Blog

  • ماذا يعني أن تجتمع “5+1” في بغداد؟!

    ماذا يعني عندما انعقدت القمة العربية في بغداد.

    هي رسالة لأهل العراق أولا، وللجيران ثانيا، وللمحيط الإقليمي ثالثا، وللمحيط الدولي رابعا. أما أهل العراق: فهي رسالة للجهات العراقية التالية:

    1- لأعضاء الحكومة

    2- لأحزاب السلطة

    3- للبرلمانيين

    4- لمجالس المحافظات

    5- للسياسيين كافة

    6- للمثقفين كافة

    7- لوسائل الإعلام

    أما أعضاء الحكومة الذين عرفنا فتور العلاقة بين بعضهم، مثلما عرفنا ميل بعضهم إلى كتلهم أكثر من ميلهم والتزامهم بالحكومة المركزية مما يضعف موقفهم وموقف الحكومة جميعا، ومن منطلق وطني عندما تنعقد القمة العربية في بغداد، واليوم تنعقد مجموعة “5+1” في بغداد، فان ذلك يجب أن ينعكس على أفراد الحكومة أولا بالظهور في مظهر التماسك، ورفض حالة الفتور والتبعثر، واستلهام مستجدات جديدة تقول للعراقي أنت في قلب الحدث العالمي، وعضو الحكومة أول من يجب أن يتلقف إيحاءات هذه الرسالة ويترجمها إلى ورشة عمل في وزارته بما يجعل الحكومة بمستوى ان تكون راعية لأحداث محلية، وإقليمية، ودولية. 

    أما البرلمانيون: الذين رأيناهم طيلة الفترات التشريعية السابقة:  اجتماعات متراخية، ونصاب غير مكتمل، وخلافات يصل التراشق فيها إلى الحد الذي يضطر رئيس المجلس إلى رفع الجلسة مثلما رأينا وسمعنا تصريحات تعكس هوية الكتلة أو الحزب، ولم نسمع تصريحات تعكس هوية الوطن وحاجة وصوت المواطن اللهم الا لأغراض المنافسة التي تصل الى حد التشهير أو التسقيط للآخر مما يعكس سلوكا كيديا، ونفسا حزبيا غير ناضج لأنه يخلط مسائل الداخل مع إفرازات الخارج حتى يصبح العضو البرلماني أحيا دالا على أهله ومفارقا لوطنه من حيث يقصد ذلك او لا يقصد؟

    ورأينا في نشاطات البرلمانيين في الفترات التشريعية السابقة والتي قاربت على تجاوز نصف الدورة الانتخابية، ضائعين في هموم شخصية مثل: 

    1- الايفادات

    2- الامتيازات

    3- التدخل في شؤون المؤسسات الحكومية لأغراض شخصية وليس لهموم وطنية، فتعيين الأقارب والمحاربين، والتدخل بأعمال المقاولات، ونقل وتغيير مواقع الموظفين بدوافع شخصية لا لمصلحة وطنية تثري وتقوي عمل المؤسسة او الدائرة الحكومية مما جعل رؤساء الدوائر والمؤسسات الحكومية مشلولين لا يجرؤون على تغيير اصغر موظف بسبب تدخلات النواب ووشايتهم برئيس الدائرة الحكومية عند الوزير وما هو فوق الوزير.

    وانعقاد اجتماع مجموعة “5+1” في بغداد يجب ان يعطي للبرلمان بشخص رئيسه ولاعضاء البرلمان توجها جديدا قادرا على إلغاء مظاهر الفرقة بين اعضاء البرلمان ويجعل من تصريحاتهم مدروسة أكثر، ومن نشاطاتهم مما يصب في اطار النفع العام للوطن والمواطن، وبهذه المناسبة نقول وبصوت عال نجزم انه هو صوت المواطن العراقي صاحب الإصبع البنفسجي الذي يعرفه صندوق الاقتراع: لا نريد أن نشاهد المناظر التي تعكس مفارقة غريبة ومرفوضة ومدانة تكررت كثيرا وأصبحت صفة للبعض وهواية للبعض الآخر وتلك الصورة النشاز هي وجود بعض البرلمانيين عندما تجرى معهم لقاءات فضائية وهم خارج العراق والأماكن التي يكثر ظهور البرلمانيين منها هي:

    1- عمان.

    2- بيروت.

    3- دبي او ابو ظبي.

    4- لندن.

    5- القاهرة.

    6- اسطنبول او انقرة، حتى قيل إن السيد رئيس البرلمان قد زار تركيا “17” مرة. وهذا العدد لا يتطلبه العمل البرلماني ولا رئاسة العمل البرلماني، وهو يعكس تساهلا تجاه الالتزامات الوطنية ومواقف الحكومة وهيبة الدولة ظهرت جلية واضحة إبان توتر العلاقة بين الحكومة التركية الجارة وبين الحكومة العراقية بشخص السيد نوري المالكي رئيس الحكومة، وكان الجانب التركي هو صاحب المبادرة بتوتير الأجواء لأنه مارس وبشكل شخصي تدخلا في الشأن العراقي مستغلا حادثة السيد طارق الهاشمي المطلوب للقضاء العراقي والذي لم يكن موفقا في تعاطيه مع الاتهامات القضائية الموجهة إليه فسبب للعراق احراجا مع الدول التي ذهب اليها بطريقة غير دبلوماسية وغير دستورية، ولعل سفره المحاط بالريبة الى اقليم كردستان العراق ومساهمته في تشنج الاجواء مابين الاقليم والمركز، ثم سفره بطائرة قطرية من مطار اربيل الى الدوحة هو عمل مخل بالسيادة الوطنية وعرض هيبة الدولة الى تساؤلات كثيرة كان الأجدر به وبمجموعته النيابية ان تنتصر للوطن لا للولاءات الشخصية والطائفية، او الإقليمية التي تكيد للعراق وهم يعرفون ذلك.

    ومن خلال هذه الأزمة وتداعياتها التي عرضت الأمن الوطني إلى الكثير من المخاطر مثلما عرضت السيادة العراقية الى مواجهة إشكالات نحن في غنى عنها، وذلك ناجم عن عدم قدرة الأحزاب والكتل اختيار مرشحين مؤهلين سياسيا واجتماعيا لخدمة المواطن والوطن من خلال الندوة البرلمانية، ولذلك بقي رؤساء الكتل والأحزاب يختزلون البرلمان والحكومة والعملية السياسية بأسمائهم وعناوينهم وامتيازاتهم التي كبرت وتراكمت على حساب المال الوطني وامتياز الوطن.

    وعلى طريقة في التجارب علم مستأنف نقول للجميع: أعيدوا النظر بطريقة ترشيحاتكم في الانتخابات القادمة فانها سبب كل التعثر وانخفاض الإنتاجية في العملية السياسية، وفي حكومة غير منسجمة وبرلمان غير مستوفي لمواصفات الرقابة والتشريع، والاستثناء موجود ولكنه نادر وقليل.

    اما الأحزاب وما يترتب عليها أما تحقق اجتماع مجموعة “5 +1 ” في بغداد، وما سبقه من اجتماع القمة العربية في بغداد، هو إعادة النظر في علاقاتها الحزبية ونواياها المكسبية التي حولتها الى شركات ريعية وليس إلى أحزاب تنظيمية سياسية، وحولتها إلى جماعات متنافسة على المصالح الشخصية بعيدا عن المصالح الوطنية، ولذلك رأينا وسمعنا كلاما ومواقف لا تنتمي لحاضنة الوطن، نتيجة تقاسم الولاءات بين جار يختزن شحنا طائفيا وآخر يختزن ثارا تاريخيا، وبعضهم يختزن حسدا يستفرغه بمعوقات الماء والحدود والتجارة والدبلوماسية.

    والأحزاب السياسية العراقية تواجه اليوم تحديا لإثبات عراقيتها أولا، لأن ظروف بعضها التنظيمية جعلتها تولد في حاضنات غير عراقية، مما جعلها تدين بالولاء بسبب ذلك بما يجعلها غير قادرة على فك الارتباط تنظيميا وولائيا بين الداخل والخارج، وهذه اشكالية سياسية حزبية تنظيمية كبرى لم تعالج ضمن استحقاقات المرحلة ولازالت ملفاتها تختبئ وراء الحجج والمبررات الطارئة والتي انتهى زمنها وغادرت مرحلتها، ولكن المستفيدين منها لم يغادروا عقلية المراحل السابقة والماضية بكل سلبياتها وثغراتها وضروراتها واستثناءاتها.

    إن على الأحزاب العراقية لاسيما المشاركة في السلطة أن تختار بين ولاء الوطن وهويته النهائية، وبين الولاء الآخر الذي قد يراه البعض عقائديا وهو ليس كذلك فالعقائد لا تصادر الأوطان وإنما تعززها وتعزز الروابط فيها ولها من خلال بناء شخصية الإنسان الملتزم، والأحزاب العراقية فشلت في مشروع بناء شخصية الإنسان الملتزم المبدئي القادر على هضم الأفكار وترجمتها إلى مواقف وأعمال تمد جسور التواصل مع الآخر في عالم يسبح في فضاء الانترنيت وينتمي لمجموعات “فيسبوك” وتويتير “وياهو”وكوكل” وهناك القادم في المستقبل الذي ينتظر الكثير من التغير في خريطة السياسة والاجتماع والعلاقات الدولية، والفهم العام الذي تواجهه تحديات كونية تفرض نفسها ولا تأخذ إذنا من حزب أو دولة صغيرة كانت او كبيرة.

    إن معنى أن تجتمع مجموعة “5+1” في بغداد هو قريب من معنى ان تجتمع مجموعة “البريكس” وتفرض نفسها محورا قطبيا دوليا جديدا يفرض على المتتبع للشأن السياسي أن يعي مقدار التحولات التي تترتب على ذلك، ومجموعة “5+1” وهي كل من:

    1- أمريكا

    2- فرنسا

    3- بريطانيا

    4- ألمانيا

    5- روسيا

    ولن تكون الصين بعيدة عنها للثقل الاقتصادي والسياسي الذي تتمتع به اليوم والذي جعلها تتجه لاتخاذ الفيتو معلنة عن دخولها نادي الكبار المؤثرين.

    ومجموعة البريكس التي تراقب بعين الجد والحذر نتائج اجتماعات مجموعة “5+1″ وهي تتكون من كل من:

    1- برازيل

    2- روسيا

    3- الصين

    4- الهند

    5- جنوب افريقيا

    والتي تربطها علاقات جيدة مع ايران، مما يعزز الموقف النووي الايراني، الذي بدت امريكا بعد مشاكسات كثيرة وعقوبات اكثر لم تجد نفعا كما كانوا يتصورون بسبب الدفع الاسرائيلي باتجاه المواجهة مع إيران وضرب مفاعلها النووي، ولكن على طول خط المواجهة مع إيران ظهر جليا عدم فائدة العقوبات الاقتصادية التي تضررت منها الدول الأوربية اكثر مما تضررت إيران، وعدم جدوى التهديد العسكري الذي بات واضحا ما هي نتائجه العكسية على إسرائيل اولا وعلى الجانب الأمريكي وحلفائه في المنطقة ثانيا.

    ومع استعصاء الازمة السورية، واستبسال غالبية الشعب السوري في اظهار هويته الوطنية الرافضة للتدخلات الاجنبية، والمصرة على برنامج الاصلاح الوطني الذي تضمن كلا من:

    1- الغاء قيادة الحزب الواحد

    2- الغاء قانون الطوارئ

    3- فتح باب الحوار الوطني الذي رفضته المعارضة في الخارج بتوصيات اجنبية اوقعتها في الخطأ التاريخي القاتل لكل معارضة لا تعرف العمل الديمقراطي.

