله التمثيلية, التي تناولت (بمصداقية) شخصية الفارس العربي (أحمد بن فضلان), بنبله وشجاعته وذكائه وصلابته وشهامته, على عكس ما فعله مجلس الفرسان التسعة عشر في مصر بعد سقوط نظام مبارك, والذين لم يكونوا بالمستوى الذي يؤهلهم لتمثيل الشعب المصري الصابر المكافح, حتى افتضح أمرهم بممارساتهم العبثية, وقراراتهم الارتجالية, التي أسهمت في تعطيل إجراءات نقل السلطة, وإشعال النيران والفتن, واختلاق الأزمات في حوض النيل, وبدا واضحا إن الفارس التاسع عشر, الذي يقود الآن مجلس (العشرين ناقص واحد), لن يسلم السلطة بهذه البساطة للقوى الديمقراطية المرشحة للفوز بعد الانتخابات, فالفارس التاسع عشر وجماعته لن يفرطوا بالمكتسبات, التي انهالت عليهم عقب انهيار حكم مبارك, وليس أدل على ذلك من تلك الألغام الكثيرة, التي غرسوها في الطريق المؤدي إلى الخلاص من رواسب النظام السابق, ما ينذر بتدهور الأوضاع هناك, وانحرافها نحو إنتاج نظام هلامي هجين, مؤلف من قادة الجيش المصري, وبقايا النظام السابق, والقوى الراديكالية المتطرفة, وسيكون البطش والقوة من ابرز ملامح النظام الجديد, وغاب عن أذهان مجلس الجنرالات التسعة عشر إن الشعب المصري, الذي قال كلمته في ميدان التحرير, ووقف بوجه أخبث الأنظمة العربية, وقدم التضحيات الكبيرة للخلاص من الظلم, لن يسمح بتكرار المأساة, ولن يرضى بغير الانعتاق من الذل, ولن يقف مكتوف الأيدي مهما تعاظمت قوى الشر بملامحها الزئبقية المراوغة, وليس هنالك أدنى شك بان المواجهات المصيرية المرتقبة باتت وشيكة الوقوع, وان العقول المتحجرة التي ماانفكت تفكر باستغلال الظروف وإعادة عقارب الساعة إلى ما كانت عليه قبل الإطاحة بالنظام سوف تحصد الخيبة والفشل الذريع, ولن تفيدها كل محاولات التعطيل والمساومة كي تكون هي الوصية, فلا وصاية لأحد على الشعب المصري, ولا مجال لقبول الفرسان التسعة عشر كامتداد لعهود المماليك والفرنسيين والانجليز, وسيقول الشعب كلمته مرة أخرى, وينهض من جديد ليرسم مفردات إستراتيجيته الجديدة للمرحلة القادمة, ويؤسسها على القواعد الحضارية الناضجة. 

     لم تنبثق المعارضة المصرية من مكاتب الأحزاب العلنية, ولا من أوكار الأحزاب السرية, ولم تخرج من جلباب الأخوان, ولا من أجندات الصبيان, وإنما خرجت بصورتها العفوية, وانطلقت من براكين الغليان الشعبي المتفجر بالغضب, ومن حناجر القلوب المتفاعلة مع ما وصلت إليه الظروف القاسية, فولدت الثورة في الشوارع والميادين والساحات العامة, وهي التي ستعيد إلى مصر توازنها ومكانتها التاريخية وسط الكيانات العربية, التي تتطلع منذ زمن بعيد إلى عودة مصر لمركزها الريادي, وموقعها الحضاري, ولا مكان بعد الآن للفرسان التسعة عشر. 

  • قصة الباب والألف والنقطة.. وقرّة العين والصدفة التي كادت أن تخلق فتنة .. المربع الشيطاني وأساليبه في إدارة عمليات ترسيخ الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية على المنطقة.. البهائية أنموذجا

    في تزامن يثير الكثير من الأسئلة المنطلقة من شكوك حقيقية، ظهرت عدة حركات حملت معها الكثير من الألغاز والاحاجي والشبهات حول دوافعها وأسباب ظهورها ومنطلقاتها، وأهدافها وغاياتها… وبرغم أن ما بذل عليها وما سخر من اجلها وما انفق في سبيلها، كثير وكبير ومتعدد غير أن المتلقين من الناس، تعاملوا معها بحذر شديد قائم على الشك والريبة والشبهة ولم يكن ذلك في غير محله، بل لقد برهنت التطورات والزمن، صدق الحكم على هذه الحركات بالانحراف، فالماسونية والوهابية والبهائية، شكلت عبر ظهورها، ظواهر بارزة وواضحة مغرقة بالأهداف والأفكار المخربة والمدمرة للمعتقدات الإلهية والتوجهات الإنسانية وصنعت لأهداف وغايات ومرامٍ تخدم أجندات معلومة لجهات مفهومة ومعروفة.

    وسنتناول في بحثنا هذا البهائية، على أننا سنتصدى في محاولات بحثية أخرى للماسونية والوهابية وما طرأ عليهما من تجديد وترميم وإضافات.

    لقد أثارت وتثير البهائية الكثير من الفضول وحب الاطلاع والاهتمام الناجم عن الرغبة في المعرفة والاستزادة بالعلم والدراية الحقيقية لهذه الظاهرة التي اعتبرها البعض “ديناً” فيما نفى البعض الآخر ذلك مبينا بالأدلة والبراهين القانونية والعلمية لا دينيتها، وإنها مجرد حركة وضعية من عمل البشر.

    ورغم أن الذين تناولوا هذه القضية كثيرون، وبذلوا جهودا مضنية من اجل الوصول إلى ما يؤدي إلى إشاعة المعرفة بالبهائية وإزالة كل لبس او غموض.. فان ما حققته في هذا البحث الاستقصائي فات على الكثيرين من السابق واللاحق.

    لقد حاولت جهدي إظهار العلاقة السببية والسياسية والأيدلوجية بين هذه الحركات الثلاث، في الترتيب والتكوين والية العمل والأهداف الآنية والمستقبلية والخلفيات التاريخية من خلال أيجاد خيط يتلمسه القارئ الكريم من خلال الربط بين المضامين والشكليات والأهداف.

    البابية 

    ترى هي البهائية او البابية..؟

    البهائية صنيعة وضعية استمدت اسمها من “الباب” وهو علي بن محمد بن ميرزا محمد رضا البزاز، لقب نفسه بـ”الباب” تدرج في التفسيرات والتعليلات منذ أن بدأ بإظهار توجهاته ومفاهيمه رغم انه حاول في البداية أن يخفي جزءا مهما من غاياته ومراميه وخصوصا ما يعنيه وما يقصده بـ ” الباب ” مستخدما أسلوب التدرج حيث ادعى في البداية انه يقصد في الباب، الأمام المهدي المنتظر، وقال انه أراد بالباب “العلم” آخذا من الحديث النبوي الشريف “إنا مدينة العلم وعلي بابها”، ثم قال انه أراد به “الدين” باعتبار أن لا مدخل للدين الا من جهته هو.. إلى أن وصل به المطاف حد التحريم على إتباعه طلب العلم إلا من كتبه، وجعل لنفسه ألقابا غير ” الباب” منها:

    “النقطة” و “الذكر” 

    ولد علي في أول محرم سنة 123 هجرية-1820 ميلادية من أبوين إيرانيين، وتوفى والده قبل فطامه، فنشأ في حجر خاله الميرزا علي الشيرازي شقيق والدته المسماة خديجة وعنى خاله بتعليمه، فتعلم اللغة العربية تعليما بسيطا، فيما تعلم العبرية على نحو أفضل كما تعلم النحو الفارسي وبرع في الخط إذ صرف جهده إليه ثم ادخله خاله عالم التجارة وأخذه إلى مدينة “أبو شهر” على الخليج العربي فاتخذا لهما محلا في الوكالة المسماة، سراي الحاج عبد الله، وكان ذا ميل واضح لتعلم التعاليم الروحانية وكثيرا ما كان يختلي بعدد من العاملين في التجارة والبحر. وكان من بينهم شخصية لا تثير الانتباه يغيب كثيرا في نجد وحفر الباطن في الضفة الغربية من الخليج حيث كان يلتقي بالشيخ محمد عبد الوهاب وبالأمير محمد آل سعود وبعدد من الانكليز وكان عبد المعين التميمي وهذا هو اسمه يدعي صلته بمحمد عبد الوهاب بحكم كونه ابن عمه.وتذكر مجلة المرشد العراقية لهبة الدين الشهرستاني في عددها الصادر في 22 / كانون الأول/ 1922.وكذلك مجل لغة العرب للأب انستاس ماري الكرملي في عددها الصادر في 14 / 7 / 1911 أن “علي” هذا كان يتردد على البصرة والدرعية والكويت وله فيها أصدقاء ومعارف.ويقول المطلعون على تفاصيل حياته في تلك الفترة كما تذكر ذلك مجلة الإيمان اللبنانية في عددها الصادر بتاريخ 18 / 1 / 1964، انه عكف في مدينة بوشهر على الخلوات الرياضية الروحية فكان، يصعد على السطح في حر الظهيرة إذ تبلغ درجة الحرارة أكثر من 60 درجة مئوية مكشوف الرأس ويمكث بضع ساعات معرضا رأسه لأشعة الشمس المحترقة فإصابته بعد ذلك نوبات عصبية فعظم ذلك على خاله فزجره فلم ينزجر فأرسله إلى العراق لزيارة العتبات المقدسة لعله يشفى مما به وكان قد بلغ العشرين من العمر.

