Blog

  • المقايضة السياسية واستحقاقات المرحلة

    يخطئ من يعتقد ان المقايضة السياسية حول الحكم في العراق قد حان وقتها، ويخطئ اكثر من يعتقد انه سالم من العيوب والاخطاء من شركاء الحكومة المتقدمين او الذين يقفون خلف الكواليس، رهان الكراسي والمواقع والادوار لا يوجد من يتحلى بمواصفاته او يستجمع بعض اثمانه ومهوره .

    اعباء المرحلة اثخنت الجميع ورذاذها ودخانها يغطي الجميع وسؤال من اين لك هذا يطال الجميع؟ والمتعبون في القاعدة الشعبية وفي الشارع ملوا الجميع , ولم تعد من مصداقية لأحد.

    لكن الذين تكلموا كثيرا وبالغوا في التشهير والتسقيط , فاتهم ان التغيير لا يأتي من فوهة التشهير والتسقيط , وهو ينقلب عليه كالسحر على الساحر. ومن يمتلك رؤية وادوات البناء يميل الى مقولة “الوطنية تعمل ولا تتكلم”، ومن لا يمتلك رؤية ومفاهيم العمل السياسي يختلق الضجيج… ولذلك كثر مشهد الضجيج , وقل مشهد البناء ان لم يكن اصبح معدوما !.

    اغلب المتناوبين على الكلام والاستعراض امام الشاشات الفضائية هم مفلسون ديمقراطيا, فأغلبهم لم يحصل على النصاب الانتخابي وجاء محمولا على قائمته مرهونا لها. ما يجري في المنطقة تختلط فيه اوراق المشاريع الكبرى، والذين يتبادرون الادوار والتصريحات في العملية السياسية لايعرفون صيفها من شتائها. 

    مصطلحات سحب الثقة, والانتخابات المبكرة, امنيات لا يمتلك الداعون لها, ملاكات التواصل لتأسيس جسور الثقة مع من يمتلك اوراق اللعبة اقليميا, وعالميا. والراكضون وراء هذه الشعارات التي طفت على سطح الاحداث نتيجة احتقان تتداخل فيه عوامل لا تنتمي لهوية الوطن بشيء وتنفتح في ظلاله شهيات تقسيمية اعلن البعض عنها بدواعي تحريضية وايده آخرون بدواعي ثارية, وصمت آخر لدواع تحيّن الفرص.

    والكل المشترك في الهمروجة يعاني عيوبا, ويخاف من وطني, والبعض الآخر ملفاته جزائية تنتظرها حقوق مظلومين، وحده من يقف على نار السلطة المنفوسة والمحسودة يمتلك القدرة على تجاوز الحصار والخروج من عنق الزجاجة للأسباب التالية:

    1-  هو من يمتلك القدرة التنفيذية على تحريك الملفات

    2-  هو من يمتلك التواصل مع المحيط الاقليمي

    3-  هو من يمتلك التواصل مع المحيط الدولي

    4-  هو من يمتلك رصيد رئاسة الجامعة العربية

    5-  هو من يستضيف لجنة “5+ 1” في بغداد

    6- هو من يمتلك القدرة على التواصل مع الاطياف الشعبية والشخصيات الوطنية في المحافظات بعد ان اعطته زيارة كركوك زخما وطنيا وشعبيا

    7-  هو من يمتلك التأثير الواقعي في تحريك ملفات تهريب النفط

    8- وهذا الذي يمتلك كل هذه الابعاد اصبح خصمه السياسي ضعيفا منهكا على اكثر من صعيد

    9- وكل هذه النقاط قللت من نسبة الثغرات والاخطاء التي كانت تحسب على جانبه, وهي موضوعية, ولكن تدافع الاحداث وسوء تصرف خصومه رجّح كفته وطنيا..

    اما الابعاد الاقليمية: فقد ظهرت في ضعف الموقف التركي وعدم قدرته على ادارة الملف السوري بنجاح. ولأن الموقف الاوردغاني كان متشنجا مع الحكومة المركزية في بغداد ومتماهيا مع المواقف التي المعادية للسيد المالكي لذلك يعتبر ذلك اضافة سياسية لصالح المالكي.

    وبقاء الموقف السوري صامدا تجاه التحدي الذي واجهه عبر اكثر من سنة , مما جعل الاصلاحات تتقدم والانتخابات البرلمانية تعطيه دعما مع انكشاف الاعمال الارهابية بانفجارات دمشق الاخيرة التي ادانها بان كي مون أمين عام الامم المتحدة والذي صرح بأن القاعدة هي المتهمة بالتفجير وتصريح الجنرال مود رئيس فريق المراقبين بقيام الحكومة في سورية بمساعدتهم.