    4- كتابة دستور جديد وطرحه للاستفتاء الذي حظي بقبول الغالبية من الشعب السوري

    5- انتخابات مجلس النواب الذي بلغت نسبة التصويت فيه اكثر من ” 51|0″.

    ولان هذه الصورة الجديدة لم تقرأها مجاميع المعارضة السورية في الخارج جيدا، وقرأتها مجاميع المعارضة السورية في الداخل وانسجمت معها مما أعطى دفعا للنظام السوري الذي يحظى أصلا بأغلبية شعبية وبدعم الجيش السوري المتماسك ودعم الحواضن الدينية من إسلامية ومسيحية، مما جعل الدول التي حرضت على إسقاط النظام السوري تتراجع وتعترف بشعبية النظام وقوة جيشه، وبنفس الوقت جعلها تتريب من النشاطات الإرهابية ودور تنظيم القاعدة الوهابي من ورائها.

    بينما هذه القراءة لم نرها لدى اغلب أحزاب المنطقة مما جعل المنطقة تمضي نحو احتقان طائفي سيكون لبنان ضحيته الأولى مثلما سيكون الخليج وبعض إماراته هو الضحية المستقبلية. 

    من هذه القراءة يأتي الغرب بقيادة أمريكا إلى بغداد لعقد قمة “5+1” ومعه كل ملفات المنطقة وليس فقط الملف النووي الإيراني.

    ويكون الحديث بلغة الكبار هو حديث الخريطة الجديدة للمنطقة والعالم، والذي لا يقبل أن تشحن سفن أسلحة الجماعات الوهابية في ليبيا بطريقة فوضوية هستيرية لا تراعي حرمة المياه الإقليمية ولا سيادة البلدان المطلة عليها لاسيما الصغيرة منها مثل لبنان الذي تختلف فيه مراكز القوة الأمريكية مابين وزارة الدفاع التي لا ترى مصلحة ولا إمكانية للتدخل بالقوة في سورية بينما ترى وزارة الخارجية الأمريكية ضرورة التدخل والسيد فيلتمان معاون وزير الخارجية الأمريكية وليبرمان من الكونغرس الأمريكي الذي زار وادي خالد اللبناني على الحدود مع سورية هم من يدفعون باتجاه التدخل ولكن القرار يظل في النهاية للجانب العسكري صاحب الخبرة والاختصاص.

    وأحزاب السلطة في العراق، ومعهم السياسيون والمثقفون مدعون لقراءة مشهد التحولات الدولية، حتى لا يبقى عندنا من يرى بعين واحدة، وحتى لا يظل البعض منا لا يزال يراهن على حصان خاسر وهو كل من:

    1- الأحزاب الطائفية.

    2- الجماعات العنصرية.

    3- التنظيمات الارهابية.

    إن بلدنا يحتاج منا أن نكون أهلا للضيافة لا من خلال موائد الطعام والسيارات الفاخرة والبروتوكول الدبلوماسي وان كانت هذه كلها مطلوبة، ولكن من خلال لحمة التوحد الوطني ومنع التسريبات والتعليقات والتصريحات غير المدروسة وهي كثيرة وإعطاء العراق مناخا من النضج السياسي وجوا من المودة والتفاهم نريده ينعكس على صحافتنا وفضائياتنا بما ينسجم مع حاجة المرحلة التي قدرها الخارج والآخرون وجاءوا إلى بغداد باعتبارها الثقل المستقبلي للمنطقة لما فيها من مشروع حكم ديمقراطي وان لازال في بداياته، وفيها مشروع نهضة اقتصادية تنتظرها آمال كبيرة داخليا وخارجيا.

    وفيها قدرة بشرية متنوعة تختزن الخبرة والمعرفة وتنتظر فرص التألق واثبات الذات الوطنية، لتسهم في مشروع التنمية البشرية العالمي، بعد إحراز تنمية بشرية داخلية واعدة بالعطاء وهذا كله لن يتحقق إلا بصفاء وتوحد النسيج الوطني العراقي على مشروع البناء الأمني والاقتصادي والسياسي، والاجتماعي، وذلك هو السباق المنتظر.

    • رئيس مركز الدراسات والأبحاث الوطنية

  • سيرة ذاتية !

    منذ أحد عشر شهراً، وأنا منشغل بكتابة مذكراتي، كلما وجدت إلى ذلك فرصة سانحة، وقد أنجزت حتى الآن قرابة 423 صفحة، ومازال أمامي الجزء الأعظم والاهم غير أنني في أثناء مراجعة المسودات قبل خمسة أيام، لاحظت أن المذكرات تنحو منحى المقالات الصحفية وأحيانا تبدو اقرب ما تكون الى تحليل ظاهرة سياسية او اقتصادية او ثقافية او اجتماعية، وهذا غير جائز بالطبع في هذا النوع من الكتابات ذات النكهة الشخصية المعبرة عن سيرة الفرد الذاتية، من ذلك على سبيل المثال لا الحصر، إنني انصرفت لأحاديث مطولة عن أسلوب التعيينات في الدولة العراقية على مدى تسعين سنة، وقد استغرق ذلك 27 صفحة، حيث تناولت في البداية طريقة التعيين في العهد الملكي، والتي كان القانون هو قاعدتها العامة، ولا أهمية تذكر للاستثناءات النادرة ويقصد بالقانون وجود شروط وضوابط للتعيين يخضع لها ابن الوزير وابن العامل على حد سواء! 

    ثم انتقلت إلى العهد الجمهوري ما بين 1858 – 1968، وأشرت الى ان القاعدة العامة لسلطة القانون ظلت هي السائدة في الاتجاه العام، ولكن الخروقات الاستثنائية اتسعت رقعتها بحكم طبيعة الأنظمة في هذه المرحلة ذات الهوية العسكرية والعشائرية، ومع تولي حزب البعث مقاليد السلطة للمدة ما بين تموز 1968 لغاية نيسان 2003، بدأت القاعدة القانونية بالتراجع شيئا فشيئا إلى أن اختفى القانون تماما لصالح (الواسطة) التي أخذت نمطين، الأول فردي أي أن هناك مسؤولا كبيرا يتوسط ولا تردج وساطته لتعيين هذا المواطن او ذاك سواء كان بعثيا ام مستقلا غير ان هذا النمط لا أهمية فعلية له، اذ ما قورن بالنمط الثاني، وهو (الواسطة الحزبية) اي لن يحصل على وظيفة ضابط في الجيش مثلا او الشرطة او الأمن او المخابرات او الاستخبارات.. الخ كما لن يحصل المواطن على أمر تعيين في سلك التعليم الابتدائي او الثانوي او الخارجية.. الخ، اذا لم تكن واسطته تزكية من المنظمة الحزبية تؤكد انتماءه وولاءه للحزب والثورة وكانت هذه التزكية او الوساطة تقوم بالطبع على المفاضلة، اي ان العضو المتدرب مقدم في التعيين على النصير والعضو العامل مقدم على المتدرب وعضو الفرقة مقدم على العضو العامل.. وهكذا !! ومن هنا اصبح 85% من العراقيين بعثيين بالوظيفة لا بالقناعة! 

    اما بعد سقوط النظام السابق وقد نسي الناس تماما اسم القانون فمرت التعيينات بمرحلتين الاولى هي التزكية او الترشيح من قبل الاحزاب المتنفذة حصريا، اي ان المواطن لا يحصل على وظيفة من دون (ورقة) تزكية وترشحه للتعيين ومن هنا أصبح 99% من المواطنين حزبيين لا بالقناعة، خاصة وان الراتب الوظيفي بات مغريا اما المرحلة الثانية فانحسرت فيها قوة التزكية وتراجع النفوذ الحزبي امام سلطة (الرشوة) التي أصبحت فوق القانون والواسطة والأحزاب ولهذا السبب مزقت مسوداتي غير آسف عليها، لأنها لا تصلح أن تكون مذكرات بل..!! 

  • أكبر سرقة في تاريخ كوكب الأرض

    كلما تناولت وسائل الإعلام مواضيع السرقات الدولية الكبرى, تتبادر إلى الأذهان قصص الأموال والأرصدة المسروقة من البنوك والمصارف, وحكايات الكنوز المنهوبة, والنفائس من المقتنيات الذهبية والفضية, واللوحات والقطع الفنية التي رسمها كبار الفنانين, وربما يشطح الخيال نحو المجوهرات والأحجار الكريمة, أو القطع الأثرية النادرة. الحقيقة إننا نتحدث هنا ولأول مرة عن سرقة كونية كبرى لم تخطر على بال أحد, ولم تتناولها وسائل الإعلام قبل هذا التاريخ, ولم يكتب عنها باحث أو متخصص, ولم تحتفظ ذاكرة التاريخ بأية أوراق تحقيقية عن حيثيات الحادث وملابساته, على الرغم من حجم هذه السرقة وأهميتها العظمى, وعلى الرغم من النتائج السلبية, التي آلت إليها بعد بضعة أعوام من وقوعها, حتى إنها تركت آثارها على الجهة التي تعرضت للسرقة, في الوقت الذي انتفع منها السارق, واستثمرها لحسابه حتى يومنا هذا.

    نبدأ بسرد حكايتنا من اليوم الذي وصلت فيه سفن المغامر الايطالي (كرستوفر كولومبس) إلى السواحل الامريكية, ورست على جزر الكاريبي في الثاني عشر من شهر أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1492. .

    في تلك السنة سقطت غرناطة, آخر قلاع ملوك الطوائف, وفي تلك السنة انتهى حكم العرب في بلاد الأندلس.

    بمعنى إن كولومبس انطلق من مرفأ (دلبة), أو (بالوس) في الوقت الذي كانت فيه السلطة العربية لم تزل تبسط نفوذها على المواقع الحساسة من الأندلس, وإنها كانت قبل عشرة أعوام من تلك الرحلة بكامل قوتها, وكانت تدير بعض الموانئ والمرافئ الغربية المطلة على المحيط الأطلسي, وتفرض سيطرتها على حركة السفن المقبلة والمغادرة, ومن المؤكد إن الدولة العربية في الأندلس كانت تمثل بوابة النهضة الملاحية, ففي الوقت الذي كانت فيه الموانئ الأوربية تمر بأتعس ظروفها, كانت مرافئ قرطبة أجمل بكثير من مرافئ لندن, وكان الملاحون العرب والبربر والأتراك أصحاب الريادة في الفنون الملاحية والعلوم الفلكية, ولوعدنا إلى الوراء وعلى وجه التحديد إلى القرن العاشر الميلادي (الرابع الهجري) لاكتشفنا كيف اعتمد الخليفة عبد الرحمن الناصر لدين الله (عبد الرحمن الثالث) على مواهب (حسداي ابن شفروط), الذي كلفه بوضع الحجر الأساس للنهضة العلمية والملاحية, وكيف استطاع هذا الرجل الذي يجيد اللغات (العربية والعبرية والآرامية واليونانية واللاتينية) أن يجمع أساتذة الملاحة والجغرافية والفلك في كيان مينائي موحد, فسخر مواهبهم كلها في توسيع نطاق الرحلات البحرية, فقام برسم المسالك البعيدة, وتثبتها في خرائط ملونة, اشتملت على أدق التفاصيل, واشرف (حسداي) بنفسه على ميناء قرطبة, حتى صارت قرطبة مركزا كبيرا قادرا على استقطاب علماء الملاحة والفلك من كل حدب وصوب, فاستفادت من مواهبهم الجغرافية, ومن تجاربهم العملية في عرض البحر, فكانت قرطبة هي الينبوع الذي استقت منه الموانئ الأندلسية الأخرى فنونها, واستمدت منه مقومات نموها. 