    في العراق بدأت المرحلة الجديدة في حياة ” الباب ” او كما يقول خصومه والباحثون في خلفيات البهائية وارتباطاتها بداية التنفيذ الفعلي والعملي لما حصل عليه من “تعليمات” و”مفاهيم” وصنعت له من الاستخبارات البريطانية والشبكات الصهيونية والتحالف الوهابي السعودي الذي بدأ للتو ينشط باتجاه التطهير المذهبي للشيعة بشكل خاص والمذاهب الإسلامية الأخرى بشكل عام.أقام “الباب” في العراق أربع سنوات وستة أشهر على رواية مؤرخي إيران وخمسة أشهر على رواية البابايين، حيث استمر على عادته في ممارسة الرياضة الروحية والعبادات وكان يحضر درس السيد كاظم الرشدي في كربلاء المقدسة، ويسمع أقواله وشروحه ويستفهم عما ربهم عليه منها ثم ذهب إلى مسجد الكوفة مع بعض معارفه، فاعتكفوا هناك أربعين يوما وبعد رجوعه، لوحظ عليه انه تغير في أسلوب طرحه للقضايا، حيث ظهر بمظهر المخالف والمعارض للكتاب والسنة فعزلوه وعنفوه ثم قاطعوه فتأثر به عدد قليل من المحيطين به وهم ثمانية عشر رجلا سماهم “حي” وهي في حساب اللغة الأبجدية ثمانية عشر وهو التاسع عشر فجعل هذا العدد مباركا وبنى عليه أحكاما.

    لقد بدأت فصول الأمر تبرز تباعا من غير اكتراث فعلي من قبل الآخرين الذين ذهبوا في محاولات تتسم بالغضب والحدة، من دون جدوى، فـ”الباب” مضى مدفوعا بالتشجيع والتحويل الواضح والمستتر يقيم العلاقات ويؤسس الصلات ومع ذلك أدرك أن بقاءه في كربلاء والنجف لم يعد أمينا.. خصوصا بعد أن أسفر عن حقيقته بشكل لا يقبل اللبس أو الاجتهاد بحيث لم تعد تقولاته وأحكامه وشرائعه تندرج في خانة الاجتهاد المسموح به في أوساط البحث والدرس، بل بدا منه ما يفيد الكفر والزندقة والخروج، عن أحكام الدين الإسلامي الحنيف بشكل كامل من هنا كان لابد من حصول إجماع في الحكم عليه فتبرأ منه علماء الشيعة وكفروه وكذلك علماء السنة.. وعقدت الجلسات العلمية وصدرت الفتاوى والتعقيبات والتعليقات لتحليل ما جاء به من “الباب” وما ادعته أقوالهم وكتبهم وشعاراتهم غير أن ذلك لم يفت في عضده، بل استمر في نهجه بتنفيذ خطته المعدة سلفا فادعى انه صاحب شريعة وانه انزل كتاب سماه “البيان” وقال في كتاب أصدره تحت عنوان “أحسن القصص” الذي جعله في تفسير بعض الآيات ما نصه “إني أفضل من “….” وقراني أفضل من “….” وإذا قال “……” بعجز البشر عن الإتيان بسورة من سور القران فانا أقول بعجز البشر عن الإتيان بحرف مثل حروف ” البيان ” ويمضي في أكاذيبه وتحرضاته وادعاءاته الموحى له بها من شياطين الماسونية والصهيونية والوهابية فيقول: ان “….” كان بمقام الألف وأنا بمقام النقطة فهل يمكن أن تقرأ الكلمة من دون نقطة.. الشيخية والبابية للشيخ محمد الخالصي ـ ولم يتوقف عن هذا الحد بل استمر في تصعيد هجومه العدواني للنيل من مكانة الإسلام وخاتم النبيين فادعى انه خالق الخلق وانه ليس نبيا عاديا أو بسيطا، بل هو كما زعم متشخص للإلهة مفتاح باب الأبواب ـ وأرسل دعاته إلى إيران وغيرها وشرط عليهم الكتمان وعدم البوح باسمه حتى يكون هو الذي يظهره، فذهب ـ ملا محمد علي المازندراني وملا صادق الخراساني- الى كرمان لدعوة اهلها ودعوة الحاج محمد كريم خان قاجار وهو من العائلة القاجارية المالكة، فرفض الدعوة وأعلن كفر البابية وألف كتابا كرسه لتوضيح بطلان البهائية وما جاء به الباب، فمقته البابيون مقتا شديدا وفيه يقول البهاء: “أذكر الكريم إذ دعوناه إلى الله انه استكبر بما اتبع هواه بعد إذ أرسلنا إليه ما قرت به عين البرهان في الإمكان.. انه ولي مدبر إلى أن أخذته زبانية العذاب عدلا من الله إنا كنا هدين”.

    واظهر الباب عزمه على السفر إلى مكة لأسباب بقيت مجهولة. أن ما ترشح عن تلك الرحلة يفيد بأنه حضر في الدرعية لقاء او اجتماعا ضم عددا كبيرا من الماسونيين واليهود والوهابيين وكان معه ثمانية عشر رجلا من أتباعه وأبحر على سفينة شراعية بعد انتهاء اللقاء في الدرعية وكادت السفينة أن تغرق فلجأ إلى بوشهر ويشكك الشيخ الخالصي في الرحلة وفي أسبابها ونتائجها وفي الوقت الذي كان “الباب” يواجه أهل بوشهر الغاضبين عليه وعلى انحرافه كانت مدينة تبريز تعيش ثورة حقيقية عصفت بمبعوثيه حيث شرع واليها حسين خان المراغي التبريزي بهاجمة المبعوثين مع الناس وأمر بقتلهم بعد إلقاء القبض عليهم فتم قتلهم في شهر شعبان 1261 هجرية ـ 1845 ميلادية، الأمر الذي حمل الباب الذهاب إلى تبريز متخفيا عسى أن يتمكن من الثأر من الوالي، فوجد الأوضاع في تبريز على غير ما كان يأمل ويتوقع فعلماؤها غاضبون والناس ناقمون فوجد ملجأ يختفي فيه.. وهناك ألف كتابه “البيان” وجعله كتاب الشريعة والأحكام وفيه الكثير من السجع العربي وبعض الفارسي إلا أن النفس العربي ملحوظا، فلما سئل عن ذلك قال: “إن الحروف والكلمات عصت واقترفت خطيئة في الزمن الأول.. فعوقبت على خطيئتها بان قيدت بسلاسل الأعراب وحيث بعثنا رحمة للعالمين فقد حصل العفو عن جميع المذنبين حتى الحروف والكلمات، فلتذهب حيث شاءت من وجود اللحن والغلط” ـ دائرة المعارف ـ. 