    وقيام الباخرة لطف الله 2 بجلب السلاح للمعارضة السورية عبر لبنان بشكل علني احرج قوات اليونيفل والدول المعنية بأمن المنطقة.

    واعلان التلفزيون السوري عن وجود ارهابيين يقاتلون داخل سورية من ليبيا وتونس وجنسيات اخرى وعرضهم وعرض اعترافاتهم مما يجعل بعض الاطراف التي كانت على وشك التورط في اعمال الشغب في سورية , كل هذه الامور قوت من موقف الحكومة العراقية التي ارادت حل المسألة السورية بالحوار وعرضت لذلك وساطتها.. وتورط المملكة العربية السعودية وبعض دول الخليج بالدعوة لاتحاد البحرين مع السعودية وهي خطوة ولدت ميتة وتدل على ارتباك الاطراف الخليجية تجاه ازمة البحرين واضطهاد شعبها المسالم ، كذلك فإن ازمة النووي الايراني واستقطابه لمجموعة دول البريكس, واستقطاب المسألة السورية لأطراف كثيرة في العالم الذي لم تعد تحكمه الاحادية القطبية , مما جعل المسألة السورية تكون في الفهم السياسي هي المقايضة بتعرض خريطة الخليج للاهتزاز , ومثلما تطفو احداث طرابلس في لبنان كتحد للعزلة اللبنانية التي لاتستطيع لوحدها حسم التراكم الطائفي في لبنان.

    وخوف وتوجس اميركي من تسرب الارهاب في المنطقة وخلق فوضى غير مسيطر عليها. لهذه الاسباب كلها فمن يعتقد بالمقايضة من احزاب العملية السياسية بالعراق فهو واهم, لأن التصدي في هذه المرحلة انتخابيا يحتاج الى:

    1- رصيد شعبي

    2-  رصيد فكري

    3-  رصيد مالي

    واغلب الذين يشتهون التصدي للادوار لايمتلكون كل تلك المواصفات لذلك ستظل المراوحة بالرجوع الى الاحجام الحقيقية, ورحم الله امرا عرف قدر نفسه.

  • العراق ورياح الأزمات.. من السورية إلى الاتحاد الخليجي

    للعراق ألفة مع الأزمات أكسبته خبرة وأعطته مناعة، فهو دائما يقوم من كبوته بينما لا تمتلك دول أخرى كثيرة مثل هذا الاستعصاء الملفت للنظر، والذي جلب له حسادا كثيرين، مثلما جلب له طامعين تزدحم بهم ذاكرة الماضي والحاضر. 

    ولقد كانت العرافة العربية “طريفة الخير” التي قادت الهجرة العربية الأولى في التاريخ بعد خراب مملكة سبأ التي تحدث عنها القرآن الكريم، والتي قال عنها الشاعر:

    ولا تستهن كـيد الضعيف فربما

     تموت الأفاعي من سموم العقارب

    وذلك في إشارة إلى الفار الذي هدم سد مأرب، كما في القصص والأساطير.

    والعرافة العربية “طريفة الخير” هي أول من وصف العراق وصفا يستجمع صورة لم تغادر مخيلة وانطباعات الدارسين للحالة العراقية سياسيا واجتماعيا، حيث قالت:

    1- من يريد الثياب الرقاق

    2- وكثرة الأرزاق

    3- والخيل العتاق

    4- والدم المراق

    5- فعليه بالعراق

    وهكذا قدم الأبرش وجماعته إلى العراق كما يقول صاحب كتاب أخبار مكة في التاريخ وهو ابن الأزرق المتوفى سنة 250 هجرية.

    وظلت مقولة “العراق بستان قريش” مقولة السطوة السياسية والتفاخر الذي يبحث عن الامتيازات للعوائل والأسر، وهذا النفس هو الذي ظل سائدا إلى اليوم رغم تغيرات المنطقة والعالم، وما قضية البحرين ومطالبات الغالبية من أهلها بحقوقهم بطريقة سلمية والتي صادرتها عائلة ال خليفة المستقوية بأسرة آل سعود وبقية الأسر الخليجية التي أدمنت العيش تحت ظل حماية دولية أمريكية تعطي كل اهتمامها للأمن الإسرائيلي، مما جعل أنظمة الحكم الخليجية والتي ظهرت مع الموجة الجديدة التي مازالت غير واضحة المعالم بالنسبة لشعوبها، ولكن ارتياح الجانب الصهيوني لأنظمة الخليج ومن يتعاون معها من الأنظمة الجديدة من موجة ما يسمى بالربيع العربي وهي تسمية فيها الكثير من الالتباس، الذي يجعل الارتياح الصهيوني تشكل علامة استفهام كبيرة على الذين يشملهم ذلك الارتياح الإسرائيلي، وهذا أمر منطقي على طريقة التلازم المعروفة عند المتكلمين.