     وجد ملوك الأندلس أنفسهم في أمس الحاجة إلى رعاية المواهب الملاحية وتشجيعها, وكانوا في أمس الحاجة إلى تطوير صناعة السفن بالاتجاه الذي يعزز حركة النهوض بالأسطول البحري العربي في حوض البحر الأبيض المتوسط, وفي حوض المحيط الأطلسي, فصارت (الملاحة) شعارا ورمزا وأيقونة, حتى  إن إحدى قرى غرناطة كان اسمها (الملاحة), وإليها ينتسب العالم البارع (أبو القاسم محمد الغافقي الأندلسي الملاحي).

    ولادة فكرة السرقة الكبرى

    أدركت التجمعات الأوربية (العلمية والدينية) في القرن الرابع عشر الميلادي إن الخرائط والجداول والمعدات الملاحية التي كانت بحوزة العرب والمسلمين هي المفاتيح السحرية التي ستفتح لهم أبواب التوسع والانتشار في بحار الله الواسعة, وهي التي ستفك شفرة الألغاز الفلكية والحسابية, فولدت فكرة الاستيلاء على الإرث الملاحي العربي الإسلامي, وكانت هذه الفكرة هي الحافز الذي شجع رجال الكنيسة إلى إقناع الملوك والأمراء في (قشتالة), و(أراغون), فزحف الملك (فرديناند الثالث) نحو المدن الأندلسية المينائية, وزحف الملك (جايم الأول) على المدن الداخلية, فاسقطوا مدن بلنسية وقرطبة ومرسية وأشبيلية, واستولوا على الخرائط والمعدات والجداول الملاحية, ووضعوا أيديهم على السفن الكبيرة, وعدوها من الغنائم, وغيروا أسماءها على الفور. 

    أصبح الحكم الإسلامي محصورا في غرناطة, والتي استطاعت لمناعتها, وحصانة موقعها أن تقاوم الزحف, فوحدت مملكة (أراغون) صفوفها مع إيزابيلا ملكة قشتالة في الهجوم الكاسح ضد غرناطة في معركة (لوشة) الكبرى, وكان الفارس العربي (موسى بن أبي الغسان) آخر المدافعين عنها, فشن الملك (فرديناند) معركة (الإيمان المقدس), التي سقط فيها موسى شهيدا خارج أسوار غرناطة, واستسلم المسلمون أمام هذا الغزو الجبار, وأصبح التراث البحري والعلمي كله بيد (فرديناند) و(إيزابيلا).  

    الريادة في العلوم البحرية والملاحية

    كان البحر بستان الملاحين العرب, وملعبهم, ومؤنسهم, ومدرستهم, وملاذهم. وكان مقبرتهم الأبدية. ومازالت بصماتهم مطبوعة في ذاكرة الجزر النائية, منقوشة على المسطحات البحرية المترامية الأطراف, تنتظر من يرفع الغطاء عنها, ويفك رموزها, فحققوا مكانة عالمية متميزة في المهارات الملاحية المكتسبة بالفطرة, إضافة إلى ما يكتنزون من مواهب طبيعية, وما يحتفظون به من معارف موروثة. وتفوقوا في هندسة بناء السفن الشراعية. وكانوا أول من تعلم ركوب الماء, وكانت لهم الريادة في تهذيب الإسطرلاب وتطويره, وابتكروا آلة الكمال (آلة السدس Sextant), واخترعوا البوصلة المغناطيسية, وهم أول من جزأها إلى اثنين وثلاثين جزءاً, وأول من استخدم الساعة المائية في الملاحة, ويعود لهم الفضل في رسم الخرائط الملاحية, وتثبيت الملامح الساحلية, وتوزيع خطوط العرض والطول.

    كان الأندلسيون أسياد الملاحة في المحيط الأطلسي بلا منازع, وكانت سفنهم من أكثر السفن إثارة للإعجاب, وكانت تظهر مستوى عال من المهارة ودقة الصنعة, واستطاعوا أن يبسطوا نفوذهم الملاحي على الجزر التي سنأتي على ذكرها هنا.

     

    برع الأندلسيون أيضا في رسم الخرائط الجغرافية, واهتموا بتوضيح المسالك البحرية. كانت أشهرها الخارطة, التي رسمها الإدريسي. وصنع بجوارها كرة أرضية من الفضة. وهو أول من رسم خريطة كاملة للأرض. 

    أول من أكتشف أمريكا

    مما لا ريب فيه إن المسلمين والعرب وصلوا إلى السواحل الامريكية قبل كريستوفر كولومبس بمئات السنين, وان تسجيل ذلك الاكتشاف باسم كولومبس لا يلغي حق رواد الملاحة العربية, الذين غامروا بعبور الأطلسي, واستقروا في الأرض الجديدة. 

    فقد تحدث (أحمد بن فضل الله العمري), في كتابه ( مسالك الأبصار في ممالك الأمصار ) عن وجود أرض عامرة وديار مسكونة, لكنها غير معلنة. تقع خلف بحر الظلمات (المحيط الأطلسي). وقد عاش (ابن فضل الله) قبل كولومبس بقرنين على أقل تقدير. . 

    وتحدث المؤرخ (أبو بكر بن عمر) عن ملاح عربي آخر, هو (ابن فاروق) من غرناطة, أبحر من ميناء قادس ( Kadesh ) في بداية شهر فبراير (شباط) من عام 999, وتوغل في بحر الظلمات حتى وصل إلى جزر الكناري, ثم واصل مساره في الاتجاه الغربي حتى وصل إلى جزيرتين نائيتين, هما جزيرة (Capraria), وجزيرة (Pluitana), وعاد من رحلته في نهاية مايو (أيار) من العام نفسه.

    وذكر المسعودي في مروج الذهب. إن الملاح العربي (خشخاش بن سعيد بن أسود القرطبي) أبحر من الأندلس متوجها نحو الغرب في العام الهجري (889) الموافق عام (1484), وقطع بحر الظلمات (الأطلسي), ووصل بعد عناء ومشقة إلى أرض مجهولة, عاد منها محملا بالذهب والغنائم. وقد أشار المسعودي إلى موقع تلك الأرض, وثبتها في الخارطة, التي رسمها المسعودي نفسه. وكتب عليها عبارة (الأرض المجهولة). وهي في موضع قارة أمريكا. 

    وتحدث الإدريسي أيضا عن رحلة استكشافية بحرية قام بها مجموعة من الملاحين العرب.  انطلقوا غربا من ميناء (دلبة) في الأندلس, واقتحموا المحيط الأطلسي, ثم عادوا بعد أشهر, وراحوا يقصّون للناس مشاهداتهم المثيرة عن عالم غريب. 

    وتعترف المراكز الملاحية الأسبانية اليوم. بأن العرب المنحدرين من أصول مغربية, أبحروا من ميناء (دلبة) الأسباني (بالوس Palos) في منتصف القرن العاشر الميلادي, وعبروا بحر الظلمات (الأطلسي) متجهين بسفنهم نحو الغرب, ثم عادوا بعد غياب طويل ليحكوا للناس عن مشاهداتهم في الأرض العجيبة الواقعة غرب المحيط. 

    وكان الأندلسيون يحلمون بالسفر بحرا إلى تلك الجزر النائية. وهذا ما شجع العرب على الفرار بسفنهم بعد سقوط غرناطة عام 1492, والمجازفة بعبور الأطلسي. بحثا عن الملاذ الآمن, وخوفا من الموت المحتوم, الذي كان يطاردهم في الأندلس. واستمرت هجرة عرب الأندلس إلى الأرض الجديدة. الأمر الذي دفع ملك اسبانيا إلى إصدار قرار جائر منع بموجبه تلك الهجرة, وحرمها على المسلمين. 

    كولوكبس يقتل الونزو ويسرق خرائطه

    تذكر المراجع البرتغالية. إن كولومبس كان يقيم في جزيرة (ماديرا Madeira ). وفي عام 1486 أصابت الأعاصير سفينة اسبانية, وأغرقتها في عرض البحر. ولم ينج منها إلا خمسة من بحارتها. من ضمنهم ربانها (Alonso Sanchez ). وشاءت الظروف أن يلجأ ربان السفينة المنكوبة إلى منزل كولومبس, وبحوزته سجل السفينة, وخرائطها الملاحية المقتبسة من الخرائط العربية, التي رسمها الملاح (خشخاش بن سعيد), وكانت تلك الخرائط تغطي أهم مسالك المحيط الأطلسي. وتعد من الوثائق السرية النادرة. فغدر كولومبس بالربان المفجوع, وقتله وأستحوذ على خرائطه.  

    وغامر كولومبس بعبور الأطلسي مستعينا بالخرائط الملاحية العربية المسروقة, ومتسلحا بالمفاهيم والمعارف الجغرافية العربية. ويبدو إنه كان مؤمناً بنظرية (كروية الأرض) للعالم الجغرافي الأندلسي (أبو عبد الله البكري). وهي النظرية, التي قادته لمحاول الوصول نحو الشرق بالسير غربا. خلافا لرأي الكنيسة المتشدد آنذاك, والقائل بأن الأرض مسطحة, وأن الأيمان بكرويتها كفر أودى ذات يوم بحياة كوبرنيكس, وعرّض غاليلو للتعذيب. 

    وكان كولمبس مدركاً لحسابات العالم العربي (أبو الفداء), الذي توسع في شرح نظرية كروية الأرض, وبين اختلاف التوقيتات الزمنية في شروق وغروب الكواكب من مكان إلى آخر. واستعان أيضا بتطبيقات خطوط الطول والعرض, التي توصل إليها (أحمد بن محمد المقدسي), وتطبيقات (البيروني) على دوائر العرض بالاعتماد على رصد زوايا النجوم. . 

    بمعنى إن كولومبس اعتمد اعتمادا كليا على الخرائط العربية المسروقة, فرسم مسار رحلته الملاحية في حدود الإطار المعرفي, الذي وفرته له تلك الخرائط الأندلسية. فتمكن من الانطلاق نحو الغرب معتمدا على أسس واقعية ومنطقية صاغتها العبقرية العربية. وكان ثلث بحارته من الملاحين العرب.  وفي شباط (فبراير) من عام 1988 أقيم في غرناطة باسبانيا مهرجان كبير بمناسبة مرور خمسة قرون على تسجيل اكتشاف قارة أمريكا, تحدث فيه علماء التاريخ والجغرافيا عن اعتماد كولومبس على الخرائط الملاحية العربية والإسلامية في عبور الأطلسي, وأكدوا على استعانته بالمراجع العربية, وقالوا: انه رجع إلى الكثير من المؤلفات العربية التي تُرجمت إلى اللغة الاسبانية آنذاك, منها كتاب (مروج الذهب) للمسعودي, وكتاب (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) للإدريسي, وهو الذي رسم مشاهداته على كرة من الفضة للملك روجيه الثاني, عندما دعاه لزيارة صقلية, وكتاب (تقويم البلدان) لعماد الدين إسماعيل أبي الفداء, واجمع المشاركون في الحفل على أن كولومبس زود سفنه بعدد من الآلات البحرية والفلكية العربية الأصل مثل البوصلات العربية والإسطرلابات وآلات الكمال (ألة السدس). 

