Blog

  • النشيد الوطني العراقي

    إذا كنا نحمد الله على شيء، فسنحمده على أن نشيدنا الوطني ليس شيئا ماديا او عينيا ثمينا، ولذلك تركه السياسيون لنا لنحتار فيه وذهبوا للاقتتال على ما يفيد الجيب ولا يؤمِن بالعيب،لاسيما وان اغلب عوائل الجماعة هي في خارج الوطن، فما لهم والنشيد الوطني إذن؟

    وها هي تسع سنوات تلملم أيامها ونحن بلا(نشيد) وان كنا بـ(نشيج رسمي)ندندنه بما أنتجه لنا الاخوان اللبنانيان(فليفل) تلحينا لكلمات الشاعر الفلسطيني ابراهيم طوقان !

     فالدم عراقي واللحن والكلمات عربية بامتياز!

    في عهد الملك فيصل الاول،كانت هناك موسيقى فقط من وضع ضابط انكليزي ضبطها على إيقاع(مارش)عسكري يعزفه الجوق الملكي، وتؤدي له العساكر التحية والإجلال،حتى إذا ما سقط الملك ارتفع (سلام جمهوري) بصناعة موسيقي عراقي يعيش في النمسا،وربما نحن البلد الوحيد في العالم المغرم بابتكار(انشدة) كلما تغير حكامنا نغيرها،فما ان سقط عبد الكريم قاسم حتى سارعنا الى(والله زمن يا سلاحي)المصري كلاما ولحنا،لنستقر اخيرا-قبل سقوط بغداد- عند: وطن مــدّ على الافق جناحــا .

    لنكتشف-على إيقاعات أبو غريب- ان ليس من جناح للوطن،وان الأفق مملوء بالمقابر الجماعية .

    ( معلومة للقارئ،اقصر نشيد– وبالمناسبة هو اقدم نشيد في العالم أيضا– النشيد الياباني،من خمسة اشطر وفي كل شطر كلمتان،وعلى ما يبدو..ليس لدى هذا الشعب وقت يضيعه بالوقوف والاستعراضات الفارهة، ولهذا تخلّف عنا كثيرا،نحن الشعوب المتقدمة بالأناشيد والانقلابات!!)

    الآن..هناك لجان لترشيح قصيدة لشاعر معروف،ولا اعتراض على المبدأ، فتكريم شعرائنا العظام واجب وطني،ولكن لماذا يجب ان تكون قصيدته محيطة بكل الواقع العراقي وتنوعه القومي والمذهبي،وكأنها قائمة انتخابية لمرشح(لوكي)يريدها ان تتسع لكل الشرائح والمعتقدات وتدخل فيها طموحات عربية وكردية وتركمانية و..!!!

    لماذا لا نختار مفردات بسيطة قريبة إلى القلب،ومن دون فذلكة او تقعر لغوي؛ لماذا لا نختار قصيدة من تلك القصائد المكتوبة للأطفال، لجليل خزعل- مثلا-او نقترح موضوعا للاطفال انفسهم يكتبون فيه!

    فكرة مجنونة..نعم،ولكن ماذا اذا جاءت لنا بنتائج نسبق العالم فيها،وإذا كان نشيدنا الحالي،قد تكفل بنا لتسع سنوات،فلنعط المقترح سنة أخرى،وليكن(موطني..موطني)نشيد (تسيير استقبال)مثل حكومة تسيير الاعمال التي نسمع بها هذه الايام.

    يقال(مرة كان الفنان التشكيلي حافظ الدروبي يرأس الوفد العراقي المشارك في مهرجان الكشافة العالمي الذي أقيم في ألمانيا،برعاية-كريمة-من هتلر,وضمن المتعارف عليه إن الوفد المشارك عندما يقترب من المنصة يردد نشيد دولته الوطني ليقابله الراعي بتحية الترحاب.وفوجئ الوفد العراقي، فلم يكن له نشيد وطني معروف,وكان على رئيس الوفد ان ينقذ الموقف،وهكذا؛عندما اقترب الكشافة العراقيون من المنصة الرئيسية ارتفع صوت حافظ الدروبي: «بلي..يبلبول» والأولاد يرددون وراءه بحماس «بلي» «ما شفت عصفور» «بلي» «ينكر بالطاسة» «بلي»..والمفاجأة الأكبر إن الجمهور الذي امتلأت به مدرجات الملعب تفاعل مع النشيد الوطني العراقي وتمايل طربا دون سائر الأناشيد الأخرى وهو يردد «بلي»

    تداركا لنزاع لجان التشريح المقبل..ما رأيكم بـ: بلي يبلبول؟!!

  • المياه … المياه .. يا أهل العراق !

    ” وجعلنا من الماء كل شيء حي ”

    مياه العراق ملوثة , والتلوث يجلب المرض , وقد يجلب السام , والسام هو الموت , والذين يموتون بسبب التلوث فهم كمن يموت انتحارا .

    والتلوث في مياه العراق هو ممارسة يومية يقوم بها كل من :

    1-  بلديات المدن العراقية ومجاريها من الصرف الصحي

    2-  المعامل والمصانع حيث تسكب فضلاتها في الأنهار

    3-  محال الجزارة , حيث ترمى دماؤها في الأنهار

    4-  بعض مجاري الصرف الصحي للمنازل تذهب لتصب في الأنهار المجاورة لها

    5-  بعض القمامة ترمى في الأنهار كما يجري لنهر العشار في البصرة .

    شيخوخة الأنهار وهرمها ثم موتها :

    هل للأنهار شيخوخة ؟ : نعم

    وهل للأنهار ان تهرم ؟ : نعم

    وهل تموت الانهار ؟ : نعم

    اما شيخوخة الأنهار : عندما تحتوشها الطحالب والاشنات وتعترض مجراها شجيرات القصب التي تنمو بينها الفطريات ويترسب الطما فتتباطأ أمواج الماء ويهدها التعب فتلك هي شيخوخة الأنهار .

    أما هرم الأنهار فهي المرحلة التي تأتي بعد الشيخوخة , عندما يصبح ماء النهر صلصالا خفيفا تعوقه الأعشاب ويعترضه , الطما , وجريانه شبه متوقف .

    اما موت الانهار : فالأنهار تموت في الحالات التالية :

    1-  عندما يجف المنبع

    2-  عندما تعترضه كثرة السدود فيتوقف في مراحله الأخيرة حتى لو كانت مئات او آلاف الكيلومترات, والعراق مهددة أنهاره بالموت نتيجة كثرة السدود في تركيا وبعضها في سورية .

    3-  عندما ينشأ حول الانهار بناء سكن عشوائي , وتحول بعض المزارع الى احياء سكنية , فعندها يغلب سكان تلك المناطق حاجة السكن العشوائي على حاجة الزراعة, فيموت النهر في مثل هذه الحالة , وقد مات الكثير من انهار العراق الفرعية بسبب الاسكان العشوائي.

    4-  والانهار تموت عندما يتغير طعمها نتيجة التلوث , فيعرض عنها الناس لأنها تصبح غير صالحة للشرب وكذلك غير صالحة للزراعة , فيتركون الاهتمام بها , فتصبح مياه راكدة لا ينتفع بها وبمرور الزمن مثل هذه الانهار تموت , وكثير من انهار العراق في العقود الأخيرة قد ماتت , فلم تحزن عليها وزارة الزراعة ولا وزارة الري والثروة المائية . والله سبحانه وتعالى قد قال عن الماء الصالح للشرب ” ومن ماء غير آسن ” ومياه العراق اليوم ” آسنة ” ..

    لماذا مياه العراق ” آسنة ” ؟ :

    1-  لتباطؤ مجراها نتيجة كثرة السدود على منابعها

    2-  عدم وجود كري وتنظيف مستمر لانهار العراق الكبيرة والصغيرة

    3-  عدم وجود ثقافة مائية عند عموم الناس رغم وجود وزارة صحة ووزارة بيئة , ووزارة ثقافة , وشبكة إعلام , ومن مظاهر عدم وجود ثقافة مائية مايلي :

    ا‌-  تبذير الماء بسوء الاستعمال وفوضى الاستخدام

    ب‌- أصبحت عادة رمي الفضلات والقمامة والأوساخ في المياه شائعة بين المواطنين

    ت‌- عدم وجود مجاري الصرف الصحي في المدن مما يجعل الانهار هي المكب الرئيس للفضلات والمياه الثقيلة.

    مياه العراق في أزمة :

    مياه العراق في أزمة حقيقة تفوق كل الأزمات المصطنعة التي ينشغل بها السياسيون بلا فائدة .

    ومن يعرف مستقبل المياه في العراق ومشاريع دول الجوار الواقعة على المنابع والمجرى يدرك حجم الكارثة التي لا تسمح لأحد سواء في الحكم أم في غيره ان ينسى هذه الحقيقة المفزعة التي تهدد الحياة في العراق .

    وإذا كان ارباب الحكم غير قادرين على الوصول الى نتيجة مرضية خصوصا مع تركيا التي تعمل بطريقة استفزازية عدائية لحرمان العراق من حقه في الماء على طريقة شرعنة الدول المتشاطئة .

    اننا على يقين من انه لم يتم فتح حوارات جادة بأيدي متخصصة ومسؤولة مع الجهات التركية , ولم تستعمل حاجات تركية وضروراتها الاقتصادية في الاستثمار في العراق بالإضافة الى فائدتها المالية من مرور خطوط النفط العراقي إلى ميناء جيهان التركي والتي يمكن تغييرها , مما يجعل تركيا تحسب ألف حساب لقضية تماديها في مسالة المياه مع العراق .

    وحتى لو وصلنا إلى طريق مسدودة مع الأتراك في مسألة المياه أليس من واجبنا البحث عن وسائل وبدائل لمسألة المياه تقوم على الشكل الآتي :

    1-  تقنين استعمال الماء

    2-  منع التلوث وبأسرع وقت عبر إجراءات قانونية صارمة

    3-  تنشيط العمل بنظافة البيئة , وهنا اقترح إلغاء وزارة البيئة وجعلها مديرية عامة تابعة لوزارة الصحة للتخلص من التضخم والترهل الوظيفي ولحصر المسؤوليات وتوحيدها

    4- العمل على إيجاد مصادر بديلة او إضافية للمياه مثل حفر الآبار الارتوازية في الصحراء العراقية الواسعة , ولاسيما هناك مساحات واسعة تسمى ” الواحات أو الساعات ” بلغة بدو الصحراء وهذه المساحات هي صالحة للزراعة وهي أراض بكر تمتاز بالخصوبة , وبهذا يمكن الحصول على نتيجتين هما :

    ا‌-  إيجاد مصادر إضافية للمياه

    ب‌- إيجاد مساحات زراعية جديدة تعوض ما فقدناه في المناطق المالحة والتي غزاها التلوث والمياه الجوفية.