    غير أن والي تبريز استدل على مكانه فأرسل إليه، ولاطفه وأكرمه واستدرجه بان اظهر تصديقه ووعده النصر بالسيف فانخدع الباب وسر سرورا عظيما ووعد الوالي بأنه سيجعله سلطانا على المملكة العثمانية يوم يملك الأرض فطلب إليه الوالي أن يكف عن الدعوة حتى يتهيأ له أعداد القوة لـ”الجهاد” فصدق المشورة في وقت بدأ الوالي يعمل على جمع علماء المسلمين في تبريز، طلب منهم إصدار فتوى بحقه، وفعلا حصل اجتماع ضخم، طلب الوالي من “الباب” أن يقدم اجتهاداته وآراءه وأفكاره في قرطاس مكتوب وبعد تردد وتوجس لم يجد الباب أمامه غير ما طلبه الوالي فقدم ورقة مكتوب فيها عدة اسطر باللغة العربية على سبيل المناجاة كثيرة اللحن والغلط سقيمة التراكيب غثة المعاني، فأخذها العلماء واظهروا عيوبها وضآلتها وضحالتها فاعتذر بأنه لم يتعلم وان ذلك الهام ووحي، فأفتى بعض بجنونه وبعض بقتله فأمر الوالي بضربه وسحبه فضرب ضربا مبرحا فاظهر التوبة والرجوع الى الهدى فكف عنه وأمر بأخذه مشهرا إلى المسجد وفيه جماعة من العلماء فصعد المنبر واعلن بطلان ما كان يدعيه والندامة على ما فرط منه ثم ادخل السجن ومنع من الناس.. بيد أن انتشار الكوليرا في المدينة، أنقذه، حيث استغل الفرصة السانحة، فهرب الى أصفهان وفيها عاش على عهد واليها منوجهر خان بسعادة وحرية، لكون هذا الوالي كان حديث العهد بالاسلام وهو مملوك كرجي، غير أن وفاته (جلبت) للباب المآسي ثانية، حيث ارسله من خلف منوجهر الى طهران التي بادرت بنفيه الى قلعة “جهريق” بمدينة ماكو القريبة من مدينة بايزيد العثمانية في ولاية اذربيجان، ومن هناك طلب من أتباعه القيام بالتمرد والعصيان ويجهروا بأدائه وأفكاره وطروحاته واول من لبى طلبه ملا حسين بشرويه الخراساني بخراسان والملا محمد علي البارفروشي وزرين تاج “التاج المذهب” المعروفة بقرة العين بمازندران وطبرستان وجيلان.وكان لملا حسين منزلة كبرى عند البابيين وهو ممن أجاب دعوة الباب لما كان في شيراز وسماه “باب الباب” واطلق عليه لقب المبشر والوزير وهو الذي يقول فيه البهاء: “لولاه ما استوى الله على عرش رحمانيته ولا استقر على كرسي حمدانيته” فجهر ملا حسين بالدعوة ومعه ملا صادق الخراساني وتبعهما جماعة فعقدوا أعلاما سودا ليطابقوا حديث طلوع الرايات السود من خراسان وجمع الملا حسين 313 رجلا ليكونوا عدة أهل بدر فقام الناس إلى حربهم فتحصنوا بمقبرة الشيخ الطوسي في ولاية مازندران وبذلوا جهودهم في تحصينها ووفد اليه البابيون من كل حدب وصوب وهو يعدهم ويمنيهم بالملك والسلطان غير ان سلطان ايران ناصر الدين شاه ارسل اليه حملة منظمة فقتل ملا حسين وقبل أن يسلم الروح أوصى أصحابه بطاعة ملا محمد علي البارفورشي الملقب عند البهائيين بالقدوس، فواصل القتال ضد الحكومة، التي ارسلت اليه حملة جديدة بقيادة سليمان خان افشار فأصلاهم بنار حامية كان من نتيجتها هزيمة ساحقة للبهائيين ووقوع ملا محمد علي بالاسم، فقدم للمحاكمة وحكم عليه بالاعدام واحرقت جثته وجثامين اصحابه.واما قرة العين وتلقب عند البابيين “شمس الضحى وبدر الدجى وصديقة طاهرة” فهي بنت ملا صالح القزويني احد علماء وقته وكانت من أجمل نساء عصرها.ودراسة سيرة قرة العين توضح على نحو لا يقبل الجدل الجذور الماسونية والصهيونية، لدعوة البهائيين فقد أظهرت قرة العين أمرها وجوهر دعوتها فقالت بضرورة رفع الحجاب وأعلنت صحة تزويج المرأة بتسعة رجال دون أن توضع لماذا تسعة بالذات!! فاجتمع حولها جماعة من الشاذين، فأفتت بمقتل علماء الدين ففتك رجالها بعمها وهو قائم يصلي في المحراب وهاج المسلمون فخرجت خائفة غير أنها لم ترتدع عن غيها فنادت باسم الباب وقالت بنسخ شريعة المصطفى صلى الله عليه واله وسلم دون أن تعطي البديل بل هي قالت أن شريعة الباب لم تصل اليهم بعد، فهم في زمن فترة لا تكليف فيها ولا أمر ولا نهي ومن قولها ما ترجمته “فاخرجوا من الوحدة ومزقوا الحجاب وشاركوا النساء بالاعمال وواصلوهن فما هن إلا زهرة لابد من شمها لأنها خلقت لذلك”!!

    قرة العين عارية

    وفي مازندران التي هربت اليها مع الملا محمد علي البارفروشي “القدوس” عرف الناس فيها بقدومها إلى مدينتهم فهبوا هاجمين عليها، فأخرجوها مع صاحبها من الحمام عاريين، ليتم القاء القبض عليها، فتم ربط شعرها بذنب بغل جرها الى المحكمة التي صدرت حكمها عليها، بالموت فقتلت واحرق جثمانها وكان ذلك في شوال عام 1264 ـ 1847 م، ويقول العلامة الآلوسي في بغداد ان الذي لقبها بقوة العين هو السيد كاظم الرشتي في مراسلاته لها وقال انها قلدت الباب بعد الرشتي ثم خالفته في عدة اشياء منها التكاليف، فقيل انها كانت تقول برفع التكاليف بالكلية، ويضيف العلامة: وأنا لم أحس بشيء من ذلك، مع انها بقيت في بيتي ـ اي بيت الالوسي ـ شهرين وكم من بحث جرى بيني وبينها رفعت فيه التقية وقد رأيت فيها الفضل والكمال ما لم أره في كثير من الرجال وهي ذات عقل واستكانة ومزيد حياء ورصانة ”

    ولا يحفى ان اجتماعها بالالوسي كان قبل اظهار امرها واعلان دعوتها وتشير العلامة الالوسي في مصنفاته الى ان قرة العين قد قدمت الى العراق جمع بعض خواصها ونزلت في بيت الالوسي الذي رحب بها وحاورها وساجلها، ثم قفلت راجعة إلى بلادها بأمر السلطان عبد المجيد سلطان الدولة العثمانية، الذي وصلت إليه معلومات مفادها أن قرة العين تتصل ببعض العلماء سرا وجهرا وتروج لأفكار فيها شيء من “الزندقة” كما ذكرت ذلك مجلة ” المرشد” العدد الثاني السنة الثانية عام 1921 وكنت قد سمعت من بعض شيوخ العراق ممن عايشها وخصوصا البعض ممن كان قريبا منها عندما كانت في كربلاء أن قرة العين ادعت الوحي وان بضع وريقات مما كتبته بخط يدها قد جيء به إلى النجف بعد قتلها وقد اطلعت عليها في عام 1966 في مكتبة الإمام علي بن أبي طالب.

    محاولة اغتيال وقتل الباب

    لقد شهدت السنوات ما بين 1845 ـ 1870 العديد من الثورات والتمردات البابية بيد أن ايا منها لم يحقق سوى المزيد من النكسات للبهائيين وكان أبرزها محاولة اغتيال ناصر الدين شاه في عام 1268 هجرية ـ 1850 ميلادية، حيث استطاع الشاه التصدي للكمين الذي نصبه البهائيون فتم قتل جميع اعضاء الكمين، وانتقلت عمليات القتل والسحل والإبادة على المستوى العام، حيث تم تعقب البابية حتى خمدت نارهم وهدأت شرتهم، عندما وصل الأمر إلى الباب الذي كان حتى هذا الوقت قابعا في السجن في قلعة جهريق حيث طلب ناصر الدين شاه من والي تبريز ان يحصل على فتوى من العلماء بقتل الباب فخضع الوالي للأمر، فعقد مجلسا من العلماء واحضر الباب فسأله عما يوحى اليه فقرا عليهم بعض سور بيانه ، فامر الوالي بان يكتب ما قرأه، ثم انتقل الى حديث اخر ثم فاجأه بسؤال: هل يمحي الوحي من ذهن الموحى اليه ما اوحى به اليه ؟ فقال: لا، فقال الوالي : اتل لنا ما تلوته منذ ساعة، فأعاده وفيه تغيير وتبديل كثير ثم اختبروه بغير ذلك ثم تشاوروا فحكموا بقتله في صبيحة يوم الاثنين لثلاث ليال بقين من شهر شعبان 1270 هجرية ـ 1852 ميلادية، حيث افتى بقتله الملا محمد الحمقاني رئيس العلماء الشيخية. اخذوا الباب حافيا حتى إذا بلغوا به ميدلن “سرب ازخانه كوجك “وفيها من الجنة ثلاثة أفواج “طوابير” وبين هذه الطوابير حصلت المفاجأة “الصدفة” .

