Blog

  • الثأر.. والثأر الآخر

      لا أحد يشتري بضاعة اللسان غير الأذن،، رغم انها (أي الأذن) تعشق قبل العين أحيانا،، كما يرى ويقول شاعرنا الأعمي-العبقري(بشار بن برد)،،وتزيد الحكمة المألوفة والمعروفة والمتداولة جدا (لسانك…حصانك) من أمر واجبات اللسان في الحفاظ على كرامة الانسان،، فيما ينبري من يقول من العقلاء: (اللسان البذيء،،يعظ نفسه) أو ثمة من ينادي: (اتركوا الشر يقضي على نفسه)،، هنا،، مربط فرس الحكمة في نبذ الشر وترك الثأر والتشفي بالانحياز الى عمق الحوار ولغة التفاهم التي غابت -للأسف- وربما،، تلاشت أو نشفت من معمار بناء تجربتنا الديمقراطية،، حتى بعد زوال واضمحلال شبح الديكتاتورية منذ عشرة أعوام تقريبا،، قدمنا فيها قرابة مليون ونصف المليون مواطن عراقي ضمن احصائيات ضحايا تبادل كل أنواع العنف وتصاعد سلوكيات (الثأر) وردود أفعال تشفي (الثأر الآخر)،، بدلا من ترسيخ وتعميق لغة (الرأي) و(الرأي الآخر) كونها أقصر طرق الوصول والوضوح الى جوهر وروح الديمقراطية،، وليس (الدم – قراطية) التي سادت وتسرطنت في خلايا وجسد الوطن الواحد الذي كان يمكن أن يكون أنموذجا،، لو كنا قد ركنا للعقل وسلامة المنطق والعدل واتبعنا -حقا- مسارات الشفافية وحسن التعامل من خلالها،، قبل ان تتصفد وتتثخن وتتصلد جدران عمليتنا السياسية للحد الذي تكاد ان تنعدم فيها رؤية الواحد للآخر من شركاء -عفوا- فرقاء تلك العملية التي ولدت من رحم الحروب والحصارات والشعارات ومجمل الخسارات و ثقل الانتظارات ومنافذ كذب ونفاق ومنافع مديح قصائد الشعراء والأغاني التي كانت تتوالد أسرع من الأرانب،، وغيرها الكثير من دواعي التذكير بمراحل ما قبل التغيير وما يحصل الآن وما قد حصل منذ عقد من الزمان،، تملك فيه الثأر و(دوالغ) التسقيط وتصفية الحسابات أكثر مما تملك وتمكن الرأي الحكيم والرشيد القادر على رسم مياسم ما كنا نتوق ونحيا من أجل حياة تتناغم فيها الأصوات وتتناسق فيها درجات الألوان حد الانسجام،، بعد أن مللنا الصوت الواحد واللون الواحد و(الأمل الواعد) والأب القائد،، والقائد الحامل للواء كل القاب النصر السلام وما بينهما،، وعلى مدار شهور السنة وساعات كل الأيام،، رغم أنف كل وسائل الصحافة والاعلام.

    نعم لا نريد لتلك الأيام ان تتكرر،، ولا بد أن نذكر ونعيد فكرة أوصلها الينا(المهاتما غاندي) تفيد: بأن (النصر الناتج عن العنف،، هو مساو للهزيمة،، لانه سريع الزوال) وفي أخرى يقول: (إذا قابلنا الأساءة،،بالأساءة .. فمتى ستنتهي الاساءة ؟!)  حتما سوف لن ولم تنته،، مادامت النفوس غير صافية وغير متصالحة حتى من نفسها،، فكيف من الآخر,,!! ولنا ما يعزز من قيم وثراء ما تحمله تلك الحكم في تناسل الإساءة من رحم الأخرى بما تقابل الثأر في فحوى قصة ذالك الرجل البدوي الذي أخذ بثأر أخيه المقتول بعد أربعين عاما- نعم أربعين عاما- وهو لم ينقطع عن القول والتصريح والاعلان بأعلى صوته: (لقد استعجلت بأخذ ثأري من أعدائي) للتدليل عن بشاعة ما يسكن روحه من ثأر وتشفٍّ … يا جماعة الخير.!                             

  • المالكي وبارزاني من يستفز من دستوريا ؟

    أثار انعقاد جلسة مجلس الوزراء العراقي الاتحادي في كركوك موجة من التجاذبات ساعد عليها وجود منخفض ثقافي سياسي لدى احزاب السلطة , مع وجود جفاف مزاجي عام خلقته وساعدت عليه ارباكات العملية السياسية وفشل القائمين عليها من تحقيق تضامن ولو بالحد الأدنى وهو حق للوطن ” العراق ” وحق للمواطن ” العراقي ” .

    ومن تلك التجاذبات التي لا تعبر عن نضج سياسي ولا فقه معرفي بالدستور العراقي على ثغراته التي كتبنا عنها اكثر من مرة هو ما اثير من جانب السيد مسعود البرزاني ومعه مجموعة من الأخوة الكرد سواء من هم في البرلمان الاتحادي العراقي أم من هم في برلمان اقليم كردستان العراق ام من بعض المحازبين , ومن الغريب ان تلك الإثارة اتخذت طابع الهجوم الذي لم نكن نحبه ولا نرجحه لأخوة النضال الوطني المشترك , ومع اننا في مناخ ديمقراطي حر وتعددي فدرالي الذي نأمل من خلاله ان تنسقل تجربة كل الاخوة العاملين في الحقل السياسي ومن أي فريق , إلا اننا وفي كل مرة نكتشف ان فريق العمل السياسي في العراق لا يزال بعيدا عن روح المشترك الوطني .

    فاعتبار السيد مسعود البرزاني اجتماع مجلس الوزراء العراقي الاتحادي في كركوك استفزازا له وللكرد هو امر لا تقره الأعراف الفدرالية مثلما لا يقره الدستور العراقي , ولا يستسيغه الفهم السياسي ابدا .

    ثم تصريحات السيد مسعود البرزاني التي شملت التنديد بوجود قوات فدرالية في كركوك او استقدام قوات عراقية اضافية في كركوك وهو امر تتطلبه ضرورات عسكرية بحتة بعيدا عن نوايا الشك والريبة التي تعبر عن هاجس عدم الثقة التي اعلن عنها السيد مسعود البرزاني وبعض الأخوة الاكراد وهي عقد نفسية لها  وبروح اخوية منفتحة على المحبة والسلام والرهان على الوطن الواحد لصالح كل العراقيين مع الغاء مفهوم الاقلية لأنه يتعارض مع كرامة الوجود الإنساني الذي كرمه خالق الكون وفالق الحب والنوى الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى .

    اننا بحاجة الى الغاء مفهوم العنصرية طبقا للغة , فاللغة منحة ربانية وهي مقدسة , فاللغة الكردية مقدسة واللغة التركمانية مقدسة وكذلك السريانية الاشورية وكل لغات البشر هي مقدسة لأنها نعمة ربانية ” واختلاف السنتكم ” فاللسان والصوت والكلام هو صناعة ربانية فلماذا الاختلاف على اشياء لا نمتلك مفاتيحها ولا نمتلك القدرة على إلغائها او تحويرها , ثم لماذا نختلف على الجغرافية وهي الأخرى صناعة ربانية , وهل لنا ان نختلف على الشمس والقمر. 

    اننا رغم ملاحظاتنا الكثيرة على الحكومة وعلى السيد نوري المالكي رئيس الحكومة الفدرالية الاتحادية , الا اننا ومن موقع التحليل المعرفي والفهم السياسي لا نرى في زيارة السيد المالكي لكركوك المدينة العراقية ولا في انعقاد مجلس الوزراء في كركوك خطوة استفزازية لأي احد من العراقيين , بل أننا ومن موقع الفهم السياسي والفقه الدستوري نرى ان موقف السيد مسعود البرزاني وبكل موضوعية هو الموقف الاستفزازي بكل معنى الكلمة، أولا لأنه لم يحترم السيد رئيس الحكومة الفدرالية دستوريا وهو من يطالب بتطبيق الدستور وثانيا لم يحترم اعضاء مجلس الوزراء ولم يحترم الشعب العراقي عندما اعتبر وجود القوات الفدرالية في كركوك وجودا استفزازيا , ثم الإيعاز إلى الأخوة الوزراء الكرد بعدم الاجتماع مع مجلس الوزراء هو الخطوة الاكثر استفزازا ليس للسيد المالكي وانما للشعب العراقي وللرأي العام في المنطقة والعالم , ثم ان السيد مسعود البرزاني لا ينسى بأنه هو من مارس المواقف الاستفزازية عبر استضافة الأكراد السوريين في مؤتمر اربيل وهو الذي مارس الاستفزاز باستقباله سمير جعجع اللبناني الملتبس وضعه لبنانيا وكذلك استقباله برهان غليون عن مجلس اسطنبول المدان من قبل أغلبية الشعب السوري وهو الذي صنع اكبر حالات الاستفزاز لشركائه في الوطن في يوم نوروز عندما اعلن الدعوة للاستفتاء على الانفصال وقال بالحرف الواحد ” نقدم الدم للانفصال لا للفدرالية ” ثم استقباله لطارق الهاشمي المدان قضائيا او سمه متهما قضائيا ثم رفضه تسليمه ثم القيام بزيارته في تركيا هو الاستفزاز الحقيقي للحكومة بشخص السيد المالكي وكذلك استفزازا للشعب العراقي , ثم لقائه مع اوردغان المتهجم والمتدخل بالشأن الداخلي العراقي والقاتل لأكراد تركيا هو استفزاز للسيد المالكي  ثم زيارته الخليجية هي الأخرى تأتي استفزازا للشعب العراقي وللسيد المالكي لاسيما بعد تصريحا حكام قطر والسعودية ضد الحكومة العراقية والشعب العراقي وقيامهم بالتحريض على الفتنة الداخلية , ثم التحريض العلني ضد تسليح الجيش العراقي هو استفزاز متعمد ضد الشعب العراقي وضد السيد المالكي رئيس الحكومة , إذا جمعنا كل هذه المواقف بموضوعية , نعرف من هو الذي مارس الاستفزاز, والسيد مسعود البرزاني لا يمكن له التخلص او التملص والافلات من المواقف الاستفزازية التي اصبحت تطوق موقفه السياسي كما تطوق القلادة جيد الفتاة .

    ومع كل ذلك نأمل من الإخوة جميعا ان يعملوا للعراق الواحد الموحد وهذا ما فيه الخير كل الخير للعرب والكرد والتركمان وكل الوجودات العراقية الوطنية .