    وتوجه من هذا النوع يحتاج إلى إرادات جديدة صادقة لا تتلهى بالمنازعات السياسية الحزبية ذات الأفق الضيق وتنسى مصالح البلاد الأساسية مثل مسألة المياه التي أصبحت جرسا يدق الخطر ولا من مجيب .

  • العراق والغرق في المشكلات.. “الديمقراطية التوافقية مثالا”

    هل الديمقراطية التوافقية مشكلة؟ أم أن المشكلة أعمق بكثير من المصطلحات والشعارات؟وهل الديمقراطية أصلا أصبحت مفهومة ومهضومة كسلوك لأحزاب السلطة وعامة المواطنين؟ولأن جذر المعادلة: هو المواطن الذي يشكل القاعدة الشعبية التي يخرج منها الموظف، والتاجر، والسياسي، والمثقف، ثم المسؤول؟

    والمواطن تحت أي سقف من الثقافة والفهم السياسي يعيش؟ وكيف يتعاطى التعامل من المفاهيم السياسية؟

    المواطن العراقي ليس أرضا بكرا للأفكار والمعتقدات، انه سليل تاريخ طويل من التراكم في العقائد بعضها اختفى ولم يبق منه سوى الأسماء التي لا تمتلك حتى الذاكرة للتواصل، فالسومرية، والبابلية، والآشورية، أسماء تاريخية فقط ليس لها حضور حيوي في شخصية العراقي سوى الادعاء. 

    أما الأسماء التي تلت الحقبة الإسلامية، فهي الوحيدة التي مازالت تشكل ذاكرة المواطن العراقي، وتمثل حضورا حيويا على تنوع في السلبية والإيجاب.

    والشخصية العراقية هي متحف تاريخي متجول، تنعكس فيها العادات والتقاليد بصياغات متفاوتة تشكل العائق الحقيقي للحاق بركب البناء والتفاعل مع المعطيات الحياتية.

    ولذلك ومن هذه النقطة التي طالما يغفل الدارسون من عراقيين وغير عراقيين تسليط الضوء عليها، وإعطائها حقها من الدراسة والتقييم، بمعنى آخر: إن التنظير حول هذه النقطة في شخصية العراقي أصيب بعمى الألوان، فكانت النتائج ليست لصالح المعطى التقويمي.

    ولذلك لا ينظر للثقافة من زاويتها الاصطلاحية ومفهومها الذي يتداخل مع سايكولوجية الأداء والظهور الشعبي، وإنما ينظر إليها بطريقة التقاطية كعدسة الكاميرا التي يختار مصورها بعض اللقطات وتفوته الكثير من اللقطات المعبرة.

    فالاجتماع العراقي اليوم لا ينتمي لما يعرض من كثير من التمثيل الذي يظل هواية الممثل ومتعته الشخصية المتولدة ضمن مناخات لا تنتمي للحاضنة العراقية، كذلك لا ينتمي للكثير من الشعر المغنى بنوعيه الشعبي والفصيح.

    ومن هنا تستجد لدينا نتيجة صادمة: ان كثير من المغنين والممثلين هم لا يحظون بحضور حقيقي في الحاضنة العراقية على مستوى العائلة والمجتمع، ولكن التسويق الإعلامي التجاري هو من يفرض الحضور لهؤلاء الذين يظلون خارج اطار الذاكرة الوجدانية للقاعدة الشعبية التي أصبحت ولاءاتها معقودة بشكل نهائي ومعبر عنها بزخم مليوني في المناسبات التي تطرز أيام السنة وأشهرها.

    ولذلك لا يمكن تفسير ظاهرة ذوبان شخصية هؤلاء في الحاضنة الدينية في خريف العمر، ورجوعهم يلتمسون القبول المتأخر للتوبة بمعناها النفسي وان لم يعلنوها.

    وما يقال عن الممثلين والمغنين، يقال عن السياسيين ولكن بنسب مختلفة.

    فالسياسة التي لا تمتلك حضورا في وجدان القاعدة الشعبية تظل معلقة فوق الجدران ولا تجدلها دخولا للقلوب، ومثلما فعل الإعلام في الجانب الغنائي والتمثيلي المحشور في الفن حشرا فيه الكثير من المشاغبة، فان العمل الحزبي السياسي المرحل عبر حاضنات طارئة ودخيلة أو حاضنات تنقصها الخبرة والمعرفة ظلت هي الأخرى تراوح خارج إطار الحاضنة الشعبية ولم تجد لها قبولا نهائيا على مستوى الوجدان، ولذلك رأينا الكثير من النماذج الحزبية عندما تمضي مرحلة الشباب والمراهقة تهجر تلك الحاضنات وترجع إلى الحاضنة التاريخية ذات الولاء الشعبي الذي يكتسح المناسبات.

    وفي ذلك يتساوى من يعمل في السياسة والأحزاب من خلال الدين بمفهوم خاطئ وتطبيقات مشوهة “يا أيها الذين امنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون”، أو الذين يعملون في السياسة وأحزابها من خارج الإطار الديني، فهؤلاء جميعا مثلهم كمثل الذي يحصد الريح، عندما تخذلهم التجربة، ويتعبهم الانكسار منهم من يستسلم لولاءات القاعدة الشعبية ولكن بشكل متأخر، ومنهم من يظل يكابر حتى خريف العمر ورحلته التي لا يملك بطاقة سفرها.

    من هذا التحليل المختصر والمكثف لواقع الشخصية العراقية وتنوعها عبر تجاربها المتراكمة بالخيبة والفشل لاسيما في القرون الاخيرة من عمرها التاريخي، والحالمة بشيء من النجاح لم تحقق مناخاته ولم تكتشف فضاءاته بعد، وظلت تطفو على لغة شعرية خدعتها أكثر من مرة ولم تحسن صحبتها، فصنعت لها أشباح مضللة من الأسماء التي لم يغادرها أصحاب الكبائر “ان قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم” و “إن فرعون علا في الأرض” حتى اصبحت الفرعونية والقارونية نصيبا وارثا للسلوك الاستعلائي، لم يستطع ديالكتيك ماركس ولا وحدة الشغيلة التي اخذت هوى بعض شبابنا قبل ان يتبينوا سرى الصبح، وهدي الخليقة.

    كذلك لم يستطع عصر الديمقراطية ان يتغلب على فتنة الجنس والمال وحب الكراسي، فتحولت الديمقراطية الى عش لتفريخ المفترسين والأباطرة الذين يلبسون لبوس الدكتاتورية ويتكلمون بشعارات الديمقراطية، والفارق بين التجربة الأوروبية والتجربة العربية في الديمقراطية هو فارق نسبي وليس حقيقي حيث يقوم على حسن التنظيم في التجربة الاوربية التي أعطته مدى أطول للبقاء ولكنها لن تعطيها الديمومة والانتصار النهائي، حيث لازالت مشاكل الإنسان الاوروبي والأمريكي الروحية تبحث عن حلول ولن تتوقف عند عتبة الحلول الديمقراطية على كل مسمياتها وأنواعها التطبيقية، لأنها حصرت تركيزها على ظاهرة تعاطي الحكم وما يرتبط بذلك من عملية انتخابية، وبقي التنظيم الروحي خارج اطار الحلول الديمقراطية، مثلما بقي خارج اطار الحلول الماركسية في الاقتصاد والديالكتيك المادي وتطبيقاته التي لم تصل الى جوهر الوجود عبر نافذة الروح والعقل والنفس، والرحلة الابدية الحتمية من عالم الدنيا الى عالم الاخرة الضارب بترسانة الامثلة والتجارب والحجج المستمرة لتنبيه البشرية الى ان معطيات الرحلة ومعرفة مفرداتها لاتتم الا عبر بوابة السماء صاحبة العلاقة الحتمية مع الارض ” قل لو كان في الارض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا”.

    وإذا كانت الديمقراطية هي آخر معطيات التجارب البشرية في حقل السياسة وبناء الدولة وتنظيم المجتمع، وبعد مضي أكثر من قرنين من التجارب الديمقراطية المدعومة بغطاء قوة تصل الى حالة الاستعمار والاحتلال احيانا، وتصل الى حالات اخرى الى حالة التقليد والمحاكاة الفاقدة للحيوية المنتجة لروح الابداع والتطور مما يجعلها تسقط فريسة التراكم التاريخي للعادات والتقاليد، او فريسة التزاحم والتنافس غير المتكافئ في التعامل مع المعطى الروحي الذي لا يغيب دائما من خلال غلبة المفاهيم والشعارات السلطوية التي تتحرك بانكشارية المحازبين والمستفيدين من أتباع السلطة.

    والذي يحدث في العراق اليوم هو من هذا الصنف الأخير والذي لانتفع معه تبريرات ومسميات تعطى للديمقراطية بعنوان “الديمقراطية التوافقية”.

    وهذا النوع من الديمقراطية فشل في لبنان “أي الديمقراطية التوافقية” لان الذين مشوا في رفع شعارها هم غير مخلصين في تطبيقها بسبب طبيعة انتماءاتهم، فالدرزي له شخصيته التاريخية ومفهومه الخاص بالعلاقة مع الآخر، يتحكم فيها الولاء الذي اصبح منقسما الى ولاءات درزية سورية متوحدة مع نظام الدولة، ولبنانية منقسمة لجهة العلاقة مع الحكومة ونظام الحكم.

    والماروني اللبناني له شخصيته المتداخلة مع المسيحي الآخر بدرجة اكبر من تداخله مع الآخر غير المسيحي، ولكن انقساما بين صفوف المارونيين فتح الولاء على مشاريع لم تنقذها الديمقراطية التوافقية.

    اما المسلم اللبناني فيمتلك ولاءً تاريخيا عقائديا جامحا تعززه الحرية النسبية في هذا البلد “المختبر” لتجارب السياسة والمخابرات الدولية في الحقبة الماضية، مما جعل الديمقراطية التوافقية اشبه بالمزحة في الجانب المسلم من لبنان وأحزابه التي تختصر سلة الأحزاب في المنطقة الإسلامية، ولذلك نجد لبنان اليوم يغرق في المسالة السورية، لأنه الأضعف، وسورية تغرق في لعبة المحاور الدولية لأنها مستهدفة من صناع القرار الذين عرفوا فشل تجارب الديمقراطية التوافقية ونموذجها في العراق.