    صدفة تخلق فتنة

    عندما نتتبع حياة البهائيين، نجد انهم يعتمدون على الصدف في خلق هالات تحيط بأسمائهم وشخوصهم وليس ثمة صدفة اشد وضوحا من تلك التي حدثت اثناء تنفيذ حكم الاعدام رميا بالرصاص بـ”الباب” حيث فوجئ الناس بعد ان تجلى الدخان المتصاعد من البنادق التي نفذت عمليات الرمي، بان “الباب” غير موجود في الموضع الذي تم ربطه به بواسطة حبل متدل من اعلى السقف وعندما هاج الناس، وماجوا وكاد الامر يصل الى الانفجار، لو لم يسارع الجند الى البحث عن “الباب” في اقبية القلعة ودهاليزها حيث تم القبض عليه وإعادته الى مكان الذي كان فيه، وجلية الأمر أن الحبل الذي كان مربوطا به انقطع بفعل إحدى الإطلاقات التي أصابته.ويقول البابويين، ان جثة “الباب” قد تم نقلها إلى حيفا في فلسطين حيث أقيم له قبر في “قصر الباب” بسطح جبل الكرمل وتولى الأمر بعده ميرزا حسين علي بن ميرزا عباس الملقب بـ”البهاء”. فمن هو البهاء؟ وما هي قضية وموقعه بالنسبة للبهائيين؟… وما هي مكانته بالنسبة للآخرين من صهاينة ووهابيين وماسونيين وغيرهم..؟ هذا ما سنتناوله في الجزء الثاني من هذه الدراسة.

     

  • استعمالات مغلوطة لمفاهيم سياسية ” التبسيط مثالا “

    يتردد على السن السياسيين والمحللين السياسيين مصطلح ” هذا تبسيط للمشكلة ” .

    أي أن هناك مشكلة ما يبسطها ويسطحها طرف من الأطراف , ويتعمق في تشخيصها طرف آخر ؟

    والسؤال هنا : متى يكون الحديث تبسيطا , ومتى يكون تشخيصا , ومتى يكون تعقيدا ؟

    وقبل ذلك لابد من معرفة ما هو نوع المشكلات المراد الحديث عنها ؟

    والجواب : كل المشكلات التي يعاني منها المواطن العراقي مثل :-

    1-  ظاهرة الإرهاب

    2-  الضعف الأمني في البلاد

    3-  قلة أو انعدام الخدمات ” الكهرباء مثالا ”

    4-  ضياع الحقوق العامة للمواطنين

    5-  التضييق على الحريات

    6-  ظاهرة الفساد الإداري والمالي

    7-  ظاهرة المحاصصة

    8-  مشكلة المرض والدواء

    9-  مشكلة التعليم وازدواجية المدارس

    10-  مشكلة القضاء وطريقة تعامله مع دعاوى المواطنين

    11- مشكلة الزراعة ورداءة المنتج وقلته

    12- مشكلة الصناعة وتوقف المعامل والمصانع

    13- مشكلة البطالة

    14- مشكلة السجون وما يجري فيها

    15- مشكلة المياه وتلوثها

    وهناك مشكلات فرعية لا تقل خطورة وأهمية عما ذكرنا مثل مشاكل المتقاعدين , والأيتام , والأرامل , والمعاقين , وقانون رقم ” 88″ من أيام بريمر والذي يشكو منه المواطنون المعنيون مثلما تشكو منه دوائر العقار , والبلديات لاسيما العاملون على الحاسوب وطريقة تغذية المعلومات وبياناتها التي لم ترسو على قاعدة بيانات مدروسة يمكن مراجعتها من قبل أهل الاختصاص ؟

    وهذه المشكلات تطفو على سطح الحديث بين المتحاورين عبر الفضائيات , والإذاعات , وكذلك في الندوات والمؤتمرات والحوارات النقاشية .

    ويلجا بعض المتحاورين إلى استعمال كلمة ” هذا تبسيط للمشكلة “؟

    فيظل المشاهد والمستمع لا يدري ما المقصود بالتبسيط ؟

    وهل هذا الاستعمال صحيح أم لا ؟

    ويلاحظ أن كثيرا من المستعملين لهذا الاصطلاح , يرتجلونه لسهولة إبراز الحجة في رأيهم , وإسكات محاورهم , أو التهرب من أصل المشكلة بطريقة التفافية اسقاطية عاجزة عن البرهان ؟

    فمثلا : عندما يقول احد المحاورين : بان سبب عدم نجاح العملية السياسية في العراق هو ” المحاصصة ” ؟

    يرد عليه الآخر : بان هذا تبسيط للمشكلة ؟

    وعندما يقول احد المتحاورين : بان وراء التفجيرات الإرهابية تنظيم القاعدة الوهابي الإرهابي ؟

    يرد عليه محاور آخر : بان هذا تبسيط للمشكلة ؟

    وعندما يقول احد المتحاورين : إن المشكلة بين الإقليم والمركز هي أعمق من التطبيق السيئ للفدرالية ؟

    يرد محاور آخر قائلا : إن الحقوق القومية للأكراد تجعلهم لا يطمئنون للدولة المركزية ؟ ” وهنا يظهر التبسيط الحقيقي للمشكلة ” وهو الهروب من الأهداف والخطط المتبعة في الإقليم والتي تجعل من منصور البرزاني مسؤول الأمن القومي الكردي يلتقي بالجنرال الإسرائيلي ” راكاد ”

    هذا نوع من التبسيط الممارس في المحاورات والتحليلات في الإقليم , وهناك تبسيط آخر ظهر على لسان الأخ مستشار رئيس برلمان إقليم كردستان السيد طارق جوهر , عندما برر مسالة قيام الإقليم بفرض الكفالة وتحديد أيام الإقامة للمواطنين العراقيين من المحافظات العراقية الراغبين بزيارة المحافظات الشمالية والتي لا يقبل الأخوة الكرد الا تسميتها ” بكردستان العراق ” وهي مخالفة دستورية في الأمن وفي الثقافة , حيث ذهب السيد طارق جوهر إلى أن سبب ذلك يعود لكثرة القادمين للمحافظات الشمالية ولأسباب أمنية ؟ وهو جواب غير مقنع لان العمل يمثل إساءة في تطبيق الفدرالية كثرت مثيلاتها مثل : ” ممثل إقليم كردستان في بغداد ” والامتعاض من تزويد الجيش العراقي الفدرالي بالطائرات الحربية المتطورة , والامتعاض والرفض جاء على لسان السيد مسعود البرزاني ؟

    وهناك نوع آخر من التبسيط الممارس في العملية السياسية وهو ليس صحيحا : ما تردد على لسان بعض الأخوة من أعضاء مجلس محافظة صلاح الدين : من أن المطالبة بالإقليم : هو نتيجة الظلم والتهميش ؟

    وهؤلاء الأخوة فاتهم أن جميع محافظات العراق تعاني من الظلم والتخلف , وعدم تحصيل الحقوق , وقد تكون محافظة البصرة على رأس محافظات العراق المظلومة ,وفاتهم أن الدعوة لإنشاء الأقاليم لا تتم بردود الأفعال المنطلقة من مصالح شخصية ونعرات طائفية يغذيها الاحتلال والأطراف التي لا تريد للعراق خيرا ؟

    والدعوة لإنشاء الأقاليم تأتي صحيحة بعد استكمال مسيرة عملية سياسية ناضجة متوازنة من خلال : قانون جديد للانتخابات يفرز لنا نخبا من الممثلين يستحقون لقب الأرقام السياسية والاجتماعية ومن خلال إعادة كتابة بعض مواد الدستور التي وضعت عمدا لتكون قنابل موقوتة مثل : المناطق المتنازع عليها ” ومثل قضية ” كركوك ” وقضية فتح مكاتب للأقاليم والمحافظات في السفارات العراقية ” وقضية اللغة الرسمية والكتابة بلغتين ” ولم يتوقف الأمر عند ذلك وإنما ذهب إلى العملة بلغتين والجوازات بلغتين وهو أمر غير متبع لدى كل فدراليات العالم ؟

    إن القول بان وراء التفجيرات الإرهابية هو تنظيم القاعدة الوهابي ليس تبسيطا للأمر , وإنما هو تشخيص مبني على اعتراف تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين ” والاعتراف سيد الأدلة ” كما يقول أهل القانون .

