ماذا يعني عندما انعقدت القمة العربية في بغداد.
هي رسالة لأهل العراق أولا، وللجيران ثانيا، وللمحيط الإقليمي ثالثا، وللمحيط الدولي رابعا. أما أهل العراق: فهي رسالة للجهات العراقية التالية:
1- لأعضاء الحكومة
2- لأحزاب السلطة
3- للبرلمانيين
4- لمجالس المحافظات
5- للسياسيين كافة
6- للمثقفين كافة
7- لوسائل الإعلام
أما أعضاء الحكومة الذين عرفنا فتور العلاقة بين بعضهم، مثلما عرفنا ميل بعضهم إلى كتلهم أكثر من ميلهم والتزامهم بالحكومة المركزية مما يضعف موقفهم وموقف الحكومة جميعا، ومن منطلق وطني عندما تنعقد القمة العربية في بغداد، واليوم تنعقد مجموعة “5+1” في بغداد، فان ذلك يجب أن ينعكس على أفراد الحكومة أولا بالظهور في مظهر التماسك، ورفض حالة الفتور والتبعثر، واستلهام مستجدات جديدة تقول للعراقي أنت في قلب الحدث العالمي، وعضو الحكومة أول من يجب أن يتلقف إيحاءات هذه الرسالة ويترجمها إلى ورشة عمل في وزارته بما يجعل الحكومة بمستوى ان تكون راعية لأحداث محلية، وإقليمية، ودولية.
أما البرلمانيون: الذين رأيناهم طيلة الفترات التشريعية السابقة: اجتماعات متراخية، ونصاب غير مكتمل، وخلافات يصل التراشق فيها إلى الحد الذي يضطر رئيس المجلس إلى رفع الجلسة مثلما رأينا وسمعنا تصريحات تعكس هوية الكتلة أو الحزب، ولم نسمع تصريحات تعكس هوية الوطن وحاجة وصوت المواطن اللهم الا لأغراض المنافسة التي تصل الى حد التشهير أو التسقيط للآخر مما يعكس سلوكا كيديا، ونفسا حزبيا غير ناضج لأنه يخلط مسائل الداخل مع إفرازات الخارج حتى يصبح العضو البرلماني أحيا دالا على أهله ومفارقا لوطنه من حيث يقصد ذلك او لا يقصد؟
ورأينا في نشاطات البرلمانيين في الفترات التشريعية السابقة والتي قاربت على تجاوز نصف الدورة الانتخابية، ضائعين في هموم شخصية مثل:
1- الايفادات
2- الامتيازات
3- التدخل في شؤون المؤسسات الحكومية لأغراض شخصية وليس لهموم وطنية، فتعيين الأقارب والمحاربين، والتدخل بأعمال المقاولات، ونقل وتغيير مواقع الموظفين بدوافع شخصية لا لمصلحة وطنية تثري وتقوي عمل المؤسسة او الدائرة الحكومية مما جعل رؤساء الدوائر والمؤسسات الحكومية مشلولين لا يجرؤون على تغيير اصغر موظف بسبب تدخلات النواب ووشايتهم برئيس الدائرة الحكومية عند الوزير وما هو فوق الوزير.
وانعقاد اجتماع مجموعة “5+1” في بغداد يجب ان يعطي للبرلمان بشخص رئيسه ولاعضاء البرلمان توجها جديدا قادرا على إلغاء مظاهر الفرقة بين اعضاء البرلمان ويجعل من تصريحاتهم مدروسة أكثر، ومن نشاطاتهم مما يصب في اطار النفع العام للوطن والمواطن، وبهذه المناسبة نقول وبصوت عال نجزم انه هو صوت المواطن العراقي صاحب الإصبع البنفسجي الذي يعرفه صندوق الاقتراع: لا نريد أن نشاهد المناظر التي تعكس مفارقة غريبة ومرفوضة ومدانة تكررت كثيرا وأصبحت صفة للبعض وهواية للبعض الآخر وتلك الصورة النشاز هي وجود بعض البرلمانيين عندما تجرى معهم لقاءات فضائية وهم خارج العراق والأماكن التي يكثر ظهور البرلمانيين منها هي:
1- عمان.