    والعراق اليوم وما يشهده من صراع على السلطة وقبل ذلك على الهوية، ولكن صراع الهوية لم يعط مجالا من الجدية ولم يصبح مشروعا حقيقيا عند أحزاب السلطة ولا النخب السياسية التي اختطفتها زخرفة المكاتب وكثرة الشعارات التي لا تلامس الواقع العراقي فتحولت إلى انتهازية سلوكية، مما جعل اغلب السلوك السياسي هو انتهازي بالعادة والممارسة.

    والذين يتعاملون مع الواقع العراقي لاسيما الذين لهم صفة وتاريخ الحقب الاستعمارية والاحتلالية وهم كل من: 

    1- بريطانيا

    2- أمريكا

    فهم غير جادين في التجربة الديمقراطية في العراق، وإنما يعتبرونها مرحلة فرز وتشخيص للافراد والأحزاب والأدوار وبقائهم متفرجين على المشهد العراقي في معاناته المختلفة على المستويات التالية: 

    1- مستوى الخدمات وترديها.

    2- مستوى التلوث وتصاعده

    3- مستوى المياه وخطورتها المستقبلية

    4- مستوى الانقسامات الحزبية والسياسية

    5- مستوى الحكومة وضعفها المستمر

    6- مستوى علاقات الجوار وعدم حسمها بل تغذيتها بالتصعيد المتعمد وما بقاء العراق تحت البند السابع إلا بسبب ذلك.

    وغرق العراق في المشاكل الداخلية هو مخطط بعناية الذين كانوا ولازالوا يؤثرون في الشأن العراقي بمستويات مختلفة وهم كل من:-

    1- امريكا: التي تحرص على وجود سفارة عملاقة بكادر “20000 ” موظف. وايقافها برنامج دعم الشرطة العراقية واحدة من تلك المؤشرات، كما ان بيعها لطائرات ” اف 16 ” المتطورة هو رهن التجاذب.

    2- بريطانيا التي خصصت “45” مليون دولار لعشائر العراق.

    3- تركيا التي تستفز العراق بمصادر المياه التي تصل الى حد الحرب الخفية الخانقة دون وجود وعي حكومي عراقي لما يدبر سرا وعلنا في هذا الاطار، مثلما تستفزه بالتدخل الطائفي المبرمج دوليا لصالح إسرائيل وامنها.

    4- ايران التي تستفز العراق بتصريحات غير مدروسة مثل تصريح الاتحاد مع العراق وهي لما تزل لم تحل مشكلة الحدود والنفط والمياه والمفقودين، مثلما لم ترفع يدها عن الاحزاب التي لازالت تعمل تحت غطائها تنظيميا وسياسيا مما جعلها اللاعب الاقوى في العراق يساعدها في ذلك التقارب المذهبي والجوار الجغرافي والتداخل الاجتماعي الأسري والذي لم ينظم بما يخدم البلدين

    5- السعودية التي تعمل جاهدة ومنذ ظهور الحقبة النفطية واموالها ان تكون مرجعا لسنة العالم الاسلامي وقد تغلبت بذلك على مرجعية الازهر في مصر، وما قرار الازهر الاخير بمنع بناء مساجد للشيعة في مصر الا من جراء التاثير السعودي، واطلاقها العنان لتنظيم القاعدة الوهابي في العالم العربي والاسلامي ودعمه ماليا والوقوف ورائه في الانتخابات المصرية والتونسية والمغربية مع الدعم الواضح للجماعات الليبية من تنظيم القاعدة، والوقوف العلني مع العصابات المسلحة التي تفتك بالشعب السوري واخرها مجزرة “الحولا” بحمص، وقبل ذلك احتضانها للارهابيين الانتحاريين الذين مارسوا عمليات القتل الوحشي على الهوية في العراق من السعوديين الذين استلمتهم كصفقة تبادل مع سجناء عراقيين في السعودية مما يدل بوضوح على تدخلها في الشأن العراقي.

    ومع وجود هذه التأثيرات الخارجية التي يحمل كل منها أجندات خاصة بها وبمشاريعها في العراق، فان الخلافات الداخلية العراقية تعطي لتلك التأثيرات الخارجية مبررا اكثر لإيقاع الضرر بالعراق دولة وحكومة وشعبا.

    والخلافات الداخلية العراقية هي إفرازات ونتيجة مخيبة للديمقراطية التوافقية التي عبر عنها “بالمحاصصة” وهي عبارة عن رشا لأحزاب السلطة والمتعاونين معها. 

    وهذه الرشا دائما هي موضع نزاع وخلاف مستمر شهدنا لها محطات كثيرة منها: 

    1- محطة مجلس الحكم سيئ الصيت والذي وصفه بريمر الحاكم المدني للعراق ابان فترة الاحتلال الامريكي بأوصاف يندى لها الجبين، ولو كان هناك شرف سياسي عند من ذكرت أسماءهم لاستقالوا من الحياة السياسية او لردوا على بريمر ان كانوا ابرياء مما نسبه لهم من تهم سلوكية مخزية.

    2- الانتخابات النيابية عب دوراتها الثلاث وما جرى فيها من مماحكات وتهم بين الاطراف الحزبية المشاركة.

    3- كتابة الدستور وما جرى فيه من تغاضي وتنازل عن مصلحة العراق لصالح المصالح الحزبية والشخصية.

    4- تشكيل مفوضية الانتخابات وبداية عهد المحاصصة البغيض.

    5- قانون الانتخاب المجحف والذي ينتظر الشعب العراقي اعادة كتابته بصيغة “الفرد” لا القائمة.

    6- محطات تشكيل الحكومات وما جرى فيها من نزاع وتجاذب وصل إلى حد الصراع والمهاترات.

    7- مشاكل اقليم كردستان مع الحكومة والتي آلت الى طلب الاستفتاء على الانفصال.

    8- اتفاق اربيل وما فيه من مخالفات دستورية والذي اعتبر اليوم وقودا للازمة الحاضرة، بينما هناك ما هو اكبر واهم واخطر مما جرى في اتفاق اربيل.

    9- اجتماع مجلس الوزراء في كركوك وما فجره من خلاف لا مبرر له دستوريا.

    10- اجتماعات بعض الأطراف التي لم تظهر حنكة سياسية في فهم خلفيات الصراع، ولا في طريقة التعامل مع الازمة الموزعة على خانة المصالح الشخصية اكثر مما هي موزعة على مصلحة الوطن والمواطن.

    وكل ذلك بسبب الديمقراطية التوافقية ووليدتها الهجين “المحاصصة”.

    فالديمقراطية لم تتضح وتتجلى في سلوك الكتل والأحزاب وقادتهم مثلما لم تتضح في النظم والقوانين التي سادت المرحلة السابقة.

    من ذلك كله نخلص الى نتيجة مفادها لا تغادر النظام الديمقراطي في صيغته التنظيمية ولكنها تتطلب إعادة صياغة قانون الانتخاب الى الانتخاب الفردي دون القائمة وهذا يخفف كثيرا من الثغرات والأخطاء التي رافقت التجربة السابقة، كما أن إعادة كتابة بعض مواد الدستور بما يتناسب مع وحدة الشعب العراقي ومستقبله المنشود في الحرية والعدالة وبذلك نحصل على حل شامل للمشكلة وليس الى حل جزئي وترقيعي لا يصمد أمام التحديات وهي كثيرة، ومثلما بقيت الحكومة شبه حكومة تصريف أعمال، فإنها يمكن ان تستمر كذلك لبقية المدة المتبقية من الدورة الانتخابية، وإلا فان الانتخابات المبكرة لا تحل المشكلة إذا بقي قانون الانتخاب على ما هو عليه وبقيت بعض مواد الدستور الخلافية على ما هي عليه.

  • أزمة مزمنة!

    ـ 1 ـ

    ليس عندي ما اعتز به أو أفاخر، فلا مال ولا خيل ولا ضياع، اللهم إلا عراقيتي و (وطنيتي)، على الرغم من أنها أصبحت (رأسمال) المفلس، ومع ذلك فالانتماء إلى بلاد الرافدين بحد ذاته، يستحق التباهي ورفع الهامة عاليا، ولان الوطنية فعل ومسؤولية عظيمة، وليست شعارا يرفع لمدة شهرين قبل الانتخابات، ثم يختفي أربع سنوات تحت أكداس الفساد، فقد رأيت إن أدلوا بدلوي وأحاول رفع الغمة عن هذه الأمة ولا اسأل عن جهدي حمدا ولا شكورا غير مرضاة الله!! 

    انا اعرف كما يعرف الجميع إن ازمة العراق السياسية منذ تسع سنوات، ومن دون لف ولا دوران ولا دوخة رأس، هي ازمة (كرسي)، وكل من يزعم ان المشكلة تكمن في الاختلاف أو التقاطع بين رؤية ورؤية، ومنهج ومنهج، وعقيدة وعقيدة، ومذهب ومذهب، وسياسة وسياسة، إنما يضحك علينا ويخدعنا ذلك لأن أصل الأزمة وجوهرها تتمثل في سعي المعارضة لانتزاع الكرسي بيدها ولسانها وقلبها وبكل وسيلة ديمقراطية، والحكومة تتمسك بالكرسي بيدها ولسانها وقلبها، ولن تتخلى عنه لا بانتخابات ولا ديمقراطية ولا فصل عشائري، وأنا أعجب من بلد يعرف أزمته ولا يسعى إلى حلها، مع إن الحل ميسور، فما دامت محنة العراق معلنة، ولا علاقة لها بإرث بين الحكومة والمعارضة ورثاه عن جدهما السابع، ولا بثارات شبيهة بثارات عبس وذبيان، ولا بحصة مائية، انما هي محنة (كرسي) عرقل مشاريع البلاد واتعب الناس وخلق كل هذه العداوات، فيمكن أن نوفر الكراسي للجميع، وذلك بان يكون للعراق عشرة رؤساء جمهوريات بدلا من الواحد، وعشرة رؤساء وزارات بدل الواحد، وعشر وزارات لكل وزارة وعشرة محافظين لكل محافظة وعشرة سفراء لكل سفارة و3 آلاف نائب بدل العدد الحالي، وهكذا الأمر (مضروبا في عشرة) للمناصب والمواقع جميعها، وبذلك نرضي الحكومة والمعارضة والمستقلين ومن هم في النهار مع المعارضة وفي الليل مع الحكومة! 