    وقال الملاح التركي الكبير (الرئيس برّي) في (كتاب البحرية): إن قارة أنتيليا (ويقصد أمريكا) اكتشفت عام 1465, أي قبل وصول كولومبس بأكثر من ربع قرن, ونقل في كتابه عن (رودريكو) وهو رجل برتغالي, عمل في خدمة عم برّي (الرئيس كمال), انه رافق كولومبو (يقصد كولومبس) في رحلته إلى أنتيليا, وكانت بحوزته خرائط أندلسية وعثمانية, وقال انه وقف يتوسط بين كولومبو وبحارته الذين أعلنوا العصيان, وأرادوا الاعتداء عليه بعد اليأس الذي أصابهم في البحث عن القارة الجديدة, وقال إن كولومبو قال لهم: (أثق إننا لابد أن نصل هنا إلى الأرض التي نبحث عنها, لأن البحارة الأندلسيين والعثمانيين لا يكذبون), وبالفعل, عثرنا على الأرض الجديدة بعد ثلاثة أيام من ذلك التصريح. 

    إخوان هاني في بحر الظلمات

    صرح كولومبس بنفسه بأن اللغة العربية هي أم اللغات, وهذا يفسر حرصه على اصطحاب البحّار ( Luis de Torres ), الذي كان يجيد العربية والأسبانية, فقد ظلت اللغة العربية تتربع على منصة العلوم والفنون والآداب, في عموم بلدان العالم المتحضر, للفترة من القرن الثامن إلى القرن السادس عشر الميلادي. وكانت معظم الخرائط والجداول الملاحية مكتوبة باللغة العربية, ومن الواضح إنه اقتفى أثر (خشخاش بن سعيد) و(ابن فاروق), وسار على نهجهم, إذ اختار ميناء (دلبة) للانطلاق في رحلته نحو الغرب. وتوجه إلى جزر الكناري. وكانت تسمى (Gomera ). وهو اسم عربي يعني ( جميرة, تصغير جمرة ). وفي هذه الجزر وقع كولومبس في حب (Beatriz Bobadilla ). ونلاحظ هنا أن اسم (Bobadilla )  مشتق من الاسم العربي ( أبو عبد الله Abouabdilla ) . 

    وفي الثاني عشر من أكتوبر(تشرين الأول) عام 1492 رست سفن كولومبس على ساحل جزيرة صغيرة تابعة للبهاما, اسمها ( Guanahani ). وهو اسم آخر مشتق من العبارة العربية, ويعني (إخوان هاني ). فبادر إلى تغيير اسمها إلى (سان سلفادور San Salvador). 

    وقال (فرديناند), نجل كولومبس : أخبرني أبي. إنه وجد قبائل من أصول أفريقية تقطن في الهندوراس. وذلك إلى الشرق من ((Cavinas. وأخبره أيضا. إنه وجد في الموقع نفسه قبائل مسلمة تدعى (Almamy ). أو (Al-Imam), وهذه الرواية لا تحتاج إلى تعليق. ومن المرجح إن تلك القبائل تعرضت إلى الإبادة الجماعية. 

    ويكشف لنا أستاذ اللسانيات في جامعة هارفارد. البروفسور (Leo Weiner ), في كتابه (أفريقيا واكتشاف أمريكا), المنشور عام 1920, عن حقائق مثيرة. تثبت الوجود العربي الإسلامي في أمريكا قبل كولومبس. وأشار إلى شيوع مفردات عربية كثيرة في لهجات الهنود الحمر. تؤكد على وجود صلات عرقية بين القبائل الموريتانية والمغربية من جهة, وقبائل الهنود الحمر من جهة أخرى. 

    خرائط بيري كشفت زيف كولومبس

    أذهل الملاح التركي (الرئيس برّي) العالم كله بخريطتين متهالكتين مرسومتين بتسعة ألوان على جلد الغزال للشواطئ الغربية لإفريقيا, والشواطئ الشرقية للأمريكيتين, والحدود الشمالية لليابسة في القارة القطبية الجنوبية (انتاركتيكا). قال عنها مدير مركز الأرصاد في (ويستون): ((إن خرائط الرئيس برّي المرسومة عام 1513 صحيحة بدرجة تذهل العقول, لأنها تُظهر بوضوح أماكن لم يكتشفها الإنسان في ذلك الزمان, ومما يبعث على الحيرة انه رسم جبال القارة القطبية الجنوبية ووديانها, في حين لم تتوصل المراكز الجغرافية المعاصرة إلى رسمها إلا بعد عام 1952, وذلك بعد ان تسلحت بأحدث تقنيات المسح الزلزالي, ومما زاد الأمر حيرة إن الصور التي التقطتها المركبات الفضائية للقارة القطبية الجنوبية جاءت مطابقة لخرائط الرئيس برّي)).

     والشيء نفسه يقال للحدود الشرقي في القارتين الأمريكيتين, التي جاءت مطابقة تماما مع الحدود التي بينتها صور الأقمار الصناعية لتلك السواحل, ما تسبب بإحراج علماء الجغرافيا, لأن كولومبس لم يصل إلى تلك السواحل, ولم يتعرف عليها أبدا, ولم تكن لدية القدرة على رسم الخرائط بهذا المستوى المذهل, والحقيقة التي لابد من الاعتراف بها, هي إن العرب والمسلمين كانوا يصولون ويجولون في تلك السواحل, ويترددون عليها في أوقات غير منتظمة, وإن كولومبس سرق خرائطهم الملاحية وسلك المسالك التي سلكوها قبله, وان التراث البحري الأندلسي والعثماني كان هو الكنز الذي تعرض للسطو, وهو المفتاح الذي استعملته أوربا في حل شفرة المسالك الملاحية المخيفة.

    سرقة مفاتيح المسالك الخليجية

    بعد ست سنوات من سقوط الدولة العربية في الأندلس, وعلى وجه التحديد في عام 1498 كانت طلائع سفن البرتغالي فاسكو دي غاما تقف خارج بوابة مضيق هرمز, لتضع يدها على الكنوز الملاحية الخليجية, وتسرق مفاتيح المحيط الهندي من خزانة العرب, ولم تمض بضعة أشهر على تجوالها في بحر العرب وخليج عمان حتى أصبحت خرائط (شهاب الدين أحمد بن ماجد) في حوزة البرتغاليين.

    كان ابن ماجد من أشهر الملاحين العرب, فهو أسد البحر, وشيخ الملاحين والمرشدين, وواضع أسس النظريات الملاحية الحديثة, التي جسدت رؤية الجغرافيين القدامى. وهو مبتكر المصطلحات العربية في شتى العلوم والفنون البحرية, وصاحب الاختراعات والكتب والأراجيز, التي أعتبرها الغرب ثروة لا تقدر بثمن. وأشهر مؤلفاته : كتاب (الفوائد في أصول علم البحر والقواعد). 

    ابتدع ابن ماجد قياسات ملاحية جديدة لم يسبقه إليها أحد, واستطاع أن يحدد مواقع الجزر, والبلدان, والسواحل, ومطالع النجوم. وقام بشرح المسالك البحرية في المحيط الهندي. وتعمد تدوين علومه البحرية على شكل أراجيز شعرية مبسطة, حتى يسهل حفظها وتناقلها بين رجال البحر, وبلغت أراجيزه نحو أربعين ارجوزة في مختلف المواضيع. .وجد (دي غاما) ضالته في علوم ابن ماجد فسرقها كلها, وغدر بصاحبها, ورماه في البحر, ونقل كنوزه المعرفية إلى البرتغال. فاكتملت فصول أكبر سرقة علمية في تاريخ كوكب الأرض, ووقعت كنوز البحار والمحيطات والجزر والقارات بيد الأساطيل الاسبانية والبرتغالية, ثم تبعتها الأساطيل البريطانية والفرنسية والهولندية, وبدأت أولى مراحل الاستعمار الغربي التي غيرت وجه العالم في كل الاتجاهات.  ختاما نقول: من كان يصدق ان البصرة ستسقط بيد الجيوش الغربية بعد سقوط غرناطة بستة أعوام فقط ؟,  ومن كان يصدق إن الكنوز الملاحية التي وقعت بيد الغزاة هي التي ستفتح لهم مغاليق البحار والخلجان؟. ومن كان يصدق إن الخرائط الملاحية المرسومة على جلد الغزال ستصبح هي القشة التي تقصم ظهر البلدان العربية من مضيق جبل طارق إلى مضيق هرمز؟؟, ومن يصدق إن جهل الحكومات العربية بالأمور البحرية كلفها الكثير من الخسائر, وسيكلفها المزيد من التنازلات في السنوات المقبلة؟؟, ومن يصدق إننا مازلنا حتى يومنا هذا ندفع فواتير الهفوات الأندلسية القديمة التي ارتكبها ملوك الطوائف؟؟, ومن يصدق ان أحفاد ملوك الطوائف هم الذين باعوا اليوم الثروات العربية كلها بثمن بخس ووضعوها في خدمة أساطيل الناتو وفرقاطات البنتاغون وغواصاتهم النووية ؟؟؟.

  • بلاد الولاءات “العراق مثالا “

    ظهرت السلطة السياسية الزمنية في العراق قبل غيره من بلاد العالم , ومن هنا كثرت المنافسات التي تحولت اغلبها الى صراعات ومن هنا ذهب البعض الى تسمية العراق بلاد العنف , وسمي العراقيون بذلك الاسم , والأول صحيح , والثاني غير صحيح اما صحة الأول , لان العراق ” الأرض ” تحول الى مكان للصراع بين الامم والدول والحكومات بسبب نشوء متقدم للحكومة فيه , ومكان الحكم دائما يغري بالمنافسة والمجابهة التي يتم من خلالها إزاحة جماعة , لتحل بدلها جماعة اخرى , وهذه الإزاحة غالبا ما تتطلب طلب المساعدة والنجدة من الآخرين حتى لو كانوا إغرابا . واما عدم صحة الثاني , وذلك لأن العراقي يمتاز تاريخيا بصفتين هما :

    1-  الفطرة والسجية الطيبة

    2-  الانفتاح الاجتماعي على الآخرين

    ومن يحمل هذه السجايا لا يكون عنيفا ولا دمويا , ولكن العراقي الذي دارت على أرضه معارك الجماعات والحكومات والدول والجيوش ومنها جيش الاسكندر الكبير , وجيش مملكة فارس أيام البابليين , ثم جيش المغول , وجيش العثمانيين , ثم الجيش البريطاني وأخرها الجيش الأمريكي الذي تعمد الاساءة للعراقيين بطريقة ماكرة ولئيمة , وهؤلاء جميعا مارسوا عنفا وبسطوا جبروتا وأسسوا ظلما وحيفا , مما جعلوا العراقي ابن البلد وصاحب الدار يواجه ذلك كله بامتعاض ورفض يضطره ان يبدو عنيفا وهو من حقه كإنسان , ولكنه عندما يتاح له الخروج من منغصات ذلك الجو والمناخ المفتعل فانه يرجع الى سجيته ويمارس العلاقات الانسانية بمودة وسماحة تجعل من يتعرف عليه يكتشف انه مظلوم بالتسمية فلا يعود يطلقها عليه.