    والمشروع السعودي الذي يطرح فكرة الاتحاد مع البحرين يشكل هاجسا مريبا لبقية الإمارات الخليجية التي أصبحت مهددة قسرا من حيث تدري او لا تدري مشروع نصب الدرع الصاروخي الأمريكي في الخليج بحجة استهداف إيران.

    والعارفون بالشأن الدولي وبالإستراتيجية الدفاعية ومنظومة الأمن الدولي لا يرون وجود ضرورة للدرع الصاروخي في الخليج بعد ان نصب الدرع الصاروخي في تركيا المجاورة لكل من إيران وروسيا الاتحادية.

    ويرون أن فرض الدرع الصاروخي في منطقة الخليج المسترخية على حياة مدنية مترهلة، إنما يراد من ذلك خلق إحساس بالخوف والهلع من عدو افتراضي هو إيران، ومما يعمق هذا الشعور لدى أنظمة الخليج كونها هي الأخرى تعيش هاجس البعد الطائفي المتغلغل في ثقافة إقصائية شديدة التطرف جعلت من أتباعها والمتأثرين بها يضعون العراق وحكومته في مربع الريبة والشك الذي يفضل الهدنة مع الكيان الصهيوني بكل ماله وما عليه من عدوانية واغتصاب لحقوق الفلسطينيين وعدوانية طافحة بالحقد للجغرافية الإسلامية وأهلها، ولا يفضل التعامل مع حكومة العراق ليس لعدم ديمقراطيتها، بل للثقافة الإقصائية التي يمثلها فريق “المطوعة” السعودي في طريقة تعامله مع الحجاج بناء على فصل وعزل مذهبي غريب الأطوار، منكر الطبائع، ليس له دليل من كتاب ولا أثره في حساب، سوى التحريض على الكراهية والاحتراب، بينما يتهالك ملوكهم وأمراؤهم على إقامة أحسن العلاقات مع الداعمين لكيان الصهاينة، ومن الأدلة على ذلك وهي كثيرة قيام ملك السعودية بتقديم هدية لرئيس لبنان اثناء الزيارة الاخيرة للسعودية وهي عبارة عن طائرة هيلوكوبتر ولكنهم تراجعوا عن تقديم ذلك لأنهم تلقوا رفضا أميركيا مفاده أن هذه الطائرة متطورة ووجودها في لبنان قد تستعمل ضد إسرائيل.

    هذه هي أنظمة المنطقة التي تعيش تبعية ذليلة في كل شيء إلا على شعبها وشعوب المنطقة كما قال الشاعر:-

    أسد علي…. وفي الحروب نعامة.

    والعراق تأتي معاناته مع هذا النمط من الأنظمة المسرفة في تبعيتها والتي تمضي في سياسات ضد مصلحة شعوبها والتي ستنقلب يوما ضدها كما حصل للكثيرين ومثال الشاه في ايران وصدام في العراق والقذافي في ليبيا مازالت ماثلة للعيان ولكن ما أكثر العبر واقل الاعتبار.

    في العراق أصالة لا يعرفها الا من يعرف ماهية الأصالة ونوعيتها وهم قليلون.

    وفي العراق تجدد وحيوية مدعومة بانفتاح اجتماعي وفطرة طيبة، قد يحلو للبعض استغلالها، ولكنه يغص بها أخيرا.

    وفي العراق اليوم غيمة سياسية غير ماطرة، ومن يعرف فيزياء وكيمياء الغيوم يعرف ان رحيل الغيوم غير الماطرة بطيء، ولكنه لا يحجب الشمس. 

    وشمس العراق في مواصفاته التي ذكرتها العرافة العربية لا يقدح بسمعتها “الدم المراق” لان الشاعر العربي قال:-

    لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى

    حـتى يراق على جوانبه الدم

    ومثلما قال شوقي:

    وللحرية الحمراء باب

     بكل يد مضرجة يدق

    وحرية العراق تمتلك استباقية حيرت الاسكندر الكبير، فاستشار الحكيم الإغريقي أرسطو فأشار عليه: بالتفرقة. فعجز عن ذلك وهو الذي بكى عندما غادر غوطة دمشق وقال: يحق لمن يغادر هذه الغوطة ان يبكي. 