    رئيس مركز الدراسات والأبحاث الوطنية

    ALITAMIMI5@yahoo.com

  • ثقافة القيم لرجال الداخلية ضباطا ومراتب

    هذه أفكار تأسيسية لثقافة القيم التي يحتاجها رجال الداخلية وهم يواجهون بقايا الإرهاب المهزوم والمأزوم نفسيا وعقائديا, سياسيا واجتماعيا, مثلما قد يواجهون موجات الارتداد السلوكي التي تختزن الانحلال والإباحية والتي تستقر في قعر النفوس المظلمة والقلوب الفارغة التي اسودت فضاءاتها بسبب الغفلة والضلال. وثقافة القيم هذه محاضرة ألقيت على ضباط وطلاب كلية الشرطة ” الأكاديمية ” ببغداد يوم 6|5|2012 بدعوة من عمادة كلية الشرطة للشروع ببرنامج ثقافي إنمائي لرجل الداخلية تحرص عليه وزارة الداخلية من خلال مشروع وطني يحرص على المعرفة التأسيسية لبناء القيم والمفاهيم في شخصية رجال الداخلية يكون رديفا لما تبذله الدولة من خطط تطويرية مهنية لإعداد رجال الأمن الوطني بمعناه الاحترافي الذي يواكب روح العصر ويرتبط ببوصلة السماء ذات الفيض الدائم لمصلحة الاجتماع البشري .

    وثقافة القيم : تركز الضوء على منظومة القيم التي تهم المجتمع , ثم تركز على خصوصية منظومة القيم في حياة رجال الداخلية ولذلك سيكون الحديث مبوبا لتسهل المتابعة والاستذكار لضباطنا وطلابنا ومراتبنا في الداخلية ومعهم اعزاؤنا في الجيش على الشكل الآتي:

    1-  منظومة قيم الشجاعة 

    2-  منظومة قيم الأمانة

    3-  منظومة قيم الإخلاص

    4-  منظومة قيم الوفاء

    5-  منظومة قيم الحمية

    6-  منظومة قيم الغيرة

    7-  منظومة قيم العفة

    8-  منظومة قيم الاستقامة

    9-  منظومة قيم المسامحة

    10-  منظومة قيم الإرادة

    11- منظومة قيم العطف والرقة

    12- منظومة قيم الحكمة

    13-  منظومة قيم السخاء

    14-  منظومة قيم الأخلاق

    وهناك منظومات قيم أخرى لا تقل أهمية عن القيم التي ذكرناها والتي تتوزع دائرة الذاكرة المعرفية مثل :-

    1-  الفهم

    2-  العلم  

    3-  الحفظ

    4-  التذكر

    ويستبق كل ذلك حضور “العقل” الوسام الذي تشرفت به البشرية من فيض السماء “إني جاعل في الارض خليفة ” وخطابها التأسيسي المتداخل في شغاف القلوب المشحونة بطاقة العمل من علام الغيوب “هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون” ورديفها الذي يشكل بلاغة الجواب ” أم هل تستوي الظلمات والنور”.

    والعقل الذي يشكل الأرضية والقاعدة لمنظومة ثقافة القيم من خلال مراحله الأربع وهي:

    1-  المرحلة التي يفارق بها البهائم , وهي قدرة الإنسان على استحصال العلوم النظرية والمسائل المعرفية.

    2-  المرحلة التي تجعل الصبي مميزا كما في الاصطلاحات الفقهية, حيث يصبح قادرا على إدراك الضرورات والممكنات مثل معرفته: بان الاثنين أكثر من الواحد

    3- المرحلة التي بها يستحصل التجارب ويستفيد ومن خلالها يقال : هذا ” عاقل “وهذا ” غبي”.

    4-  المرحلة التي يعرف بها حقائق الأمور ومبادئها وتحصل له القدرة على اتخاذ الموقف والقرار , فيوقف الشهوة العاجلة ويستبدلها بلذة منتظرة اجلة ” اخروية ” وقد عبر الإمام علي عن ذلك شعرا حيث قال:

    رأيت العقل عقلين ….. فمطبوع ومسموع

    فلا ينفع مسموع ……. إذا لم يك مطبوع

    كما لا تنفع الشمس …. وضوء العين ممنوع .

    والسفر والوصول إلى ثقافة القيم يحتاج زادا فكريا مطبوخا ومحضرا من موائد السماء حصرا لتفادي النقص والتلوث الذي يحصل في المطابخ البشرية وقد راينا الكثير منها والتي سببت عسر الهضم وتلكؤ الذاكرة عبر الكثير من المدارس الفلسفية والعقائد الوضعية التي ظهرت عبر التاريخ .

    مقتربات تكوين الصورة عن المطبخ الفكري :

    هناك ثلاثة نماذج ظهرت عبر التاريخ وهي على الشكل الآتي:

    1-  الرسل والأنبياء والأوصياء: وهؤلاء عندهم خمس قوى هي:

    ا‌-   قوة الروح القدس

    ب‌-  قوة البدن

    ت‌-  قوة الإيمان

    ث‌-  قوة الشهوة

    ج‌-  وروح القوة

    قال تعالى: “وكذلك أوحينا اليك روحا من امرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ” – الشورى – 52.

    وروح القدس من سكن فيه لا يعمل الكبيرة ابدا – بحار الانوار ج25ص53 –

    2- المؤمنون: ولهم أربع ارواح هي :

    ا‌-  روح البدن

    ب‌-  روح القوة

    ت‌- روح الشهوة

    ث‌- روح الإيمان

    وليس عند المؤمن روح القدس وعندما يمارس الكبيرة تفارقه روح الإيمان .

    3- الكفار : ولهم ثلاث أرواح هي :

    ا‌-   روح البدن

    ب‌-   روح القوة

    ت‌-   روح الشهوة

    ومن هنا كان وجود المعصوم ضرورة للاجتماع الإنساني ومشروعه السياسي الذي مازالت تتقاذفه الاهواء وتنحدر به الاجتهادات والآراء الخاطئة ذات الشمال وذات اليمين, بسبب سلطات وانظمة وضعية زمنية , استأثرت بالمال ولامتيازات وتسقيط بعضهم للبعض الآخر ليس في الانظمة الدكتاتورية والوراثية , وانما في الانظمة التي تدعي الديمقراطية , فهذه الفضائح تنشر غسيل السلوك المتصابي وانحرافاته مثل:

    1- برلسكوني وجنسيته المفرطة مع السكرتيرات

    2-  وكلينتون وفضيحة البيت الأبيض مع سكرتيرته

    3-  ورئيس اسرائيل الأسبق وفضائحه الجنسية

    4- وجاك شيراك الرئيس الفرنسي الأسبق وفضائحه المالية التي ادخلته السجن مع وقف التنفيذ لتقدمه بالعمر.

    5-  وساركوزي وسقوطه هذه الأيام أمام هولاند الذي سيصبح رئيسا لفرنسا وما ندري ماذا سيكشف عنه في المستقبل .

    6-  واوباما الرئيس الامريكي الذي يقدم تهنئة لزواج ” مثليين “. وهو رئيس اكبر دولة تتحكم بمصير العالم في الظاهر وان كانت سائرة نحو التدحرج والانكماش , مع وجود تيار المرمون المتطرف الذي ينتهج العقيدة التوراتية ذات الطابع الخرافي الذي يختزنه كتاب ” حزقيال ” في اجزائه – 38-39- عن ” يأجوج ومأجوج ” وعن معركة ” الهرمجدون ” ذات الولع التوراتي باستحضار ذاكرتها كنوع من أنواع الرعب السايكولوجي الذي درجت عليه افلام ” هوليود ”

    ان ثقافة القيم هي ذخيرة فكرية عقائدية تمتلك فرصا حقيقية لاستثمار النفوس والعقول الإنسانية, ولكن مع استحضار الوسائل المكملة للنهضة والبناء بشروطها الموضوعية التي تحرص على مواكبة العصر بمنجز يجتذب الناس ويحقق تطلعاتهم في الحياة الكريمة عبر كل من :

    1- طعام

    2-  كساء

    3-  سكن

    4-  تعليم

    5-  صحة

    6-  امن

    7-  عدالة

    والمطبخ العقائدي الروحي وموائده السماوية يقدم إطباق المعرفة لثقافة القيم ومنظوماتها على الشكل الآتي:

    1- قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ” وهذا الخطاب الإلهي يقدم حقيقتين هما: 

    ا‌- حتمية علاقة الأرض بالسماء : وهي الحتمية الأصح والاتم والأحسن والادوم , لان الفلاسفة واصحاب العقائد الوضعية تكلموا عن حتميات كثيرة ولكنهم لم يكتشفوا حتمية علاقة الأرض بالسماء قال تعالى ” هو الذي في السماء اله وفي الأرض اله ” وقال تعالى :” هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى الى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم ” – البقرة – 29.

    ب‌- ان الملائكة من جوهر فعندما يشبون ماء الأرض ويستنشقون هواءها ويكلون طعامها يصبحون جزء من المادة وكل من يصبح من المادة فإنه يتعرض للاتي :-

    1-  يتعرض للغفلة

    2-  يتعرض للنسيان

    3-  يتعرض للضعف

    4-  يتعرض للمرض

    وهذه جميعها لا خلاص منها نهائيا إلا بهدي الخالق وهو الله ” وإذا مرضت فهو يشفين “.

    ومن هنا ينبثق الفيض الأول لثقافة القيم ومنظوماتها والذي يقول نحن نريد الفكر الذي يتصف بما يلي:

    1-  يحضرنا عند المرض

    2-  ويساعدنا عند الضعف

    3-  ويلهمنا عند النسيان

    4-  ويذهب عنا الغفلة ويعوضنا بنشاط متجدد .

    ورجال الداخلية والمواطنون والناس جميعا مدعون لمائدة السماء من خلال اعالي المعرفة التي تتصف بما يلي :

    1-  بالقدرة على الفهم

    2-  بالقدرة على التمييز

    3-  بالقدرة على التشخيص ” اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور لله ”

    2-  قال تعالى ” الله لا اله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم مابين ايديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم ” – البقرة – 255. وآية الكرسي هي من الموائد التي تعطي مفاهيم عالية القدرة على بناء ثقافة القيم .

    3-  قال تعالى ” الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم ” – النور – 35.

    نحن هنا أمام مطبخ معرفي أسراره عصية على الفهم إلا من نور الله قلبه , ومن هذا النور وسره تنطلق منظومة ثقافية القيم .

    4-  قال تعالى ” وإذ اخذ ربك من بني ادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم الست بربكم , قالوا بلى شهدنا ان تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين” “.

    فهذه الموائد الفكرية التي شكلتها الآيات التالية:

    1-  آية الكرسي

    2-  آية الذر والبيعة التكوينية

    3-   آية النور وإسرارها

    4-  آية الحتمية بين السماء والأرض

    5-  آية الخلق والنعمة

    6-  آية التوحد والهيمنة لله في السماء والأرض , والإله هو المعبود.