    قد يسأل سائل: ماذا نفعل بعشرة وزراء للتجارة او الزراعة او للدفاع مثلا؟ والجواب بسيط، يكون الأول لأغراض التسليح والثاني للقوة الجوية والثالث للدفاع الجوي والرابع لطيران الجيش والخامس للقوة البحرية والسادس للقوة البرية والسابع للتدريب والثامن للميرة والتاسع للتعاقد على الأسلحة والعاشر لوضع الخطط الهجومية والحادي عشر للخطط الدفاعية والثاني عشر للتصريحات والبيانات والإعلام العسكري والثالث عشر للتنسيق بين الوزارات (تلاحظون ان المنصب يمكن ان يحتمل اكثر من عشرة وزراء متخصصين)، وقد يقول قائل: ولكن هذا مخالف للدستور، والإجابة أيسر من سابقتها: نكتب عشرة دساتير تلبي رغبات الجميع، مع أننا واقعيا نمتلك عشرين دستورا، فكل مجموعة تتعاطا ما يناسبها، ولا تعترف بما لا يناسبها، أو تفسر كل فقرة بما يلبي رغباتها!الاعتراض المنطقي الوحيد على هذا المقترح انه يستنزف الميزانية بسبب كثرة الرواتب العالية مع قناعتي الشخصية إن ميزانية الدولة لو صرفت (بالعلن) على كثرة العناوين الجديدة، فذلك أفضل مئة مرة مما تسرق في (السر) بعد أن أصبحت رائحة الفساد تزكم الأنوف !! 

  • صور مشرقة من بلادي .. عائلات عراقية احترفت الملاحة وصناعة النفط

    ينتسب (آل سمعان) إلى القبائل المسيحية الموصلية, التي احترفت الفلاحة والزراعة في غابات الموصل الحدباء لعشرات القرون, وامتدت جذورها في أديم هذه الأرض الطيبة إلى قديم الزمان, من دون أن يفكر أبناؤها بمغادرة قراهم الريفية العتيقة, لكنهم شرعوا بالهجرة إلى المدن العراقية الوسطى والجنوبية على شكل دفعات فردية بعد الحرب العالمية الأولى, وكان (سليم ميخائيل سمعان) من بين الذين قرروا النزوح من الحدباء إلى الفيحاء, فترك الفلاحة لينخرط في عالم الملاحة, ويثبت أقدامه على ضفاف شط العرب.  ولد (سليم ميخائيل) عام 1917 في الريف الموصلي الجميل, والتحق بالخدمة العسكرية عام 1935, وحصل على وسام الشرف في معارك التحرير عام 1948, عن شجاعته وكفاءته في صنف المخابرة اللاسلكية, ضمن صفوف القوات العراقية الباسلة المتجحفلة شمالي الضفة الغربية

     في (جنين) بفلسطين, وكان أول من أبرق أنباء الانتصارات الميدانية الساحقة ضد عصابات منظمة (الهاجانا), في معركة شرسة بالسلاح الأبيض دارت رحاها هناك من الثاني إلى الرابع من حزيران, أصيب فيها المخابر (سليم) بصدره, ثم تماثل للشفاء والتحق بصنوف القوة الجوية ليكمل مشواره مع أجهزة المورس البرقي بتردداتها المتداولة آنذاك. .  تسرح (سليم) من الخدمة العسكرية عام 1952 ليلتحق بوظيفة (مأمور لاسلكي) في مطار البصرة الدولي, الذي كان مرتبطا وقتذاك بسلطة الموانئ العراقية, فوجد المجال مفتوحا أمامه لممارسة الأنشطة المينائية المتشعبة, ووقع اختياره على محطة الادلاء البحريين العاملة في عرض البحر, فاندمج في عوالم المخاطبات اللاسلكية, الصوتية والبصرية, وكان من خيرة الضباط الذين قدموا أفضل الخدمات لخطوط الشحن البحري, فأبرق رسائل السفن التجارية المترددة على الموانئ العراقية, ووقع عليه الخيار لمرافقة السفن العراقية في رحلاتها المكوكية بين الفاو وبومباي في الهند, وظل في وظيفته اللاسلكية إلى اليوم الذي التحق فيه ابنه (سمير) بالموانئ العراقية عام 1970. 

    كان (سليم) من خيرة الضباط الذين أسهموا في تطوير محطات البث اللاسلكية في البصرة, وتعاملوا بمرونة تامة مع السفن المقبلة والمغادرة, فارتبط مهنيا وروحيا بالسفن والمرافئ والأرصفة, حتى أنهكه المرض بعد عمر طويل, فرحل عام 1996 إلى المستشفيات الامريكية لتلقي العلاج, وشاءت الأقدار أن يموت في الغربة يوم 12/نيسان/2005. . ربما كان لتعلق (سليم) بمهنة خاله الكابتن البحري العراقي (توماس دويشا) الأثر الكبير في تحسن مهاراته البحرية, وكان خاله الثاني (يوسف دويشا) مديرا لمركز جمارك رصيف العشار على ضفاف شط العرب, لم يكن لكابتن (توماس) أولاد, لأنه عزف عن الزواج حتى مماته, أما شقيقه (يوسف) فتزوج من فتاة لبنانية جميلة, أنجبت له ست بنات, نذكر منهن (رجاء, وسلمى, ولبنى, وسلوى), جميعهن متزوجات, ويعشن الآن في مدينة (ديترويت), ومن نافلة القول نذكر إن (بيت دويشا) من وجهاء المجتمع المعروفين بثقافتهم وثرائهم وسمعتهم الطيبة في البصرة, وكانت لهم إسهامات كبيرة في التجارة الحرة, وفي تطوير أحواض المملحة البحرية بالفاو.  تميز الكابتن (توماس) بمهاراته الملاحية, وكفاءته الإدارية, وقدراته الفائقة في سلك الإرشاد البحرية, وكان معروفا بلباقته وأناقته ومكانته الكبيرة في عالم النقل البحري. ومن المؤكد إن (توماس) هذا كان هو القدوة الحسنة, فاقتدى به الكابتن (سمير بن سليم ميخائيل), الذي ولد في الموصل عام 1949, وانتقل مع والده (سليم) إلى البصرة وهو في سن الرابعة.  بدأ (سمير) دراسته الابتدائية في مدرسة (المربد) بالعشار, وأكملها في مدرسة (الرشيد) الابتدائية بالمعقل, وشاءت الظروف أن يكون من ضمن التلاميذ الذين شملهم البرنامج التدريبي (خذوهم صغارا), الذي تبناه المُصلح الكبير (مزهر الشاوي) في ستينيات القرن الماضي, وكان يتلخص بإرسال أبناء العمال والموظفين, الذين أكملوا الدراسة الابتدائية, والسماح لهم بمواصلة الدراسة الإعدادية والجامعية في بريطانيا, ومن ثم التخصص في المهن المينائية, على نفقة مصلحة الموانئ العراقية, التي تكفلت بتغطية النفقات كلها من لحظة انطلاق الطائرة من مطار البصرة, وحتى يوم عودتهم إلى أرض الوطن. 

     

    كان (سمير) من أفراد الدفعة الطلابية التي غادرت البصرة إلى المملكة المتحدة عام 1962, كانوا تسعة طلاب. نذكر منهم: الكابتن حسين محمد عبد الله اللعيبي (المدير العام الأسبق للموانئ العراقية   بعد عام 2005), والكابتن جبار سعيد (ممثل شركة الملاحة العربية المتحدة في العراق), وحسن كاظم, ومؤيد عارف, وعبد الصمد مولان, وحسن الدبوني. .

     التحق سمير أول مرة بمدارس مدينة (هرنبيي), في مقاطعة (كيت) بانجلترا لأكثر من سنتين دراسيتين, التحق بعدها بكلية (وستر) البحرية, وهي عبارة عن سفينة  شراعية عملاقة من السفن التجارية القديمة, اسمها (H.M.S. Worcester), مقسمة إلى قواطع طولية وعرضية, ومقاطع دراسية, تضم قاعات للمنام, وصالات للطعام, وتكاد تكون شبه متوقفة على مراسيها (مخاطيفها) في نهر التايمس.  التقى (سمير) على ظهر سفينة التدريب مجموعة أخرى من مجاميع الطلاب العراقيين الذين أوفدوا للدراسة على نفقة الموانئ العراقية, نذكر منهم: ضياء توفيق, وأكثم أحمد, وواثق الأزدي, ومصطفى الرديني, وهاشم نعمة, وعادل محمد عبد المحسن.   ثم غادر بريطانيا للتدريب العملي في عرض البحر على سفن شركة (Strick Line), لأكثر من عامين متواصلين, وكان معه على ظهر الباخرة (بلوجستان) زميله (مؤيد عارف), وشاءت الصدف أن تكون هذه الباخرة من السفن التجارية المترددة على ميناء البصرة بالمعقل, وعمل أيضا في الفترة نفسها على بعض بواخر الشركة البريطانية, نذكر منها: الباخرة (تركستان), و(بهارستان), و(سربستان), كانت أسماء هذه البواخر تنتهي بكلمة (ستان), وتكاد تكون متخصصة بنقل البضائع من والى موانئ شط العرب لنقل التمور والحبوب والمنتجات الزراعية العراقية الأخرى, وما أن انتهت مرحلة التدريب العملي حتى انتقل مباشرة إلى كلية (ساوث شيلدز) البحرية, الواقعة في ضواحي المدينة التي حملت اسمها, وكان في الطلاب الموهوبين, إذ استطاع أن يستوعب المناهج التفصيلية كلها في غضون ستة أشهر فقط, نجح بعدها في أداء الامتحان النهائي وتخرج فيها بدرجة (ضابط بحري ثان), وهي الدرجة التي تؤهله للعمل بوظيفة ملاح متمرس على ظهور السفن العابرة للمحيطات, فسجل بهذا النجاح الباهر رقما قياسيا للعراق على لوحة الشرف في قاعة التكريم لكلية (ساوث شيلدز), عاد بعدها الى العراق مسلحا بالخبرة والمهارة والكفاءة, فأخذته الموانئ العراقية بالأحضان في السادس والعشرين من آب من عام 1970, وألحقته بأسطولها المحلي, فعمل على سفن الحفر البخارية (كركوك), و(السليمانية), و(كربلاء) لغاية الشهر التاسع من عام 1973, عاد بعد ذلك التاريخ للعمل في البحار المفتوحة على ظهر الباخرة العراقية (بابل) وهي من سفن الأسطول البحري العراقي في قمة ازدهاره, واستمر على ظهر الباخرة (بابل) لأكثر من ثلاث سنوات, إلى أن جاء بديله الكابتن (سمير الركابي),  فغادر البحار الواسعة في منتصف عام 1976, ليلتحق ثانية بسفن الحفر الحديثة, ثم عمل على الباخرة (المربد), والباخرة (الصمود), حتى صار مؤهلا لتسلم قيادة السفينة (الخليج العربي) بعد وصولها من ألمانيا, وأصبح هو ربانها. 