    والعراق وسورية: امتداد لقبائل الهجرة العربية الأولى فالغساسنة الذين اخذوا مشورة العرافة العربية “طريفة الخير” سكنوا الشام، وهم الذين استنجد بهم قصي الجد الأعلى لرسول الله “ص” لانهم أخواله، فانجدوه وصارت سدانة الكعبة لقصي ومن هناك ظهرت قبيلة قريش وسادت.

    ودمشق وبغداد تعرضتا لهجمات الإرهاب الوهابي الممول سعوديا وقطريا والذي يحظى بفتاوى شيوخ الفتنة من اتباع صاحب مقولة “عليهم السيف المسلول إلى يوم القيامة”.

    وسورية التي استعصت على الحرب الكونية بإعلامها المقنن من الطبيعي ان تجد من العراق ظهيرا ايام الشدة، لان اهل العراق قبل حكومتهم يغلبون روح الوفاء في الملمات، وتلك سجية الاحرار.

    ومن يعرف مجريات الامور وطبيعة التغيرات والتبدلات يعرف ان سورية هي البديل المقايض لامارات الخليج، لان الذين اقترحوا مشروع الدرع الصاروخي انما ارتهنوا دول الخليج من يعرفون او لا يعرفون.

    بينما نفس الطاقم السياسي فشل في ايجاد ممرات آمنة في سورية، مثلما فشل في ايجاد مناطق عازلة على الحدود التركية والحدود اللبنانية مع سورية.

    وليبرمان وفيلتمان الذين حركوا فتنة طرابلس في لبنان، جعلوا بعملهم هذا لبنان فريسة الفوضى والهوس الارهابي الذي يضيع عليهم فرصة “الخلية المختبر” في لبنان كما يريدونه تاريخيا.

    وجو بايدن المنظر لتقسيم العراق وجد من صلابة الروح الوطنية في محافظة الانبار والموصل والنجف وكربلاء والبصرة تحديا وطنيا لايقاوم ولا يخدع بمسميات الفدرالية التي جعلت من مسعود البرزاني يخطئ في حسابات الحالة العراقية بلحاظ الضعف الحكومي الذي لم يكن لوحده في حالة الاستنفار.

    والاحزاب والكتل السياسة التي افرزتها حالة الاحتلال ولم تكن افرازا طبيعيا لفرز سياسي وطني او نتيجة تخندقات طائفية وحواضن مزيفة رخوة تستهوي التمدد والاسترخاء على الانتشار بلغة العزيمة والتواصل الروحي الذي كان يمثله من يقول: وما محمد الا ابن امرأة من قريش كانت أمه تأكل القديد او الذي كان يقول من ظهر الكوفة: والله لقد رقعت مدرعتي حتى استحييت من راقعها. أمن مثلها في العصر الحاضر من أعار جمجمته لله على طريقة وصية علي بن ابي طالب لابنه محمد بن الحنفية، ذلك هو محمد باقر الصدر الذي كان يقول: انا معك يا اخي السني بمقدار ما أنت مع الاسلام وانا معك يا اخي الشيعي بمقدار ما انت مع الاسلام.

    ان مشروع الاتحاد بين السعودية والبحرين هو خيار يستحضر الهزيمة لانه ولد ميتا، والوليد الميت يدفن باسرع من غيره.

    واذا قدر له ان لا يموت بسرعة فسيكون سببا لتفجير المنطقة التي لاتمتلك مقومات الصمود والمقاومة لانها بنيت على جرف هار، وكل جرف هار يكون انهياره مصحوبا بخراب مابني عليه.

    ومن هنا يتضح ان الأزمات التي يراد تطويق العراق بها لم تعد قادرة على تطويق العراق بعد كل الهوس الارهابي الذي رفع شعار الجهاد في العراق وجعل من شيوخ الفتنة الوهابية يباركون لمن يريد القتال في العراق والحكومة السعودية بشخص وزير الداخلية المخضرم الذي اصبح وليا للعهد الذي كان يسهل لاولئك المغرر بهم الحصول على جوازات السفر والذين قضى الكثير منهم نحبه في صحراء الانبار وهضاب نينوى واحراش ديالى ومزارع التاجي وابي غريب حيث هبت ضدهم عشائر حرف دجلة الشمالي ومقام الامام ابراهيم بن علي شاهد على اجرامهم وهو الواقع بالقرب من مثلث الفلوجة.

