ح3
انتهينا في الحلقة الثانية من هذه الدراسة الى ذكر عدد الارواح عند كل من:-
1- الأنبياء والرسل والأوصياء: وهي خمس أرواح: روح البدن, وروح القدس, وروح القوة, وروح الشهوة, وروح الإيمان, وروح القدس من سكن فيه لا يفارقه أبداً.
2- المؤمنون: وعندهم أربع أرواح هي: روح البدن , وروح القوة , وروح الشهوة , وروح الإيمان, ولا توجد عندهم روح القدس , وروح الإيمان يلازم الجسد ما لم يعمل بكبيرة , فإذا عمل كبيرة فارقته.
3- الكفار: وعندهم ثلاث أرواح هي: روح البدن , وروح القوة , وروح الشهوة.
وهذه القوى ليست موجودات مستقلة في الإنسان, بل هي قوى يملكها كل فرد منا, وهناك ميزات للنخبة من الخلق مستفادة مما أوتوه من علم ومعرفة ويقين,
قال تعالى “وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا”، الشورى – 52، ومنذ أن انزل ذلك الروح على خاتم الأنبياء والمرسلين لم يرتفع وبقي في من يمثل النبوة وهي الإمامة وتأويل نصوصها موجودة في القرآن الكريم “لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم”.
علم الأخلاق والعرفان
لعلم الأخلاق علاقة بالعرفان العملي, ولان مهمة علم الأخلاق العملية هو أن لا يجعل الإنسان يقع في الإفراط والتفريط, وان يضعه على الصراط المستقيم, والمشي على الصراط المستقيم لا يختص بالآخرة كما قد يتصور الناس وإنما هو في الحياة الدنيا, فمثلا لا يعلم الناس ان الصمت جيد وحسن أم الكلام, فلكل مقام ومناسبة , وبعض الناس لا يعرف متى يعتزل الناس ومتى يخالطهم , ولذلك ورد في الروايات ان الصراط يعم الحياتين الدنيا والآخرة.
ومهمة علم الأخلاق مهمة شاقة وحساسة, قال رسول الله “ص”: إن استطعت ألاّ تأكل او لا تشرب إلا في سبيل الله فافعل “وهذه فرصة متاحة أمام الجميع للوصول إلى الحق وهو الله تعالى, فعلم الأخلاق ليس هو علم اصطلاحات فقط فالشيطان أكثر علما بالاصطلاحات لكثرة ما يجلبه من الوهم والتخيل غير الواقعي “فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد” ق- 22، وأحيانا يكون العلم هو نفسه حجابا لصاحبه, ولذلك قال بعضهم: إن العلم هو حجاب الله الأكبر” وذلك عندما يحجب صاحبه عن العمل: مثل الذين فسروا قوله تعالى ” واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ” فقالوا اذا حصل اليقين عند الإنسان ارتفع العمل بالصلاة والصوم والحج مثلا.
وعندما يصل الإنسان إلى الصراط المستقيم, يأتي دور علم السلوك “العرفان العملي” الذي يختص ببيان درجات السائرين إلى الله سبحانه وتعالى, وقد سموها:
1- المقامات
2- الحالات
3- الدرجات
فمهمة علم الأخلاق: أن يتعرف الإنسان على الصراط المستقيم.
وقد ذكروا للعرفان عشرة أقسام لمنازل السائرين وهي منتزعة من الآيات القرآنية ومن أحاديث رسول الله “ص” ووصايا أهل بيت النبوة الطاهرة, ولكل قسم عشرة أبواب, ولكل باب مقامات ومنازل , ومن تلك الأقسام:
1- البدايات
2- الأبواب
3- المعاملات
4- الأخلاق
5- الأصول
6- الأودية
7- الأحوال
8- الولايات
9- الحقائق
10- النهايات
وللقسم الأول “البدايات” عشرة أبواب هي:
1- اليقظة
2- التوبة
3- المحاسبة
4- الإنابة
5- التفكر
6- التذكر
7- الاعتصام
8- الفرار
9- الرياضة
10- السماع
وعن اليقظة يقدمون القول: “الناس نيام إذا ما ماتوا انتبهوا” فالموت الاختياري هو الأفضل على طريقة: ” موتوا قبل موتكم” وهي ذات معان ودلالات عرفانية قال تعالى ” حتى اذا جاء احدهم الموت قال أرجعوني, لعلي اعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون” المؤمنون – 99-100.