    تلك الموائد الروحية والفكرية والمطابخ المعرفية هي التي تعتمد عليها وتنطلق منها ثقافة القيم لرجال الداخلية وهم عماد الأمن الداخلي للمجتمع والدولة, والأمن من النعم التي وفرت لها السماء مستلزماتها وهي :-

    1-  إيمان صحيح

    2-  وفكر لا يفشل في الخطوب

    3-  رجال صالحون هم القدوة ” أنبياء ورسل وأوصياء ” وهم القادة

    4-  عدالة متوفرة على مصالح الناس , قال تعالى ” لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط “.

    وسوف نرى أول قيمة من منظومات القيم : وهي ” الشجاعة ” والشجاعة ” ملكة ” وهي من الهيئات التي لا تزول لأنها ملكة ولكنها قد تتعرض إلى ظروف خارجية قد تؤثر فيها مثل : عدم وجود أدوات الشجاعة وهي : القوة المادية من: 

    1-  مال

    2-  سلاح

    3-  تموين

    4-  عدد المقاتلين، قال تعالى “واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم”.

    والشجاعة من القيم التي يحتاجها رجال الداخلية لما يواجهونه اليوم من اعمال إرهابية تستهدف الإنسان والوطن, مثلما يحتاجها رجال الداخلية في استكمال امن المجتمع من خلال مطاردة عصابات الجريمة بمختلف أنواعها.

    ومع الشجاعة نجد ” الأمانة ” هي الأخرى قيمة تحتاج إلى ثقافة خاصة ولن تجد اقرب واضمن من ثقافة السماء قال تعالى ” انا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين ان يحملنها واشفقن منها وحملها الإنسان انه كان ظلوما جهولا ”

    ثم نجد “الإخلاص” يتمم تلك القيم ويوفر لها ظهورا على مستوى الوطن والمواطن , مما يثبت روح الثقة ويشيع جو الاطمئنان على طريقة ومفهوم ” لو خليت قلبت ” .

    وتبقى مفاهيم وقيم كل من : الغيرة والحمية , والصدق , والمسامحة , والعفة , والحياء , والسخاء , وحسن الخلق ” وانك لعلى خلق عظيم ” وكما قال “ص”  “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” او كما قال “ص” “اثنان ثقيلان في الميزان يوم القيامة ” وهما : ” حسن الخلق والسخاء ” وعندما خلق الله الإيمان قال الإيمان يا رب قوني : فقواه بحسن الخلق والسخاء ” هذه مائدة شهية أخذنا بعضا منها وقدماها لرجال الداخلية ولكل من يقرا هذه المعرفة التأسيسية بقلب مفتوح وعقل يشتغل على توليد العمل والفتوحات الثقافية , وهذا ما يحتاجه وطننا العراق اليوم وما تحتاجه مؤسسات الدولة حتى نسترجع مافاتنا من الزاد الحضاري.

    * رئيس مركز الدراسات والأبحاث الوطنية

  • الغريق!!

    الكرخ القديمة أزقة ملتوية وطفولة لا تغادر الذاكرة، وإنه عصر صيفي مثل عصور الصيف الأخرى لا بديل عن التجمع عند ضفة دجلة قريبا من مقهى البيروتي ـ منطقة العطيفية المجاورة لمحلة الجعيفر، هنا عند هذه الضفة تحديدا تكون مناسيب المياه القريبة من الجرف واطئة ربما لا يزيد ارتفاعها على نصف متر، ولكن مع التقدم في النهر الى الامام تبدأ المناسيب بالارتفاع ثم الارتفاع المخيف الذي هو من حصة الشباب والرجال ومن يجيدون السباحة بمهارة، أما المنطقة المنخفضة قريبا من الجرف فهي من نصيب الاطفال والمبتدئين ومن يودون تعلم السباحة، ذات عصرية من عصريات صيف قائظ، كان شاطئ دجلة كعادته اليومية في تلك المنطقة يضج بمئات من شتى الأعمار وهم مغمورون بمتعة العبث والضحك واللعب والسباحة، وفجأة اطلق احدهم صوتا عاليا مشوبا بالرعب (فلان يغرك) وقبل ان ينتهي من عبارته ويده تحدد منطقة الغريق، انطلق عشرات الشباب القريبين من المكان بسرعة البرق وغاصوا تحت الماء وما هي الا لحظة او دون ذلك حتى تم إنقاذ الغريق على يد شاب قوي البنية وسباح ماهر يدعى (طارق) وكان الغريق الذي نجا من موت محقق ولدا في العاشرة من عمره غامر في الابتعاد كثيرا عن الجرف.

    في مناطقنا الكرخية ايام زمان يتناقل الناس الاخبار قبل حدوثها وهكذا اسرع والد الصبي الى النهر وهو شبه مجنون وعندما اطمأن على سلامه ولده، احتضن الشاب المنقذ بين ذراعيه وهو يبكي ولا يعرف كيف يعبر عن شكره وامتنانه وربما كان من جميل المصادقة أن والد الغريق والشاب كانا من محلة واحدة ويسكنان في زقاق واحد..

    وفي صباح اليوم الثاني ذهبت والدة طارق إلى السوق على عادتها للتبضع وكان والد الغريق صاحب دكان لبيع الخضراوات والفاكهة ووالدة طارق لا تتبضع الا منه وبعد ان تزودت باحتياجاتها المعتادة سألته عن المبلغ مثلما تفعل كل يوم الا ان الرجل زعل زعلا كرخيا وعاتبها عتابا شديدا (مو عيب ام طارق.. شلون تقبلين اخذ فلوس اني والله حاير شلون اجازيكم لو ما رب العالمين وطارق ابني رايح) وحاولت المرأة معه والحت وهو يرفض اخذ الحساب ويقسم الأيمان الغليظة واضطرت السيدة إلى النزول عند يمينه غير انه في اليوم الثاني رفض كذلك أن يأخذ فلسا واحدا واقسم هذه المرة بطلاق زوجته وتكرر الموقف في اليوم الثالث والرابع حتى انه هدد المرأة قائلا (إذا سمعت طاري الفلوس تره ازعل وياكم ولا اعرفكم ولا تعرفوني) واسلمت المرأة امرها الى الله وذهبت في اليوم الخامس كالعادة ولكن كان عليها ان تتبضع في ذلك اليوم كمية اكبر لأنها تنتظر ضيوفا، وتسلمت البضاعة وهمت بمغادرة المكان، إلا ان الرجل كان اسرع منها وهو يصرخ بأعلى صوته مخاطبا اهل السوق من الباعة والمتبضعين (يا جماعة الله اكبر.. هذي ما يصايرة ام طارق هجمت بيتي وطلعتني كسر.. يومية بلاش.. يومية بلاش، لو ميت ابني هواية اشرف لي). وفيما تركت المرأة بضاعتها في الدكان وهربت إلى بيتها يطاردها الحياء والحرج كان السوق يرتج من الضحك!!

  • خليج بلا عراق .. أم عراق بلا خليج ؟! .. قراءة في أسباب الأستحواذ على المياه الاقليمية وأبعاد العراق عن التحالفات الخليجية

    ما الذي يجري في الخليج العربي.. وأين العراق مما يجري الآن..؟ وقبل ذلك وبعده ما هي قراءاته لما يجري..؟المتحقق عمليا.. ان العراق مبعد جغرافيا وسياسيا وجيوسياسيا، ولا علاقة لسلطة او نظام او حاكم في هذا الإبعاد، بل هو انتصار لمجموعة من الدويلات بمساعدة وتحريض من عدة جهات تباينت وتنوعت حسب الأوضاع السياسية والزمان. ففي العهد الملكي، لم يكن من الممكن إقامة اي نوع من أنواع العلاقة بالخليج الا عبر بريطانيا التي كانت تسيطر سيطرة كاملة وتامة على شاطئي الخليج، وكانت ايران في ذلك الحين هي العراب وهي الوكيل المنفذ لما تريده بريطانيا وتأتي بعدها السعودية وكان الصراع بين النفوذين السعودي والإيراني يسخن ويبرد حسب تطور الأوضاع في كلا البلدين، غير انه لم يسمح له في أن يتحول إلى صدام مكشوف. وعندما انتهت المعاهدات البريطانية مع دول الخليج، التي كانت تسمى “محميات” في بداية العقد السابع من القرن الماضي، كان العراق يخضع لحكم شمولي وظيفته رفع الشعارات الفارغة والخطابات الزائفة دون أي إدراك لأهمية وجود العراق المنافع والفوائد على إيران والسعودية والكويت والإمارات وقطر وعمان، واستبعد العراق من كل اللقاءات والتنسيقات والتعاون بين الدول المتشاطئة عليه حتى عندما طرحت فكرة انشاء مجلس التعاون الخليجي، فان العراق كان في فورة الصخب الدعائي الفارغ.. وتقول مصادر سعودية مطلقة إن الملك فهد رد على بعض أمراء خليجيين حذروه من اشعار الحكومة العراقية بنية دولهم في انشاء مجلس التعاون الخليجي، انه يعرف ان صدام حسين ليس من ذلك النوع الذي يفهم اهمية وضرورة خطوة من هذا القبيل على مستقبل العراق في المنطقة وقال: سأبلغه وانا عارف تماما انه سيتجاهل هذه الخطوة واعرف مقدما ان مالديه من غرور سيجعله غير قادر على الموضوع للدراسة والبحث والتمحيص.

    ذلك التشخيص السعودي، صحيح جدا.. فهم يعرفون صاحبهم حق المعرفة، وعندما جرى اختباره ليكون الأمر النهائي في العراق المظلوم، كانوا يدركون انه الرجل المناسب لقيادة العراق في مسالك التيه والظلام وضياع الحقوق وهدر الكرامات.. ولم يكن يعنيهم ما ظهر به من غطرسة وتجبر وغرور فارغ، كان المهم لديهم ان هؤلاء اجراءاتهم وترتيباتهم تتم بعيدا عن رأي العراق وعلى نحو يستجيب فقط لمصالحهم الحيوية للعراق في الخليج وفي مقدمة ذلك المياه الاقليمية العراقية الذي تحولت الى نهب منهوب حيث توسعت كل من الكويت وايران في مياههما الإقليمية على حساب العراق، بالطبع كان الحديث يدور على استحياء احيانا وبلا مقومات واسس احيانا اخرى بين العراق وبين جارتيه حول المياه الإقليمية العراقية الضائعة ويأتي الجواب في العادة.. اين كنتم..؟ وفي بعض الاحيان ليس هناك شيء ما يستحق الغضب او تحويل القضية الى قضية ساخنة فهي لا تعدو أن تكون مياه وبعض الاسماك القليلة.. ولا احد يتطرق الى ما تحت القصر من “بلاوي”. لقد ظل الشغل الشاغل لدويلات الخليج هو ابعاد العراق وقد جاءتهم حرب الخليج الاولى بابا مفضيا الى تحقيق حلم “خليج بلا عراق” ودخل العراق مقصلة الحرب الدامية مع ايران لثماني سنوات عجاف، استنزفته الى ما تحت الصغر، وما ان خرج منها مترنحا حتى دفعته سيناريوهات هوليوود الخليجية الى مزبلة العنجهية في حرب الخليج الثانية ليوضع في سلة المهملات لولا ان يأتيه الخلاص بـ”وداوها بالتي هي الداء”.

