تترشح يوما بعد يوم، رؤى وانطباعات تستند على استنتاجات لقراءات معمقة ودقيقة للأوضاع الذاتية والموضوعية المترتبة على تداعيات الملف النووي الإيراني، ومن بين هذه الرؤى والاستنتاجات، أن إيران تبدو متمسكة بالمضي في برنامجها النووي، دون مساومة على ما تعتبره حقا مشروعا لا يستثني استخراج وتخصيب اليورانيوم على أراضيها، الأمر الذي ترفضه واشنطن وعواصم أوربية، مما ينذر بمواجهة حتمية، لم يقلل اللقاء الذي حصل في تركيا الشهر الماضي من احتمالات حصوله، الأمر الذي صعد من أهمية الاجتماع المقبل لمجموعة “5+1” في بغداد نهاية الشهر الحالي، خصوصا إن إيران هي التي اقترحت المكان لأسباب غير معروفة، رغم ان التكهنات تشير إلى ما وراء الأكمة ما وراءها، حيث يتوقع البعض تولي العراق مهمة تقريب وجهات النظر والمواقف بين واشنطن وطهران، خصوصا وان واشنطن أبدت رغبتها في لقاء منفرد بينها وبين ايران، وهذا ما نوه به نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، الذي لم يستبعد حصول لقاء مباشر منفر بين الجانبين على هامش الاجتماع الذي سيعقد في بغداد الشهر الحالي.
ويزداد الاعتقاد بين الأوساط الاعلامية في الولايات المتحدة الاميركية، بان نقطة الافتراق لا تزال بعيدة نسبيا رغم أن عدة صفحات من المواجهة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية قد تم تضمينها عمليات هجومية مخابراتية والكترونية، وتكبدت إيران خسائر الحقت ببرنامجها أضرارا مادية وفنية كان من نتيجتها عرقلة التقدم باتجاه امتلاك القدرة على الاستخدام العسكري للتقنيات الذرية.
وترى إسرائيل وهي الدولة الأكثر اهتماما بالبرنامج النووي الإيراني والأكثر حماسا في تبني الخيار العسكري كحل، أن إيران راوغت وتراوغ بنجاح، بفضل عدم الاهتمام الأميركي الجاد بوضع حد لتقدم إيران في برنامجها النووي وهنا لا تخفي الواشنطن بوست استغرابها من الخطاب الإسرائيلي المنطوي على اتهام أميركا بالتساهل وعدم الاهتمام، مشيرة الى ان اميركا لم تمنع اسرائيل بالقيام بعملية ضرب المفاعل العراقي ولا المفاعل السوري في دير الزور لاقتناعها بإمكانية قيام إسرائيل بعمل من هذا القبيل دون التعرض لاحتمالات الفشل، أما بالنسبة لايران فان الولايات المتحدة الاميركية لم تتردد في اسعاف اسرائيل بكل الدعم اللوجستي الممكن، بيد ان الحالة في ايران مختلفة تماما وقد جربت اسرائيل عدة محاولات بيد أنها باءت بالفشل لذلك فان الحل الموجود والمتوفر هو حل غير ممكن في ظل الظروف الحالية، انه يحتاج الى استعداد وتهيؤ وقدرات معطلة ومبعثرة للجهد الإيراني المقابل ولا سيما وان ايران تتبنى ستراتيجية مرنة ومتوازنة، وما زالت تبرهن على فاعليتها وقدرتها على المطاولة والتصدي لعمليات الاحتواء او عمليات الاختراق السياسي او الفني.