    ان العراق يمتلك مقومات الخروج من الازمة سواء الداخلية المفتعلة بمراهقة سياسية سقط احد الاطراف صريعا يلتف حوله حبل القضاء، ووجد الطرف الاخر نفسه لايحظى بمؤازرة من وعدوه، بينما راح اخر يهرول لكل اجتماع خارج بغداد.

    ان افلاسا سياسيا يخيم على خلية الضجة المفتعلة من اربيل الى مديات اخرى، لان اغلب المشاركين تنتظرهم ملفات هم يعتبرونها تصفية حسابات ولكن القضاء يقول غير ذلك.

    والذين يستغلون فرصة الحراك السياسي الفاشل فيحاولون لفت الانظار ناسين ان الجمهور قد قال كلمته في مثل هذي التجمعات المعلبة بروح الشخصنة والادعاء المستفرغ من جوهر المضامين العلمية الا مايسبغه المرء على نفسه.

    ان تشظيا في القوائم وفي الاحزاب والولاءات هو النتيجة المحسومة لصالح الوطن.

    ومن يمتلك بوصلة الجاذبية الوطنية يعرف ان زيارة واجتماع كركوك هو حراك وطني محسوم لصالح التوحد العراقي وهي استراتيجية سريعة الانصهار في المعدن العراقي المركب من فلزات وطنية عالية الكثافة واخرى عالية المطاوعة والمقاومة للضربات الخارجية، وهذه حقيقة يعرفها من يعرف السر العراقي المنطوي على الحنين للوطن كحنين يادجلة الخير وكعشق الحمام لشواطئ الماء والطين.

    ومع تماثل الازمة السورية للانتظام في خلاص اصلاحي مستمر، فان الازمة البحرينية تزداد سخونة قد لاتنتهي الا بالانفجار الذي يساعد عليه تصاعد حرارة المواقف من حولها فالقطيف ينتظر، واليمن يتململ، وبقية الامارات الصغيرة يعتصرها الخوف من المجهول القادم، العمالة الاجنبية في احشاء الخليج لاينفع مع شعار المولات والليالي الحمراء فهي محرومة وتعرف نقاط ضعف المالكين وحريمهم.

    ان انكماشا يعتصر خزين الثراء الذي لايعرف كيف يتعامل مع الازمات الا من خلال البنوك والشيكات والطائرات المحجوزة وهذه جميعها لاتنفع من ينقطع فيهم الطريق، ومن تسد في وجوههم الابواب على غير العادة.

    ان تغييرا في الولاءات والمواقف سيكون من حصة الداخل العراقي لصالح التوحد في هوية الوطن، مما سيجعل المشهد السياسي والاجتماعي يبدو بحيوية جديدة موعودة بنفس جديد ووجوه جديدة وان أدوارا مميزة ستظهر تلبية لإرادة وطنية تتجاوز التخندق الطائفي والمذهبي والعنصري، مما سيفرض مشهدا إعلاميا جديدا وحيوية ثقافية تسترجع مواقع المعرفة التأسيسية على وقع سيل من البرامج والمشاريع في كل من:-

    1- الامن

    2- المصالحة

    3- التربية

    4- الصحة

    5- الزراعة

    6- الصناعة

    7- التجارة

    8- السياحة

    وعندها يسير مركب الوطن نحو التميز والتطور المؤسسي الذي حرم منه طيلة سنوات الاشتباك لشركاء العملية السياسية التي دخلها البعض بدون مؤهلات حقيقية، والتي ستكون التصفية فيها حتمية ولازمة لمقتضى حاجة الوطن والمواطن.