     كان (سمير) من خيرة الربابنة المعروفين بالتزامهم الوظيفي, ثم التحق بتشكيلات قيادة القوة البحرية والدفاع الساحلي, لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية, فنسب للعمل بدرجة (مدرس) في الكلية البحرية التابعة لأكاديمية الخليج العربي للدراسات البحرية, فعمل في سلك التدريس إلى جانب الكابتن (نزار جرجيس بني), والكابتن (أكثم أحمد عبد الحليم), ثم عاد بعد التسريح من الخدمة ليعمل في ميناء أم قصر بدرجة ربان مرفأ من عام 1990 حتى نهاية 2001, ثم غادر العراق إلى غير رجعة بسبب الظروف المعيشية والأمنية القاسية, فهاجر إلى الولايات المتحدة الامريكية, واستقر مؤقتا مع عائلته في ديترويت, ثم انتقل إلى الجنوب ليعيش في مدينة (سان دييغو) الجميلة بولاية كاليفورنيا, فاستقر هناك مع زوجته الوفية (السيدة أميرة أم سرى), وأولادهم: (سرى) من مواليد البصرة 1979, وهي الكبيرة متزوجة من عراقي مغترب (رعد), وتعمل في رياض الأطفال, وابنهم الكبير (سامر) من مواليد بغداد 1983, ويعمل في شركة لشحن المواد الطبية إلى جنوب شرقي آسيا, وهو متزوج من عراقية مغتربة (نبراس) تعمل صيدلانية, وابنهم (سلام), وهو من مواليد بغداد 1988, يواصل دراسته المسائية في هندسة شبكات الانترنت. .  ومن عجائب الأمور وغرائب الدهور إن الكابتن سمير سليم ميخائيل خدم الموانئ العراقية لأكثر من (35) عاما في عرض البحر من دون أن يكافأ على خدمته الممتازة, ومن دون أن يحال إلى التقاعد, وأصبح من ضمن المفصولين من الوظيفة, بموجب أحكام قانون الخدمة البحرية المدنية, بغض النظر عن الظروف القاهرة, التي اضطرته للهجرة عام 2001.  لقد خسر العراق ثروة لا تقدر بثمن عندما تغافل عن هجرة العوائل المسيحية, وارتكب اكبر هفواته عندما سمح للقوى الهمجية بتهجيرهم بأساليبها الاستفزازية الظالمة, ففقدت البصرة أعز ما لديها في غضون بضعة أعوام, كانت فيها هي الخاسرة, في خضم الفوضى الأمنية التي روعت التجمعات السكانية المسالمة, حتى امتدت يد الظلم لتسهم في تشريد آلاف العوائل, بمؤامرة خبيثة استهدفت تفريغ العراق من مقوماته الديموغرافية الضاربة في عمق التاريخ, ولسنا مغالين إذا قلنا ان لهذه الأسر المسيحية في البصرة الدور الريادي الأكبر في رفد الحركة الملاحية بأصحاب المواهب الفذة, والنفوس الطيبة, والعقول المنتجة, المسلحة بأدوات الرقي الحضاري, ولم يبق منهم الآن سوى الكابتن (عماد كامل عبودي), والمرشد البحري (رمزي إيشو داود), وطويت تلك الصفحات الذهبية من سجلات الموانئ, التي كانت مزدانة بباقة كبيرة من الربابنة والمهندسين المسيحيين, نذكر منهم الكابتن عصام عمسو, وسمير ناصر بولص, ونزار جرجيس بُني, ووليد لويس هيلو, وأميل أواديس, وأمجد فرنسيس, والمرشد البحري فرج بُني, وبسيم دورنة, ونبيل كامل رزوقي, وروحي فرج دانو, ووديع بطرس, ويوحنا نعمان, والمهندس بهنام عزيز فتوحي, وعصام خوشابا, وصباح جميل بولص, ووارتكيس اواكيم, وانترانيك نهاديت, وأوانيس ماردروسيان, والمتخصص بالرفاسات البحرية المرحوم مانؤيل فتوحي, ومن المهندسين الذين أسهموا في تنفيذ المشاريع المينائية نذكر رئيس المهندسين غازي سعيد نعوم, وإلياس حنا مدبّك, والمرحوم أدمون حناوي, ووارتكيس مهرانيان, والمساح البحري الأقدم المرحوم الكسندر فرجيبيان. 

    كان هؤلاء الرواد من المبدعين والموهوبين هم الذين شاركوا مشاركة فاعلة في رسم الصور الزاهية لموانئنا بعد منتصف القرن الماضي, وهم الذين عززوا مسيرتها بوطنيتهم الصادقة, وصفاء قلوبهم المفعمة بالحب والوفاء, وهم المعين المتدفق بعطاء الطاقات الاستثنائية النادرة, فكانوا من أهم مقومات النجاح والتألق في الزمن الجميل, وكم تمنيت أن يكون مستقبلنا بجمال ماضينا, لكننا سنبقى هنا بانتظار فجر جديد, وشروق جديد, وأمل جديد, يجمعنا وإياهم في أحضان مهد الحضارات. 

    ميادين الابداع

    وعلى صعيد متصل فان المشرق من الصور الأخرى في البلاد عموما والبصرة خصوصا سيرة ومواقف اللعيبي, ونعني به رئيس المهندسين الأقدم الأستاذ جبار علي حسين اللعيبي, الرجل الذي وقف بوجه العاصفة في أحلك الظروف, فكان من أكفأ اللاعبين في الميادين النفطية, قرأنا وسمعنا عنه الكثير في الصحف الأجنبية والعربية, وتحدث هو عن نفسه بصراحته المعهودة في كتابه الموسوم (تحديات في الزمن الصعب), لكننا لم نعد نسمع شيئاً عنه وعن انجازاته الجديدة منذ أن غادر مكانه في الإدارة العليا لشركة نفط الجنوب, فتذكرنا قول شاعر بني حمدان: سيذكرني قومي إذا جد جدهم وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر كان لزاما علينا العودة إلى الزمن الصعب, إلى المرحلة التي كانت فيها شركة نفط الجنوب تقف وحدها في مواجهات الهجمات البربرية الشرسة, التي شنتها ضدها القبائل المنفلتة, لنعيد إلى الأذهان تلك المشاهد التي قاومت فيها الشركة غارات عصابات متعطشة للعنف, أعماها الجشع, وأغراها الطمع, وأوهمها الباطل بشرعية ما تقوم به من نهب وسلب وتخريب وابتزاز, حتى وصلت الأوضاع في خريف عام 2003 إلى اليوم الذي اقتحم فيه ثلاثة من رؤساء القبائل المنفلتة في البصرة مقر شركة توزيع المنتجات النفطية, فهددوا مديرها بقوة السلاح, وطالبوه بتزويدهم يوميا بخمسين طنا من مادة زيت الغاز بالمجان ولمدة ثلاثة أشهر كحق (شرعي) من حقوقهم (الموروثة والمكتسبة), بذرائع وحجج واهية توحي بعودة الزمن إلى شريعة الغاب, فهرع اللعيبي لنجدة زملائه في أرصفة (المفتية), ودخل في مفاوضات مميتة مع رجال القبائل المنفلتة, الذين لم يترددوا من إضافة مطلب آخر إلى مطالبهم الابتزازية, عندما طالبوه بالتنازل عن سفينة الإسناد (النسر) لتوظيفها في تجارتهم, أو لغرض الاستفادة من أجزائها الميكانيكية في مشاريعهم الفوضوية. انتهت المفاوضات بانتصار الحق على الباطل, وخرج الثلاثة مدحورين مهزومين, وكان اللعيبي هو الفائز بما عرف عنه من حكمة في التعامل الحازم مع البرابرة.  كانت هذه صورة واحدة من آلاف الصور التي تراكمت فوق بعضها البعض لترسم المشهد المأساوي للظروف التي مرت بها شركة نفط الجنوب في البصرة بعد عام 2003, والتي كان فيها اللعيبي هو اللاعب المتميز في مواجهة التحديات الفوضوية الخطيرة.   لقد تعرض القطاع النفطي بعد أحداث عام 2003 إلى هزات عنيفة تمثلت بسلسلة متواصلة من عمليات النهب والسلب والتخريب والدمار, لكنها لم تصل إلى مصفى البصرة بسبب وقوعه عند مقتربات الخطوط القتالية للقوات البريطانية الزاحفة نحو البصرة, فجأة انهار كل شيء واختفت المنشآت النفطية من فوق سطح الأرض, كان اللعيبي شاهدا معنا على تداعيات هذه الفوضى العارمة التي اكتسحت البصرة, ففكر بترك العمل في القطاع النفطي والتوجه إلى مزاولة مهنة أجداده في تجارة التمور عبر المنافذ المينائية, بيد انه لم يستطع تنفيذ تلك الفكرة بسبب الضغوط الكثيرة التي انهالت عليه من وجهاء البصرة, فأناطوا به مهمة الإشراف على القطاع النفطي في الجنوب, والذي كان وقتذاك عبارة عن أشلاء مبعثرة في جوف الصحراء, كانت سحب الدخان الأسود تخيم على أجواء البصرة, وأصوات الانفلاقات الجوية تهز أركانها في الليل والنهار, وألسنة النيران تلتهم ما تبقى من مخازن الشركة في باب الزبير, لكنها لم تكن حتى تلك اللحظة بمنأى عن غارات اللصوص والمخربين والعابثين, الذين كانوا يحملون الأسلحة النارية الخفيفة والخناجر والسكاكين. 

    بيد ان تلك الأيام لم تثن عزيمة القوى الخيرة من الوقوف صفا واحدا بوجه العناصر الشريرة, فتضافرت سواعدهم الوطنية لنجدة الشركة, وشرعوا ببنائها من مرحلة الصفر بمواردهم الذاتية المتواضعة, فاستأجروا في بداية الأمر سيارة واحدة تنقلهم يوميا إلى حقول الرميلة الجنوبية, وهيئوا لهم غرفة واحدة خارج مبني الشركة, أثثوها حينذاك ببعض قطع الأثاث المكتبي المبعثر هنا وهناك, كانت تلك الغرفة هي النواة التي كتب لها النجاح في رسم خطوات البناء ومواجهة التحديات الصعبة, في ظروف قلقة لا تتوفر فيها ابسط مستلزمات الأمن والأمان, وفي غياب تام لسلطة الدولة المنهارة, ووفي خضم  طغيان عصابات النهب والسلب, في الوقت الذي كانت فيه القوات البريطانية الزاحفة نحو البصرة تغض النظر عن تحركات اللصوص, وتوفر لهم الغطاء اللوجستي لتنفيذ أعمال التخريب والحرق والتدمير. 