     من الواضح ان الطبيعة الطبوغرافية لقاع الخليج والمتكونة من مجموعة كبيرة من الأخاديد والمترفعات والتي تسمى “اخوار” حيث يقال مثلا خور عبد الله وخور الزبير وخور العمية وخور خفجه وغيرها كثير هي في الواقع مسالك للابحار والخطوط الملاحية بأعماق مختلفة تتراوح ما بين 30 -110 أقدام، وبذلك فهي تسمح بابحار البواخر والناقلات النفطية وبغواطس متباينة تتراوح حمولتها من 30 الف برميل الى 300 الف برميل ولا يصلح قاع الخليج المتبقي لاي عمل سوى لصيد الاسماك واللؤلوء بيد أن الكويت وايران والسعودية والإمارات وغيرها. بدأت بعمليات مسح وكشف وتقييم لقاع الخليج بمعزل عن العراق الذي فقد خور عبد الله بكاملة بموجب قرار الأمم المتحدة المرقم 833 وما ترتب على اتفاقية 1975 الذي تنازل فيها العراق عن نصف شط العرب.

    إن نظرة سريعة لما يجري الآن في الخليج، تضع العراق امام حقيقة مؤلمة خلفتها اعمال وافعال حكومات عراقية تعاقبت في حضيض الجهل والغباء والمظهرية الفارغة فأضاعت حقوقا وأهدرت مصالح لحساب الآخرين وللنظر الى الآن بحسرة وألم الى الآخرين وهم يشمرون عن سواعدهم ليل نهار لاستغلال حقول نفطية في مياه الخليج فهذه ايران تواصل العمل في حقل “درة” الذي تسميه إيران حقل “أراش” وهو حقل يقع في المياه المشتركة بين الكويت والسعودية وايران وهي اصلا مياه لأربع دول وليست لثلاث الا انهم فضلوا ان تكون مقسومة على ثلاثة “السعودية وايران والكويت” وقد وقعت الدول الثلاث على اتفاقية تنظم عملية الاستفادة من هذه المياه في عام 2000 وقد اعترض العراق على ذلك ولكن دون أن يكترث احد لهذا الاعتراض، ومن يهتم لاعتراض دولة منبوذة مطرودة منهوبة منكوبة بقادتها وبحكومتها.

    إن إجمالي التقديرات الأولية للطاقة الإنتاجية للحقول البحرية الخليجية تشير إلى أكثر من 1923 ترليون قدم مكعب وان ايران وقطر يتبوآن المركزين الثاني والثالث بعد روسيا وهذا يكشف طبيعة ونوعية وحجم الصراع الدائر الان بين ضواري وحيتان وكواسح خليجية في الواجهة، وعالمية اميركيين واوربية واسيوية للحصول على ما يمكن الحصول عليه من كعكة الغاز والنفط الخليجي بعيدا عن العراق المحصور في ممرات مائية حفظها له موانئه النفطية التي هي الفضيلة الوحيدة التي يمكن ان تذكر وهي: ميناء خفجه وميناء العمية والعائم، وما بين هذه الموانئ توجد احتمالات قوية بوجود حقول نفطية وغازية ينبغي الاسراع في وضع الأسس الكفيلة بحفظ حقوق العراق فيها وفي غيرها والبدء وعلى نحو عقلاني ببحث الأمور مع الجوار بوضوح لا يقبل اللبس او الغموض واعتبار تلك الامور من القضايا التي ترقى في الأهمية الى درجة اعتبارها من المصالح العليا. 

    ذكرنا ذلك من اجل توضيح الأساليب التي اتبعت من اجل إبعاد العراق عن الخليج وبعض الأهداف المبيتة خلف ذلك، رغم ان ذلك لا يحتاج الى قدر كبير من المعرفة التفصيلية الشاملة والمبحرة في عالم الاسرار والخفايا، فرفض دول الخليج قبول العراق عضوا في مجلس التعاون الخليجي، رغم أنهم اعلنوا قبول اليمن والأردن والمغرب وهذه دول غير خليجية..؟ وهم يعرفون قبل غيرهم ان الخليج ما كان يوما لغير العراق، فهو خليج البصرة وما زالت الوثائق التركية تحمل البصمة العثمانية التي ورثت بدورها، ما كان معروفا في ايام الدولة العباسية وما كان لرحلة كلكامش، الا ان تعمد مسار الخليج في الرسالة العراقية للعالم وهي تحمل كل قيم ومثل الحضارة البشرية بكل عطاءاتها.

    لم يخف أعضاء المجلس مشاعرهم غير الودية اتجاه العراق، حيث جاء الرد الخليجي في عام 2008 رافضا قبول العراق عضوا في المجلس رغم ان الحوار في حينها كان يدور حول موضوع الأمن الإقليمي من خلال مؤتمر عقد في البحرين عام 2008 وبحضور وزير الدفاع الأميركي الأسبق روبرت غيتس وبإشراف المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية ومقره في لندن وقد فاجأ الامين العام لمجلس التعاون الخليجي عبد الرحمن العطية برفض المجلس قبول العراق عضوا فيه وعلل السبب في ذلك بعدم توفر عدد من الشروط التي يضعها المجلس لانضمام الدول اليه والمتمثلة بضرورة ان تكون الاوضاع السياسية والاقتصادية في البلد المرشح انضمامه مشابهة للأوضاع في الدولة المكونة للمجلس وتنضوي تحت عبارات العطية الكثير من المتاهات والغموض وعدم الوضوح، وكأنه بذلك اراد ان يقول: ان من يحكم العراق ليس من النوع الذي ترضى عليه او تقبل به دول الخليج بشكل عام والسعودية بشكل خاص اذ ليس من المعقول منطقيا أن تكون الاوضاع السياسية والاقتصادية في بلد ما تتطابق من حيث الطبيعة التكوين ودرجة التطور والنمو والتوجه والأيدلوجية مع بلد اخر واذا كان ذلك امرا ضروريا فأين التطابق بين دول عربية تكون جامعة الدول العربية؟ بل اين التطابق بين ما عليه السعودية وما عليه سلطنة عمان او الاتحاد الإماراتي الفيدرالي او الكويتي؟ ثم اين التطابق بين كل اعضاء مجلس التعاون وانظمة الأردن والمغرب وهما من دول الألمعية السياسية والاقتصادية خصوصا المملكة الأردنية الهاشمية التي انطلقت من تحت الصفر وتواصل انطلاقاتها اعتمادا على ما لديها في كفاءة ومقدرة وإخلاص، وليس اعتمادا على ما يهبها النفط والغاز من عطايا وهبات بلا حساب تجعل الحجر ينطق ولكن ليس في بلدان الحقد والكراهية.

     ان الحقيقة المؤكدة والناصعة كالشمس، تؤكد اهمية وجود العراق في اي تجمع او تكتل خليجي وعدم وجوده يشكل خللا كبيرا في التوازن الإستراتيجي في المنطقة يعمل ويفعل بالضد من المصالح الحيوية للدول الأعضاء في المجلس، ولا تغير من هذه الحقيقة محاولات إبعاد العراق جغرافيا عن الخليج من خلال بعض الممارسات الصبيانية على مستوى سرقة أشبار وأمتار هنا او أميال هناك فالتاريخ يؤكد والحضور الستراتيجي الذي لابد له من ان يجد طريقه عاجلا او اجلا على ارض الواقع تجعل امكانية الالغاء او الإبعاد، غير ممكنة على الارض باي حال من الأحوال، وهذا ما اكدته الكثير من الدراسات الإستراتيجية فالعراق أحدى اهم رئتين يتنفس الخليج منهما: الاولى : العراق والثانية بلاد الشام. ولا يمكن باي حال من الاحوال الا ان يصح الصحيح ويتلاشى الخطأ في مجاهل الجهل وقصر النظر، فالعراق ما كان يوما على مدى التاريخ، يحتاج لدول الخليج باي شكل من الاشكال، ذلك ان العراق دولة متكاملة ونموذجية من كل مستلزمات قيام الدول، ولديها الكثير من عناصر الاعتماد على الذات ومعينها الذي لا ينضب تاريخ عمره أكثر من ستة آلاف سنة، يشهد أن العراق كان طوال الوقت قبل ظهور النفط ملاذا آمنا لشعوب الخليج العربي ودوله..لقد شكلت الاسباب والدوافع غير الإستراتيجية، خلفية الرفض الخليجي للعراق، وفي مقدمة الأسباب القراءة الطائفية، حيث اعتمدت على خارطة طائفية تشكل واقعيا سياسيا وهميا وتبسيطا، ليس لأنها خارطة شكلتها مصالح وغايات واهداف لا تمت للمنطقة بأدنى صلة وهي مصممة لان تنتهي لضياع حقيقي ومؤكد.. والمثير حقا للدهشة ان معيار القراءة الطائفية لخارطة المنطقة السياسية تكاد تكون حكرا على العراق، فرغم كل ما يقال وما يحدث من احتقانات في العلاقات الخليجية الايرانية، فان العلاقة بين الطرفين مازالت جيدة وتمر بين حي وآخر بحالات صفاء لا تتأثر الا عندما تزداد الضغوط الامريكية والاسرائيلية عليهم.. ولعل حضور احمدي نجاد الرئيس الإيراني الحالي، للقمة الخليجية في العاصمة القطرية، الدوحة في 2007 خير دليل على ما تتمتع به العلاقات الإيرانية الخليجية من جوانب اعتبارية مقدرة من قبل دول الخليج العربية.. وحتى عندما احتجت الامارات على ايران بسبب زيارة نجاد لجزيرة ابو موسى، فان الدول الاخرى دست رؤوسها في الرمال وكأنها لم تسمع ولم تر  ولم يغير من هذه الحقيقة بعض الاعتراضات الخجولة. 

    بالطبع لابد من أن ننبه الى حقيقة تلك هي ان العراق كان ومازال لا ينظر الى اية عملية تطوير لمجلس التعاون الخليجي، بريبة او خشية او توجس، فالعراق لا يعتبر وجود المجلس وجودا عدوانيا يستهدف أمنه او مصالحه الحيوية، غير أنه يرى أن وجود المجلس وما يترتب على هذا الوجود أمورا تخص العراق وتعينه بشكل او بآخر مثلما يخصه اي موضوع اخر له صلة بالمحيط الذي يعيش فيه العراق ويتعايش، وتأسيسا على ذلك فليس معقولا أو مفهوما ان يكون هناك عمل جماعي أو جمعي لعدد من الدول، في محيط يخص العراق ويتعلق بمصالحه الحيوية وهو غير موجود ولا رأي له فيه ولعل مسألة البيئة واحدة من بين اهم القضايا التي ينبغي ان يكون له فيها رأي ودور ووجهة نظر. 