    * رئيس مركز الدراسات والابحاث الوطنية

  • رجال التاريخ.. قادمون

    تتنامى وتتسع وتكبر دائرة المستيقظين والمنتبهين والمدركين لما يحل في العراق، ولم تستطع أمريكا من منع تسربات نظرتها للإسلام، وبرامجها العسكرية لما تتوقعه من الإرهاب الإسلامي، وان كان الفكر والثقافة قد سبقا في الكشف عن العدو القادم والبديل للإمبراطورية السوفيتية… أي الإسلام، وأداة الحرب هذه المرة ومخططاتها تقوم على توظيف الغباء والجهالات, وتضخيم نزعة العدوان الطبيعية في الإنسان وإحالتها إلى عنف ومواجهات وحروب بين الشرائح الاجتماعية الأكثر تخلفا وعدوانا,  إلا أن بزوغ الوعي شمل حتى الناس من بين البسطاء، ويتحدث عامل البناء والاسكافي والبائع المتجول وشحاذ الرصيف عن القصد الذي يتلخص بإتاحة اكبر فرصة من الحرية للإسلام لأن يظهر وجهه، ويكشف عن دواخله وأعمق قناعاته ولكن عبر استدراج عشاق السلطة والثروة.. وعشاق ذواتهم وكل من يرفع الشعار الإسلامي ويمشي تحته.. وبما ينفر البشرية ويثير فزعها من دموية والإسلام ويعزز الطروحات القديمة لبعض مفكري الغرب التي تقرن العنف بالإسلام، وللبرهنة إن هذه الشعوب لا تناسبها الديمقراطية، وإنها قاصرة مثل الأطفال وبحاجة الى من يرعاها ويقودها ويتولى أمرها، وإنها بارعة ومتفوقة وعبقرية فقط في العثور على ما يمزقها ويعيدها إلى الخلف ويجعل من وجودها في العصر نشازا.

    يراد لهذه الشعوب ان تتبرع وتتعرى وتكشف عن عورتها وقبحها أمام العالم بعد ان توفر لها الحرية المطلقة، والى حد الفوضى المعلنة و(الخلاقة) مع توجيه الكشافات على الوجوه المختارة ورفعها ودعمها وإنطاقها بالإسلام، لا فزاع الأرض من الإسلام، بوصفه الذي يلهو بذبح نفسه لكي يذبح غيره.

    من يدري، ربما لا برنامج مقصود ولا مؤامرات، ربما هي مصادفات التاريخ للاساءة للاسلام والطعن في جوهره والقول إن مذاهبه واجتهاداته ليست غير ثمرة شجرة الكراهية والعدوان، وها هو الإسلام يتجسد بالرجال وبالسياسيين منهم, وليتفرج العالم ويحكم، فهل هذا لسان حال المصادفات والظروف القائمة؟

    المبشر والباعث على التفاؤل أن عدد اليقظين والغيورين ومن أدركوا انهم يعيشون في مفترق تاريخي، وانه المناسبة التي تستدعي الرجال والبناة والقادة يتوالدون ويتكاثرون، ولو كان في العراق إعلام دولة,  لا إعلام حكومة لكان الاقتراح بتكريس صفحات وبرامج يومية لرجال التاريخ هؤلاء, وتتابع عبقريتهم في رؤية الإسلام الذي يجمع البشرية على صحن سعيد واحد، وتروج لأفكارهم النيرة المبرأة من التعصب وضروب الجشع والدناءات، وتعلن للبشرية، وعبر نموذج حي، انه لا أكثر زهدا بالسلطة وامتيازاتها من المسلم إلا في كونها فرصة للبناء والعطاء وإقامة المجتمع الفاضل والسعيد بمختلف أديانه وعروقه وطوائفه.

     هاهو النموذج الجديد يدعو للإسراع بتجنيب الإسلام مما يتناثر عليه من وساخات الوسخين, ونثار لعاب أدنياء السلطة ومن ورثة الجهالات القديمة, يدعو لمروءة إسلامية ووطنية وأخلاقية، وإحباط القصد في تشويه الإسلام ومذاهبه، قبل فوات الأوان.

  • التاريخ هو المشكلة و الحل!! .. خلافات وإختلافات أمتي: أسباب واهية.. ونتائج كارثية!

    خلافات الحاضر وتناقضاته وتقاطعات المستقبل وانقطاعاته، كلها حدثت وتحدث نتيجة التباين في قراءة التاريخ كمحصلة طبيعية لعمليات التزوير والتزييف في وقائع وحقائق التاريخ حتى ليبدو الأمر، معضلة حقيقية وصفت الأمور في حياة البشرية عموما في إطار من النزاع والصراع شبه المستديم، وقد ظل الخلاف المستمر حول التاريخ، يغذي الميول غير المسالمة لدى الكثيرين، وظلت الدعوات المنادية بوجوب التعامل مع التاريخ وفق الفهم الموضوعي له، بعيداًَ عن الاستنتاجات والاجتهادات التي تحمّله أكثر مما يتحمل أو جعل الظروف التي أدت الى ما حدث في الزمان والمكان السابقين، هي نفسها التي تحدث، ما ينبغي أن يتوافق مع أمزجة الحاضر دون النظر بأهمية وموضوعية لمستجدات الوضع ومتغيراته الذاتية والموضوعية مع إسقاط عناصر المستجدات المفترضة زمانيا ومكانيا.