    والقول بان المحاصصة هي سبب تعثر الحكومة والعملية السياسية هو ليس تبسيطا , وإنما هو تشخيص قائم على أرقام ومعطيات التجربة , وقد اعترفت بذلك أطراف السلطة , ومنها رئيس الحكومة الذي ذاق مرارة المعاناة من جراء المحاصصة ؟

    بينما القول : بدكتاتورية رئيس الحكومة فقط , هو تبسيط غير موفق للمشكلة وهروب من مواجهة الواقع , حـــيث الجميع مصابون بمرض الممارسة الدكتــــاتورية  والأمثلة كثيرة ؟

  • استغاثات المظلومين.. نازلة

    الحدود مفتوحة أمام نفايات العالم مقابل العملة الصعبة, فكان العراق مكبا لهذه النفايات… فالأمر متروك لمؤسسات الحدود.. وإنها منسية.. وربما متغاض عنها.

    وحدث أن ظل المزورون والفاسدون لشأنهم وبقوا منسيين في حقول عملهم… وظلت الكهرباء على حالها ونحن ندخل السنة العاشرة .. وشرب المواطنون في الجنوب مياها قاتلة وملوثة حتى بالمواد المسرطنة.. وتركت المستشفيات وحقل الرعاية الصحية وظل المواطن منسيا في حقول الحياة المختلفة… ومنها وأخطرها وأكثرها فضائحية.. ومنافاة للضمائر السليمة وللإيمان بالدين ورموزه هي سجن انس بريء او اعتقاله… وقيل انه لأهون بقاء المجرم طليقا على أن يعتقل بريئا.. وهو رأي قابل للنقاش والاختلاف, إنما القصد تبيان شناعة اعتقال بريء.

    في كل الأعراف والقوانين لا يجوز تقييد حرية المواطن واعتقاله لأكثر من ساعات وأيام فيجرى معه التحقيق ويحال إلى المحكمة أو يطلق سراحه…  فهل يحدث هذا في العراق؟؟ لو لم يكن العراق أمريكيا لأقامت أمريكا ومشتقاتها الدنيا على حقوق الإنسان في العراق, بدل هذه الإدانات الخجولة والواضحة التواطؤ ولأقامت منظمات حقوق الإنسان القيامة لأية حالة تراها وتتفحصها.. وقد تفطس من الضحك الأسود على معتقل أعمى عن واقعة حدثت بعد عماه بسنوات… وعن الكثيرين ممن لم يسألهم احد عما جاء بهم الى هذه الزنزانة… علما أن العراقي وعائلته الأكثر حساسية ومعاناة ومكابدات.. فالعائلة كلها مسجونة ومعتقلة مع الأب والابن والعم والخال …ومن غير المنطقي ولا المعقول تصور هذه العائلة بلا سخط على من اعتقل احد أفرادها.

    السجن مفهوم ونتاج حكم قضائي عادل او جائر..  ولكن كيف نفهم اعتقال يدوم شهور وسنين؟؟؟ وأننا اذا اعترفنا بتفشي الأخلاق الغريبة والنفعية,  وبتفكك المجتمع واضمحلال روابطه ..كيف نثق ونسلم بالمخبر السري ونزج البريء في المعتقل لوقت ظالم؟؟

    نردد بان السماء مفتوحة لدعوة واستغاثة المظلوم ..وان الله سبحانه يعد بنازلة تنزل بالظالم..  وقال الإمام علي سلام الله عليه: 

    لا تظلمن إذا كنت مقتدرا

                                          فالظلم آخره يأتيـك بالنـدم

    تنام عيناك والمظلوم منتبه

                                            يدعو عليك وعين الله لم تنم

    نعرف انه لا اخطر من الظلم على الأنظمة والحكومات والدول..ووجوده حكم مطلق ونهائي على غرور وجهل مقترفيه وعلى عدم جدارتهم بتقرير مصير بضع دجاجات …وما كانت ستدخل سلطة الاعتقال في سوق المزايدات … وخلو الرجل.

    لتتأكد الجهات المعنية من القصص والحكايات المؤلمة ومن تجارة مزعومة بمصائر الناس..وبوجود مظلومين يكرسون كل وقتهم للضراعة الى الله والاستغاثة بلطفه وهم موقنون إن النازلة نازلة. 

  • خواطر صحفية

    ليس من شك في تقدير الوظائف المتعددة للصحافة في العالم المعاصر، وتتأتى الاهمية القصوى للصحافة من كونها تقيم خارطة للذاكرة الوطنية بنحو خاص والذاكرة الانسانية بنحو عام، يمكن من خلال قراءتها استنباط عدد لا محصور من الدروس المفيدة في تكوين قاعدة معرفية للشروع في اقامة رؤى فكرية او مادية في شتى مناحي الحياة للفرد والمجتمع على حد سواء، ما تلبث ان تتحول الى مشاريع بناءة تخدم الاجيال الجديدة لأي مجتمع من مجتمعات العالم. فالصحافة فضلا على كونها تعقد الاصرة المباشرة واليومية بين الحاكم والمحكوم، المسؤول والمواطن، عبر نقلها الحدث ذو التأثير العام، وايضا عرضها لوجهتي نظر الفريقين من اجل وضع مقاربات الالتقاء ان توفرت، وان لم تتوفر فهي تدعم وتروج لما يخدم الصالح العام، بالطبع هذا الكلام يخص حصرا الصحافة الوطنية المجردة عن الجهويات الضيقة، فضلا على ذلك وغيره لعبت الصحافة العراقية منذ صدور اول صحيفة في البلاد (الزوراء) التي صدر عددها الأول في حزيران 1869 وحتى اللحظة دورا حاسما في الحياة السياسية والعامة في البلاد، واسست لتقاليد اعلامية وثقافية راسخة، حتى في الفترات التاريخية المظلمة زمن الاستبداد، كان للصحافة التماعاتها المقنعة خوف الوقوع ضحية لجبروت البوليس الثقافي والحزبي المسلط على رقاب المثقفين بنحو عام والصحافيين بنحو خاص، وطوال تاريخ الصحافة العراقية بذلت المؤسسة الصحافية في العراق الكثير من القرابين على دكة مذبح الحرية والدفاع عن حقوق المواطنين.

    وليس بعيدا عن الذاكرة العراقية المعاصرة ما صنعته الاقلام الصحافية الوطنية، سيما التقدمية منها، من زوابع عصفت بالاوضاع السياسية وهزت كراسي السلطات الغاشمة ازاء حقوق الشعب واستحقاقات المواطنة والوطن، وما كتابات الشبيبي والرصافي والزهاوي والجواهري وبطي والشهرستاني والقائمة تطول الا امثلة خالدة حية على  تاريخ مشرف للنضال المهني الصحافي ومن ثم الوطني لنيل الحقوق المهضومة للشعب العراقي . 