    والعراقي نتيجة تلك السجية التي يغلب عليها حسن الظن بأكثر مما يوصي به أهل الحكمة , وعلماء السلوك والتحليل النفسي وعلماء الاجتماع, وخبراء معالجة الازمات, يكون ضحية لسوء النوايا وخبث السرائر, ولذلك اكثر الثغرات التي تؤخذ على الشخصية العراقية بشكل عام والاستثناء موجود, هو تعدد الولاءات وكثرتها حتى أصبح العراق تاريخيا بلدا حاضنا للولاءات , ساعد في ذلك ان العراق بعد الفتح الإسلامي أصبح مستقرا للقبائل العربية السبع وشخصية العربي من ابناء تلك القبائل هي شخصية تستحضر مواصفات الشخصية العراقية التي أسست مرجعا للشخصية العربية لان اندفاع القبائل في امتدادات جغرافية بعيدة جعل البعض منها يفتقد تدريجيا وجزئيا لبعض مواصفات الشخصية المرجع, والشخصية المرجع دعمت وشجعت بمرجعية السماء التي اعتبرت أكثر شيئا ثقيلا في الميزان يوم القيامة يقوم على أمرين هما :-

    1-  حسن الخلق

    2-  السخاء

    وحسن الخلق يتضمن : الفطرة الطيبة , والانفتاح الاجتماعي

    والشخصية العربية طموح, وطموحها لم يجعلها متقوقعة, بل منفتحة ومتحركة تتواصل مع محيطها حتى البعيد, ومن الشخصيات التي مثلت ذلك الطموح شخصية النبي محمد “ص” حيث مارس التجارة منذ أوائل شبابه وسافر إلى الشام, ومن الشخصيات الطموح: شخصية عبد المطلب جد النبي وكافله والذي سافر لتهنئة اول ملك للعرب وهو سيف بن ذي يزن وكان له من تلك الزيارة معرفة التنبؤ بظهور زعامة فتى تهامة إلى يوم القيامة ذلك هو النبي محمد “ص” .

    ومن الشخصيات الطموحة شخصية الشاعر امرئ القيس الذي سافر للقاء ملك الروم ومات في بلاد الاناضول ودفن هناك وهو القائل :-

    بكى صاحبي لما رأى الدرب نائيا

    وأيقن انا راحلين لقيصرا 

    وكذلك شخصية الشاعر المتنبي كان طموحا وسافر إلى الاخشيدي كافور ملك مصر وهو يقول :

    أبا المسك هل يأتيك راجل ….. فيرجع ملكا للعراقيين واليا ؟

    وهذا الطموح لم يكن عند الكثير من الشخصيات العربية كما كان عند رسول الله “ص” فطموح رسول الله “ص” كان متشبعا بالإيمان الذي يجعل مرضاة الله فوق كل شيء , ويعزف عن زخارف الدنيا ” انتم بهديتكم تفرحون ” .

    ولكن الطموح في الشخصية العراقية أصيب بثغرات وتعرض لتعرية جردته من قيم أخلاقية كثيرة , مما جعلته يهفو لمظاهر الدنيا وينسى الدار الآخرة .

    زمن هنا غزته المظاهر واستولت عليه عقدة “الشهرة ” و ” الكرسي” والرئاسة “فترى هذه تستحوذ على اهتمامات الناس اليوم في كل شيء, في المسجد, والمضيف, والبراني, وصالون الاستقبال, وفي المكاتب الحزبية, ومكاتب الدولة ومؤسساتها, وتشعب غالبية النفوس بهذه المظاهر هو الذي يقف وراء كثرة الأحزاب, وتعدد المنظمات, وانقسام العشيرة الى أفخاذ, وانقسام المرجعية إلى مرجعيات, وهذا الانقسام الحاد في كل شيء هو الذي جعل الولاء غير حقيقي يركض صاحبه وراء المصالح والمنافع مما اثر على أخلاق الاجتماع من الفرد الى الاسرة الى القبيلة الى المجتمع ثم الدولة.

    وهذا النوع من الولاء السوقي يمتاز بما يلي :

    1-  هو ولاء غير حقيقي

    2-  وهو ولاء سطحي

    3-  وهو ولاء موسمي

    4-  وهو ولاء نفعي مصلحي

    وهذه هي بضاعة الولاءات اليوم يتساوى فيها : الولاء الحزبي , والولاء الوظيفي, والولاء العشائري, والولاء المرجعي لم يسلم في معظمه من هذا المرض, والاستثناء موجود ولكنه نادر وقليل .

    فعلى الجميع ممن يستحضر لنفسه ولاء لابد منه عليه ان يراجع ويتفحص طبيعة ولائه خوفا من لوثة المرض الذي تدب فيروساته كما يدب النمل في الليلة الظلماء, ولنتذكر اغرب واتفه الولاءات التي أعطيت لمن نشر كتابا باسم جند السماء لا يعرف مؤلفه مات بسببه مئات الشباب من الذين لايستحقون ان يموتوا كتلك الميتة, ولكنها الغفلة والانفتاح غير المحسوب بحساب العقل والحكمة , وتلك خسارة لا نتمناها لكل نفس ادمية.

  • وصلت الملائكة

    ما أن يسمع مدير تلك المستشفى بقدوم مسؤول في وزارة الصحة لزيارة تفقدية, حتى يسارع لتوصية الأطباء وجميع العاملين بضرورة عدم إخبار المسؤول الزائر بنواقص المستشفى من أدوية وتجهيزات، وهذا يعني, وبوضوح كامل أن هناك سرقة، أو محاولة إرضاء وتملق المسؤول، فهل يفعلها طبيب؟؟

    طبيب آخر, ناجح وبعيادة مزدحمة ودخل عال، يعلن موافقته لمروج الأدوية الجديدة، وانه سيصفها لمرضاه ولكن مقابل قنينة ويسكي راقية.

    وبات معروفا ومتداولا بان أطباء يتقاضون عمولة من الصيدليات التي تصرف وصفاتهم من أدوية خاصة، وكذا مع الجراحين,  حيث إقناع المراجع بإجراء عملية جراحية (غير ضرورية) ولدى طبيب معين, هو الطرف الآخر في الصفقة، ومع المختبرات وفحوص السونار.. فهل هذا معقول؟؟ 

    في كلية طبية يتصرف الأستاذ مع الطلاب (أطباء المستقبل) بمزاجية علنية، ويتقصد إغاظة طلابه فيقرر الأسئلة والدرجات بعدوانية ويحاول انتزاع يقينهم بوجود عدالة وانصاف واخلاق طبية وانسانية، يحاول تكفيرهم بملائكة الرحمة وتنفيرهم من هذه المهنة الرسالية.

    طبيب عيون وجد ضالته ومنجم ثروته في فتح محل لفحص البصر وبيع النظارات وفي المكان المناسب فزعم ان هناك من يضايقه ويضطهده بسبب اخلاصه وتعصبه لطائفته ولأبنائها، لذا استقال من تلك المستشفى ليتفرغ لخدمة المحتاجين ومساعدتهم، ولكن ما يتقاضاه من أبناء طائفته في محله أضعاف مضاعفة لما كان سيدفعه المراجع لعيادة فحص البصر التابع للكلية التقنية، وكذلك للعيادات والمحلات الخاصة، مبرهنا مرة اخرى ان لا خير من الطائفي، وانه يمضي في طريق محكوم بالضيق إلى أن يضيق بجسد الطائفي ذاته في نهاية المطاف، وسيكون المحسوب على النخبة الاجتماعية, مثل الطبيب, هو الأثقل بالعار وسوء العاقبة.

    هذه النماذج وغيرها الكثير هي التي تسهم في تقرير ورسم الأجواء والمناخات التي تلتف على أعناق الكبار وتضيق عليهم وتخنقهم وترغمهم للبحث عن هواء خارج حدود الصغار والضئيلين وملحقي الخزي بأعظم المهن.

    لو كانت هناك أجهزة متابعة وضبط وتطوير لما  تسلل الطاعون بين الأسرة البيضاء والى العقول الأذكى والأرقى، وربما كان لنقابة الأطباء دورها في هذا الشأن.

    بيد ان نقابة الأطباء لم تنتبه لحد الآن إلى راتب الطبيب قياسا لمستوى رواتب الفراشين والبوابين في الرئاسات.. ولم تفزعها المفارقة تلك، ولم تزعزع الأركان لجعل راتب الطبيب مثل راتب الوزير، نقول إن هذه النقابة التي لم تنتبه لراتب الطبيب, ولا إلى الأطباء الكاذبين وعياداتهم المزورة، هل تنتبه لمناخات وأجواء الطب والطبيب وتحول دون هجرتهم؟؟؟

  • امتلاك عناصر القوة .. بين الهدر المعتمد .. وغفلة الجاهل !!

    في العلاقات الدولية، ليس هناك شيء ممكن وفق المزاج أحادي الجانب.. إلا في حالات محددة ومحدودة منها:

    *امتلاك القدرة والاستطاعة مع توفر إمكانية استخدامهما ضد الآخر. 

    *ضعف الآخر وافتقاره لقدرة دفع الأذى وإمكانية تفادي فرض الهيمنة والتحكم والسيطرة وأسباب ذلك كثيرة.

    *الحنكة القيادية في الجانبين الميداني والستراتيجي، التعبوي والسوقي، والقدرة المتمكنة من إخفاء الواقع والحقائق التي تشكل القوة وعناصرها.. إذ المعروف أن الدولة، أية دولة، تؤثر سلبا أو إيجابا في قرارات الدول الأخرى وفي المسرح الدولي بفعل قوتها، وهذه القوة يعتورها التغير والتبدل، فيتغير تأثيرها تبعا إلى ذلك، خصوصا وان قوة الدول لا تنحصر في الجانب العسكري وحسب، بل هي تشمل كل ما تستطيع حشده لحماية مصالحها وبلوغ أهدافها.

    فالدول لا تفتأ تستعمل القوة بعضها ضد البعض الآخر، أو تلوح باستعمالها، وحتى أن لم تستعملها أو تلوح باستعمالها، فأن مجرد وجودها له تأثير على الدول الأخرى. إذ لا يمكن لدولة ما أن تتجاهل احتمال استعمال دولة أخرى لتلك القوة، فهي تمثل تهديدا محتملا، وهي تلوح دائما بالإيماءات أو بواسطة الخطاب المفتوح. ودرجة استعمال تلك القوة، وفي ضوئه فانك تستطيع أن تملي على الآخر ما تريد، وان تحصل منه كذلك على ما تريد، بيد انك في كلا الحالين تخسر نفسك، لماذا..؟

    بالتأكيد انك لا تستطيع أن تملي على الآخر ما تريد، او تحصل منه على ما تريد، إلا في حالتين: 

    الأولى: أن يكون ضعيفا وأنت قوي، وفرق القوة هو الذي حقق الإذعان وما تحققه القوة في زمان ومكان ما، قد يؤدي إلى فتح باب الاحتمالات ومن ضمن هذه الاحتمالات، تغير ميزان القوة وقد يرتب شيئا مماثلا لما كنت أنت عليه، فتتعرض لما تعرض هو له، فيجعلك مضطرا للتخلي عن كل الذي حصلت عليه بالقوة، فما اخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة. هذا الذي قلناه ليس كلاما نظريا، بل هو أمر واقع فعلا فقد خسرت بريطانيا كل شيء بعد إن كانت “بريطانيا العظمى” تأمر فتطاع، واذا بها مستعمرة أميركية، بعد ان كانت سيدة أميركا بلا منازع.

    الثانية: أن يكون الآخر غبيا ساذجا.. لا يجيد اللعب مع الطرف الآخر.. قيد نفسه وقطع الطريق على شعبه، فصار هدفا لأساليب الباحثين عن فرصة السيطرة والهيمنة على المغفلين وما أكثرهم في أوساط الاستبداد بين الدكتاتوريين وأمراء المال وشيوخ النفط.

    لقد نمت وكبرت وتضخمت أوروبا اعتمادا على مبدأ الضحك على الذقون قبل مبدأ “القوة الفائقة” وقد تماثلت قصص الضحك على الذقون، فمن إعلان نابليون إسلامه إلى “لورنس العرب ولينبي ومس بيل الملاية” وغير ذلك الكثير الكثير من المضحكات المبكيات.