    ان التاريخ بدون ادنى شك هو سيد العلوم بلا منازع، لأنه يؤرخ لكل العلوم ولكل الصنوف المعرفية فهو سجل لكل ما حققه الإنسان، وهو بالتالي العلم الذي يوضح العلاقة السببية بين السابق واللاحق من الحوادث الاجتماعية، وبهذا فهو العلم الذي يلهمنا كيفية مواجهة الإحداث والتعامل مع الأزمات في ضوء ذلك وبسببه فان موقفنا من التاريخ يصبح أكثر تعقيدا وأكثر صعوبة، فلا بد من ان نتساءل بوضوح وصراحة.. أي تاريخ نقصد ونعني..؟ وأي من المؤرخين.. نصدق ونتعامل.. ونكذب فنبتعد عنه؟ تلك هي المعضلة، أكاذيب في التاريخ واجاديف وتخاريف واختلافات لا تصدق وأراجيف ما انزل الله بها من سلطان ولكن كيف السبيل الى اثبات زيفها وكذبها؟ واذا تمكن البعض من فعل ذلك كيف يمكن إقناع الآخر بموضوعية وصدقية ما حصل؟ وان ما ذكر في التاريخ في ما يتعلق بالموضوع الفلاني كاذب وغير صحيح؟ تلك دوامة لا اول لها ولا اخر وهي مجلبة لمزيد من صداع الرأس. 

    بالطبع لابد من ان يكون على المؤرخ ان يمارس دورا فاعلا في بناء نهضة شعبه وان يكون كل همه هو دراسة واقع تاريخ شعبه دراسة دقيقة وصادقة وحريصة ومعرفة موقف المؤرخين منه.. وهو يمثل هذا الموقع المهم والحساس بناءً على تصور علمي موضوعي مؤمن به ومخلص له.. وهو “أن المؤرخ مفكر قادر على تقويم الوضع الماضي لشعبه بأسلوب علمي معاصر نابع من إيمان راسخ بحق شعبه في الصيرورة والتكوين والنمو الحضاري”!!

    نعم ذلك ما ينبغي ان يكون.. فالمؤرخ المبدع الخلاق، هو الذي يعطي رأيه دون ان ينتظر من احد كلمة شكر نعم هو يحتاج للشكر.. ولكن ليس كثمن وإنما كمحصلة ايجابية لانتزاع التصور الخاطئ من خاصرة التاريخ من اجل ان يرتاح من الخلاص مما كان يعكر صفو الصهارة بنقل الحقيقة كما هي بصرف النظر عمّن تغضب وعمن ترضي.

    ان الفرق بين ان يكون المرء مؤرخا وبين ان يكون سياسيا هو:

    *المؤرخ هو الذي ينظر الى الماضي ويتعرض الى الحاضر كنتيجة اي انه يحلل الماضي ليتنبأ بالحاضر في استخدام أدوات قوانين حركة التاريخ واحداث المتغيرات ودور الإنسان كفاعل وقائد وموجه ومخطط.

    *اما السياسي فهو يتعاطى مع الحاضر ليبني المستقبل اما الوشيجة بين الاثنين فإنها تكمن في أن التاريخ يخلق السياسة دون أن يتورط في تكييفها وترتباتها.

    تلك هي الحقيقية التي ينبغي أن تكون مفهومة، بيد ان البعض يعمد إلى استنتاج الماضي، يريد ان يجعل من مقولة… “التاريخ يعيد نفسه” حقيقة قائمة، وبذلك فهو يحقق مسألتين: 

    *الاول : يعطي عجزه في إيجاد الصلة بين الماضي والحاضر لبناء المستقبل.

    *الثاني : انه يريد أن يعطل قدرة الآخرين في إيجاد مثل هذه الصلة..

    وبذلك يحصل التنازع ثم الصراع، والملهاة في الأمر ذلك التيه الكبير بين صدق ما يعتمد وكذبه، فلو كانت هناك رؤية موضوعية تستند على منطق علمي سليم لأمكن أصلا فهم التباين بين ما كان وما ينبغي ان يكون دون اهمال التواصل الذي ينبغي ألاّ يكون استنساخا، لماذا..؟

    ان الحاضر يختلف عن الماضي ليس في اختلاف شخوصه، بل وايضا في اختلاف محتوياته وكينونته وقدراته، ففي وقت كان مثلا على المسافر ما بين بغداد والموصل ان يقطعها بثلاثة او أربعة ايام، اليوم الامر مختلف ولعله غدا سيكون مختلفا أيضا فبالطبع لا يمكن التعامل مع السفر الآن كما كان في السابق وهذا ينطبق على أمور كثيرة أخرى، ولذلك لا يمكن إهمال هذه المتغيرات الجوهرية والاساسية.