وتنهض الستراتيجية الايرانية على الاستعداد الدائم والمتصاعد لأي مواجهة محتملة، حيث تعمل طهران ليل نهار على حشد الدعم الشعبي الايراني الاسلامي عبر الخطابات الوطنية والدينية، وتعزيز الروابط والتحالفات مع التيارات الاسلامية المختلفة في دول المنطقة مثل لبنان والعراق وأفغانستان وفلسطين ودول الخليج العربي ودول الربيع العربي وسوريا، وعلى ذات المستوى وبنفس الزخم تواصل إيران استغلال الإعلام العربي لتعزيز الدعم الشعبي إقليميا عبر اثارة موضوعات حساسة كالقضية الفلسطينية ومحرقة اليهود ومساوئ السياسة الاميركية في المنطقة وهو يؤدي في الوقت ذاته إلى احراج الانظمة العربية عبر إظهار عجزها عن مواجهة إسرائيل واسترداد حقوق الشعب الفلسطيني وحل الأزمات الأخرى في المنطقة، وهذا بدوره يضع إسرائيل التي تقف في رأس الرمح الذي يتصدى لبرنامجها النووي، أمام احتباس غبن متراكم لدى العرب الذين ينتظرون فرصة الانقضاض عليها او على الأقل الاستمرار في ترصين واقع الرفض لها.
وفي مثل هذه الأجواء التي تراها طهران بأنها مواتية تماما، تقوم ايران بتسريع برنامجها للتسلح من اجل جاهزيتها لخوض حرب استنزاف غير تقليدية طويلة المدى ضد كل اولئك الذين يشاركون بأي عملية هجومية مباشرة او غير مباشرة.
ولكن ماذا تريد إيران بشكل واضح ومحدد..؟ هل هي فعلا تسعى إلى امتلاك السلاح الذري؟
وبماذا ينفعها هذا السلاح لو امتلكته..؟
إيران تطمح وتعمل على تحقيق ما تطمح إليه بجد ودأب وحرص وباستخدام كل ما متوفر لديها من عناصر القوة المباشرة وغير المباشرة فهي تسعى الى الحصول على اعتراف اميركي واضح ومحدد بالجمهورية الإسلامية الإيرانية ثم الحصول على دور أساسي كقوة اقليمية كبيرة ومهيمنة في المنطقة بشكل عام ومنطقة الخليج بشكل خاص ضمن إطار نظام امن إقليمي جديد، والسعي للحصول على ضمانات دولية أمنية في الحاضر والمستقبل وبعد ذلك كله، يمكن لإيران أن تتوقف عند امتلاك القدرات النووية دون تصنيع القنبلة النووية.
ما يجري الآن تحت طاولات الحوار بين مجموعة “5 +1” وايران وبوساطة عراقية يفصح عن رغبة عامة ومن كل اطراف الموضوع، بتفادي الوقوع في مطب سوء التقدير للطرف الآخر أو الخطأ في قراءة ما تنطوي عليه المواقف وتحميلها أكثر مما تتحمل.. خصوصا وان اثنين من الخمسة، وهما فرنسا والولايات المتحدة الأميركية لهما ظرف انتخابي قد يعرقل الوصول إلى القرار المنسجم مع ما تتطلبه الأوضاع العامة والخاصة لهذه القضية التي فيها من التعقيد والتهديد ما يجعل العمل من اجل تبني الحل الصحيح يرقى إلى مصاف الأعمال العظيمة.
إن الولايات المتحدة الأميركية لا ولن تقف مكتوفة الأيدي أمام حركة التحالف الإقليمي الشرق أوسطي والذي ينتظر بفارغ الصبر انفجار الموقف بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، وهو في كينونته وسيرورته يعاكس في حركته اتجاه حركة الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة ويحاول أن يناور داخل مساحة هامش تباين الاتجاه الأوربي عن الاتجاه الأميركي، وفي مثل هكذا وضع فان مناورة الضغط الأميركي ستوجه ضد حركة إسرائيل مايسترو التنسيق بين الأطراف الإقليمية ويدل تغيير الولايات المتحدة الأميركية لتكنيكات تعامل أميركا مع إيران وبرنامجها النووي على رغبة حقيقية في إضافة عنصر ضغط إقليمي يتكون من “إيران+العراق+سوريا+لبنان” لشل حركة التكتل الآخر المضاد بقيادة إسرائيل الرافضة للضغوط الأميركية من اجل تنفيذ مشروع قيام الدولتين.