    الذي ينبغي ان تعيه دول الخليج، هو ان تتفادى ان تكون كما كان صدام حسين يتبنى مبدأ رفض التعاون لأنه لا يفهم الأمور إلا من زاوية الحكم والتحكم في الآخر المخالف، وان تدرك حقيقة ان العراق ووفق التحليلات وما يدور خلف الكواليس السياسية اخذ بدور مستقبلي رغم صعوبة الظروف المحيطة به، وتكريسا لهذه القراءة، جاء المشروع الكويتي الواعد بقيام إطار تعاوني لدول شمال الخليج، في محاولة لتبني كتلة دولية خليجية تطل من خلالها المنطقة على انفتاح اقتصادي وسياسي يحمل الخير للجميع ويعرض للعالم متنفسا جديدا لنشاط اقتصادي وإجماعي وسياسي واعد، وما عقد قمة بغداد إلا دليل آخر على ما ينتظر العراق في المستقبل من مهمات كبيرة على الصعيدين الدولي والاقليمي. وبعيدا عن كل شيء، لابد من أن نتساءل بوضوح وصراحة، هل ثمة بديل عن التعاون مع العراق..؟ هل في وسع احد إلغاء وجود العراق..؟ نعم البعض يراهن على التقسيم.. وهذا رهان قاصر غير ناضج،، لعدة أسباب منها مثلا: 

    اولا: التقسيم لا ينهي الوجع العراقي الذي تشكو فيه دول الخليج بنسب متفاوتة. وذلك لان الجزء الجنوبي من العراق هو الجزء الذي يسبب هذا الوجع استنادا لخرائط الخليج الطائفية وهذا الجزء سيكون الأقوى عندما تتهيأ له فرصة الابتعاد عن مشاكل التعددية الدينية والمذهبية والاثنية. 

    ثانيا: ان التقسيم يخلق ظروفا كارثية في مجال سقوط قدسية الخرائط السياسية للدول التي انبثقت قبل وبعد حرب العالمية وتنظم واقعها معاهدات سايكس بيكو وساند ريمو، ثم يالطا ومالطا وغيرها بعد الحرب العالمية الثانية، وسيفتح ذاك أبوابا تتسلل منها قوى التغيير في ربيع يمتد باتجاهات مختلفة تغرق ببحور من الدماء. 

    وثمة من يراهن على استمرار ضعف العراق واستنزاف قدراته بتوترات وأزمات داخلية وخارجية لتغذية هذه الأزمات بجروح ملتهبة تتناسل فيها القيح وتتبدد الثروات وتهدر الطاقات وتضيع الفرص!! فيما يراهن اخرون على حرب اهلية طاحنة ويقودها (الأكراد والشيعة والسنة) ونتائجها الدمار والخراب.. ومن اجل ذلك تبذل الأموال وتحاك المؤامرات وتجند الخبرات. 

  • المصالحة.. الأدباء أنموذجا.. صدى وردود افعال

    أثار العمود الذي نشرته يوم الاثنين (7/5) أصداء كثيرة في وسطنا الثقافي؛ ربما لأنها المرة الأولى التي نسمي الاشياء بمسمياتها بعيدا عن الخوف او المهادنة؛ لأن علينا أن نغادر هذه المنطقة التي هي سبب بلاء العراقيين وضياع حقوقهم.

    واذ انشر ما كتبه الشاعر(ابراهيم زيدان) تعقيبا على عمودنا اعلاه؛ فإنني أدعو الأدباء والمثقفين جميعا لإقامة حوار حضاري مع انفسنا ومع السياسيين بغية الوصول الى مشتركات او بنود- شريطة ألا تكون مثل بنود اربيل- علها تكون نقطة البداية لرفع الغبن عن الادباء جميعا في الداخل والخارج.

    فالسكوت هو من جعلنا بمثل هذه الهشاشة والتهميش.

     (كتب ابراهيم زيدان.. كيف تكون بغداد عاصمة للثقافة ومثقفوها مشردون منفيون في عواصم ومدن العالم؟ سؤال يثير أكثر من شجن، وقد أثار الصديق الشاعر جواد الحطاب واحدا منها في عموده بجريدة المستقبل العراقي (المصالحة الوطنية.. الأدباء أنموذجا) إذ أن المصالحة المزعومة اجتثت أول من اجتثت الأدباء والمثقفين والمفكرين وكانت سببا في تشردهم في المنافي وحرمانهم من حقوقهم التقاعدية حتى، هذه الحقوق التي صرفت للقياديين في البعث المنحل وللعاملين في الأجهزة الأمنية للنظام السابق، وكأن الشاعر الكبير عبد الرزاق عبد الواحد على سبيل المثال لا الحصر كان عضوا في قيادة قطر العراق؛ والقائمة تطول. 

    والتاريخ لم يشر إلى أديب كان وراء إعدام أديب آخر من زملائه، بل العكس تماما ماحصل في ظل النظام السابق، فشاعران كبيران مثل حميد سعيد وسامي مهدي كانا أشبه بالمظلة التي تحمي الأدباء، بل أن(حميد سعيد) مثلا كان يذهب أكثر من هذا في إنسانيته حين يساعد بعض الأدباء ماديا لظروفهم المعيشية الصعبة خاصة وان اغلب الأدباء لا يملكون شقة أو دارا سكنيا ومع ذلك هم متهمون من قبل مستشاري النظام الحالي بأنهم كانوا بوقا للنظام السابق، وواقعهم ينفي ذلك. 

     أعود إلى المصالحة السياسية وليست الوطنية لأن شتان ما بين السياسة والوطنية، فليس كل سياسي وطنيا وقد كشف الواقع صدق هذه النظرية، فاتفاق اربيل مثلا استثنى ثلاث شخصيات سياسية من قانون اجتثاث البعث الذي شمل الأدباء والمثقفين والمفكرين ومنهم أساتذة جامعات، وهذا دليل أكيد على أن المصالحة سياسية وهي قائمة على أساس إرضاء هذا الطرف أو ذاك ولكن من يرضي الشعب العراقي ويفكر بمعاناته ؟ 

      فهل يليق بعاصمة مثل بغداد نريد أن يشار لها بالبنان الثقافي والأدبي والفكري وأبناؤها مشردون منفيون يخافون على أرواحهم ؟ أن الحكومة ممثلة بدولة رئيس الوزراء نوري المالكي مطالبة اليوم باحتضان المثقفين والأدباء والمفكرين الذين يعيشون في المنافي وليس الاتحاد العام للأدباء والكتاب الذي يمارس سياسة الإقصاء والتهميش في جميع مهرجاناته وأولها مهرجان المربد الذي يواجه الكثير من الانتقادات بسبب هذه السياسة المشبوهة. 

    الحكومة- مطالبة بتأكيد استحقاق بغداد لهذا اللقب العالمي من خلال رعاية المثقفين بكل عناوينهم سواء كانوا خارج العراق أم داخله ولنغادر سياسة الاجتثاث وجعلها لمن يستحقونها قانونيا، وليكن باب المصالحة الوطنية الحقيقية مفتوحا على مصراعيه إلى هذه الشريحة التي تبني مجتمعا يليق بمكانته الحضارية والثقافية.

  • نوري الزعلان !

    لعلها 40 سنة أو يزيد مضت، يوم كنت من بين 27 طالبا جامعيا، نسكن في احد أسوأ الأقسام الداخلية، فالبناية مكونة من غرفتين وصالة، توزعنا عليها بمعدل 9 طلاب، بحيث لا يستطيع الواحد منا الوصول الى سرير نومه الا بعد ان يتعثر بأجسام زملائه، ويتلقى شتائمهم التي صارت جزءا من الاعتياد اليومي ! كان المكان بأكمله من غير مروحة ولا مدفأة، ولا يتوفر لنا سوى طباخ نفطي للطعام والشاي والقهوة وغلي الماء للاستحمام، هذا غير منغصات لا تحصى ولا تعد ليس ابتداءً بالبناية القديمة التي يتسرب ماء المطر من سقفها شتاء، وليس انتهاءً بالأزبال التي ترمى حولها، وكثرة الجرذان التي تقاسمنا رغيف الخبز، والسياج الواطئ الذي جعلنا لقمة سائقة للحرامية!! 

    اتفقنا -وقد طفح الكيل بنا- على تقديم مذكرة شديدة اللهجة الى مسؤول الأقسام الداخلية، نطلب فيها مقابلته بعد أن شرحنا له بعض معاناتنا، وقد وافق الرجل الذي بلغنا انه يتحلى بالطيبة والروح الإنساني الرفيع، ولكنه اشترط أن نختار طالبا واحدا ينوب عنا، وهو شرط طبيعي وهكذا عقدنا اجتماعا عاجلا واخترنا من يمثلنا، وهو احد زملائنا ويدعى (نوري الزعلان)، ولقب الزعلان من ابتكاراتنا الطلابية المازحة، فقد كان هذا الطالب كثير التذمر والتشكي والزعل من أوضاع القسم ومشكلاته!! 

    في يوم المقابلة ذكرناه من جديد بأهم احتياجاتنا وبحسب الأولوية (بناء 3 غرف جديدة ـ توفير 4 طباخات و 3 ثلاجات  ـ التدفئة والتبريد ـ ترميم سقف البناية ـ زيادة مخصصاتنا ـ رفع النفايات ـ تعلية السياج).. ذهب الزعلان في الموعد المحدد وتم اللقاء مع المسؤول الذي أوضح لزميلنا، انه على اطلاع كامل بأوضاعنا المزرية ولكن أوضاع الحكومة المالية لا تسمح حاليا بتلبية المطالب جميعها، واقترح على نوري ان يطرح أهم قضية عاجلة لكي يتولى تنفيذها على وجه السرعة ووعده أن الطلبات الأخرى سيتم الأخذ بها مستقبلا وبحسب الأوليات، وانه سيعمد إلى استدعائه مرة بعد مرة، وكرر رجاءه أن يراعي الطلاب الوضع المالي المزري لخزينة الدولة، ولكنه سيكون عند وعده، ثم ختم حديثة قائلا: والآن اخبرني ما هي القضية العاجلة التي تستدعي الحل السريع؟!

    حين انتهى الرجل من كلامه المهذب، شكره زميلنا على حسن استقباله وصراحته العالية، ثم اخبره، أن الطلب العاجل والملح، والضروري الذي ينشده الطلاب قبل غيرهم ويتمنون على المسؤول تنفيذه، هو رفع العلم العراقي فوق البناية لأنها من غير علم!! كان من الطبيعي أن تعقد الدهشة لسان المسؤول، ولم يصدق ما يسمع وانتظر أن يتقدم زميلنا بأي طلب آخر، إلا أن الزعلان لزم الصمت .. وهكذا أمر له المسؤول بعلم جديد، وعاد زميلنا متباهيا لأنه طالب المسؤول بما لم يخطر على بالنا أبداً، ثم شرح لنا بالتفصيل أجواء المقابلة!! في الحقيقة لم نحقد على نوري، فهو صديق لطيف ولكننا حقدنا على تعاسة حظنا التي جعلتنا نختار الزعلان ممثلا لمجموعتنا المظلومة!! 