    وفي اعقاب الانعطافة التاريخية في 9/4/2003 انطلق العراق ماردا عملاقا محطما قمقم الاستبداد العفن ، فيما انطلقت في اثره وتزامنا معه حناجر العراقيين تملأ صفحات مايقرب من الثلاثمئة صحيفة صدرت في اعقاب الانعطافة المذكورة حملت اوجاع وهواجس وتطلعات شعب كابد محنة حبست انفاسه وذبحت كثيرا من رقاب شبابه ردحا قارب الاربعين عاما، واليوم وبعد تسع سنوات على حدوث الانعطافة يطرح المواطن الأسئلة التالية وبكل بساطة: ما الذي قدمته الصحافة له خلال كل تلك السنوات؟ هل نقلت معاناته بصورة واضحة امام المسؤول؟ هل دافعت بنحو سليم عنه وعن حقوقه التي لم تزل تتعرض يوميا للانتهاك او الاستحواذ اواللامبالاة في الاقل ؟

    ليس من شك في ان اوضاعنا العامة كشعب تحرر من ربقة سلطة استبداد فريدة في قسوتها عانينا جميعا اثار جملة من الاخطاء تقع مسؤوليتها على عاتق بعض من قاد الدولة ومفاصل قراراتها من المسؤولين العراقيين طيلة الفترة الماضية في المقام الاول ومن ثم تليهم ادارة بريمرالمدنية والسياسة الاميركية في المقام الثاني، ولسنا هنا في حال تحليل الاسباب او النتائج.. ولكن لكي نشير الى حقيقة ان الصحافة شأنها شأن مناحي الحياة العراقية الاخرى، تعرضت الى غزو همجي فاضح من الطارئين والخائضين في ميادينها المتنوعة، فضلا على عدم اكتراث بل وبعض حالات المصادرة او التهديد او القتل(عدد شهداء الصحافة يزيد على300 شهيد)، 

    ولمس المواطن ان عددا كبيرا من الصحف المتحزبة أو صحف الاثارة المجانية، غادرت شرف المسؤولية الصحافية مبكرا، وليس بخاف عليه اسماء تلك الصحف ورؤساء تحريرها والجهات التي تقوم بتمويلها، الامر الذي جعله يشعر بالخيبة والخذلان الى حد ما، وكاد يبلغ مرحلة اليأس لولا ايمانه بثلة صحافيين شرفاء مكافحين عن حقوقه ولم يكونوا خاضعين لسوق بيع وشراء الاقلام الرخيصة المبتذلة، كما انه لم يفقد الامل بالغد حين رأى صحفا معدودة ظلت امينة على رسالتها المحددة، ونهجها الواضح في خدمة الوطن والمواطن، على رغم تبدل الأحوال.

  • زعمــاء فـوق سطــح القـمــر

    ربما كانت الحسنة الوحيدة التي حملتها لنا سحب البراكين السياسية المتفجرة بالشر, إن رمادها المتساقط فوق رؤوسنا, كشف لنا بما لا يقبل التأويل والتعليل تشبث البعض بدهاليز الدكتاتوريات القديمة المظلمة, وظهر لنا جليا إن الرئاسات الثلاث في الحكومة الحالية لا تتحمل وحدها تهمة التمسك بصولجان السلطة, بل تتحملها معها المؤسسات والمنظمات والتجمعات العراقية, التي ماانفكت تمارس الدعاية الولائية لدفعة جاهزة من القياصرة الجدد, كمظهر عشوائي من مظاهر الديمقراطية الفوضوية القلقة, التي ستعلن عن ولادة قيصرية لوجبة مبرمجة من البدلاء المرشحين لتسلق سلم السلطة, في حين تعالت صيحات أحباب الدكتاتورية في تمجيد رموزها, بإسناد مطلق من مؤسسات الدعم, وبمؤازرة القوى العشائرية المنضوية تحت جناحها. 

    لسنا هنا بصدد الخوض في تحليل التركيبة المعقدة للمجتمع العراقي, ولا نريد تسليط الأضواء على أمراضه الطائفية الموروثة والمكتسبة, ولسنا هنا ضد أحد, ولا مع أحد, لكننا ننتمي إلى الأمة العراقية, التي خدعتها القوى الانتهازية منذ زمن بعيد, ومارست ضدها أبشع أساليب التدجيل والتضليل, فسوقت لها فكرة الزعيم الأوحد, ورسمت صورة القائد الفذ الأمجد على الواجهة المضيئة للقمر, وعرضت صوره الملونة في الشوارع والساحات, وعلقتها على واجهات المدارس, وفي المساجد والأسواق, وملاعب كرة القدم, وطبعت صوره على مناديل الزواج الفردي والجماعي, وفي أقداح الشاي, وقناني (السبع مايات), وأواني (الفرفوري), وساعات (الرولكس), وكررت اسمه على بطاقات الولادات الجديدة, حتى صارت أسماء بعض الناس محطات زمنية للعقود التي ولدوا فيها, وتحولت أسمائهم بمرور الزمن إلى دوال رياضية تؤرخ ولاداتهم.  

    كانوا يقولون لنا انظروا إلى وجه البدر لتشاهدوا صورة الزعيم الأوحد, والويل كل الويل لمن لا يتعرف على عظمته, أو يخطئ في تشخيص ملامحه, حتى صار القمر نفسه من ممتلكات الزعامات العراقية المتعاقبة, وربما شاركتها بعض الرموز الدينية في سند الملكية للفترة من عام 1958 وحتى يومنا هذا, في حين كرست محطات الإذاعة والتلفزيون أوقاتها كلها لبث خطابات القائد الملهم, وإعادة بث الأغاني, التي صدحت بحبه ليل نهار, وتراقص بعض شيوخ القبائل (من الذين فقدوا احترامهم) على الأهازيج الشعبية البليدة, التي كُتبت كلماتها لتتوافق مع مزاجه. 

    ما الذي تغير الآن ؟, بعد أن تكاثرت علينا الصور واللافتات الدعائية البراقة, حتى غطت الشوارع كلها, وانتشرت في الأزقة الضيقة وداخل دور العبادة, وما الذي تبدل في حياتنا بعد أن صنع الانتهازيون أكثر من دكتاتور, وبعد أن رفعوهم إلى مراتب سامية في معابد التمجيد والتخليد, التي التصقت نماذجها بحياتنا البائسة, وشوهت صورتنا بين الشعوب والأمم.  

    لقد ظل شبح الانقسامات يخيم على أجواء العملية السياسية حتى يومنا هذا, وذلك في خضم الصراع العقيم على السلطة بين أكثر من مرشح يسعى لرسم صورته فوق سطح القمر, وبات من الواضح إن الأمل الوحيد لدخول العراق إلى فردوس الديمقراطية تحت القبة السماوية العالمية, والأمل الوحيد لضمان انتصاره على أوكار الفساد, وتلافيه وقوع الحرب الأهلية المتوقعة, يكمن في مخافة الله, وإرساء أسس العدالة الإنسانية, واحترام الدستور, وفك قيود الحريات الشخصية, وتقريب وجهات النظر بين الإخوة الأعداء, بالاتجاه الذي يخدم المصالح الوطنية الأساسية, وبخلاف ذلك فان هذه الأوضاع المتأرجحة قد تؤدي إلى نتائج غير محسوبة العواقب, بسبب هذا التباين العنيف بين مواقف الزعماء الساعين إلى اعتلاء مواقع النجومية فوق سطح القمر, وبين المتهافتين على السلطة في السيرك السياسي الملغوم بالأحقاد الشخصية والعقائدية والعرقية. 

    والله يستر من الجايات

  • الصحافة والصحافيون متـاهـات ضيـاع .. ومتـاعـب بلا انقـطـاع !!

    ما الذي يحصل الآن للصحافة والصحافيين ..؟ أين هم .. وأين هي ..؟ ومن الذي يقف خلف كل الذي حصل ويحصل ..؟ أبقوته وقدرته وجهده .. أم هو مجرد واجهة لا تعدو حدود الستارة المهلهلة ..؟!

    ليست في ذهني .. جهة معينة أو شخص بلحمه ودمه .. فما كنت يوما استهدف شخصا مجردا مهما كان ولأي سبب كان .. بل كل ما اقصده هو ان ما نحن فيه في عالم الصحافة لابد ان يكون من فعل فاعل .. ولابد ان تكون خلف فعل الفاعل دوافع وأسباب وإلا لماذا يتسبب في وجود مخاضة عذاب ومرارة وألم دون أن يكون في ما فعل او عمل موجها .. او هو ربما قد جبل على الإجرام ، منذ قلامة أظفاره .. يفعل الأفاعيل المؤذية المدمرة ليرضي في داخله  شيطان الموت الأصفر !

    نعم .. الأشد بؤسا لما يجري وما يحدث ، ، هو الواقع المر للصحفيين العراقيين ، وخصوصا روادهم أولئك الذين أعطوا كل ما لديهم ، جهدا وعمرا وصبرا طويلا على مضض بين الم البحث عن الحقيقة الضائعة في متاهات الظلم والتسلط والحقد والجبروت وقهر الواقع الصعب في خرائب الجهل وانعدام الفهم الصحيح لمهنة اعتقد البعض أنها مجرد محارق بخور ، ومنابر للمداحين والمسبحين بحمد التافهين .. وشكرهم !