أما أبواب النهايات فهي:
1- المعرفة والفناء.
2- التحقيق والتلبيس.
3- الوجود والتجريد.
4- التفريد والجمع.
5- التوحيد وهو آخر ما يصل إليه العارف.
فالهدف العملي للسالك هو التوحيد, ومعنى وصول الإنسان العارف إلى التوحيد هو قول الإمام علي بن ابي طالب: ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله ومعه وبعده” – التربية الروحية – ص263 , وكما قال “ع”: أول الدين معرفته “والمعرفة هنا هي المعرفة العلمية, والتوحيد الذي يصل إليه العارف هو التوحيد العملي, وهو التحقق ثم هو: اليقين وحق اليقين, وهذه الحالة لا تتحقق إلا إذا اقترن العلم بالعمل قال تعالى “إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه” – فاطر – 10- فالإنسان في أي مكان يكون وفي أي عمل يباشر يمكنه أن يحول العمل إلى عمل صالح, والعمل الصالح يرفع إلى السماء, فالمعلم والفلاح والجندي والضابط بإمكانه أن يجعل من عمله عملا صالحا إذا اخلص النية لله, وشارك الآخرين بهمومهم قال رسول الله “ص” من أصبح وأمسى لا يهتم بأمور المسلمين فليس منهم “وهذا المفهوم يمكن تعميمه لكل الناس “حب لأخيك ما تحب لنفسك”.
أما الكلمة الطبية فهي مشروع التواصل الإنساني قال تعالى “فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك”.
إصلاح الأخلاق
قد عرفنا قدرة الإنسان على اختيار الأخلاق الحسنة من خلال السلوك العملي المقرون بالعلم الذي يدعوه إلى تجنب الرذيلة وأخلاق السوء.
ومن اجل ذلك قال الله تعالى لنبيه الكريم “وانك لعلى خلق عظيم” وقال تعالى عن مريم عليها السلام “فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله أن الله يرزق من يشاء بغير حساب” – آل عمران – 37- وقال الرسول “ص” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.
وهناك علاقة بين العلم والعمل قال تعالى “قل كل يعمل على شاكلته” – الإسراء – 84- فالعمل بالنسبة للجسم كالروح بالنسبة للأعضاء حيث تمثل الروح الهيئة المعنوية فيه.
وقد أثبتت التجارب, وكذلك البحث العلمي انه لا يتساوى عمل الجندي والضابط الشجاع مع الجبان في الموقف نفسه, كذلك لا يتساوى عمل الكريم مع عمل البخيل في موارد الأنفاق – الميزان ج13 ص 189.
وعلى أساس هذه الحقيقة قال تعالى “والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون” الأعراف – 58.
ومن هذه القاعدة نعرف أن الله لا يصدر منه الظلم, لا لعدم قدرته, بل لعدم مناسبة الظلم لأفعاله عز وجل, وهكذا لا تصدر عن المعصوم معصية, لا لأنه غير قادر عليها, بل لعدم انسجامها مع ذاته المطهرة, التي لا يصدر عنها إلا العمل الصالح , ولذلك ورد في الحديث: قليل يدوم خير من عمل كثير منقطع” عيون الحكم والمواعظ – دار الحديث ص 370|6244.
فلو تكلم الإنسان عن الشجاعة ولم يمارسها لا يكون شجاعا قال تعالى “مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين” الجمعة – 5.
ولإصلاح الأخلاق هناك ثلاثة مسالك هي:
1- إصلاح الأخلاق من خلال المطالب الدنيوية مثل: الجاه والمال, والثناء والذكر الحسن, ولا يشذ عن ذلك إلا الصفوة الذين قال عنهم تعالى “إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا” الدهر – 9.