  • تناقضات عراقية صارخة

    قبل عام ونصف العام تقريبا وقع الفرقاء السياسيون اتفاقية أربيل التي أصبحت أساسا لتشكيل الحكومة العراقية والخروج من المأزق الذي واجهته العملية السياسية بعد الانتخابات النيابية في 2010، ومنذ ذلك الوقت سمعنا الكثير من الاتهامات المتبادلة بين الفرقاء فيما يتعلق بالالتزام بتنفيذ الاتفاقية، وصارت القضايا تثار تباعا بينما بقيت الصيغة النهائية والكاملة للإتفاقية طي الكتمان، وفي مراحل خانقة من الصراع بين الفرقاء السياسيين ظهرت حالات تهديد بكشف نص الاتفاقية إلى أن تداولت وسائل الإعلام مؤخرا نصا قيل انه نص اتفاقية اربيل دون أن تنفي أو تؤكد أي من الكتل السياسية مصداقية هذا النص. 

    •نحن نغضب دائما, وتتوتر أعصابنا بسبب الاختناقات المرورية في التقاطعات, لكننا نضع أعصابنا في ثلاجة عندما تتكرر أمام أعينا المشاهد المؤلمة لظاهرة تسول الأطفال في التقاطعات المرورية. . 

    •ونغضب أشد الغضب لمنظر امرأة لا ترتدي حجابا, ولا نغضب لمنظر طفل لا يرتدي حذاءً. .

    •ونغضب كثيراً عندما يفشل مرشحنا في الانتخابات, لكننا لا نغضب ولا ننفعل عندما تتراكم ملفات الفساد فوق رأس ذلك المرشح الحنقبازي, الذي خذلنا, وأساء إلينا, وبصق على نفسه. .

    •نستصعب تسديد ما بذمتنا من ديون, ونستكثر دفع الحد الأدنى لمن يستحق المساعدة من الفقراء والمحتاجين, لكننا نستسهل دفع الرشوة متى ما طلبوا منا ذلك, من دون أن نحتج أو نغضب أو نرفض. .

    •نمارس طقوسنا الدينية في الشوارع العامة ولله الحمد, ونجتهد من مناسبة إلى أخرى في تحسين طقوسنا المتجددة والمستوردة والمخلدة, لكننا لا نتردد عن إغلاق الشوارع والطرق العامة بكل الأساليب المباحة والمتاحة, ونتمادى في عرقلة سير المركبات, وربما نجبرها على تغيير مسارها, أو نمنعها من الحركة حتى لو كانت المركبة سيارة إسعاف تنقل مصابا إلى المستشفى, أو عربة إطفاء في سباق مع الزمن لإخماد النيران المشتعلة وسط الحي.   

    •نعيش في عصر يهتم فيه بعض أصحاب المواقع العليا بمظهرهم لا بجوهرهم, فنراهم كيف يتلاعبون بتضاريس وجوههم وجباههم, يضعون الأقنعة التنكرية لتغطية ملامحهم الحقيقية, يتخذون ماكياج التدين والوقار الزائف كبطاقات ترانزيت لعبور بوابات النصب والاحتيال, أو لاستغلال سذاجة الناس وطيبتهم, تمهيدا لتحقيق مآربهم الدنيوية, ونيل المناصب والدرجات الرفيعة, فانحصرت أدوات التظاهر الشكلي بحلاقة الشوارب, وإطلاق اللحى, وكي الجباه, والتباهي بتنويع الخواتم الكبيرة والصغيرة, وترديد بعض العبارات المشفرة, والكلمات المنمقة, وإظهار الشدة والصلابة المفتعلة عند التعامل مع عامة الناس, والتمسك بالقشور إلى درجة المبالغة في استعراض صور نمطية منسوخة من قوالب كاريكاتيرية متناظرة, حتى صار من المألوف مشاهدة الكثير من هذه النماذج المتخشبة, من الذين أساءوا للدين والتدين بحركاتهم المصطنعة, يتسترون بالدين, ويتظاهرون بالورع والتقوى, ويستبطنون الكفر والفسوق والعصيان, فاستغلوا الدين وقودا لإشعال فتيل الصراعات السياسية, وتأجيج نيران الفتن الطائفية, واتخذوا الدين جسرا تكتيكيا عبروا فوقه إلى مواقع التسلط, وتبرقعوا ببرقع الإيمان المزيف وهم ابعد ما يكونون عن الدين وعن طاعة رب العالمين. 

    •ربما تكون مؤسساتنا الرسمية من أكثر المؤسسات التي يتشدق مدرائها بأحاديث الوعظ والنصح والإرشاد والتحلي بمكارم الأخلاق, والتعامل الحسن مع المراجعين, وربما تكون من أكثر المؤسسات تمسكا بمظاهر الورع والتقوى, حتى يُخيل إليك أنك تعيش في أجواء المجتمع المثالي, وتحلق في فضاءاته المزينة بسحب العفة والنزاهة في الوقت الذي تمارس فيه معظم مؤسساتنا أبشع أساليب الابتزاز والتعامل الجاف مع المراجعين. . 

    •نحتل موقع الصدارة بين أقطار كوكب الأرض في استيراد هذا الكم الهائل من أجهزة الهواتف النقالة بشريحة أو بشريحتين, بعدسة أو بعدستين من باب التباهي والوجاهة والإسراف, فانشغلنا بهواتفنا من الصباح إلى المساء, وتعالت جدران العزلة بيننا, ولم نعد نتحدث مع بعضنا البعض حتى في نطاق أفراد الأسرة الواحدة. 

     

    •استوردنا من السيارات الحديثة فوق طاقة شوارعنا الاستيعابية, حتى تكدست عندنا بأعداد وأحجام وموديلات لا تخطر على بال الجن الأزرق, لكننا لم نفكر في يوم من الأيام ببناء معملا واحدا لإنتاج قطع الغيار, ولم نخطط لتصنيع بعض الأجزاء الصغيرة في السيارة كالمصابيح والإكسسوارات الخارجية والمقاعد الداخلية. . 

    •عندما نسافر خارج البلاد نتصرف وكأننا ملائكة غادرت أسوار المدينة الفاضلة لنعلن للعالم عن التزامنا الروحي والأخلاقي بالأعراف والأنظمة والقوانين المرعية في البلدان التي نزورها, لكننا سرعان ما ننقلب على أنفسنا ونعلن تمردنا على كل الأعراف والتقاليد والأنظمة حالما نعود إلى بلادنا, فنلجأ إلى ممارسة هواياتنا الفوضوية في البيت والسوق ومكان العمل, ويحلو لبعضنا العودة إلى العصور البدائية عندما يتبجح بانتماءاته العشائرية المتحجرة. . . 

    •ليس المهم ما نحمله من ذكاء ومواهب ومهارات ومؤهلات وقدرات علمية وإدارية ومهنية حتى نتبوأ المراكز التي تليق بمؤهلاتنا الأكاديمية والمهنية, المهم هو كيف نستفيد من ذكائك في التسلل إلى تنظيمات الأحزاب المتنفذة حتى نمتطي خيول المحاصصة, فنجمح بها كيفما نشاء لنتغلب على من هم أكفأ منا, وأفضل منا, وأقدم منا, وأنزه منا. فالغاية تبرر الوسيلة في معظم هياكل شركاتنا ومؤسساتنا, وبات باستطاعتنا تحقيق المزيد من القفزات الإدارية في غابات المناصب الزئبقية, التي أصبحت متاحة الآن لمن يريد التقدم على حساب غيره في هذه الفوضى الإدارية العارمة, التي اجتاحت مدننا وأريافنا, بعدما فجرتها النزعات الطائفية والمذهبية والقومية والعشائرية والتنظيمية. 

  • فضلات صالح “الفضالة”

    ليس مستغربا أن يظهر علينا صعلوك موتور من صعاليك الدبدبة, من وزن (الذبابة), لا يزيد طوله على طول سمكة متقزمة من اسماك القرش (الجرجور), اسمه صالح الفضالة, عرفه القاصي والداني بتحامله على أبناء الشعب الكويتي من فئة البدون, تارة يصفهم بالمعدان, وتارة أخرى يصفهم بالكواولة, لم تكن لصالح الفضالة هذا أي أفضال على احد, لا على نفسه ولا على قبيلته, فالرجل لم يكن فاضلا في سلوكه مع البدون, ولا من الأفاضل ليكون هو الناطق باسم المصالح الكويتية, ولا صالحا بالقدر الكافي ليتأهل إلى الموقع, الذي يمنحه حق التلاعب بمصير هذه الشريحة المظلومة, وربما كان من فضلات الزمن المتردي بكل ما تحمله رياح هذا الزمن من أعاصير كاسحة لحقوق العرب, فقد اتضحت نواياه المُبيتة لوأد أطفال البدون ودفنهم وهم أحياء في حفر الباطن, ويتعين على رجال الدين من كل الطوائف والمذاهب أن يحصّنوا الناس من فضلات الفضالة, ويحمونهم من مقذوفاته, إذ من غير المعقول أن يجاهر الفضالة بطرد أكثر من (42000) مواطن كويتي من البدون بقرار جائر يجتثهم من جذورهم الضاربة في عمق الأرض, ويرميهم خلف الحدود الكويتية, ومن غير المعقول أن تسمح الكويت للفضالة برمي فضلاته على العرب والمسلمين من دون أن يلجمه أحد, ومن غير المعقول أن يُترك على هواه يخطط, ويحشد, ويحرض في السر والعلن لمرحلة قاتمة من مراحل الفصل الفئوي. .

    ربما كان هذا الرجل متأثرا بالنزعات العرقية عند هتلر, أو يريد اقتفاء أثر الصربي سلوفان ميلوسوفيتش, فيعيد إلى الأذهان ما اقترفته يده الآثمة في الحملات العرقية, التي شنها ضد شعب كوسوفو, وربما سيصبح أكثر إجراما وفتكا من السفاح الاسباني (كورتيز) عندما سحق شعب الأزتيك في المكسيك, فمن غير المعقول أن تضع الكويت هذا الفضالة فوق رأس الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع البدون في الكويت وهو الحاقد عليهم المنتقم منهم ؟؟, ولا ندري كيف تسمح للمجانين والعنصريين بالتحكم بمصائر الناس بهذه الأساليب الهمجية التي تعكس سوء بطانة الفضالة, ورحم الله خالد سعود الزيد عندما قال:

    كان أصلُ الكويت دعوة حب أينعت حولها قلوبٌ ندية

    كان حكامها بنيها فأضحى شعبها حاكما وكان الرعية

    في حين يدعو الفضالة اليوم لغرس بذور الضغينة في غابات الكراهية, ويخطط لاكتساح البدون كلهم, ويفكر بإطلاق نظرياته العرقية العرجاء ليقبح وجه التاريخ. 