إن الأطراف الإقليمية “عدا إسرائيل” تريد إعادة الوضع القائم الآن إلى ما كان عليه بالضبط بعد الحرب العالمية الثانية، أما إسرائيل، فهي تريد “تعويضات” خدمة المعسكر الغربي خلال الحرب الباردة.. تماما كما حصلت على “تعويضات” ما قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية، ولكن هذه المرة ليست أموالا بل شيء آخر مختلف تماما. القوى العالمية لا تمانع من حيث المبدأ حصول إسرائيل على تعويضات مادية غير أنها تعارض بشدة ما تطالب به إسرائيل وتسعى إليه.. وهنا يبرز الخلاف الشديد بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية ومتوسط الشدة بينها وبين بعض دول أوربا وعادي بينها وبين دول أوربية أخرى ترى أن إسرائيل على حق ولكن ليس على النحو الذي تريد الوصول إليه.
وهكذا يتمحور الخلاف إجمالا في النقاط التالية:
أولا: إسرائيل تصر على التوسع الجغرافي الذي يخدم برنامجها الاستراتيجي: “إسرائيل الكبرى” حيث التوسع الجغرافي وحده لا يستطيع معه استقدام المزيد من المهاجرين وهي لذلك تناور من اجل التخلص من “المأزق” الذي ترى انها وضعت فيه بالضغط الأميركي.
والتخطيط الإسرائيلي لتحقيق هدف التوسع لا يتوقف عند نقطة معينة في الشرق، رغم انه يضع الفرات حلما ليصل إليه في قيام مملكة داود، بيد انه يضع إيران الهدف الأكثر أهمية في حماية المملكة المفترضة وكذلك التوسع باتجاه الشمال يماهي في صيرورته التوسع باتجاه الشرق بحيث تصبح تركيا الجزء المهم في تحقيق التواصل والاتصال بأوربا.
ثانيا: ان القوى العالمية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية تعمل من اجل قيام دولة فلسطين المستقلة، وهو شرط أساس لمنع إسرائيل من التوسع باتجاه الشرق يتماهى معه وجود حزب الله في الشمال.. وظهور تيار شرق أوسطي جديد ترعاه الولايات المتحدة الاميركية حالة معززة ومقوية لشرط إيقاف التوسع الاسرائيلي المثير للمخاوف الأميركية الحقيقية.
ان ما تعرضه القوى العالمية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية لإسرائيل كتعويض عن خدماتها هو “البقاء والقبول” في المنطقة وليس التمدد والتوسع على حساب الآخرين ومصالح القوى العالمية فيها.
من هنا يجد البعض ان المحاولات الأميركية في التقرب من إيران ورسائل إثبات حسن النية تجاوزت حدود المناورات الشكلية او مناورات الاحتواء والهيمنة أو القيام بواجب النصح والإرشاد والتحذير والتبصير، إلى إعطاء تأكيدات وضمانات تتراوح ما بين الطمأنة والانفتاح على الآخر والتأكيد على نفي العداء المسبق او الرفض الجاهز لكل ما تريد ايران قوله وكل ما تسعى اليه وخصوصا في مجال امتلاك التقنية النووية بشكل كامل واستعداد الولايات المتحدة الاميركية لقبول ايران كشريك في ما تجريه من أبحاث ودراسات في المجالات العلمية والبحثية بشكل عام والمجالات النووية بشكل خاص، مع ترحيب بإيران في مساعيها الرامية إلى استخدام الذرة للأغراض السلمية والابتعاد عن تهديد المنطقة بأسلحة الدمار الشامل مع استعداد أميركي كامل للبحث مع إيران في كيفية جعل منطقة الشرق الأوسط نظيفة من أسلحة الدمار الشامل والحفاظ على البيئة من التلوث النووي والكيمائي وغيره.
الإيرانيون من جانبهم لا يقللون من أهمية هذه التطورات رغم إنهم يدركون ان لكل عمل رد فعل مساويا له بالقوة ومعاكس في الاتجاه، وهذا هو الذي يحصل الآن، فإيران المستعدة لأسوأ الاحتمالات، لا يخيفها توسع إسرائيلي ولن يثني إصرارها على مواصلة ما قطعت فيه أشواطا بعيدة جعلتها تقترب من أهدافها المعلنة وغير المعلنة، أي تهديد من أي جهة كانت بما في ذلك استقدام الولايات المتحدة الاميركية لعدد من طائرات الفانتوم 22 الستراتيجية لتربض على الأرض الإماراتية تحت ستار الدفاع عن مضيق هرمز.
