هذه أفكار تأسيسية لثقافة القيم التي يحتاجها رجال الداخلية وهم يواجهون بقايا الإرهاب المهزوم والمأزوم نفسيا وعقائديا, سياسيا واجتماعيا, مثلما قد يواجهون موجات الارتداد السلوكي التي تختزن الانحلال والإباحية والتي تستقر في قعر النفوس المظلمة والقلوب الفارغة التي اسودت فضاءاتها بسبب الغفلة والضلال. وثقافة القيم هذه محاضرة ألقيت على ضباط وطلاب كلية الشرطة ” الأكاديمية ” ببغداد يوم 6|5|2012 بدعوة من عمادة كلية الشرطة للشروع ببرنامج ثقافي إنمائي لرجل الداخلية تحرص عليه وزارة الداخلية من خلال مشروع وطني يحرص على المعرفة التأسيسية لبناء القيم والمفاهيم في شخصية رجال الداخلية يكون رديفا لما تبذله الدولة من خطط تطويرية مهنية لإعداد رجال الأمن الوطني بمعناه الاحترافي الذي يواكب روح العصر ويرتبط ببوصلة السماء ذات الفيض الدائم لمصلحة الاجتماع البشري .
وثقافة القيم : تركز الضوء على منظومة القيم التي تهم المجتمع , ثم تركز على خصوصية منظومة القيم في حياة رجال الداخلية ولذلك سيكون الحديث مبوبا لتسهل المتابعة والاستذكار لضباطنا وطلابنا ومراتبنا في الداخلية ومعهم اعزاؤنا في الجيش على الشكل الآتي:
1- منظومة قيم الشجاعة
2- منظومة قيم الأمانة
3- منظومة قيم الإخلاص
4- منظومة قيم الوفاء
5- منظومة قيم الحمية
6- منظومة قيم الغيرة
7- منظومة قيم العفة
8- منظومة قيم الاستقامة
9- منظومة قيم المسامحة
10- منظومة قيم الإرادة
11- منظومة قيم العطف والرقة
12- منظومة قيم الحكمة
13- منظومة قيم السخاء
14- منظومة قيم الأخلاق
وهناك منظومات قيم أخرى لا تقل أهمية عن القيم التي ذكرناها والتي تتوزع دائرة الذاكرة المعرفية مثل :-
1- الفهم
2- العلم
3- الحفظ
4- التذكر
ويستبق كل ذلك حضور “العقل” الوسام الذي تشرفت به البشرية من فيض السماء “إني جاعل في الارض خليفة ” وخطابها التأسيسي المتداخل في شغاف القلوب المشحونة بطاقة العمل من علام الغيوب “هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون” ورديفها الذي يشكل بلاغة الجواب ” أم هل تستوي الظلمات والنور”.
والعقل الذي يشكل الأرضية والقاعدة لمنظومة ثقافة القيم من خلال مراحله الأربع وهي:
1- المرحلة التي يفارق بها البهائم , وهي قدرة الإنسان على استحصال العلوم النظرية والمسائل المعرفية.
2- المرحلة التي تجعل الصبي مميزا كما في الاصطلاحات الفقهية, حيث يصبح قادرا على إدراك الضرورات والممكنات مثل معرفته: بان الاثنين أكثر من الواحد
3- المرحلة التي بها يستحصل التجارب ويستفيد ومن خلالها يقال : هذا ” عاقل “وهذا ” غبي”.
4- المرحلة التي يعرف بها حقائق الأمور ومبادئها وتحصل له القدرة على اتخاذ الموقف والقرار , فيوقف الشهوة العاجلة ويستبدلها بلذة منتظرة اجلة ” اخروية ” وقد عبر الإمام علي عن ذلك شعرا حيث قال:
رأيت العقل عقلين ….. فمطبوع ومسموع
فلا ينفع مسموع ……. إذا لم يك مطبوع
كما لا تنفع الشمس …. وضوء العين ممنوع .
والسفر والوصول إلى ثقافة القيم يحتاج زادا فكريا مطبوخا ومحضرا من موائد السماء حصرا لتفادي النقص والتلوث الذي يحصل في المطابخ البشرية وقد راينا الكثير منها والتي سببت عسر الهضم وتلكؤ الذاكرة عبر الكثير من المدارس الفلسفية والعقائد الوضعية التي ظهرت عبر التاريخ .