2- بيروت.
3- دبي او ابو ظبي.
4- لندن.
5- القاهرة.
6- اسطنبول او انقرة، حتى قيل إن السيد رئيس البرلمان قد زار تركيا “17” مرة. وهذا العدد لا يتطلبه العمل البرلماني ولا رئاسة العمل البرلماني، وهو يعكس تساهلا تجاه الالتزامات الوطنية ومواقف الحكومة وهيبة الدولة ظهرت جلية واضحة إبان توتر العلاقة بين الحكومة التركية الجارة وبين الحكومة العراقية بشخص السيد نوري المالكي رئيس الحكومة، وكان الجانب التركي هو صاحب المبادرة بتوتير الأجواء لأنه مارس وبشكل شخصي تدخلا في الشأن العراقي مستغلا حادثة السيد طارق الهاشمي المطلوب للقضاء العراقي والذي لم يكن موفقا في تعاطيه مع الاتهامات القضائية الموجهة إليه فسبب للعراق احراجا مع الدول التي ذهب اليها بطريقة غير دبلوماسية وغير دستورية، ولعل سفره المحاط بالريبة الى اقليم كردستان العراق ومساهمته في تشنج الاجواء مابين الاقليم والمركز، ثم سفره بطائرة قطرية من مطار اربيل الى الدوحة هو عمل مخل بالسيادة الوطنية وعرض هيبة الدولة الى تساؤلات كثيرة كان الأجدر به وبمجموعته النيابية ان تنتصر للوطن لا للولاءات الشخصية والطائفية، او الإقليمية التي تكيد للعراق وهم يعرفون ذلك.
ومن خلال هذه الأزمة وتداعياتها التي عرضت الأمن الوطني إلى الكثير من المخاطر مثلما عرضت السيادة العراقية الى مواجهة إشكالات نحن في غنى عنها، وذلك ناجم عن عدم قدرة الأحزاب والكتل اختيار مرشحين مؤهلين سياسيا واجتماعيا لخدمة المواطن والوطن من خلال الندوة البرلمانية، ولذلك بقي رؤساء الكتل والأحزاب يختزلون البرلمان والحكومة والعملية السياسية بأسمائهم وعناوينهم وامتيازاتهم التي كبرت وتراكمت على حساب المال الوطني وامتياز الوطن.
وعلى طريقة في التجارب علم مستأنف نقول للجميع: أعيدوا النظر بطريقة ترشيحاتكم في الانتخابات القادمة فانها سبب كل التعثر وانخفاض الإنتاجية في العملية السياسية، وفي حكومة غير منسجمة وبرلمان غير مستوفي لمواصفات الرقابة والتشريع، والاستثناء موجود ولكنه نادر وقليل.
اما الأحزاب وما يترتب عليها أما تحقق اجتماع مجموعة “5 +1 ” في بغداد، وما سبقه من اجتماع القمة العربية في بغداد، هو إعادة النظر في علاقاتها الحزبية ونواياها المكسبية التي حولتها الى شركات ريعية وليس إلى أحزاب تنظيمية سياسية، وحولتها إلى جماعات متنافسة على المصالح الشخصية بعيدا عن المصالح الوطنية، ولذلك رأينا وسمعنا كلاما ومواقف لا تنتمي لحاضنة الوطن، نتيجة تقاسم الولاءات بين جار يختزن شحنا طائفيا وآخر يختزن ثارا تاريخيا، وبعضهم يختزن حسدا يستفرغه بمعوقات الماء والحدود والتجارة والدبلوماسية.