    وعلى الرغم من كل المعوقات والعراقيل والصعاب التي واجهتها الشركة, استطاعت أن تتجاوز الخطوط الصفرية وتستعيد بعض عافيتها القديمة, مقتنعة بالحد الأدنى من النجاحات الطفيفة المحدودة, حتى استطاعت في 7/4/2004 أن ترتقي بمستوى الإنتاج إلى (50) ألف برميل يوميا, وقفزت في نهاية الشهر السادس من العام نفسه إلى (500) ألف برميل يوميا, وقطفت في منتصف الشهر السابع ثمار نجاحها بتصدير أول شحنة من النفط الخام, وتصاعدت وتيرة الإنتاج في منتصف عام 2004 لتتجاوز الأرقام المسجلة قبل السقوط بجهود عراقية خالصة, ومن دون أية مساعدة أجنبية من الخارج, فاستصلحت أكثر من (300) بئر نفطية, بينما توقف إنتاج الغاز كليا في حدود المعدلاته الصفرية حتى يوم 7/4/2003, لكنه استعاد نشاطه ابتداء من حقل الزبير الذي أنتج ولأول مرة (70) مليون قدم مكعب يوميا, ولحق به حقل (نهران عمر) لينتج ولأول مرة نحو (80) مليون قدم مكعب يوميا, وما أن دارت الأهلة دورتها حتى أصبحت شركة نفط الجنوب في طليعة الشركات العراقية المنتجة بقيادة اللاعب الأساسي لفريقها المتميز في الإبداع والإنتاج والتألق والتفوق, فسجل اللعيبي أروع انجازاته ببناء المجمعات السكنية المعاصرة والتي احتضنت أكثر من (1730) دارا سكنية, وزعها على العاملين في القطاع النفطي, واستطاع أن يشيد (23) مستوصفا طبيا مجهزا بالكامل بالمعدات الطبية الحديثة, واستطاع أن يبني مجموعة متكاملة من دور الاستراحة في البصرة والرميلة والبرجسية, و(14) مسجدا, وتبليط عشرات الكيلومترات من الطرق, وبناء الجسور والقناطر, والقيام بحملات تشجير شاملة لمدينة البصرة, وتزيينها بالواجهات الجميلة, وقام اللعيبي أيضا ببناء معاهد التدريب والتأهيل, ومراكز الحواسيب الحديثة, وتوزيع (5500) قطعة سكنية على منتسبين الشركة في مناطق الطوبة والنخيلة, وحصل على (6000) قطعة أرض في منطقة شط العرب لصالح المنتسبين, ووضع الحجر الأساس للبرج النفطي الذي سيتوسط مركز المدينة (عند المكينة), وهو برج حديدي مؤلف من (16) طابقا. حملت مذكرات الرجل سجلا حافلا بالمنجزات الميدانية الرائعة, نذكر منها: تطوير حقل (مجنون) وتحقيق طاقة (100) ألف برميل يوميا, تطوير حقل (غرب القرنة) وتحقيق طاقة (350) ألف برميل يوميا, تطوير حقل (حلفاية) وتحقيق طاقة (30) ألف برميل يوميا, التطوير الإضافي لحقل (اللحيس), وتحقيق طاقة (75) ألف برميل يوميا, تطوير مكمن (العطاء الثالث) في حقل الزبير, وتحقيق طاقة (180) ألف برميل يوميا, تطوير حقل (إرطاوي) وتحقيق طاقة (50) ألف برميل يوميا, تطوير حقل (الطوبة) وتحقيق طاقة (20) ألف برميل يوميا, تطوير مكامن مشارف الرميلة الجنوبية, التطوير الجزئي لمكمن (السجيل الأعلى), وتحقيق طاقة (40) برميل يوميا, التطوير الإضافي لحقل (بن عمر), وتحقيق طاقة (40) ألف برميل يوميا, تطوير حقل الناصرية, وتحقيق طاقة (20) ألف برميل يوميا, تطوير حقل (نور ميسان), وتحقيق طاقة (15) ألف برميل يوميا, بناء المحطات النفطية في الحقول الحدودية, عند (الرطﮜـة), و(صفوان) المحاذية للحدود الكويتية, ومحطات (الفكة), و(أبو غراب) في ميسان بمحاذاة الحدود الإيرانية, والاهتمام بحقول (الناصرية) وتطويرها. 

    كانت هذه هي الملاعب التي لعب فيها اللعيبي, والتي حقق فيها فوزا متقدما في ظروف استثنائية قاهرة, فأين هو الآن ؟, وماذا يعمل ؟, كان وحده كتيبة من الرجال الأشداء, يتنقل في قلب الصحراء بين ملاعبه النفطية, يتفقد معدلاتها الإنتاجية من النفط الخام, يستمع بعمق إلى مواقف المهندسين والفنيين, يبتكر الحلول المناسبة لكل العقبات التي تواجههم, كان متألقا في أدائه الإداري والإنتاجي, دقيقا في قراراته القائمة على أسس التشاور الفوري المباشر بين الأعلى والأدنى, قريبا من قلوب الناس في البصرة وضواحيها, كسب ودهم من دون تضليل, ونال احترامهم من دون تطبيل, فتبوأ مكانة مرموقة في ذاكرة البصرة, وجاء ترتيبه في المركز الثاني بعد مزهر الشاوي رحمه الله, ولسنا مغالين إذا قلنا إنه حاول أن يقتفي أثر الشاوي, وينتهج نهجه في تجميل مدينة البصرة وشوارعها, لكنه غادر موقعه فجأة, وتوارى عن الأنظار, فخسرته البصرة, وانقطعت صلته بملاعبه النفطية التي تألق فيها, وكان كمغنية الحي التي غابت عن الأنظار, ولم نعد نسمع ترنيمتها الجميلة على ضفاف شط العرب. . قديما وقف أبو الفرج ابن الجوزي على مشارف العراق, رافعا عقيرته بهذه الأبيات الخالدة من بحر (المتقارب): عَذيري من عُصبةٍ بالعراق وقلبهم بالجفا قُلَّبُ يرون العجيبَ كلامَ الغريبِ وأمّا القريب فلا يُطرِبُ وعُذرُهمُ عند توبيخهمْ (مُغَنية الحَيِّ لا تُطرِبُ) وربما سمعه القاضي (ابن عبدوس) وهو في صومعته الأندلسية, فنسج على منواله هذه الأبيات الجميلة: أراك ظريفاً مليحَ الجوابِ فصيحَ الخطابِ فما تطلبُ فقال أما قد سمعتَ المقال (مُغَنَّيةُ الحَيِّ لا تُطرِبُ) كان هذا في قديم الزمان, اما اليوم فيبدو إن مغنية الحي مُنعت من الغناء نهائيا, وأغلب الظن إنها فقدت مكانتها في المنتديات النفطية العراقية, ولا ندري إن كانت تعرضت للإصابة بشظايا ظاهرة وأد الكفاءات, فأقعدتها عن العمل ؟, أم إنها مازالت تعوم ضد تيارات المحاصصة السياسية بانتظار من يرمي لها طوق النجاة فينتشلها من بحر الإهمال, ويعيدها إلى شواطئ التكنوقراط ؟.

  • عدوان الغابة

    العدوان, أو الغضب, غريزة من غرائز الإنسان, حالها حال غريزة الجنس , والطعام, والأمومة, والاجتماع.. وعدم وجودها في إنسان يثير أطباء النفس على انه غير سوي ويتطلب الفحص والعلاج …

    ولدنا  بغرائزنا بما فيها غريزة العدوان التي دشنها هابيل وقابيل.. وكما تحورت وتطورت وتهذبت غريزة الطعام.. وعبرت من نهش الطريدة وتمزيقها بالمخالب والأنياب واكلها نيئة.. إلى أكلها بالشوكة والسكين متبلة مشوية محاطة بالمشهيات وضروب الزينة.. وكذلك بقية الغرائز ومنها الغضب والعدوان حيث تحولت إلى تباري ومنافسات في التطور والكشف والتفكير, وعرف البشر وتوصلت العقول إلى ان هذه الغريزة وازع للتطور كلما تطورت وجرى توظيفها لنقيضها: السلام, وما فتوحات السياسة سوى التوفيق بين المتضادات والمتناقضات والدهاء في دفع الشعوب والمجتمعات إلى التباري والتلاقح والتفاعل الخلاق, وبلغت الشعوب المتقدمة أن تبحث عن المختلف وقد تستدرجه وربما تبتكره… فالأفراد والمجتمعات والشعوب تحتاج إلى طرف مقارنة.. الى نقطة قياس.. الى مختلف يرضي غريزة العدوان والغضب.. ولكنه مع العقل المتطور الخلاق لأجل التنوع ولرؤية لون آخر.. وللانتباه للحياة والنظر إليها بعين هذا الآخر المختلف.. ولم يشجب علماء الاجتماع ولم يستنكروا تلك الحساسيات بين المدن البريطانية.. هذه تنعت تلك بالبخل, وتلك تنعت هذه بالتحلل.. وكذلك نظروا إلى الحكايات والإشارات والتعليقات بين القبائل والعشائر والأجناس.. فغياب الآخر.. غياب المختلف… غياب طرف المقارنة.. غياب من لا يحفزنا على ان نراه ثم نرى أنفسنا يصيبنا بالترهل والخدر.. وقد نتفكك ونتحلل ونندثر بسلام… وما هذا المختلف إلا السر الذي لم ينتبه إليه المتخلفون ومن واصلوا عقلية الكهف ولم يعملوا على تطويره أسوة بالغرائز الأخرى ..

    في الأعراف الفكرية الاجتماعية والنفسية والثقافية لم ترق الخلافات المذهبية الإسلامية إلى ان تكون ( آخر … ومختلف.. وخصم).

    إنها خلافات الواحد مع نفسه.. وبعضها لا يمكن فهمه الان , ولا يستطيع العقل المعاصر ان يستوعب حاضرا (عراقيا) في ضوء ماض من قرون.. ولا ان ينظر لدين لم يفلح في لم شمل عائلته وهو ينادي برسالة إلى البشر…

    الغضب غريزة  ولا يتخلص الإنسان من عدوانه بلا تسام , بلا تفوق على النفس  .. بلا قبس من سلام السيد المسيح .. بلا استلهام سيرة نبينا وآله الأطهار .. وان وجود الغرائز على فطرتها الأولى يعني نقل الكهف إلى عالم الانترنت… والأكيد ان العالم يضيق ذرعا بعفن ومخالب وأنياب الغابة .. وانه قد يتسامح في أمور وجوانب كثيرة .. ولكن ليست من بينها عدوانية بدائية.. غبية وفجة …. لم تدرك, بعد, أن جدل الحياة, وطريقها الصاعد نحو النور والمعنى، إنما يقوم على السلب والإيجاب والتقاء الضدين لإنجاب حياة.