    لا أريد أن أقول أن هذا الأسلوب، في التعامل الدولي أو حتى على المستوى الشخصي أسلوب أخلاقي أو انه أسلوب مبرر بل الذي أريد أن أقوله.. أن القانون لا يحمي المغفلين أولا، وثانيا إن من يتولى المسؤولية ينبغي أن يكون مالكا لكل عناصر القوة والسيطرة والتحكم. انه ينبغي أن يستند على عناصر القوة الوطنية ليحمي بلاده وشعبه. وعناصر القوة الوطنية متعددة في المرجعيات العلمية، لكن اغلب مدارس الستراتيجية والعلوم المستقبلية والدراسات السياسية والفكرية قسمت القوة الوطنية إلى أربعة ثوابت أساسية وهي: 

    1 ـ القوة الاقتصادية 

    2 ـ القوة العسكرية 

    3 ـ القوة المعلوماتية 

    وثمة من يضيف إلى ذلك القوة الجغرافية، أو ما يسمى بـ”عبقرية” المكان وهذه القوى تعتمد في الدرجة الأساس على إمكانيات الاستخدام الأمثل، فليس كل من ملك سيفا صار عنترة بن شداد وليس كل من امتلك الحكمة صار سقراط أو أفلاطون، المطلوب هو امتلاك قدرة استشراف المستقبل أو الرؤية الإستراتيجية المستقبلية وهذه الرؤية تعتمد على المرتكزات الماضوية والمستقبلية والحاضر من قوالب المعلوماتية لكون تأطير الابداع والابتكار يتم بالتفعيل التحليلي الذي يبنى على رواس معلوماتية جيدة وصادقة وواقعية موائمة وملائمة ومتزامنة مع المستجدات الحديثة.

    ان الفهم الواقعي لطبيعة وحجم المتغيرات في ساحة الاحتكاك او الصراع او التنافس او المواجهة الساخنة ينبغي ان يؤخذ بنظر الاعتبار عندما يجري التخطيط للمستقبل او وضع الستراتيجية، وهذا امر يتطلب وجود بنى تحتية على قدر كبير من الاحاطة والفهم الدقيق في ضوء ما يصلها من معلومات صحيحة وصادقة وواقعية والا فان ثمة من يملك كل ذلك في الطرف الاخر الذي ليس في وسعه ان يتركنا نعيش لوحدنا في حياة قائمة على مبدأ ان تكون للجميع “سيئين وجيدين” مغفلين وشاطرين، اشرارا وخيرين، ونتيجة ذلك هو ان نعيش خارج الحياة، كما يصفنا مستشار الامن القومي الأميركي ووزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر فالآخرون يستقبلون “المستقبل” وهم مهيئون ومستعدون له، في حين نحن نستبسل المستقبل بمزيد من العزلة عن الحياة والمعايشة الحقيقية والواقعية وحتى عندما تتهيأ لنا سبل استشراف المستقبل كما حصل ذلك في موضوع مستقبل المياه في الوطن العربي وبشكل خاص في الشام وفي ” العراق ” وعرفنا في وقت مناسب خطط اسرائيل كمستهلك لمياه مصدرها العرب، وخططت تركيا، والعرب مستهلكين للمياه التي مصدرها تركيا وايران ونشر الكثير من البحوث والدراسات حول المياه ومستقبلها ومستقبل العرب معها، وكل ما نشر وقيل في حينها ركز على مسألتين اساسيتين:

    الاولى : تفادي الوقوع فيما تعمل كل من اسرائيل كمستهلكة وتركيا وإيران كمصدرين للمياه لمستقبل علاقتهما بالمياه.

    الثاني: وضع الترتيبات اللازمة لمنع تركيا وايران وإسرائيل الاستفادة من المياه بمعزل عن العرب. 

    عقدت من اجل ذلك مؤتمرات قمة ومؤتمرات مسؤولين كبار وخبراء ولم تكن هناك أية نتائج على الأرض، كانت جعجعات بلا طحين، والأمر أن العرب يعانون العطش وإسرائيل في فيضان وتلك مفارقة أخرى مبكية مضحكة بل ان إسرائيل هددت وهي تهدد بتحويل مجرى نهر الأردن وكذلك نهر الليطاني. ايران وتركيا اغلقت او قننتا المياه الواصلة للعراق وسوريا، في حين سوريا ولبنان غير قادرتين على منع وتقنين المياه المتدفقة الى اسرائيل، هي تلوذ بالقانون الدولي المستند على ضعف العرب، وتركيا وايران يستندان على القانون الدولي ايضا المستند على قوة تركيا وإيران قياسيا بالعراق وسوريا، لذلك نرى الامور رغم معرفتنا المباشرة او غير المباشرة لنتائجها مسبقا، تسير من سيئ الى الأسوأ كذلك عناصر قوتنا الأخرى هي نهب غيرنا.

    في عام 1973 وفي أثناء حرب تشرين وبعدها، كانت لدى العرب بعض نهضة أو يقضة فاستخدموا النفط كسلاح في المعركة، ورغم إني لا اميل لمثل هكذا أسلحة تستخدم لإغرام الآخر على التسليم بالحقوق المشروعة غير ان استخدام ما اريد منه، حيث وقف العالم الى جوار الحق داعما ومؤيدا او مناصرا العرب رغم أنهم استخدموا سلاحا تعلق بشريان الاقتصاد، بل الحياة في العالم وذلك لأن الحق كان إلى جانب العرب، والباطل إلى جانب اسرائيل التي عرضت عرض الجدار بقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن ولم تنسحب من سيناء وأجزاء كبيرة من فلسطين والجولان وجنوب لبنان برغم مطالبات العالم المتكررة بذلك.

    كان ذلك أول استخدام مرغم ولكنه كان الأخير.. فقد ضاع النفط وضاعت القدرة على استخدامه، بعد ان ضاع التضامن من العربي ومعها منظومة الأمن العربية، التي كانت هي مصدر ووعاء الاستخدام الإستراتيجي لسلاح النفط من اجل اجبار إسرائيل على الاعتراف بوجود تقارب في توازن القوى الستراتيجية في ذلك الحين.. وعاد العرب القهقرى لتكون، ثرواتهم وأراضيهم ومياههم نهبا لكل من يجد في نفسه ميلاً.

    ولنأخذ على سبيل المثال التسلح العربي وما يترتب أو ما ترتب عليه من فوائد أو أضرار لقد بلغ العرب في التسليح ورغم ذلك ليس ثمة شيء يمكن اعتماده للقول إن تلك العملية كانت مفيدة وحتى اليوم وبرغم الفشل الذي جنته الأمة العربية، فان “مئة” مليار دولار في خمس سنوات هذا هو حجم التسلح في دول المنطقة، وفق آخر التقارير الاستخباراتية والاستشارية وفي طليعة الدول المهتمة بعمليات التسليح، السعودية والإمارات والكويت، وحدها السعودية سوف تنفق 30 مليار دولار منها 800 مليون دولار لشراء 72 مقاتلة من الولايات المتحدة الأميركية وبذلك فان هذه المنطقة تستحوذ على 11 في المئة من إجمالي الانفاق الدفاعي بحلول عام 2014 والرقم يعتبر الأعلى على مستوى العالم.

    والسؤال الآن ترى ما قيمة هذه الأرقام إذا ما ارتبطت بحاجة القومي العربي لمواجهة التحديات الآنية والمستقبلية..؟ لا اعني بالسؤال التقليل من قيمة الأسلحة الموردة للعرب من خلال رقم الإنفاق العالي ولكن اعني ان السلاح وحده لا يشكل اي حماية حقيقية للعرب ان لم يقترن بالإرادة الوطنية والقومية الحقيقية، الإرادة المخلصة والصادقة والنزيهة.. الإرادة الذائدة والحامية والمرافقة، وليس الإرادة العدوانية المنافقة الاحتوائية التوسعية.

    كل ما سمعناه وقرأناه وشاهدناه لا يتعدى حدود المظهرية المنافقة الكاذبة وبذلك فقد شكل ذلك ذريعة جاهزة لأولئك الذين بيتوا أمرهم بليل.. فقد وصفنا البعض بـ”الشوفونية” ونحن “المضطهدون” وطنيا وقوميا! لقد قالوا عنا اننا “عنصريون” مع اننا لا نستطيع العيش حتى بلداننا بسبب إدانتنا بجريمة ما كنا ولن نكون يوما احد صناعها تلك بلوانا.

    بلوانا أو مأساتنا تكمن في اننا لا نجيد تطبيق فكرة “ان لكل مقال مكانا” اذ لا يجوز الخلط في الاشياء دون إدراك سليم وواع للتوافق الطبيعي غير المفتعل بين ما نملكه من قوة وما نملكه من فرصة وقبل ذلك إدراك إن كانت هي فرصة حقيقية للتقدم والتطور وتحقيق الأهداف وانجاز البرامج والمشاريع، أم هي مجرد وهم خلقه الآخر التوسعي او الاحتوائي او العدائي.

    لقد فرطنا بما لدينا.. نتيجة جهل حقيقي بما لدينا وبما نحن فيه وعليه، قالوا لنا انتم “قوميون” وما عرفنا الا بعد التي واللتيا، ان القومية رأس بلاء اوربا صدرتها لنا بعد ان تخلوا عنها وكان المصدر يستهدف زرع شيء في داخلنا يكون مبررا لعنصريته وعنجهيته ودمويته وكراهيته للآخر، كان يريد أن يحارب الجيد فينا من خلال زراعة الرديء وقد حصل فعلا ما ارادته اسرائيل، فقد تصاعد مد لا يعي ولا يدرك تحت شعار “القومية” وفي الوقت نفسه ذوى في داخلنا الفكر العروبي.. أخذنا بالتخلي عن الخط العروبي.. لحساب الخط القومي دون أن نعي حجم الخسارة التي لحقت بنا.

    ما كنا يوما “قوميين” بل كنا على مدى التاريخ “عروبيين” وقد اثرى الاسلام العروبة وأعطاها زخما لكنه ليس الوافد الوحيد لها، فالعروبة كائن فكري ككل الكائنات الحية تتغير وتتطور ويجب مراعاة ما يجري من تحولات والتي تجعل للوحدة أشكالا وقوالب مختلفة، والعروبة ليست هذيانا عاطفيا مجردا وشعارات، وإنما هي أصبحت تكاملا اقتصاديا ومشاريع وتكاملا إنساني ودعوة صادقة للحرية والانفتاح والعروبة ليست نتاجا جديدا، او حديثا بل هي نتاج يعود إلى التاريخ سحيق في القدم كظاهرة تاريخية لذلك فقد كان لزاما أن تنشأ منظومة مصالح مشتركة لمواجهة مفاهيم ومحاولات التفتيت وإسقاط ما هو سائد من مفاهيم في معظم الدول العربية من ان المواطنة على درجتين.

    لقد كانت البداية إسقاط العروبة كمشد وجامع وموحد لحساب فكرة مستوردة طارئة لم تتوقف طويلا أمامها لنعرف مدى قربها منا وقربنا منها ثم بدأوا بالمرحلة الثانية وهي مرحلة تغليب الانتماء المذهبي او الديني على الانتماء العروبي وبات الصراع بين النقيضين المذهبي والديني على حساب الانتماء العروبي، وبذلك تحقق الاختراق الجديد الأكثر تدميرا او الأكثر تخريبا.

    ان العمل الستراتيجي المطلوب يحتاج إلى دراسة مستفيضة ومعمقة ودقيقة لعناصر القوة فيه، لأن النصر يتحقق من خلال تراكم هذه العناصر وتفعيلها ووضعها في المكان المناسب والتعاطي معها بالزمان المناسب أيضا.