    يزعم الفضالة إن الكويت تأوي أكثر من (42000) منذ أكثر من قرن كلهم من العراقيين, ويزعم إنهم يمثلون اليوم فئة البدون, بمعنى انه يفكر بترحيل هذا العدد الهائل من العوائل الكويتية إلى العراق, ويزعم انه تباحث في العراق مع الجهات المعنية للتنسيق بشأن الترتيبات المرتبطة بأكبر عملية نزوح للأجناس البشرية في تاريخ كوكب الأرض, وان الفضالة لن يهدأ له بال, ولن يستريح حتى يطرد أخر اطفال البدون, ويضع الكويت في مواقف محرجة لا تحسد عليها, والانكى من ذلك كله انه ظن (من كل عقله) إن العراق سيرضخ لفلسفة الفضلات والملوثات, ويشترك مع (صويلح) في مباركة هذا النزوح البشري المرفوض رفضا قاطعا في العراق وخارج العراق, والمرفوض رفضا قاطعا في كل المقاييس والمعايير الإنسانية, والمرفوض رفضا قاطعا من أسرة آل الصباح من صغيرهم إلى كبيرهم, فهل جن جنونه حتى ينساق وراء أحقاده الدفينة المعادية للجنس البشري, ويظن بنظرته الضيقة انه سيحقق مآربه الخبيثة بالانتصار على عشرات الآلاف من النساء والرجال والأطفال, ويطردهم من الكويت بهذه البساطة ؟؟, لكنه نجح حتى الآن في تكريس الجهل والتخلف بين أفراد البدون عندما حرمهم من التعليم, وعندما شارك بحذف ألقابهم من البطاقات الشخصية في محاولة منه لطمس هويتهم, ونجح في تعقيد حياتهم, ونجح في ممارسة المزيد من الضغوط على الجيل الخامس منهم, ونجح أيضا في تشويه صورته في الصحافة والإعلام أكثر مما هي مشوهة. .

    ليستمع الفضالة إلى روايات الكويتيين الذين لا يحملون الجنسية حتى الآن, ويتأكد بنفسه كيف إنهم ولدوا في الكويت قبل ولادته عام 1949, وعاشوا هنا قبل التاريخ الذي تسلل فيه الهنود والسريلانكيين الى حياض الكويت والخليج العربي. 

    http://www.youtube.com/watch?v=k_6Ctb6BHZc

    تنتسب أسرة صالح بن يوسف بن صالح الفضالة إلى القبائل السليطية التميمية, التي نزحت إلى الكويت من جزيرة العرب, ولها امتدادات أسرية واسعة في السعودية والأردن, ويحق لها أن تفتخر بسجلها الحافل بالمواقف المشرفة في العراق والسعودية وقطر والأردن, ولن يضيرها ظهور هذا الفيروس الصغير المتقزم في مضاربها الأصيلة, والشرف كله والعزة كلها لقبائل البدون, وحاشاها من كل سوء لحق بها من فضلات الفضالة, ورحم الله المتنبي على لاميته التي يقول في مطلعها:

    لَكِ يا منازلُ في القلوبِ منازلُ

    http://www.youtube.com/watch?v=JN1qc1LBxiM&feature=related

  • حلف بغداد أنموذجاً .. نظام امن إقليمي ضرورة وطنية وإقليمية لابد منها من يزايد على من؟! والكل أيديهم في النار !!

    تتدهور الأوضاع في منطقة تعتبر من اهم مناطق العالم حيث تتصاعد حدة الازمات والاختناقات التقاطعات. وتزداد يوما بعد يوم نذر اندلاع المزيد من الأخطار الجسيمة المهددة باندلاع صراعات تعيد الاوضاع الى ماكانت عليه في ثمانينات القرن الماضي حيث كانت الحرب العراقية الايرانية تحصد آلاف الابرياء وتعرض الامن الوطني لكلا البلدين الى افدح الاخطار واسوء العواقب. فالقصف التركي للأراضي العراقية المتواصل واختراق اجوائه الاقليمية من قبل الطيران التركي، يتزامن مع افعال واعمال مماثلة تقدم عليها ايران. وما يجري الان في سوريا لا يتشكل بعيدا عن مجمل الاوضاع السادة في المنطقة.. حيث غياب التفاهم والتعاون الجدي والواضح بين الدول المعينة والتي أغواها الغرور وسطحية الفهم والانانية وتدني الكفاءة المصحوب باعتداء غير واقعي بالنفس مع ميل للاطماع التوسعية التاريخية مستحيلة التحقق. 

    وكل ذلك يضع الجميع امام مسؤولية البحث الجدي والحقيقي عن كل مايؤدي الى تطبيع العلاقات وارسائها على اسس تضمن الحفاظ على امن واستقرار الجميع بعيدا عن المساس الخطير بأسس وقواعد الامن الوطني وبالتالي الأمن الإقليمي في الحاضر والمستقبل.

    ان ما يجري الآن في المنطقة يماثل ما كان يجري في مرحلة مابعد الحرب العالمية الثانية حيث ظهرت حالات التخبط والضياع والانقلاب نتيجة خروج الدول الكبرى والدول المشاركة في الحرب بدمار كامل او شبه كامل فكانت في امس الحاجة لفترة اعادة تنظيم وترتيب وانتشار.

    هذا الى جانب التدني المستمر في قدرات وامكانيات الدول المشاركة في الحرب وخصوصا الاوربية منها. الامر الذي فرض على دول المنطقة التفكير الجدي في ايجاد منظومة امن اقليمي قادرة ومقتدرة، ولم تجد بدا من اشراك دول من خارج الاقليم كاميركا وبريطانيا في هذه العملية.

    ورغم الحماس الذي اظهره سياسيون من دول المنطقة في مؤتمر باندونغ في 19 آذار عام 1951 في تبني فكرة الحياد حيث اصدروا بيانا خطيرا عن الحياد حذروا فيه من الانحياز الى اية كتلة من الكتلتين المتنازعتين سواء كان ذلك في الحرب الباردة القائمة آنذاك ام في اي صدام مسلح محتمل قد يقع في اية لحظة. بيد ان هناك من لاذ في الصمت وهو يرى بأم عينيه كيف ان اسس وقواعد السلام والأمن تتداعى وتحتل تحت انفراط عقد التفاهم والحوار والتعاون في كافة المجالات والأوضاع التي تستدعي ذلك، وبوجود الضمانات الدولية القادرة على اعادة الحق لأهله وعدم السماح لحالات التفرد والتجاوز المزاجي الانفعالي او وفق منظومة الفعل ورد الفعل. ومن بين هؤلاء عدد من المسؤولين في العراق يتقدمهم نوري السعيد وفاضل الجمالي وفي تركيا وإيران، كانوا يتحينون الفرصة للاقدام على خطوة لابد منها لتحقيق الاستباب الامني، والاستقرار الاقتصادي والسياسي والانفتاح باتجاه التطور والنمو والخروج من عنق الزجاج الى العالم الرحب.

    لم تكن الساحة السياسية العراقية خالية من مغصات لنوري السعيد، فظهور التيار المؤيد لعلاقات متطورة مع الولايات المتحدة الاميركية، كبديل عن الاعتماد العراقي على لندن، اوجد خللا كبيرا في التوازن الذي يميل لصالح نوري السعيد. بيد ان القاسم المشترك الاعظم، هو الذي جعل نوري السعيد يتحمس على نحو غير مسبوق لفكرة قيام حلف إقليمي يشكل قاعدة قيام نظام امن إقليمي جديد. رغم ان السياسية البريطانية لا تحبذ فكرة قيام الأحلاف، بخلاف السياسة الاميركية التي كرست جهودا ضخمة من اجل قيام عدة أحلاف مهمة في العالم كحلف الناتو وحلف جنوب شرقي آسيا وحلف بغداد وحلف الناتو وغيرها.

    لقد كان تكليف الدكتور محمد فاضل الجمالي تشكيل وزارته الاولى في 17 ايلول 1953 بداية العمل الجاد باتجاه اظهار فكرة قيام نظام امن اقليمي جديد الى حيز العمل، رغم ان هذا التكليف حمل ايضا بداية صراع محتدم بين تيارين متعارضين متناقضين تيار يمثل التوجه نحو اميركا واخر محافظ يريد التمسك بالعلاقة التقليدية مع بريطانيا. ومن هنا فقد استقبل نوري السعيد هذا التغيير بموقف الرفض ثم الزعل والسفر الى خارج العراق، وكانه بذلك يريد ان يقول : (لا عين تشوف.. و لا قلب يحزن) فضلا عن انه اراد ان يضع بريطانيا امام الحقيقة التي بات يخشاها ويخافها محذرا ومنبها، من أن المصالح البريطانية في العراق باتت في خطر حقيقي.

    وهكذا بدا واضحا ان اميركا انتصرت في صراعها مع بريطانيا وبات مفهوما تماما انها قد ملأت الفراغ.. شاء ذلك نوري السعيد او رفضه. ولم تكن زيارة جون فوستر دالاس وزير الخارجية الاميركي للعراق في 17 مايس 1953، الا تأكيدا واضحا لهذا الانتصار الذي تعزز بوصول الدكتور فاضل الجمالي الى رئاسة الوزراء بطريقة فاجأت الجميع باستثناء أولئك الذين كانوا على علم بما يجري خلف الكواليس، خصوصا بعد أن اضحى الأمير عبد الاله ولي العهد واحدا من بين ابرز المتحمسين لعلاقات عراقية أميركية بديلة عن علاقات عراقية بريطانية وان الاجتماعات التي كانت تعقد في البلاط برعايته كانت تمهد الطريق بهذا الاتجاه وتهيأ الأجواء لهذا التبدل. وكانت زيارة ولي العهد الأمير عبد الاله لواشنطن احد ابرز إجراءات التهيئة والإعداد.

