مخاطر مقاربات الأزمة السياسية ” الفتوى مثالا ”
للأزمة السياسية العراقية أسباب كثيرة تبدأ من مقدماتها ما بعد 2003 وهي معروفة فلا نعيد.
وكل أزمة تحتاج إلى مقاربات , والمقاربات نعني بها “الحل” والحل له وسائل وأساليب , منها ما هو من جنس الأزمة , ما هو ليس من جنسها , أي منها ما هو مناسب وصالح للحل , ومنها ما هو غير مناسب لحل الأزمة.
وحتى نعرف المناسب وغير المناسب لحل الأزمة السياسية في العراق اليوم , علينا مراجعة الدستور العراقي.
والمواد الدستورية التالية هي التي تحدد المناسب وغير المناسب في مقاربات حلول الأزمة :
1- المادة الأولى : جمهورية العراق دولة مستقلة ذات سيادة نظام الحكم فيها جمهوري نيابي ديمقراطي اتحادي
2- المادة الثانية : ب – لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية
ج- لا يجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات هذا الدستور
3- المادة الثالثة : العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب
4- المادة الثالثة عشرة : يعد هذا الدستور القانون الأسمى والأعلى في العراق ويكون ملزما في إنحائه كافة , وبدون استثناء , لا يجوز سن قانون يتعارض مع هذا الدستور , ويعد باطلا كل نص يرد في دستور الأقاليم , او أي نص قانوني آخر يتعارض معه.
5- المادة الخامسة عشرة : لكل فرد الحق في الحياة والأمن والحرية ولا يجوز الحرمان من هذه الحقوق أو تقييدها.
6- المادة العشرون : للمواطنين رجالا ونساء حق المشاركة في الشؤون العامة والتمتع بالحقوق السياسية بما فيها حق التصويت والانتخاب والترشيح.
من هنا يتضح لنا بعد إلقاء نظرة سريعة على بعض مواد الدستور العراقي فيما يتعلق بطبيعة الدولة التنظيمية وهويتها السياسية القائمة على التعددية , والانتخابات بما فيها الترشيح والتصويت وحق الاختيار.
ولأن من مفردات الأزمة السياسية اليوم التي أدت إلى حالة من الاختناق , هو إثارة قضية سحب الثقة في جو من التشنج والمقاطعة التي تجعلها في غير وقتها , ولا تجني منها النتائج المرجوة في الممارسة الديمقراطية، لذلك فان المقاربات لحل أزمة من هذا المستوى لابد لها من استحضار معرفة مفصلة بتفاصيل المواد الدستورية التي توجه الممارسة السياسية الديمقراطية في المجالات التالية :
1- المجال الانتخابي
2- التصويت النيابي
3- إدارة الرئاسات الثلاث
4- إدارة القضاء
5- إدارة مجالس المحافظات
6- إدارة الهيئات المستقلة
وبناء على ذلك فالفتوى مع احترامنا لها , ولخصوصية طبيعة تجربة الحكم في العراق , علينا أن نكون حذرين جدا في عملية الحاجة إليها , وكيفية توظيفها بما يخدم المواطن والوطن ودولته بما فيها من مؤسسات دون إثارة حساسيات او خلافات في وجهات النظر.
وحتى نحافظ على قيمة الفتوى في حياتنا , علينا ان لا نزج بها كيفما كان , لا لشيء إلا لنقول ان هناك فتوى على طريقة قول الشاعر :
وقصيدة قد قلتها ليقال من ذا قالها
تأتي الملوك غريبة ليقال من ذا قالها ؟
وللفتوى مداخل مثلما لها مخارج , ومداخل الفتوى متوحدة مع مخارجها من حيث مصلحة من يتعبد بالفتوى من الناس , والإفتاء أنواع :
1- إفتاء سياسي: وهو فيما يتعلق بشؤون السياسة
2- إفتاء في قضايا اجتماعية عامة
3- إفتاء عسكري
4- إفتاء امني
5- إفتاء صحي
6- إفتاء اقتصادي مالي وهو فيما يتعلق بالتدبير المالي وأزمات الاقتصاد
ومن صور وحالات الإفتاء العام في شؤون السياسة والحكم والحرب والسلام : قال تعالى ” قالت يا أيها الملؤا أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون ” – 32- النمل .
والإفتاء هنا هو صورة من صور الشورى , وهو رأي قابل للأخذ و الرد بناء على معطيات الخبرة والتجربة.
قال الإمام علي “عليه السلام” : “اضربوا الرأي ببعضه يتولد لكم الصواب” وهذا في القضايا العامة.
أما في القضايا التعبدية, فالفتوى ملزمة لمن يتعبد بذلك, وهذه الفتوى هي ” “الفتوى الفقهية” وهي لا يقوم بها إلا المجتهد الفقيه والاجتهاد: قائم على استنباط الحكم الشرعي من مصادره وهي:
1- الكتاب ” القرآن ”
2- السنة النبوية الشريفة
3- الإجماع
4- العقل , وبعضهم يضيف : القياس والاستحسان , والمصالح المرسلة
ولذلك نجد في الفتوى الفقهية صرامة وتشددا من اجل المصالح العامة للناس ” ليتفقهوا في الدين” وللفتوى الفقهية جو خاص ومناخ خاص يتوخى القبول والانسجام , وعندما لا يتوفر ذلك ولا يتوفر المدخل الصحيح , فالمخرج منها سيكون مغايرا لهدفها , وبذلك لا تتحقق النتيجة المرجوة منها.
والأزمة السياسية في العراق ومضاعفاتها التي تمثلت بمحاولة البعض سحب الثقة بطريقة كيدية واضحة المعالم مما اضعف حجمها الديمقراطي, كذلك استعجال الفتوى الفقهية في مثل هذه الحالات يفقدها نكهتها الفقهية ويحولها إلى شيء آخر من الأساليب والوسائل السياسية وهذا ما لا يتناسب وقيمة الفتوى في معناها التعبدي , وهذا ما يتحمل مسؤوليته الفقيه.