    يقال ان العراق مر بأزمة خانقة في توفر مادة ” الحنطة ” وكان مصدر تجهيز العراق بهذه المادة الحيوية من ثلاثة محاور:

    الاول : العراق ويجهز الاستهلاك المحلي بحوالي 70%.

    الثاني : الاستيراد الخارجي من عدة مصادر : استراليا، اميركا، فرنسا .

    الثالث : المساعدة الأميركية. 

    وكان في حينها العراق مشتبكا بمفاوضات عسيرة مع بريطانيا لإخلاء قاعدتي “الحبانية والشعيبة” في عام 1955 فما كان من بريطانيا الا ان طلبت من أميركا واستراليا بعدم تجهيز العراق بأية كمية من الحنطة فما كان من نوري السعيد وكان رئيسا للوزراء إلا ان ذهب الى حفلة كوكتيل في السفارة الايرانية وكان من ضمن عدد كبير من السفراء كالسفير البريطاني والأميركي والفرنسي والروسي، فما كان من نوري السعيد الا وقد قصد السفير الروسي ودخل معه في حديث هامس، تخلله ضحك ونكات والسفير البريطاني يرقب ذلك وبعد فترة افترق نوري السعيد عن السفير الروسي بعد تبادل عبارات المودة والمحبة!! عندها دنا السفير البريطاني من نوري السعيد، ليبادره بالسؤال عمّا دار بينه وبين السفير الروسي فرد عليه نوري السعيد بعدم اكتراث.

    ـ لقد طلب الرفيق سفير روسيا الصديقة استيراد كميات من الحنطة الروسية وبالأسعار التي نرغب بها، تأكيدا لرغبة روسيا في إقامة علاقات اقتصادية وتجارية متطورة مع العراق.

    هنا قاطع السفير البريطاني نوري السعيد قائلا: 

    – إن حكومة جلالة الملك قد وافقت على تزويدكم بما تحتاجون إليه من الحنطة وبأسرع وقت.

    ذلك نموذج لكيفية امتصاص الطرف الآخر وإبعاده عن التأثير على مركز فعل العمل الستراتيجي بهجوم مقابل غير مباشر مستخدما عناصر فعل القوة المتاحة في زمان ومكان مختارين بشكل مدروس.. وهذا هو الذي يعنينا بشكل خاص ومحدد.. فما جدوى أن تضرب عدوك بسلاح لا يناسب مكانه ولا زمانه فالموقف الذي يحتاج إلى مدفع لا ينبغي ان نستخدم له طائرة وهذا ما نشاهده الآن، حيث يجري تصفية الخصوم السياسيين بالاغتيال عن طريق الطائرات بدون طيار من قبل دول بعد أن عجزت عن توفير عملاء يقومون بالواجب نيابة عنها.

    بصرف النظر عن وجهة نظرنا الشاجبة والرافضة الأسلوب البشع، بيد انه نموذج آخر للتحكم بالبدائل حسب الزمان والمكان. وهذا ما ينبغي أن يكون.

     

     

  • إلى .. صباح عطوان خالص الامتنان

     طرد بريدي أنيق فاح عطرا برائحة الحنين، وصلني قبل أيام من (هولندا) عن طريق صديق كان في زيارة لهذا البلد الذي يضم الكثير من ابناء جالية بلاد النفط وعدد كبير من مبدعيه، مع الطرد تم رفق (كارت) أنيق-أيضا- حوى خمس كلمات فقط، عدا ذكر اسمي واسم وتوقيع المرسل و تأريخ كتابة تلك الشذرات الصادقة التي أشعلت في داخلي جذوة ذلك اليوم الشباطي من عام (2005) والذي تعرفت  فيه – بشكل مباشر ولأول مرة- على الكاتب الدرامي الكبير (صباح عطوان) حين أجريت حوارا تلفزيونيا معمقا (لحساب قناة السومرية/ عبر برنامج مؤثرون) تناول تجربته التي لا أظن أن تأريخ الكتابة الدرامية من حيث الغزارة والعمق والتواصل في العراق والوطن العربي سيصل الى شواطئ وضفاف ما قدم وأعطى هذا الكاتب المواضب -الصعب-  ذو الصدر الرحب-المحب لكل ما هو إنساني خالص وكل ما يحترم كرامة وحقوق الإنسان أين ما كان، لقد حوى ذلك الطرد الأنيق ثلاثة كتب صدرت حديثا بطباعة فاخرة هي روايتين بعنوان (المس) والأخرى باسم (تنومه) والكتاب الثالث بعنوان (مسرحياتي) ضم ثلاثة أعمال (1- مولينا/2- الموت سيدتي/ 3- أصوات من نجوم بعيدة)، خصني بها  وفاء هذا الكاتب العتيد بعد-بُعد(بضم الباء) كل تلك السنوات من زهو وأثر ذلك اللقاء الذي هزمنا فيه كل (روتينيات) الحوارات حين تجاوزنا كل رتابة وجمود أطلاق الأسئلة التي احتوتها -بوعي وجدارة- دروع ثراء إجابات ضيف عتيد من طراز كاتب الدراما الأول في العراق عبر نوافذ وثوالث عطاءاته المؤثرة في التلفزيون/السينما/والمسرح منذ عام 1975حتى لحظات اختياره المنفى والغربة ملاذا أمنا له، فضلا عن كتابة بحوث عن السينما في صحف ومجلات مهمة وشرف حصوله على جوائز عالمية وعربية ومحلية بالإضافة الى صدق وعمق إدارته النبيلة للمسرح العمالي في العراق، بحجم ذلك الولع  النادر والاخلاص الحي لمعنى الاهتمام بهذا النوع الخالص لقيمة الفن في حياة الشعوب.

      هل أدلكم على ما قدم وأعطى  وأثرى (صباح عطوان) الذي لم التقه  –أبدا- منذ ذلك اللقاء اليتيم بسبب ما مر من ظروف قاتمة عصفت بالبلاد وفرقت أحوال العباد بمعاول وفؤوس الطائفية وملحقاتها؟ أم أكتفي بالاعتماد على الذاكرة الجمعية الحية لإغداقاته الواثقة وهي تزيد على أكثر من (70) مسلسلا، وللاذاعة زهاء ألف نص، وللمسرح (30) مسرحية، وللسينما خمسة أفلام طويلة،ألا يكفي هذاالاجتياح العقلاني-الابداعي الممهور بحب كل ما يلامس أسم وجوهره الانساني، لكي نعيد هذا الطائر الغرد- الصادح المحكي الى عشه، أو نحتفي به هناك في (هولندا) التي خطفت جسد (عطوان) فيما ظلت روحه ترفرف في سموات الناصرية حيث ولد، أو في نسائم البصرة حيث عاش، أو في بغداد التي وجد فيها ضالته الإبداعية ووهج حضوره الأثير فينا، حرام والله التفريط بمجد عطاء وثراء وانتماء هؤلاء، خاصة ونحن على أعتاب الاحتفاء ببغداد عاصمة للثقافة العربية.!

  • نماذج من الانفصال الحديث “السويد مثالا”

    يعيش الشعب العراقي عموما والنخب الثقافية والسياسية هاجس أنفصال أقليم كردستان العراق أن أجلا أو عاجلا، لاسيما بعد تصريحات السيد مسعود البرزاني ومواقفه ألاخيرة ؟

    وأنا أعتقد أن مايجري في المحافظات الشمالية للعراق تحديدا 

     دهوك، وأربيل، والسليمانية ” والتي أصبحت تسمى بالدستور العراقي الملغوم بالثغرات “أقليم كردستان العراق” والذي أصبح بعد المظلة ألامريكية الجوية منذ العام 1991 مختطفا بألارادة الدولية ومشتهايتها المرسومة للمنطقة بنفس توراتي صهيوني أختطف معه كذلك الملايين من المسيحيين التوراتيين المتطرفين أتباع الكنيسة ألانكلوكانية التي لاتتصل بالفاتيكان مرجعيا، وأصبح تيار “المرمون” المليوني في الولايات المتحدة ألامريكية هو من يقود العجلة الرئاسية في أمريكا بما يريح وينعش ألامال الصهيونية التي أعرب قادتها عن أرتياحهم لما يجري في المنطقة العربية من متغيرات كثرت حولها الرهانات الخاطئة في المنطقة ومنها الرهان الكردي الذي أصبح يتجاهر بأنسحابه من دوامة الصراع العربي الاسرائيلي ، وهذا ألانسحاب سيضر المستقبل الكردي، وسيسبب له الكثير من المشاكل الكبرى التي لايستطيع قادة الحزبين الكرديين مواجهتها لآنهم لايستطيعون أختصار الولا الكردي العقائدي الذي هو جزء لايتجزأ من العقيدة ألاسلامية التي تجاوزت حسابات ألاقليميين والعنصريين، ورسخت فكرا حضاريا أنسانيا ينتظره مستقبل ألانسانية المرسوم بعناية كونية جعلت من الرسالة ألاسلامية خاتمة رسالات السماء.

    والمناخ الكردي الشعبي لم تحسم خياراته بخيارات الحزبين الكرديين اللذين أستفادا من وجودهما في السلطة ، ولكن هذه الحالة قد تؤثر بالولاءات ولكنها لاتؤثر بالعقائد العابرة للجغرافية والقومية

    والتحريض المكرس لآيجاد كراهية بين أبناء الشعب العراقي من عرب وكرد وتركمان ووجودات كريمة أخرى ، أصبحت له حاضنات مؤقتة غرها الوضع الدولي المتقلب الذي سمح لوجود وأنتشار صهيوني أسرائيلي في منطقة كردستان العراق مستفيدين من وجود ألاحتلال ألامريكي ، وهذا ألامر لايستطيع أحد أن ينكره ألا من يريد أن يتخلى عن الموضوعية .

    وهذا التحريض وجو الكراهية هو مرجعية الذين يعملون على تهيئة أجواء ألانفصال حتى أضطرهم لآستعمال وسائل غير دستورية مثل ألاستفتاء على ألانفصال ، ونسوا أن ألانفصال مصطلح غير دستوري ولا يوجد له من حضور ألا في أذهان الذين يحضرون للانفصال .

    وأيراد خصومة تصل الى حد العداء غير المبرر مع السيد نوري المالكي رئيس الحكومة المركزية الفيدرالية ناسين أن هذا النوع من العداء سيكون موجها الى عموم الشعب العراقي صاحب المصلحة ألاساسية في الحكم والفدرالية والثروة النفطية وألامن وألاستقرار

    وأعمال ألانفصال والكراهية تضر ألامن وألاستقرار والسيد نوري المالكي مواطن عراقي يصيبه مايصيب المواطنين من أذى وتعكير للمسيرة السياسية .

    وأذا كان ألانفصال بحكم الظروف الدولية أو بحكم ماعليه لغة الحزبين الكرديين ماض للظهور بطريقة مفتعلة مزاجيا ، وأذا كان هذا الوقوع صحيحا أو خطأ ، فالذي يهمنا من ألامر أن لاينعكس ألامر بمزيد من الكراهية والحقد والثارات ، وأنما علينا أن نقوي ونثبت روح ألاخاء والمحبة وتقبل كل الحالات التي تنجم عن هذا المشروع .