  • من أجل..(نصب بغداد) أجمل

    على مرمى عصا من مبنى الاتحاد العام للأدباء والكتاب- تحديدا في ساحة الأندلس- يشمخ نصب حمل اسم (نصب بغداد) وهو آخر (أبناء) وأعني أعمال النحات (محمد غني حكمت) من التي حفلت بها ساحات وشوارع ومدخل كبرى فنادق بغداد (الرشيد/وعشتار شيراتون) من بعد تمثاله الأشهر من بين كل أؤلئك (الأبناء) البررة من نسل هذا النحات السومري الأصيل  ونريد به تمثال(كهرمانة) الذي أحتل قلب تلك الساحة التي سميت باسمه منذ بداية سبعينيات القرن الماضي (كهرمانة)أو(قهرمانة) كما كان يحلو لأبي ياسر (محمد غني) أن يسميها.

    قبل شهور وأسابيع وأيام من زهو هذا العام ارتفعت قامة عمليين آخرين لنفس النحات بالقرب من ساحة (كهرمانة) الأول نصب (مصباح علاء الدين) قبالة مبنى المسرح الوطني/ساحة النضال والآخر (نصب بغداد) في ساحة الأندلس والذي نحن بصدد تقييم وضعه الحالي من حيث الموقع وزوايا النظر وطبيعة تصميم قاعدة العمل التي تجلس عليها فتاة جميلة بملامح سومرية أخاذة وهي تضع ساقا على ساق وتنظر إلى مجد وعراقة هذه المدينة الخالدة التي تغزل بجمالها وفتنتها كل شعراء الأمة العربية وأعجب بها أيما أعجاب كل من قرأ حكايات ألف ليلة وليلة وتعرف على ذكاء وحنكة براعة (شهرزاد) في الدفاع عن بنات جنسها من طيش وشكوك وهواجس (شهريار).

     ما يسجل على طريقة إخراج هذا النصب من تقييم وملاحظات سيصب – حتما- في صالح خدمة الغرض الأصيل والمسعى الجميل والهدف النبيل الذي أرادت ترسيخه أمانة بغداد الأجمل ومتن تثمين تأريخ فناننا الكبير (محمد غني) الذي لم يرى نصبيه (بغداد) و(علاء الدين) شاخصين امام عينيه بسبب مرضه ورحيله عن هذه الدنيا، تاركا إرثا إبداعيا قل نظيره من بين أقرانه ومجايليه، ولعله المحظوظ الى جانب (جواد سليم) و(فائق حسن) و(خالد الرحال)و (ميران السعدي)و (إسماعيل فتاح الترك) ممن ازدانت العظيمة بغداد بأعمالهم ولـ(حكمت)حصة الأسد في الحضور والعدد من النصب والتماثيل.

    أولى تلك الملاحظات، ارتفاع قاعدة النصب بما لا يتناسب وحجم التمثال واتاحة رؤية مريحة للمارين من أمام النصب للتمتع بتفاصيله وفق مبادئ طرق الإخراج الفني للعمل، عبر دراسة الكتلة والفراغ الذي ينتصب فيه ذلك العمل، مع مراعاة النظر إليه من زوايا عدة ، كما تم اعتماد طريقة شتت تأثير وأثر النصوص الشعرية لشعراء كبار ومعروفين قالوها في حب بغداد وتأريخها العتيد بسبب كثرة تلك المختارات وتداخلها مع بعضها. 

    وأخيرا- لو تم اعتماد صب تلك النصوص على طريقة النحت بارز (ريليف) بمادة البرونز الصلدة والمقاومة للتقلبات المناخية لكي تكون أكثر هيبة وارتكاز وتناسقا (شكلا ومضمونا) مع أصل مادة التمثال نفسه، لا اعتماد الحفر على الجدران المستطيلة للقاعدة بمادة الجص أو (البورك) الأبيض والذي خلق نوعا من التنافر الواضح مابين القاعدة بلونها الأبيض والتمثال بلونه البرونزي المهيب، من هنا نهيب بلجنة الذوق العام في أمانة بغداد للنظر بما طرحناه مع التقدير.

  • قانون 88 من مخلفات بريمر

    راجعني بعض المواطنين وبعض موظفي الحاسبات في البلديات وفي دوائر السجل العقاري وهم يشكون من قضية ما عرف بالقانون ” 88 ” من مرحلة بريمر سيئة الصيت , ويتذمرون من الآثار الرجعية لذلك القانون الذي يتحدث عن البعثيين المشمولين بالمساءلة والعدالة من عضو فرقة فما فوق , وينص ذلك القانون بطريقة غامضة على عدم نقل ملكية أو بيع لصالح الأفراد المشمولين بالمساءلة ويجعل النص القانون في ان يسري مفعوله حتى الدرجة الرابعة من الأقارب ؟

    والغموض الذي يلف ذلك النص , والذي عمم على كافة دوائر الدولة ولاسيما دوائر التسجيل العقاري ودوائر البلديات .

    ويقول موظفو الحاسبات أنهم أعطوا قاعدة بيانات غير مكتملة مما يسبب لهم حرجا في مواجهة معاملات المواطنين للأسباب التالية :-

    1-  وقوف موظفي النزاهة لهم بالمرصاد

    2-  محاسبتهم من قبل دوائر المفتش العام في وزاراتهم

    ولأن القانون المذكور ينطوي على تعميم لا مبرر له : مفاده اذا كان المعني بالمساءلة يجب التأكد من وضعه القانوني عند تسجيل شيء باسمه أو قيامه بنقل ملكية باسمه ؟

    ولكن ما هو المبرر القانوني لتعريض بقية أقاربه الى نفس المساءلة وتوقف دوائر التسجيل العقاري ودوائر البلديات عن التسجيل أو نقل الملكية للأقارب الذين لم تكن لهم مسؤولية عن الوضع السياسي والحزبي لقريبهم ؟

    ومن يستمع الى المواطنين وهم من المضحين الذين عانوا الكثير بسبب النظام السابق , وحرموا من حقوقهم , وعندما جاءت الدولة لتنصفهم وتعوضعهم بعض الشيء وهؤلاء هم شريحة مهمة من أبناء شعبنا وهم كل من : –

    1-  المهاجرون والمهجرون

    2-  عوائل وأبناء الشهداء

    3-  السجناء السياسيون

    فهل يعقل ان شريحة من هذا المستوى وفيهم النخبة تعامل بطريقة مريبة , تضطرهم الى أن يقضوا أياما وأسابيع وأشهر في معاملات كتابنا وكتابكم وعلى الشكل الآتي :-

    1-  اخراج قيد شخصي وعائلي

    2-  اخراج قيد عائلي أصلي للمواطن الذي نقل سجله من مدينة الى مدينة أخرى بسبب بقاء اسم الجد الرابع في سجل العائلة الأصلي

    3-  كتاب تأييد من المجلس البلدي

    وهذا يعني فتح المزيد من التعب والمعاناة وجلب زحمة عمل لموظفي تلك الدوائر لا مبرر له .

    ومن يراجع دوائر البلديات ويرى بأم عينيه زحمة المواطنين على نوافذ غرف الموظفين , وغرف موظفي التسجيل العقاري يصاب بالدهشة وتأخذه الحسرة والشفقة على ما يعانيه المواطنون ؟

    يحدث كل هذا , ولا أحد من أعضاء مجالس المحافظات أو أعضاء البرلمان يرف له جفن او يتعاطف مع معاناة المواطنين الذين كتب عليهم أن يكونوا بخدمة القوانين التعسفية لا أن يكون القانون بخدمتهم كما هو الحال عن الأمم والشعوب المتقدمة التي عرفت دولهم كيف تنظم شؤونهم وكيف تقدم الخدمات لهم .

    أن قانون “88” وهو من قوانين بريمر لا أحد يعرف لماذا يستمر هذا القانون بتلك الصيغة الغامضة والتي لا يجرؤ أحد على مناقشتها وأين هو مجلس النواب ولماذا لا يعيد النظر بهذا القانون الذي يقول عنه الموظفون أنه سبب كل مشاكلهم مع المواطنين , وسبب كل معاناتهم , لأنه بسبب هذا القانون يضطرون لطلب قضايا تعجيزية من المواطن هم غير مقتنعين بها .

    ولذلك تجد هناك حلقة مفرغة من الروتين تجعل الانجاز بطيئا والمشاكل تتعالى وتتراكم مما يؤدي الى :-

    1-  زراعة الكراهية بين الموظفين والمراجعين

    2-  كثرة الشكاوى والاتهامات

    3-  كثرة اللجان التحقيقية بدون فائدة

    وبقاء هذا القانون يعني بقاء دوائر الدولة في دوامة مستمرة من التذمر والشكاوى وتزاحم المواطنين اليومي الذي يؤدي الى تأخير الجميع وضياع الوقت 

    ثم أن بقاء هذا القانون يعني ما يلي:-

    1-  عدم وجود نية لتطوير عمل مؤسسات الدولة

    2-  عدم وجود نية لتحسين العلاقة بين الموظف والمواطن

    3-  عدم وجود نية لقيام دولة المؤسسات

    4-  ثم هو تدمير للحياة وتعطيل للإنجاز

    أن معاناة بهذا الحجم , ومشكلة بهذا الاتساع , لا يجب السكوت عنها .

    ومجلس النواب الجهة التشريعية المعنية بالتخفيف من معاناة المواطنين 

    ومجلس الوزراء هو الجهة التنفيذية المسؤولة عن التحرك الجاد والسريع لتوضيح مفردات ذلك القانون وازالة الغموض عنه وحصره فقط في الاشخاص الذين يعنيهم الامر دون توسعة التطبيق غير الصحيح على الاقارب , ففي ذلك إجحاف لا مبرر له , ثم لا ننسى حتى الافراد الذين يشملهم ذلك القانون لا يجب أن يقصوا من الحياة , بل يجب علينا ومن باب انساني حضاري أن نتعامل معهم برحمة وعدالة تشمل الجميع , ولاسيما الذين لم تتلطخ أياديهم بجريمة أو بفساد كبير , علينا أن نشعرهم بروح المواطنة وأن ندخلهم للحياة من أوسع أبوابها بما يتفق ومفهوم التنمية البشرية .