    فيضان صحفي وأكداس من الصحفيين لم يسبق لها مثيل تجاوز العدد عشرات الألوف .. ولا احد يسال : من أي فج جاءوا ..؟ ولا أين كانوا .. ؟ وماذا يفعلون الآن ..؟ ولكن ماذا عن شغيلة الحرف وكادحي الفكر ومنيري دروب الظلام الباحثين عن الكد والتعب والعرق الحلال ؟ أين رواد الكلمة الصادقة المخلصة الذين ضربوا المثل الأعلى والنموذج الاسمى فصانوا الشرف وذادوا عن الكرامة فكانوا نموذجا رائعا وقدرة كبيرة لكل الصحفيين في العالم .. لم يكن من بينهم من ملك ذات اليمين واليسار .. وخزن المال والسبد !! لا يملكون غير ما يسد الرمق ويبقي شريان الحياة بالكاد حيا .. غير أنهم ملكوا قيم النبل وسجايا الكرامة وسمات النزاهة لم يداهنوا ولم يقايضوا ولم يساوموا .. فكان تاريخهم ناصع البياض طاهر الذيل نظيف اليد واللسان كريم المذاد ما ظهر من بينهم قط من باع الحرف الشريف بالسحت الحرام في كل حين كان الجميع في نقابة الصحفيين وفي غيرها .. ينظرون إلى الرواد نظرة إجلال وإكرام .. واذكر مرة قالها شاعر العرب الأكبر خالد الذكر محمد مهدي الجواهري لم اعتز في حياتي بشيء ملكته أو عملت فيه او ساهمت به وشاركت فيه قدر اعتزازي بالفترة التي قضيتها كنقيب للصحفيين العراقيين .. ذلك هو الحق .. الذي ليس فيه مراء .. اشر الواقع وبين جوهر المعدن الأصيل، فليس ثمة ما هو أفضل وأحسن من قائلي الصدق، ورافضي الكذب ، وتلك شهادة رجل اعترك الحياة وعرف ما بها وما عليها فأدرك بمنظار واقعي حقيقي ، ما يتمتع به الصحفي من طيبة في الممتد وعلو في الهمة وسمو في العزيمة لا يدانيها شيء ولا يماثلها فعل .

    أقول ذلك وفي ذهني مالمسه واراه واسمعه .. وياليتني ما لمست وما رأيت وما سمعت.. سمعت ورأيت ولمست وقرأت.. تفاصيل واقع غارق بالتجاهل والجهل لصفوة من الصحفيين الأخيار ، من الباذلين بلا حساب حروفا ومقاطع وصفحات تستحلب من الزمن القاسي كل معاني الخير في عذاب الدفاع عن الجياع والحفاظ عن الوطن المثخن بجراح المغامرين والعابثين والباحثين عن السحت الحرام وعن الشعب المظلوم الملكوم بأعز ما يملك بالوطن المباح المسلوب الإرادة ، بعد أن أغرقته مغامرات المجانين وإنصاف الشياطين وهم يتقيئون التيفوس والزحار في حقول العنبر وبساتين البرتقال والرمان وبين نخيل البرحي والخستاوي.. وعلى ذرى جبال قنديل ورايات وكردمند يدوسون بأقدامهم الموحلة الكمأة الانبارية والزنبقة البهدينانية والبرتقالة البهرزية والتينة النجفية.

     تلك هي الحكاية: حكاية قانون علم المالية :العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة” فيضان يحمل اسم الصحافة ولا يمت لها بأدنى صلة ليس فيه غير الطارئين وأنصاف الأميين والباحثين عن الجاه والكسب الحرام، أما أولئك الذين أثرى التاريخ بمفاخرهم فهم لا يحصلون حتى على تلك التفاليس التي حددها وفرضها القانون لهم كمتقاعدين كأنهم مقصودون بعملية “تطهير مهني” ينفذ بقسوة ووحشية باعتماد واستخدام فاض القوة المنظمة لأماتة أية بقية فيهم وحبس أي حراك لديهم لمنعهم من ان يقولوا مستغيثين ، إلا بؤس زمن فيه تكرم الامعات وتهان الحرائر!! تحبس انفاسا عبقة ، وتطلق ريحا نتنه !! 

    لا أريد ان اصطف مع أولئك الذين يركبون الباطل باستغلال هموم الحاضر للوصول إلى مقاعد يذبل فيها الحر، وتطمس هوية الطاهر الباحث عن  الكرامة والعزة مع رغيف الخبز بعفة المنطق وطهر المنبت ونظافة اليد وشرف القلم ونزاهة اللسان .. لا أريد أن احسب حساب الموتور من حق وأحاسيس مبصرة وشواهد مبكية لا أريد ان أعلن ندمي على كل قطرة عرق ونقطة دوم وخطوة قدم ذهبت سدى في بحور الآهات والأحزان والآلام في عالم الضياع وفقدان المعين والولي الأمين لا.. وألف لا . ولكن الم يطفح الكيل بعد..؟ الم يتساوى في النتيجة المفجعة بين قاتل العمد وفاعلها بالجهل او السهو او قلة الكفاءة وانحدار الدراية والكفاءة..؟ الم يتساوى في النتيجة المدمرة مغيب الكفاءات ومهمش الخبرات ومضيع الفرص الذهبية بالعمد مع سبق الإصرار مع فاعلها عن جهل او سهو او قلة الكفاءة وانحدار الدراية والكفاءة..؟ 

    أسوء ما يمكن ان يواجهه المرء الصادق مع نفسه ومع الآخرين ، هو ان يوضع في موقف فيه يأكل من زاده ويمنعه من اجل ان يقال عنه عظيم القدر محمود .. رحم الله المتنبي ورحمني فقد وضعت الأخ محل اللئيم اعتقادا مني من انه لو كان حيا لفعلها . 

    ما اغفلتني الليالي .. ولم تكب بي الجياد .. ابن أبي وحليب أمي ازكى من ماء زمزم واطهر ، فهما من هاشم صلبا وعرقا وطهرا فلم تلوثني الغاديات  بمغريات رغم مابي من عوز لكثرة في البنين وقلة في المتاع وانبساط في اليد واعتماد على الواحد الأحد الفت وصنفت وبحثت في التاريخ وفي السياسة والاستقصاء ونلت جوائز عالمية من الأمم المتحدة ومراكز بحثية ودور نشر وصحافة وتجولت وسافرت وأبحرت في عوالم التحقيق والاستقصاء والبحث، حتى تجاوز ما كتبت في الصحف أكثر من عشرة آلاف مقال وتحقيق وخاطرة ومتابعة واستطلاع على مدى 50 خمسين عاما في العمل الصحفي عدا مؤلفات خمسة كنت قد الفتها وهي: 

    1- آل الاعرجي احفاد عبيد الله الاعرج 650 صفحة 

    2- الشيخ خوام الثائر الانسان (الفرصة الضائعة) 630 صفحة 

    3- النهر الخالد (المشخاب) بـ 550 صفحة تحت الطبع 

    4- الخبر .. مقدمات ونتائج 330 صفحة 

    5- التحقيق الصحفي والقصة الخبرية مهنية العمل وكفاءة الأداء تحت الطبع .

    6- من 1931 إلى 1941 غزارة الأحداث وقلة في الاستفادة من التجارب غير مطبوع 

    7- الحسينيون في العراق 5 أجراء غير مطبوع 

    8- هؤلاء عرفتهم 380 صفحة 

    أقول ذلك ليس من باب الضعف أو من باب الضغط للحصول على مغانم او مكاسب او مكرمات !! فما بي من تعفف يريني التراب تبرا والسراب ماء والكواسر حملان وما من طبعي ذلك أبدا ومن زاملني وعايشني يعرف ان بي خصيصة “الشبع” وانا جائع. والصحو وانا مريض في شراييني التاجية وفي غددي اللمفاوية وفي البروستات .. “وكل هذا مذليت امشي برهاتي” إذن لماذا اكتب ذلك..؟ 

    اكتب ذلك لأني أردت أن ارضي “ملك” الكتابة في داخلي أما لماذا أردت أن أرضيه الآنوليس قبل الان ؟!

    فذلك لاسباب كثيرة .. ربما لأنني اردت ان ادفع بالتي هي احسن  لصالح عدد من الزملاء الرواد الذين يمنعهم الخوف او الخجل او الصبر على مضض او اليأس من ان يكتبوا ما يعتقدون بصحته على امل ان يصلح ويصحح !! 