مقتربات تكوين الصورة عن المطبخ الفكري :
هناك ثلاثة نماذج ظهرت عبر التاريخ وهي على الشكل الآتي:
1- الرسل والأنبياء والأوصياء: وهؤلاء عندهم خمس قوى هي:
ا- قوة الروح القدس
ب- قوة البدن
ت- قوة الإيمان
ث- قوة الشهوة
ج- وروح القوة
قال تعالى: “وكذلك أوحينا اليك روحا من امرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ” – الشورى – 52.
وروح القدس من سكن فيه لا يعمل الكبيرة ابدا – بحار الانوار ج25ص53 –
2- المؤمنون: ولهم أربع ارواح هي :
ا- روح البدن
ب- روح القوة
ت- روح الشهوة
ث- روح الإيمان
وليس عند المؤمن روح القدس وعندما يمارس الكبيرة تفارقه روح الإيمان .
3- الكفار : ولهم ثلاث أرواح هي :
ا- روح البدن
ب- روح القوة
ت- روح الشهوة
ومن هنا كان وجود المعصوم ضرورة للاجتماع الإنساني ومشروعه السياسي الذي مازالت تتقاذفه الاهواء وتنحدر به الاجتهادات والآراء الخاطئة ذات الشمال وذات اليمين, بسبب سلطات وانظمة وضعية زمنية , استأثرت بالمال ولامتيازات وتسقيط بعضهم للبعض الآخر ليس في الانظمة الدكتاتورية والوراثية , وانما في الانظمة التي تدعي الديمقراطية , فهذه الفضائح تنشر غسيل السلوك المتصابي وانحرافاته مثل:
1- برلسكوني وجنسيته المفرطة مع السكرتيرات
2- وكلينتون وفضيحة البيت الأبيض مع سكرتيرته
3- ورئيس اسرائيل الأسبق وفضائحه الجنسية
4- وجاك شيراك الرئيس الفرنسي الأسبق وفضائحه المالية التي ادخلته السجن مع وقف التنفيذ لتقدمه بالعمر.
5- وساركوزي وسقوطه هذه الأيام أمام هولاند الذي سيصبح رئيسا لفرنسا وما ندري ماذا سيكشف عنه في المستقبل .
6- واوباما الرئيس الامريكي الذي يقدم تهنئة لزواج ” مثليين “. وهو رئيس اكبر دولة تتحكم بمصير العالم في الظاهر وان كانت سائرة نحو التدحرج والانكماش , مع وجود تيار المرمون المتطرف الذي ينتهج العقيدة التوراتية ذات الطابع الخرافي الذي يختزنه كتاب ” حزقيال ” في اجزائه – 38-39- عن ” يأجوج ومأجوج ” وعن معركة ” الهرمجدون ” ذات الولع التوراتي باستحضار ذاكرتها كنوع من أنواع الرعب السايكولوجي الذي درجت عليه افلام ” هوليود ”
ان ثقافة القيم هي ذخيرة فكرية عقائدية تمتلك فرصا حقيقية لاستثمار النفوس والعقول الإنسانية, ولكن مع استحضار الوسائل المكملة للنهضة والبناء بشروطها الموضوعية التي تحرص على مواكبة العصر بمنجز يجتذب الناس ويحقق تطلعاتهم في الحياة الكريمة عبر كل من :
1- طعام
2- كساء
3- سكن
4- تعليم
5- صحة
6- امن
7- عدالة
والمطبخ العقائدي الروحي وموائده السماوية يقدم إطباق المعرفة لثقافة القيم ومنظوماتها على الشكل الآتي:
1- قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ” وهذا الخطاب الإلهي يقدم حقيقتين هما:
ا- حتمية علاقة الأرض بالسماء : وهي الحتمية الأصح والاتم والأحسن والادوم , لان الفلاسفة واصحاب العقائد الوضعية تكلموا عن حتميات كثيرة ولكنهم لم يكتشفوا حتمية علاقة الأرض بالسماء قال تعالى ” هو الذي في السماء اله وفي الأرض اله ” وقال تعالى :” هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى الى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم ” – البقرة – 29.
ب- ان الملائكة من جوهر فعندما يشبون ماء الأرض ويستنشقون هواءها ويكلون طعامها يصبحون جزء من المادة وكل من يصبح من المادة فإنه يتعرض للاتي :-
1- يتعرض للغفلة
2- يتعرض للنسيان
3- يتعرض للضعف
4- يتعرض للمرض
وهذه جميعها لا خلاص منها نهائيا إلا بهدي الخالق وهو الله ” وإذا مرضت فهو يشفين “.