والأحزاب السياسية العراقية تواجه اليوم تحديا لإثبات عراقيتها أولا، لأن ظروف بعضها التنظيمية جعلتها تولد في حاضنات غير عراقية، مما جعلها تدين بالولاء بسبب ذلك بما يجعلها غير قادرة على فك الارتباط تنظيميا وولائيا بين الداخل والخارج، وهذه اشكالية سياسية حزبية تنظيمية كبرى لم تعالج ضمن استحقاقات المرحلة ولازالت ملفاتها تختبئ وراء الحجج والمبررات الطارئة والتي انتهى زمنها وغادرت مرحلتها، ولكن المستفيدين منها لم يغادروا عقلية المراحل السابقة والماضية بكل سلبياتها وثغراتها وضروراتها واستثناءاتها.
إن على الأحزاب العراقية لاسيما المشاركة في السلطة أن تختار بين ولاء الوطن وهويته النهائية، وبين الولاء الآخر الذي قد يراه البعض عقائديا وهو ليس كذلك فالعقائد لا تصادر الأوطان وإنما تعززها وتعزز الروابط فيها ولها من خلال بناء شخصية الإنسان الملتزم، والأحزاب العراقية فشلت في مشروع بناء شخصية الإنسان الملتزم المبدئي القادر على هضم الأفكار وترجمتها إلى مواقف وأعمال تمد جسور التواصل مع الآخر في عالم يسبح في فضاء الانترنيت وينتمي لمجموعات “فيسبوك” وتويتير “وياهو”وكوكل” وهناك القادم في المستقبل الذي ينتظر الكثير من التغير في خريطة السياسة والاجتماع والعلاقات الدولية، والفهم العام الذي تواجهه تحديات كونية تفرض نفسها ولا تأخذ إذنا من حزب أو دولة صغيرة كانت او كبيرة.
إن معنى أن تجتمع مجموعة “5+1” في بغداد هو قريب من معنى ان تجتمع مجموعة “البريكس” وتفرض نفسها محورا قطبيا دوليا جديدا يفرض على المتتبع للشأن السياسي أن يعي مقدار التحولات التي تترتب على ذلك، ومجموعة “5+1” وهي كل من:
1- أمريكا
2- فرنسا
3- بريطانيا
4- ألمانيا
5- روسيا
ولن تكون الصين بعيدة عنها للثقل الاقتصادي والسياسي الذي تتمتع به اليوم والذي جعلها تتجه لاتخاذ الفيتو معلنة عن دخولها نادي الكبار المؤثرين.
ومجموعة البريكس التي تراقب بعين الجد والحذر نتائج اجتماعات مجموعة “5+1″ وهي تتكون من كل من:
1- برازيل
2- روسيا
3- الصين
4- الهند
5- جنوب افريقيا
والتي تربطها علاقات جيدة مع ايران، مما يعزز الموقف النووي الايراني، الذي بدت امريكا بعد مشاكسات كثيرة وعقوبات اكثر لم تجد نفعا كما كانوا يتصورون بسبب الدفع الاسرائيلي باتجاه المواجهة مع إيران وضرب مفاعلها النووي، ولكن على طول خط المواجهة مع إيران ظهر جليا عدم فائدة العقوبات الاقتصادية التي تضررت منها الدول الأوربية اكثر مما تضررت إيران، وعدم جدوى التهديد العسكري الذي بات واضحا ما هي نتائجه العكسية على إسرائيل اولا وعلى الجانب الأمريكي وحلفائه في المنطقة ثانيا.
ومع استعصاء الازمة السورية، واستبسال غالبية الشعب السوري في اظهار هويته الوطنية الرافضة للتدخلات الاجنبية، والمصرة على برنامج الاصلاح الوطني الذي تضمن كلا من:
1- الغاء قيادة الحزب الواحد
2- الغاء قانون الطوارئ
3- فتح باب الحوار الوطني الذي رفضته المعارضة في الخارج بتوصيات اجنبية اوقعتها في الخطأ التاريخي القاتل لكل معارضة لا تعرف العمل الديمقراطي.
4- كتابة دستور جديد وطرحه للاستفتاء الذي حظي بقبول الغالبية من الشعب السوري
5- انتخابات مجلس النواب الذي بلغت نسبة التصويت فيه اكثر من ” 51|0″.