    او انني أردت ان اجعل هذا من خواتيم أعمالي فأحسن لشريحة صغيرة أنا منهم وأسيئ لأخرى ارفض ان أكون معهم في زمن واحد فيخفق خافقي المريض عندما يجنح بي الفكر في عالم ذكرى الأحبة من رواد مهنة البحث عن المتاعب ولا ادري لماذا يقف بي طائر الفكر عند ذكر الطيب الوديع الشهيد شهاب التميمي الذي اسكتته ثلاث طلقات من مسدس مشحون بالكراهية والحقد على رجل كل ثروته حب الناس وكل ما في رسالته خدمة الناس وكل ما في كشكوله جعل نقابة الصحفيين ملاذا آمنا لكادحي الفكر والقلم الباحثين عن سعادة الآخرين قبل سعادتهم والعاملين من اجل المظلومين والمعذبين أكثر مما يعملون من اجل أبنائهم وزوجاتهم وأمهاتهم وآبائهم ورحم الله رشيد الرماحي.. عندما نسى زوجته تلد في المستشفى ليكتب عن تردي الخدمات الصحية في المستشفى الجمهوري ليتحمل غضب وعربدة وزير الصحة !! 

  • ( نبوغ ) المدح..( شرور ) الذم

     عندما أفضت الخلافة إلى (عمر بن عبدالعزيز) وجاءته الوفود لتبايعه، كان من بين تلك الوفود صبياً أراد أن يتكلم، فقال له الخليفة: (ليتكلم من هو أسن منك)، أي أكبر منك عمرا، فرد عليه الصبي قائلا: (والله يا أمير المؤمنين لو كنت كما تقول، لكان في مجلسنا من هو أحق منك بالخلافة) صمت (عمر)  قليلاً وقال مخاطبا إياه: (كم لك من العمر يا غلام؟) قال: (أثنى عشر عاما) فقال له الخليفة: عضني (أي انصحني)، قال الغلام بما معناه: نحن آمنّا بك في بيوتنا، لا خوفا ورهبة منك، فكثير من الناس من يغرهم الثناء، فلا تكن ممّن يغرهم الثناء فتزل قدمك.!

      مفتتح هذه الحكاية-الدرس التأريخي البليغ في مقدار الثقة والسماع الى النصح، بما لا يقلل من شأن ومهابة المنصوح، يفضي الى طريق الفهم والتحاور والاستناد إلى ظهر الحكمة، كمسعى وتعزيز لقيمة الإنسان أي كان وزنه وثقله، فالإطراء والمديح طريقة سالكة ومعبدة لإفساد المواهب وخلق الوهم ونزعات التكبر والعجرفة، كما أن الذم أو عدم التشجيع و الإثابة المعنوية يضر -كثيرا- بها، فالإشادة والاهتمام وقدرة التأشير الصحيح بعيدا عن نوازع الباطنية والأنانية في توجيه النقد وتشخيص الهنات والأخطاء أن تتطلب ذلك يعزز  طبيعة العلاقة بين الأطراف.

    ومن أبرز مقومات ما تعلمنا من دورة أقامتها (منظمة اليونيسيف في بغداد) لعدد من الكتاب والصحفيين والمخرجين منتصف تسعينات القرن الماضي في مجال كتابة (السيناريو) حكمة ذهبية ترى بعد مشاهدة أي عمل درامي أو رسالة تلفزيونية أو أي انجاز فني، أن تبدأ من نقطة ايجابية حتى ولو كانت شكلية تمدح أو تقيم فيها جانبا من ذلك المنجز، كأن تشيد بفستان الممثلة أو سيارة الممثل أو أن تعجب بلوحة معلقة على جدار في ذلك المشهد مثلا، ومن ثم تقوم بنقد العمل والخوض في تفاصيل ما تريد الوصول اليها، شريطة تناوله بلغة علمية تحترم سياقات العمل ومرامي التقويم، ففي ذلك احتكام وتقدير جهد فريق كامل من العاملين والفنيين، لا يمكن ان يخطئوا كلهم في مسك خيوط  ذلك الجهد الإنساني عبر ما يوصل نتائج المدح وتدعيم التشجيع امام ايضاح نقاط الضعف والخلل بغية تجاوز مستقلا. 

       أقول الآن -وبعد مضي كل هذه السنوات المريرة بصدق وثبات أهمية ذلك الدرس وتلك الحكمة الذهبية الراسخة في قيعان دماغي المتواضع، أني أطلعت على دراسة علمية تفيد بوجود (180) مركزا في دماغ الإنسان يستقبل المدح مقابل(4) مراكز – فقط- تستقبل الذم أو النقد، وبما أعاد الى ذهني حقيقة الاعتراف – مجدد- بصدق ونبوءة حكمة عربية تصر وتعلن جهارا -وبالقلم العريض- بأن: (امدح علنا … وذم سرا) .  

  • استيراد وتصدير

    يقال إن قوة أية امة تكمن في متانة اقتصادها، ومدى حيويته وفاعليته وليس بحجم ترسانتها القتالية كما يرى العسكريون ولا بعدد مفكريها ومثقفيها كما يذهب الفلاسفة، ولا بدهاء حكامها وجبروتهم كما يتوهم السياسيون، ذلك لأن الاقتصاد المتين، المبني على قاعدة علمية، هو الذي يوجه مفاصل الدولة السياسية والاجتماعية والفكرية والعسكرية، ويتحكم بمقدرات البلاد الداخلية وعلاقاتها الخارجية. 

    ومعلوم أن القوة الاقتصادية تتألف من مجموعة عناصر وآليات، من بينها عملية «الاستيراد والتصدير» وهذه العملية التجارية بين الدول تمثل انعكاسا مباشرا لطبيعة الاقتصاد الصناعي او الزراعي او النفطي.. الخ. 

    لو طبقنا هذه المعايير العالية على اية دولة، فسوف نستطيع الحكم على ان اقتصادها قوي أو متوسط او ضعيف او منهار. ومن البديهيات التي لا تحتاج الى إيضاح في المفاهيم الاقتصادية وأعرافها اللغوية، إن مدخولات المبالغ إلى خزينة الدولة من صادراتها كلما ارتفعت نسبتها مقارنة بالمبالغ المدفوعة لأغراض الاستيراد فهذا مؤشر قوة، والعكس صحيح، وهكذا نستطيع التعرف مثلا على طبيعة الاقتصاد الفرنسي أو الأمريكي او الماليزي أو الصيني.. الخ.

    وهذا الكلام هو محاولة لتبسيط الفعاليات الاقتصادية المعقدة. 

    لا يخرج العراق بالطبع عن هذه القاعدة وبالإمكان رصد قوته الاقتصادية عبر الاحتكام إلى وضعه التجاري، وحجم تبادلاته التجارية، فهو على سبيل المثال يستورد –وهذا أمر معلن-، أسلحته ومعداته العسكرية وكامل احتياجاته الرئيسة من تجهيزات صناعية وكهربائية والكترونية ونسيجية وجلدية، زيادة على مفردات البطاقة التموينية والمفردات الغذائية من مناشئ متنوعة اهمها المناشئ الأوربية كما انه يستورد -وهذا أمر معلن كذلك- أنواع الألبان والأجبان والقيمر والموطا والعصائر والكرزات والجزر المسلفن ومعجون الطماطم والباقلاء المعلبة واللحوم والأسماك والدجاج المذبوح على الطريقة على الطريقة الإسلامية والرقي والنستلة وأصابع العروس والأحذية وبابا غنوج وعبوات الماء وأدوات الزينة من الهند ومصر وتركيا وإيران وسوريا والأردن والسعودية والكويت ولبنان والإمارات مثلما نستورد نحن البلد النفطي وهذا امر لافت للنظر، البنزين والوقود وزيت المحركات على الرغم من أن هذا ممكن أحيانا في العلاقات التجارية، ولذلك لا يجوز الاستغراب لو حل اليوم الذي نستورد فيه البرحي من اليابان والخستاوي من المملكة المتحدة! 

    العراق بدوره بصدد بضائعه الى الخارج، وهذا امر طبيعي فبالإضافة الى صادرته النفطية فقد نشط منذ عام 2003 في مجال تصدير الديمقراطية على أوسع نطاق ولكن المشكلة ان دول الجوار لا تتعامل مع هذه البضاعة والدول الأروبية لديها فائض إنتاجي منها، والدول التي تحتاج اليخا لا تستوردها بحجة ان الديمقراطية التي ينتجها العراق لم تخضع لأجهزة التقييس والسيطرة النوعية ولذلك ظلت بضاعتنا كاسدة!!