ومن هنا ينبثق الفيض الأول لثقافة القيم ومنظوماتها والذي يقول نحن نريد الفكر الذي يتصف بما يلي:
1- يحضرنا عند المرض
2- ويساعدنا عند الضعف
3- ويلهمنا عند النسيان
4- ويذهب عنا الغفلة ويعوضنا بنشاط متجدد .
ورجال الداخلية والمواطنون والناس جميعا مدعون لمائدة السماء من خلال اعالي المعرفة التي تتصف بما يلي :
1- بالقدرة على الفهم
2- بالقدرة على التمييز
3- بالقدرة على التشخيص ” اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور لله ”
2- قال تعالى ” الله لا اله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم مابين ايديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم ” – البقرة – 255. وآية الكرسي هي من الموائد التي تعطي مفاهيم عالية القدرة على بناء ثقافة القيم .
3- قال تعالى ” الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم ” – النور – 35.
نحن هنا أمام مطبخ معرفي أسراره عصية على الفهم إلا من نور الله قلبه , ومن هذا النور وسره تنطلق منظومة ثقافية القيم .
4- قال تعالى ” وإذ اخذ ربك من بني ادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم الست بربكم , قالوا بلى شهدنا ان تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين” “.
فهذه الموائد الفكرية التي شكلتها الآيات التالية:
1- آية الكرسي
2- آية الذر والبيعة التكوينية
3- آية النور وإسرارها
4- آية الحتمية بين السماء والأرض
5- آية الخلق والنعمة
6- آية التوحد والهيمنة لله في السماء والأرض , والإله هو المعبود.
تلك الموائد الروحية والفكرية والمطابخ المعرفية هي التي تعتمد عليها وتنطلق منها ثقافة القيم لرجال الداخلية وهم عماد الأمن الداخلي للمجتمع والدولة, والأمن من النعم التي وفرت لها السماء مستلزماتها وهي :-
1- إيمان صحيح
2- وفكر لا يفشل في الخطوب
3- رجال صالحون هم القدوة ” أنبياء ورسل وأوصياء ” وهم القادة
4- عدالة متوفرة على مصالح الناس , قال تعالى ” لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط “.
وسوف نرى أول قيمة من منظومات القيم : وهي ” الشجاعة ” والشجاعة ” ملكة ” وهي من الهيئات التي لا تزول لأنها ملكة ولكنها قد تتعرض إلى ظروف خارجية قد تؤثر فيها مثل : عدم وجود أدوات الشجاعة وهي : القوة المادية من:
1- مال
2- سلاح
3- تموين
4- عدد المقاتلين، قال تعالى “واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم”.
والشجاعة من القيم التي يحتاجها رجال الداخلية لما يواجهونه اليوم من اعمال إرهابية تستهدف الإنسان والوطن, مثلما يحتاجها رجال الداخلية في استكمال امن المجتمع من خلال مطاردة عصابات الجريمة بمختلف أنواعها.
ومع الشجاعة نجد ” الأمانة ” هي الأخرى قيمة تحتاج إلى ثقافة خاصة ولن تجد اقرب واضمن من ثقافة السماء قال تعالى ” انا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين ان يحملنها واشفقن منها وحملها الإنسان انه كان ظلوما جهولا ”
ثم نجد “الإخلاص” يتمم تلك القيم ويوفر لها ظهورا على مستوى الوطن والمواطن , مما يثبت روح الثقة ويشيع جو الاطمئنان على طريقة ومفهوم ” لو خليت قلبت ” .
وتبقى مفاهيم وقيم كل من : الغيرة والحمية , والصدق , والمسامحة , والعفة , والحياء , والسخاء , وحسن الخلق ” وانك لعلى خلق عظيم ” وكما قال “ص” “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” او كما قال “ص” “اثنان ثقيلان في الميزان يوم القيامة ” وهما : ” حسن الخلق والسخاء ” وعندما خلق الله الإيمان قال الإيمان يا رب قوني : فقواه بحسن الخلق والسخاء ” هذه مائدة شهية أخذنا بعضا منها وقدماها لرجال الداخلية ولكل من يقرا هذه المعرفة التأسيسية بقلب مفتوح وعقل يشتغل على توليد العمل والفتوحات الثقافية , وهذا ما يحتاجه وطننا العراق اليوم وما تحتاجه مؤسسات الدولة حتى نسترجع مافاتنا من الزاد الحضاري.
* رئيس مركز الدراسات والأبحاث الوطنية