2- إصلاح الأخلاق من خلال الأهداف الأخروية: وفي هذه الحالة يطلب الإنسان الأخلاق الحميدة لأجل الجزاء الأخروي على أن اغلب الناس تطمع بالجزاء الدنيوي المعجل, قال تعالى “بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة” – القيامة – 20-21- والجزاء الأخروي أن يصلح ظاهر العمل وباطنه” أو لم يكف بربك انه على كل شيء شهيد” – فصلت – 53- ثم ان الجزاء الأخروي هو دائم وباق بإرادة الله قال تعالى “ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بان لهم الجنة” – التوبة -111 – وقال تعالى “إنما يوفى الصابون أجرهم بغير حساب” الزمر – 10-
3- إصلاح الاخلاق: بالحب الإلهي: وهذا المسلك خاص بالقرآن الكريم من بين الكتب السماوية, حيث تزال الرذائل بالرفع لا بالدفع” – الميزان ج1 ص358
وهناك مسألة كلامية فلسفية تختصر “وجود المانع ورفع المقتضي” ويضربون مثالا لذلك بالورقة المبتلة بالماء عند تعرضها للنار, فاقتضاء الأحراق موجود بوجود النار, والمانع موجود وهو البلل بالماء, قال تعالى “وما عندكم ينفد وما عند الله باق” – النحل – 96- ولهذه الطريقة من الإصلاح ما يلي:
ا- المعرفة والعلم حيث توصله إلى التوحيد الخالص على قاعدة “أول الدين معرفته” وورد عن الأئمة عن رسول الله “ص” من خاف الله أخاف الله منه كل شيء, ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء” – الوسائل – ج15 ص219 وفي هذا الركن تكون: “ان العزة لله جميعا” – يونس – 65- و” إن القوة لله جميعا” – البقرة – 165- وان الملك لله جميعا.
ب- ركن العمل: وطريق تحقق التوحيد العملي لا يكون الا بالحب الحقيقي قال تعالى “أرأيت من اتخذ إلهه هواه” – الفرقان – 43- وقال تعالى “لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون” – آل عمران – 92- وقال تعالى “والذين امنوا اشد حبا لله” – البقرة -165- وقال تعالى ” قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله” – آل عمران – 31.
المران على هذه الطرق في إصلاح الأخلاق هو الكفيل بنقش آثار التجربة على جوارح الإنسان وفهمه للأمور, بحيث يصبح الدنيوي عنده وسيلة لا غاية, يقول الإمام علي عليه السلام “الدنيا أمنا وليس عيبا على المرء إن يحب أمه”.
ويقول الإمام الصادق عليه السلام “لولا الخبز لما صمنا ولا صلينا ولا أدينا الواجبات”.
والترويض هنا هو مشروع مفتوح لكل الناس, يقول الإمام علي عليه السلام: “في التجارب علم مستأنف” والتجربة هنا هي الخبرة المستفادة وهي مرتبة من مراتب تميز العقل عن الجهل وهي من مصادر المعرفة البشرية وليست هي كل المعرفة البشرية كما ذهب إلى ذلك أصحاب المذهب التجريبي في تفسيرهم للمعرفة البشرية او كما ذهب المنطق الأرسطي الصوري إلى تفسير المعرفة البشرية بنظرية التوالد الموضوعي معتمدين على اعتبار المعارف العقلية الأولية أو القبلية من ضمن مبدأ عدم التناقض, والذي يعتبره المذهب الذاتي بأنه معرفة استقرائية وليست معارف قبلية.
فالتجربة والمران قادران على صقل السلوك التوحيدي حتى يتحول إلى منهج عملي لا يفارق الدعاء والصلاة والذكر لا بشكل ظاهري وإنما بشكل باطني يغلب على جوارح الإنسان فينور قلبه بالإيمان على طريقة “قليل يدوم خير من كثير منقطع” وعلى طريقة المثل الشعبي: “ساقية جارية ولا نهر مقطوع”، فأي الوسائل الثلاث يحظى بها الإنسان في إصلاح الأخلاق من الخصائص الشائعة دنيويا إلى المطالب الأخروية إلى حب الذات الإلهية, فإنها كلها خير ونفع وان تفاوتت في درجاتها, فالله تعالى قد فضل الرسل والأنبياء بعضهم على بعض ومدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا وحوزاتنا الدينية مدعوة إلى الأخذ بهذا السلم التدرجي وإشاعة معارفه وعلومه بين الناس, وكذلك إعلامنا ومؤسساتنا الثقافية هي الأخرى مدعوة لذلك, وبناء على ذلك تفتح أمامنا آفاق بناء الفرد والأسرة والمجتمع على أسس نفسية سليمة لا تعرف الكآبة ولا القلق ولا الوسواس حيث ترتفع وتيرة الإنتاج ويتحسن العمل و تكثر جودته, ولذلك قال الشاعر:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فان هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.
انتهى الجزء الثالث ويليه الجزء الرابع إن شاء الله
• رئيس مركز الدراسات والأبحاث الوطنية