    أن سنوات مضت على مرحلة بريمر والحياة يجب ألا تتوقف

    ولكن قانونا من هذا المستوى لا يراد منه الا توقف الحياة في بلدنا وما نشاهده من تذمر وخيبة أمل عند المواطن يشكل هذا القانون مع غيره من القوانين فسادا للحياة الاجتماعية , وعيبا كبيرا في التشريع الذي لا ينتصر للناس والدولة الحاضنة للشعب .

    فلنتذكر مناشدة المواطنين أصحاب المعاناة من هذا القانون ولنتذكر الموظفين الذي كرهوا حتى وظيفتهم على تعبير أحدهم بسبب هذا القانون الجائر ؟

  • رجل في الذاكرة

    في عام 1970، كنت قد أنهيت سنتين من (خدمة الزواج الإلزامية) وكانت الخمسون دينارا التي أتقاضاها راتبا شهريا عن وظيفتي في مهنة التعليم، تتبخر بسرعة الضوء بين مصروف البيت والإيجار، وما تبقى في ذمتي من أقساط مستحقة عن ديون استلفتها من الحكومة واقترضتها من الأصدقاء، لإتمام متطلبات الزواج بنجاح ساحق، ولهذا حين حصلت على عمل مسائي بصفة (مصحح) في جريدة الثورة، باجر مقطوع قدره (30) دينارا، تفتحت أمامي أبواب الجنة، وتغيّر وضعي الطبقي تغيّرا جذريا، وانتقلت من البروليتاريا الرثة إلى البرجوازية الوطنية، حيث تحررت من عبء الأقساط والديون، وصارت اللحوم بأنواعها تزور مائدتنا مرة كل أسبوع، والاهم من ذلك كله، اشتريت سوارا من الذهب لزوجتي بمناسبة الذكرى الثالثة لحكومة الشراكة الحقيقية بيننا، بدلا من (المعضد) البلاستيكي!! 

    في عام الرخاء ذاك اعني مطلع السبعينات، تعرفت على الشاعر الفطري الراحل عبد القادر العزاوي، الذي كان يعمل مصححا في الجريدة نفسها، والعزاوي شاب لم يكمل مرحلة الدراسة الابتدائية، ولكنه موهوب في كتابة الشعر، وصدر له ديوان أو ديوانان، لا اذكر جيدا، غير أن حظه من الثقافة متواضع، أما حياته العامة فاقرب ما تكون الى العبث والفوضى والصعلكة، لم تؤهله للزواج يومها وتكوين أسرة، إلا بعد سنوات طويلة، ولكن عبثه فردي، غير مؤذ، فقد كان يقبض راتبه رأس الشهر ويقوم بصرفه إلى آخر دينار في اليوم ذاته على تناول أنواع الاطعمة والفواكه والحلويات وشراء الملابس والكتب، وبعد يومين أو ثلاثة يعرض مشترياته علينا للبيع بنصف سعرها قبل أن يرتدي منها قميصا أو يقرا كتابا، والحق فان هذا الرجل الذي يلقبه الجميع (قدو العظيم) كان، إنسانا وديعا بسيطا، كريم النفس، ميالا الى المرح، وتسكنه روح الدعابة مع احساس داخلي بالرعب (ربما) كان سببه حياة السجن التي امضاها في (نقرة السلمان) ثم سجن الحلة بعد انقلاب شباط 1963 وكنا في اوقات الفراغ نستمع بصوته وهو يقلد فريد الاطرش بطريقة مذهلة! بعد أربعة أشهر او خمسة على عملنا معا، توطدت العلاقة بيني وبينه ولعلني أصبحت اقرب الزملاء اليه، مع أنه اقدم مني، وذات يوم سألني ان اقرضه دينارين على ما اظن حتى يحين وقت الراتب، فأعطيته المبلغ وعندما حل الراتب لم يرجع الدين الذي في ذمته، ولم استطع مطالبته حياء، غير ان المفاجأة، انه سألني من جديد إقراضه مبلغا لا اذكره، ولم أتردد عن تلبية طلبه واستمر على مثل هذه الحال، يقترض من دون ارجاع القرض، او حتى الإشارة الى الديون القديمة او الاعتذار عن تأخيرها، وبلغ به الأمر ان يقترض مرتين وثلاثا في الشهر الواحد، ولهذا حين جاءني في طلب مبلغ جديد، ركنت حيائي جانبا، وقلت له متسائلا (قدوري شنو القضية.. احنه 16 واحد بالقسم، ليش تداين بس مني؟!)، رد علي والابتسامة تعلو وجهه (عيني ابو عمار… الجماعة كلهم يطالبوني بالدين.. أنت الوحيد تظل ساكت)، وضحك وضحكت، وأعطيته المبلغ!! رحم الله العزاوي كم اشتقت إليه! إنسانا نقيا لذيذ الطبع والصراحة.

  • لا حرية ولا حمرية في الحمرية

    الحمرية: ميناء إماراتي صغير ولد في التسعينيات من رحم العمليات التجارية المشبوهة, وترعرع خارج مياه المنافذ البحرية الشرعية, فتحددت فعالياته اليومية في التعامل الحصري مع السفن الخشبية (اللنجات), والبواخر الساحلية المتهالكة, والقطع البحرية المخصصة لنقل البضائع الفاسدة والمهربة والمرفوضة والمغشوشة, ونقل المعدات المحطمة, والعجلات المستهلكة, وبعض المواد الغذائية التالفة والرديئة, والمشروبات الكحولية المرسلة إلى الحانات المغلقة بالشمع الأحمر في البلدان القريبة التي استبدلت المسكرات بالمخدرات. .

    ارتبط الحبل السري لميناء الحمرية في القرن الماضي بالأنشطة الرسمية المكرسة لتهريب المنتجات النفطية العراقية, بذريعة كسر قيود الحصار المفروض على منافذنا البحرية, فكانت صهاريج (الحمرية) هي المتنفس الذي تحررت من خلاله عوائد الأرصدة الكبيرة في حسابات أصحاب الكوبونات النفطية, وهي المحطة التي تكفلت بعد عام 2003  بغسيل الأموال القذرة والمسروقة والمهربة والمحولة والمبللة, وهي المرفأ الذي تعهد باستلام سبائك القابلوات العراقية المذابة في أفران التخريب. .

    في التسعينيات كانت قوافل الناقلات الساحلية تنساب في حركتها الدؤوب بين أرصفة ميناء (المفتية) العراقي ومنصات ميناء (الحمرية) الإماراتي, في رحلات مكوكية تجري كأفواج النمل الأسود, بعلم الجهات المُحاصَرة (بفتح الصاد), والجهات المُحاصِرة (بكسر الصاد), وبعلم الجهات الإيرانية المتسترة, التي كانت تستوفي خمسين دولارا عن كل طن متري من النفط المهرب, حتى تجيز مرور الناقلات عبر مسارات خور موسى, فخور الديلم, فجزيرة (خارك), فرأس المطاف, وتنتهي في الحمرية, ثم تعود أدراجها ثانية على المسار نفسه. .

    في تلك الأيام كان مدخل شط العرب يعج بالناقلات المترددة على ميناء أبو فلوس, الذي تحول بين ليلة وضحاها إلى ميناء نفطي مجهز بخطوط الأنابيب والمعدات اللازمة لضخ النفط الأسود, وزيت الغاز. وكانت الحمرية هي الطرف الآخر المجهز بالصهاريج والمعدات لتلقي الشحنات المُهربة رسميا عبر المسالك البحرية المعلنة بين البصرة والإمارات, بما يسمى آنذاك التهريب الرسمي المنظم, بمعنى إن (الحمرية) أكملت مرحلة رضاعتها من أثداء (أم الرصاص), وتلقت الرعاية في أحضان ميناء (أبو الفلوس) حتى اشتد عودها, وامتلأت جيوبها بفلوسه, لكنها كانت ولا تزال من أشد الموانئ قسوة في التعامل الاحترازي الحذر مع الطواقم العراقية, وربما كان لتوجيهات إدارة شرطة دبي الأثر الكبير في فرض العزلة على العراقيين العاملين على السفن المترددة على الحمرية, حتى بات من حق السريلانكي والباكستاني والهندي والإيراني والصومالي والفلبيني التمتع بحرية الخروج من الميناء, والتسوق في المدينة, والعودة ثانية إلى الميناء, من دون أي عقبات أو عراقيل, ومن دون اعتراض من أحد, باستثناء الطواقم العراقية التي وقع عليها الحظر لأسباب لا يعلم بها إلا الحاقدون على العراق وأهله. 

    ظل ميناء الحمرية حتى يومنا هذا طرفا رئيسا في ترويج المعاملات التجارية المريبة والغامضة, ولن تتحسن صورته مهما توسعت مشاريع التحديث والتطوير, فمن شب على شيء شاب عليه. وسيبقى هو النافذة الخفية المخصصة للتبادل التجاري غير الشرعي في حوض الخليج العربي. .

    فلا حرية للعراقيين في الحمرية, ولا حمرية في هذا الميناء الذي تسللت إليه اسماك القرش بكل أنواعها, فالحمرية في العراق اسم لطيف لسمكة جميلة اختارت العيش في الاهوار والجداول المتدفقة بالمياه العذبة, بين أعواد القصب والبردي, وبجوار اسماك الشبوط والقطان والبُني, ويتعذر عليها العيش في المياه المالحة المشبعة بالنفايات البلاستيكية والملوثات النفطية, التي جمعت منها سلطة دبي في يوم واحد ما يقارب (98) طنا من نفايات ميناء الحمرية وحده. .

    وظلت (الحمرية) في العراق نعمة من نعم الفردوس الجنوبي المقدس, لكنها في الإمارات صارت نقمة على العراقيين الوافدين إليها عن طريق البحر. 

    الملفت للنظر في الموانئ الخليجية إنها فتحت بواباتها على مصراعيها للفرقاطات والغواصات والمدمرات وحاملات الطائرات الأمريكية والبريطانية التي جاءت من أقصى الأرض لضرب العراق, لكنها أوصدت أبوابها كلها بوجه العراقيين القادمين إليها على ظهور السفن التجارية التي حملت معها الخير والمحبة, ومازالت الموانئ الخليجية تتنافس فيما بينها لاستقطاب واستقبال الأعداد الهائلة من السفن الحربية الأجنبية, بينما نراها تتعمد الخشونة في التعامل الوقح مع العراقيين العاملين على السفن التجارية الصغيرة, على الرغم من بساطتهم وضآلة أعدادهم.