    لقد أدركت بريطانيا حجم وعمق الصراع الدائر في بغداد بين هذين التيارين فضلا عن امور اخرى تشكل في مجموعها وضعا متوترا مشدودا يهدد بأوخم العواقب واشد النتائج سوءا خصوصا بعد ان اشتد الخلاف بين بغداد والقاهرة على خلفية النزاع بينهما على الدور المحوري في المنطقة. من هنا اوعزت الى سفيرها في بغداد، بان يعمل جاهدا من اجل اقناع الأمير عبد الإله بضرورة واهمية مصالحة نوري السعيد والسعي الى اعادته الى بغداد والعمل على تسوية الخلاف، وبالفعل حصل ذلك واقتنع الأمير بالموضوع وهكذا سافر الأمير إلى باريس التي غادر اليها نوري قادما من لندن وهناك تمت تسوية الخلافات، وفي مقدمة تلك الخلافات موضوع قيام نظام امن إقليمي يضمن الأمن والاستقرار والسلام والتطور للدول المنضوية إليه وقد تم اللقاء بحضور احمد مختار بابان. مؤكدا وحدة التوجه العراقي للاستفادة من كل عناصر القوة والقدرة والتمكن المتاحة لصالح العراق شعبا ومملكة. ومن غير المسموح به تغليب الرؤى الشخصية والاجتهادات الذاتية على وجهة النظر او الرأي الجمعي. وهكذا بدأ نوري السعيد يضع اسس قيام هذا النظام بالتعاون مع الدكتور فاضل الجمالي من خلال وزارته الثانية عشرة التي ألفها بعد رجوعه من منفاه الاختياري الى العراق في آب 1954 حيث استمرت هذه الوزارة في الحكم ثلاث سنوات وهي اطول مدة قضاها رئيس وزراء في الحكم الملكي، مبرهنا خلالها على تضامن حقيقي لجهود جميع التيارات الوطنية العراقية بصرف النظر عن اجتهاداتها لخدمة العراق وتحقيق كل مايؤدي الى ذلك. وهكذا شمر الجميع عن سواعدهم لايجاد ارضية صالحة لتحركات الحكومة في إطار تنفيذ خطة استهدفت اخضاع كل الاجراءات والترتيبات الامنية للمصلحة الوطنية العراقية والاقتناع عن كل فعل او عمل لا يحقق ذلك قد توقفت موقفا سلبيا من مشاريع (النقطة الرابعة) و (فولبرايت) ورفض (فكرة اقامة قيادة الشرق الأوسط الموحدة) ورفض (المعاهدة الثنائية) ورفض مشروع جون فوستر دالاس (بإنشاء منطقة دفاعية تشترك فيها: تركيا وايران والعراق وباكستان وافغانستان ويطلق عليها (الحزام الشمالي).

    لقد كان ظهور الحلف التركي – الباكستاني احد أهم مؤشرات نضوج فكرة قيام منظومة الامن المطلوبة التي تخدم قضايا المنطقة أولا دون التورط في عمليات تخدم ظروف وأوضاع الحرب الباردة والتنافس أو التنازع بين الدول الكبرى. خصوصا وان دول المنطقة تعي تماما مسألة ان الامن الاقليمي مسؤولية الجميع وان الامن الوطني مرتبط ارتباطا عضويا بالأمن الجماعي لدول المنطقة وإن أي تهديد للأمن الوطني هو تهديد للأمن القليمي بصرف النظر عن طبيعته ومصدره. ذلك ان تشابك المصالح وتماثل مصادر التهديد وتشابه التحديات والمشاكل والامتدادات الطبيعية بين مكونات السكان في جميع الدول المكونة للإقليم الذي يتواجد فيه العراق.

    لقد بدأ البحث الجدي في موضوعتي الأمن الوطني والامن الاقليمي يطرح نفسه بقوة على أرضية الواقع العراقي بكل ابعداه ومكوناته وأطيافه. وقد اتجه هذا البحث والحوار باتجاهين مهمين: الأول، يقول ان الدفاع عن استقلال العراق وسيادته ووحدة اراضيه واجب طبيعي وحق مشروع وفرض وطني. وهو ينحصر بالعراق اولا واخيرا. ويترتب عليه النهوض بهذا العبء وتهيئة كل السبل والوسائل الكفيلة بتحقيق القدرات والامكانيات التعبوية والاستراتيجية من حيث الاسلحة والمعدات والدعم اللوجستي وكل ما يلزمه في الحاضر والمستقبل مع تامين مستلزمات حفظ الحقوق المادية والعينية للعراق وتحديد أوليات المصالح العليا للبلاد للذود عنها. والاستفادة القصوى من إقرار الامم المتحدة بالحق الطبيعي للدول (فرادى وجماعات) في الدفاع الشرعي، فمن الضروري ايجاد الوسائل الممكنة والناجحة في مجال تأمين الاحتياجات الضرورية لتحقيق دفاع ناجح عن السيادة والوجود.

    الثاني: لقد وجد هذا الاتجاه ان الاهتمام بتعزيز وترصين إمكانيات منضومة الأمن الوطني لا يتناقض او يتعارض مع الامن الاقليمي بل ان ايجاد نظام امن اقليمي من شأنه دعم وتعزيز الامن الوطني، وذلك لوجود قواسم مشتركة بين عدد كبير من دول المنطقة في ما يخص الامن وفيما يخص التعاون ايضا في مجال الاستثمار والبحث العلمي ومقاومة الآفات الزراعية والقضاء على التهريب بكل انواعه وبشكل خاص تهريب المخدرات وغسيل الأموال وترويج العملة المزورة والاستغلال الامثل للموارد المائية وتفادي كل ما ؤدي الى تأزيم العلاقات وتوفير مناخات الازمات والصراعات الجانبية وتفادي الصدامات المسلحة بكل انواعها وسباقات التسلح والعسكرة وغير ذلك. خصوصا وان العراق خرج من حيث المبدأ من محيط الامن والوطني الى الأمن القومي بدخوله في معاهدة الدفاع العربي المشترك. وهذا يشجع على إيجاد علاقة بين جماعة الميثاق العربي، وجماعة ثانية ذات علاقة بالمنطقة المطلوب الدفاع عنها. جغرافيا واقتصاديا وسياسيا وتاريخيا وبشريا.

    وقد أضاف هذا الاتجاه بعدا آخر لا يقل اهمية عن الابعاد الاخرى تلك ان رفض التمديد على المعاهدة العراقية – البريطانية التي تنتهي في عام 1957 يتطلب الاستناد الى منظومة امن اقليمية تستند عليها أسس وقواعد الاعتماد على النفس في الدفاع عن سيادة ووحدة العراق شعبا وأرضا والوقوف بوجه الأطماع من اية جهة جاءت ولأي غرض صارت.

    هذه باختصار شديد الارضية التي وقفت عليها السياسة العراقية والساسة العراقيين وهذا لا يعني انعدام وجود معارضة لهذين الاتجاهين.. فقد امتلأ الشارع السياسي بمواقف متباينة ومتعارضة ولأسباب مختلفة. قسم منها للمزايدة واخرى للمتاجرة وثالثة لأجندات خارجية كانت ترى أن ظهور منظومة امن لدول المنطقة معناه نجاتها من الستراتيجيات.

    وهكذا شرع المشاركون في الحلف بترتيب اوضاع الحلف من الداخل. حيث اتخذ له مقرا في العراق وتم تعيين هيكل الحلف ولجانه ومراكز البحث التابعة وسكرتاريته واجهزته الاخرى. وتوالت اجتماعاته ولقاءاته ومحاضر جلساته وخططه الانبية والمستقبلية وخصوصا على مستوى التنسيق والتكامل بين الدول الاعضاء وتحديد احتياجاته والتحديات التي يواجهها وسبل التصدي لها وكيفية التغلب على المشاكل التي تعاني منها الدول الاعضاء ووضع الخطط اللازمة لقيام تعاون اقتصادي وعلمي وسياحي وسياسي مثمر وقائم على اسس وثوابت راسخة وثابتة وكيفية الاستفادة من الخصاص الجيو سياسية التي تتمتع بها المنطقة وقربها من اوربا ومن البحرين الابيض والاحمر وبحر قزوين والبحر الاسود.

    يقول سفير الولايات المتحدة الاميركية في العراق انذاك Gall man في كتابه Irak nder General narl ص128 : ان العراق حاول ان يضرب اكثر من عصور في ايجاد مثل هكذا حلف. منها:

    1- انه اراد اولا ان ينتصر للعلاقة الوطيدة والعريقة بينه وبين بريطانيا ويهمش اميركا التي لم تتردد من الرد على هذه المحاولة بالوقوف الى جانب عبد الناصر في العدوان الثلاثي عام 1956.. وقد كانت هزيمتها في ذلك العدوان. نهاية وجودها في الشرق الاوسط.

    2- انه اراد السيطرة والهيمنة المعلوماتية على جيوش دول لها فيه مطامع وتوجد لديها خطط للوصول الى تلك الاطماع.

    3- انه اراد ان يكسر التحديات التي يواجهها بواسطة هذا الحلف وهي كثيرة. كمصر عبد الناصر، والسعودية والاكراد واسرائيل وسوريا.

    4- انه اراد ان يحمي ثرواته الكثيرة والمتنوعة والمثيرة للشهية

    ذلك هو التشخيص الواقعي والحقيقي لما حصل. وان هو لايخلون من بعض المبالغات، فالحلف لم يحقق الفوائد الايجابية للعراق وحسب، بل ان الجميع انتفع بشكل مباشر وغير مباشر فقد كان ضرورة قصوى للجميع ولعل مانحن فيه الان – واعني بـ (نحن) كل الدول التي ساهمت في قيام الميثاق – يوكد ذلك ويغرض الجميع العودة اليه لتفادي ماهو افضع واشنع واسوء

    ان اولئك الذين يوغلون اكثر فاكثر في الامعان بسياسة الانفراد لتحقيق الاطماع التوسعية. عليهم ان يدركوا حقيقة انهم يحاولون اطفاء الحرائق ببراميل البارود. متناسين حقيقة ان لاسبيل للوصول الى الاستقرار السياسي والهدوء الامني والانفتاح باتجاه الاستفادة القصوى في كل الامكانيات المتاحة في المنطقة ليعم الازدهار والتقدم والرفاهية من خلال التعاون البناء المجسد بمنظومة امنية اقليمية تحقق كل ماترجوه وتتمناه شعوب المنطقة الذي ترى انها مهددة في الوقت الحاضرة بانقلاب امني لن يبقى ولن ينذر. بالطبع ليش ضروريا استنساخ التجربة السابقة في مضمار الامن الاقليمي بل ربما ليس من الضروري ان يكون هناك حلف او ميثاق. بل كل ماهو ضروري في الوقت الحاضر ان يكون هناك لقاء منظم يستوعب مهمة تطبيع العلاقات وارسائها على ثوابت تسهم في قيام انفتاح مباشر بين هذه الدول تحت اي مسمى كان يعمل على تفادي اخطار الانجرار الى صراعات ثنائية او ثلاثية او جناعية بين دول المنطقة تكون حصيلتها المأسي والدمار والخراب.. والحرب العراقية الايرانية التي استمرت ثمان سنوات وحصدت مئات الالاف من البشر وعرضت امن واستقرار واستقلال البلدين لاخطار حقيقة. وما يجري الان على الحدود السورية التركية والحدود العراقية التركية والحدود العراقية الايرانية خير تعبير دقيق عن الحاجة الفعلية للتفاهم المبني على الفهم الدقيق والواقعي بحجم المخاطر الانية والمستقبلية، بعيدا عن المزايدات الطفولية والرؤية المغرورة.