    وبهذه المناسبة ومن باب قراءة الوضع الدولي الذي مر بحالة مثل حالتنا ، نقول للجميع أن دولة مثل السويد وهي من الدول ألاسكندنافية والتي تتمتع بنظام مدني مستقر ويكاد يكون مثاليا بحيث أعطى للمواطن السويدي حقوقا متميزة منها أن يسجن من يحكم عليه القضاء بالسجن في بيته ، وتقدم له الشركات والجمعيات الخيرية : الصحف والهدايا ؟

    السويد هذه تعرضت عام 1814 الى أنفصال النروج عنها ، ولم تستسلم السويد لحالة التشنج واليأس وأفتعال المعارك ، وأنما راحت تلملم وضعها الجديد بعد ألانفصال ،وأتجهت نحو البناء وفي العام 1964 أسست معهدا للسلام ، سمته معهد ستوكهولم لبحوث السلام ” سبري ” وترأست الدبلوماسية المخضرمة ” يارا ” رئاسة ذلك المعهد وهو اليوم يضاهي معهد واشنطن للدراسات ألاستراتيجية ، ومعهد لندن للدراسات ألاستراتيجية .

    ومن المفيد أن نذكر هنا أن العلاقة بين السويد والنرروج يسودها التفاهم والتعاون ، لآنهم تغلبوا على لغة الحقد والكراهية ، وبهذه المناسبة نذكر الجميع بجذور ثقافة المحبة وأخلاقها التي تصنع ألامن وألامان للبشرية جميعا ، ومرجعية تلك ألاخلاق هو رسول الله “ص” الذي أحب الجميع حتى من يقع أسيرا بعد حربه للمسلمين ، وأسرى قبيلة طي من الشواهد على ذلك وكيف أنه أطلق سراح سفانة بنت حاتم الطائي وأطلق حرية من معها من ألاسرى وأعطاها مابين الجبلين من أبل وغنم ، وسفانة تقول هذا كثير يارسول الله وهو يقول : هكذا أدبني ربي ” ؟

    ولقاء جبرائيل مع رسول الله “ص” والذي أخبره به عن جهنم وصفاتها وأبوابها ومن فيها وعندما سأله عن الباب الباب السابع ؟قال هو لآصحاب الكبائر من أمتك ؟

    فخر “ص” مغشيا عليه ، من فرط حبه لآمته حتى أصحاب الكبائر منهم ، وظل “ص” معتزلا الناس بسبب ما أخبره به جبرائيل حتى علم أنه سيحصل على الشفاعة لآصحاب الكبائر من أمة ألاسلام والذين يدخلون في نهاية المطاف بعد عذاب مقدر بنار جهنم ، حيث تشملهم الرحمة والشفاعة أخيرا ويدخلون الجنة مكتوبا على جباههم ” جهنميون عتقاء النار ” كل ذلك بسبب المحبة وأخلاق النبوة الخاتمة فهل لنا أن نستفيد ونتعلم من ذلك حتى نجد طريقا ومفهوما للمحبة يتعالى على مايجري بيننا من خلاف ومشاكل لاتنفعنا في الدنيا ولا في ألاخرة ، وأن قيم ألاخرة أكبر من أحلام الدنيا الصغيرة ؟

    هذه تذكرة للجميع لآننا نشهد غليانا وتباعدا لاينفعنا في دنيانا وأخرتنا ، ونحن قوم ماضون لآجالنا وذلك قدر كوني أكبر من أقدارنا الدنيوية التي نرسمها بأيدينا وتمحوها رياح التغيير الكوني وتضحك علينا ومنا مقادير الملكوت ألاعلى ؟

  • رجل من لعشيرة !!

    من بين أفراد عشيرتنا الموزعة على بغداد والحلة والأنبار، ودير الزور وولاية اريزونا في جنوبي أفغانستان (وهي غير ولاية اريزونا الأميركية)، لم يحصل على شهادة عليا (ماجستير زراعة)، سوى ابن عمتي الحاج عباس عبد الله، وقد أهّله هذا التحصيل العلمي مصادفة لاحتلال موقع قيادي كبير في الدولة، وقد تأكد لنا ذلك من موكب الحماية الفخم الذي يرافقه في تنقلاته.

    والحق فان الرجل -ليس لكونه قريبي- إنسان متدين ملتزم بالفروض، ونزيه نظيف اليد، بدليل أن احدا لم يوجه اليه تهمة الفساد المالي الى الان، وهذه من الحالات النادرة بين المسؤولين، وقد أمضى حياته -وهو على مشارف العقد السادس- بعيدا عن السياسة والاحزاب والانتماءات، يؤدي عمله بإخلاص شديد وكفاءة عالية، على ان اهم ميزاته التي كنت ارتاح إليها كثيرا، هي صراحته المطلقة، لا يزوق كلامه ولا يجامل، ويقول عن نفسه مالها وما عليها، ويواجه الآخر، كبيرا او صغيرا، بما له وما عليه، وباختصار فان ما يدور في رأسه، يجري على لسانه.

    كان الحاج عباس يزور خاله (اي والدي) زيارة اعتيادية، دأب عليها مطلع كل شهر، لأن خاله تولى رعايته على افضل ما تكون الرعاية، بعد وفاة أبيه وهو في العاشرة من العمر، وظل الرجل وفيا، واشهد انه مع كل زيارة يأتي محملا بالهدايا الثمينة لافراد اسرتنا، حتى ان آخر (بدلة) ارتديتها واثارت غيرة زملائي في الجريدة، كانت واحدة من هداياه!!

    ابن عمتي، الرجل المتدين النزيه الذي لا يخشى في الحق لومة لائم، كان يحدثني في آخر زيارة، على انفراد، وقد علا الحزن صوته، انه يمر بأزمة نفسية حادة، فاغلب الذين يعملون معه أو المحيطين به، لا يحترمون القوانين ولا يضعون الله بين عيونهم ولا يقيمون وزنا لضمائرهم، وهو لا يدري كيف يتصرف وكيف يصحح الاعوجاج، وفي وجه من يقف والى أين يلجأ، حتى بات مكروها وعرضة للتآمر والتوريط، ومع ذلك كما حدثني فان هذه المحنة تهون كثيرا، أمام المحنة التي يتعرض لها من أفراد عشيرتنا، فهذا يريد التعيين، وهذا يريد القبول في الكلية الفلانية، وهذا يريد النقل الى دائرة أخرى وهذا يريد إيفادا او زمالة دراسية، وهذا يريد الحصول على قطعة ارض او شقة سكنية، وغير ذلك كثير، وجميع هذه (الطلبات) غير قانونية، ومخالفة للشروط والضوابط، ولهذا رفضت التدخل أو الاستجابة لها،، وهو الأمر الذي جعل العشيرة تقاطعني، بل ان بعضهم قال (الغريب أحسن من هذا القريب)، وبعضهم نعتني بنعوت مخجلة، وانا لا اود ان اقطع صلة الدم والرحم، لان هذا مخالف للدين والشريعة، ويتعارض مع مبادئي الاخلاقية، وحين انتهى من بث شكواه، قلت له مواسيا (يا حاج.. لقد انعم الله عليك بالشيء الكثير من الرزق الحلال، بيت فخم وقيصرية مؤجرة، ومزرعة كبيرة ورصيد مالي جيد، فلماذا لا تحيل نفسك على التقاعد، وتفتح اي مشروع خاص بك، وتريح نفسك من وجع الضمير ودوخة الرأس؟!)، تأملني طويلا وقد تلبسته الدهشة، ثم رد عليّ بصراحته المعهودة: انا أتقاضى راتبا قدره (7) ملايين، ونثريتي ومخصصاتي وايفاداتي تصل مع الراتب الى (15) مليون دينار، فهل أتخلى عنها لسواد عون العشيرة؟! ليذهبوا هم وصلة رحمهم ودمهم وقرابتهم إلى جهنم وبئس المصير!! 

  • أضعف الإيمان

      رسالة وصلتني بالبريد غفلا عن التوقيع؛ ولأهمية ما فيها أضعها كما هي أمام المسؤولين عن الثقافة العراقية؛ فعسى أن نحاول إيجاد ردّ مناسب.

    تقول الرسالة:

    «منذ ستينيات القرن الماضي أجبرنا بشكل أو بآخر على متابعة كل ما هو أمريكي من أفلام وأغان  وبرامج  عن طريق التلفزيون، فالمرء شاء أم أبى مجبر على متابعة  فلم سهرة (امريكي) ولاسيما أيام الجمع والعطل وبات البطل الأمريكي (المغوار) الذي لا منازع له, في النهاية الآمر الناهي وكل ما يقوله دستورا واجب التطبيق.. مثلما باتت اغلب المفردات التي ينطقها مفردات وتعابير مسلم بها، بل ومتداولة أيضا في الكثير من المواقف؛ بغض النظر عن كونها  غير مهذبة وليس من اللائق ترديدها في التلفزيون الوطني.

     فلطالما سمعنا مفردات كثيرة وجملا يندى لها الجبين في سياق سيناريو الفلم الأمريكي، لكن أن تصل الجرأة والاستهتار بالإعلام الأمريكي المتمثل بشركات الإنتاج  التلفزيوني  والسينمائي إلى أن تتعمد إدراج جملة بائسة تكررت كثيرا في الأفلام الأمريكية (ولاسيما تلك التي أنتجت خلال الأعوام التي تلت الاحتلال الأمريكي للعراق) فهذا أمر حري بنا نحن العراقيين أن نتوقف عنده، كأضعف الإيمان، ومن تلك الجمل التي تدمي القلب (يحدث ذلك في بغداد) أو اختصارا (أنها بغداد) وتطلق هذه العبارة على أي مكان تعمه الفوضى والفساد والخراب.. ويا للفجيعة؛ فبعد أن كانت بغداد المكان الأول الذي يؤمه العلماء والأدباء ومضرب الأمثال  ورمزا من رموز الإشعاع الفكري الإنساني؛ أصبحت على لسان الممثل الأمريكي رمزا للخراب؛ على الرغم من أن الاحتلال الأمريكي هو السبب في خرابها؛ بل ومسببه عن قصد مثلما كان السبب في كل ما أفشاه من فرقة واحتراب بين أبناء الوطن الواحد؛ فضلا عن مفاسد يندى له جبين الإنسانية. 

    وكل مانخشاه أن تتحول هذه الجملة إلى(مثل) يتناقله العرب او الاعاربة..أو ان يتسرب إلى ألسنة الاجيال القادمة بحيث يصبح حقيقة واقعة لا يمكن التصدي لها..هذا إذا ما اعتبرنا أن هذه الجملة فقط هي وحدها التي توصل إليها العقل الأمريكي (المبدع) أما الذي لا نعلمه ولم يصلنا بعد؛ فسيحتاج كل عراقي غيور إلى أن يستبدل دمه كلما سمع واحدة من تلك العبارات المثيرة للتقزز والغضب؛ ونخشى أن نغض الطرف عنها  مثلما فعلنا ازاء  تشبيههم العراقيين بـ(علي بابا) وهو ما أشاعوه في وسائل إعلامهم لمقاصد واضحة الإساءة، والاستمتاع بالإساءة مع سبق الإصرار والترصد، على الرغم من أن شخصية علي بابا العريقة تشبه إلى حد كبير شخصية (روبن هود) الانكليزية و(ارسين لوبين) الفرنسية.

    اقتراح بسيط جدا ولا يكلف الكثير أقدمه إلى من يهمه الأمر -إن وجد- وهو محاولة   فحص المنتج الإعلامي الذي يصلنا على الأقل؛ وتقديم اعتراض؛ أو المطالبة بتعويض مادي ومعنوي باعتبار أن الإساءة تشمل وطنا يمتد عمر حضارته إلى أكثر من سبعة آلاف سنة.

     وقد يجيب  احدهم  إن المنتج الأمريكي كبير وواسع ولا يمكن السيطرة عليه لكننا نكون قد طالبنا بحقنا المعنوي ورفعنا أصابعنا احتجاجا أمام العالم وأمام اجيالنا.. وهو اضعف الإيمان».

            لا ادري في أي ملعب نرمي الكرة الآن!!