ولان هذه الصورة الجديدة لم تقرأها مجاميع المعارضة السورية في الخارج جيدا، وقرأتها مجاميع المعارضة السورية في الداخل وانسجمت معها مما أعطى دفعا للنظام السوري الذي يحظى أصلا بأغلبية شعبية وبدعم الجيش السوري المتماسك ودعم الحواضن الدينية من إسلامية ومسيحية، مما جعل الدول التي حرضت على إسقاط النظام السوري تتراجع وتعترف بشعبية النظام وقوة جيشه، وبنفس الوقت جعلها تتريب من النشاطات الإرهابية ودور تنظيم القاعدة الوهابي من ورائها.
بينما هذه القراءة لم نرها لدى اغلب أحزاب المنطقة مما جعل المنطقة تمضي نحو احتقان طائفي سيكون لبنان ضحيته الأولى مثلما سيكون الخليج وبعض إماراته هو الضحية المستقبلية.
من هذه القراءة يأتي الغرب بقيادة أمريكا إلى بغداد لعقد قمة “5+1” ومعه كل ملفات المنطقة وليس فقط الملف النووي الإيراني.
ويكون الحديث بلغة الكبار هو حديث الخريطة الجديدة للمنطقة والعالم، والذي لا يقبل أن تشحن سفن أسلحة الجماعات الوهابية في ليبيا بطريقة فوضوية هستيرية لا تراعي حرمة المياه الإقليمية ولا سيادة البلدان المطلة عليها لاسيما الصغيرة منها مثل لبنان الذي تختلف فيه مراكز القوة الأمريكية مابين وزارة الدفاع التي لا ترى مصلحة ولا إمكانية للتدخل بالقوة في سورية بينما ترى وزارة الخارجية الأمريكية ضرورة التدخل والسيد فيلتمان معاون وزير الخارجية الأمريكية وليبرمان من الكونغرس الأمريكي الذي زار وادي خالد اللبناني على الحدود مع سورية هم من يدفعون باتجاه التدخل ولكن القرار يظل في النهاية للجانب العسكري صاحب الخبرة والاختصاص.
وأحزاب السلطة في العراق، ومعهم السياسيون والمثقفون مدعون لقراءة مشهد التحولات الدولية، حتى لا يبقى عندنا من يرى بعين واحدة، وحتى لا يظل البعض منا لا يزال يراهن على حصان خاسر وهو كل من:
1- الأحزاب الطائفية.
2- الجماعات العنصرية.
3- التنظيمات الارهابية.
إن بلدنا يحتاج منا أن نكون أهلا للضيافة لا من خلال موائد الطعام والسيارات الفاخرة والبروتوكول الدبلوماسي وان كانت هذه كلها مطلوبة، ولكن من خلال لحمة التوحد الوطني ومنع التسريبات والتعليقات والتصريحات غير المدروسة وهي كثيرة وإعطاء العراق مناخا من النضج السياسي وجوا من المودة والتفاهم نريده ينعكس على صحافتنا وفضائياتنا بما ينسجم مع حاجة المرحلة التي قدرها الخارج والآخرون وجاءوا إلى بغداد باعتبارها الثقل المستقبلي للمنطقة لما فيها من مشروع حكم ديمقراطي وان لازال في بداياته، وفيها مشروع نهضة اقتصادية تنتظرها آمال كبيرة داخليا وخارجيا.
وفيها قدرة بشرية متنوعة تختزن الخبرة والمعرفة وتنتظر فرص التألق واثبات الذات الوطنية، لتسهم في مشروع التنمية البشرية العالمي، بعد إحراز تنمية بشرية داخلية واعدة بالعطاء وهذا كله لن يتحقق إلا بصفاء وتوحد النسيج الوطني العراقي على مشروع البناء الأمني والاقتصادي والسياسي، والاجتماعي، وذلك هو السباق المنتظر.
• رئيس مركز الدراسات والأبحاث الوطنية