الولايات المتحدة الاميركية من جانبها عدت التصريحات الإيرانية الغاضبة على الامارات لاستضافتها الطائرات الأميركية، بأنها جزء من عمليات التصعيد الشعبي لتدعيم الجبهة الداخلية في ايران، مؤكدة ان هذه الطائرات لا تغير من طبيعة وحجم التواجد الأميركي في الخليج المتخم بالقواعد الاميركية المنتشرة في عمان وقطر والامارات والكويت والبحرين والسعودية فضلا عن وجود أسطول أميركي متكامل يبحر عباب بحر عمان والخليج العربي.
والسؤال العالق.. ترى هل تستطيع إسرائيل القيام بعملية توسع كبرى كهذه التي تتحدث عنها سرا وتفصح عنها الولايات المتحدة الأميركية علنا..؟ وهل تستطيع إيران امتلاك السلاح النووي ؟ الستراتيجيون الاسرائيليون يتحدثون بصراحة وبوضوح، حول ما يسمونه بـ”التهديد الإيراني” المباشر للامن القومي الاسرائيلي وهم يقولون، ان وجود اسرائيل يتوقف على تدمير قدرات ايران النووية، مؤكدين ان ايران الدولة الوحيدة في العالم، التي تتبنى سياسة “الابادة” و “الدمار” لاسرائيل، ولذلك فان الستراتيجية الاسرائيلية، ينبغي ان تنهض على تدمير إمكانياتها وقدراتها النووية والعسكرية وخصم حلقات التطور العلمي والتقني وإنهاء وجود البنى التحتية للعملية العلمية والتكنولوجية الإيرانية.. وان ذلك لن يتحقق بالوسائل التقليدية، بل لا بد من إتباع وسائل اكثر قدرة على التأثير المباشر وغير المباشر على العمود الفقري الإيراني، وهذا الأمر تطلب من اسرائيل العمل على التقرب الجغرافي من الأهداف المنتقاة في إيران.
وبالطبع فان القادة الإسرائيليين والعقيدة العسكرية الاسرائيلية لا تتبنى أسلوب “احادية” التوجه فالتوسع الجغرافي الذي تعمل على تحقيقه اسرائيل بات الآن حقيقة واقعة وواضحة.. فاسرائيل موجودة وبقوة كاملة في أذربيجان وفي بحر قزوين وفي تركيا وفي مناطق أخرى في الغرب والجنوب والشرق وبذلك فان الواقع الموجود على الأرض يشير وبوضوح الى تلك الحقيقة، غير أن ثمة شيئا جوهريا يعوز اسرائيل ويشكل نقصا جوهريا لا يمكن تعويضه باي بديل آخر، ذلك هو انعدام الوجود البشري القادر على مسك الارض والاستيلاء على عقد الاماكن الستراتيجية والضغط على القوات الايرانية لاعلان استسلامها او قبولها بوقف الحرب، وما دام الأمر يظل فقط معتمدا على الوسائل الجوية في الوصول الى الاهداف سواء عبر “الكوماندوز” او الصواريخ او الطائرات، فان احتمال إلحاق الأضرار المدمرة بالمجهود النووي الإيراني يظل موضع شك، وذلك بسبب جغرافية إيران الشاسعة، وانتشار حلقات البحث والتصنيع والتخصيب النووي وسرية الكثير منها وصعوبة الوصول لبعضها.
إن مؤشرات القدرة التنظيمية الفائقة، المتوفرة لدى إيران، إلى جانب ديكتاتوريتها الداخلية، وتعصبها الفكري وربما الأهم من ذلك استعدادها لتبني سياسة التدرج في تطبيق سياستها حينما تخضع لضغوط خارجية وتأمين علاقات طبيعية مع جيرانها جعلت وتجعل المحاولات الإسرائيلية في ضرب إيران محاولات عقيمة تماما وهذا الذي اقنع أميركا لتبديل سياستها تجاهها.