    إن الأحاديث النبوية الشريفة فيها الكاذب، والضعيف والمتواتر والمتفق عليه، وغيرها كثير… فكيف بنا ما سوى ذلك..؟ نحتاج الى وقفة صادقة وصحيحة وعقلانية موضوعية من التاريخ لنتمكن من إزالة الكثير من الشوائب والاكاذيب والتزويرات ولكن قبل ذلك نحتاج الى من نثق به ثقة عمياء، نؤمن من انه لن يكذب ولن يزيف ولن يجامل على حساب الحق والعدل.. فهل نعثر على بغيته ومتى يحصل ذلك..؟ على أننا ينبغي ان نعي حقيقة ان ذلك وغيره لن يحصل الا عندما نفهم ان التعامل مع الحاضر بصدق ونزاهة هو الضمانة في حصول الأجيال المقبلة على تاريخ يثقون به وإلا فأن انعدام الثقة يظل قائما!!

    رغم إننا امة لا تدوّن، ونبدع فيما نفعله ونقوله ارتجالا وشفاها بيد أننا لسنا الوحيدين في اختلاف زوايا النظر إلى التاريخ.. فشعوب العالم تعاني من مشكلة الاختلاف في ما ورد في التاريخ.. بيد أننا نختلف عنهم.. في أن تاريخنا يعتمد على الرواة الشفاه والحفاظ بالاعتماد على الذاكرة ومن هنا نشأ الخلاف وتعمق فنحن نقف مثلا أمام أكثر من 1800 صحابي رووا الحديث عن رسول الله “ص” من وجهة نظر بعض المسلمين وهذا العدد يشكل حوالي 1 % من عدد صحابة رسول الله “ص” البالغ عددهم اكثر من 114 الف صحابي منهم نحو عشرين الف صحابي صلوا عليه في المدينة عند انتقاله إلى الرفيق الأعلى.

    وفي صحيح الإمام البخاري ما يزيد على ألفي حديث من غير المتكرر والصحابة الرواة 254 صحابيا وبلغت عنده الاحاديث “75000” حديث فيما نجدها عند الاخرين تتجاوز هذا الرقم لتصل الى اكثر من “50” خمسين ألف حديث رويت بنحو مليون سند منها الصحيح ومنها الضعيف ومنها المقبول ومنها المردود بيد أن هذه القاعدة، تتغير معطياتها تبعا للزمان والمكان والشخص فقد يتحول المردود إلى مقبول والضعيف إلى صحيح قوي وهكذا، والسبب هو انعدام التدوين في الاصل فحصل ذلك على مستوى الأحاديث النبوية ولم يحدث على مستوى القرآن الكريم، لان القرآن دون منذ اللحظة الأولى لنزول آياته تباعا، وهذا ما نجده في الإنجيل مثلا اذا تعددت الأناجيل بسبب غياب التدوين والاعتماد على ذاكرة تلامذة السيد المسيح عليه السلام.

    وهذا هو الحاصل على مستوى الأحاديث النبوية، فبعض المسلمين لا يرون ان هذا العدد من الأحاديث صحيحا، ويعتقدون أن العدد قد خضع لزيادة غير معقولة وغير طبيعية أوصلت الأمور في بعض الأزمان إلى درجة المذابح بين المسلمين بسبب الاعتماد على ما هو غير صحيح او التفسير الخاطئ لما هو ضعيف أو غير مقبول وهم يتمسكون في أن يكون الاستدلال غير مقبول وهم يتمسكون في ان يكون الاستدلال على صحة الحديث، انه منقول من امام معصوم، او من آل البيت الرسول الكريم ” ص ” وقد جمع العالم الكبير المجلسي الاحاديث المروية عن طريق الائمة او من ال بيته صلى الله عليه واله وسلم في كتاب كبير وطبع قديما في خمسة وعشرين مجلدا، وطبع حديثا في مئة وعشرة مجلدات.

    وبالطبع لابد من الاشارة هنا الى ان هذا الكم الهائل من الأحاديث عند كل من الفريقين، قد اتحد في مساحة كبيرة جدا، واختلف في مساحة اقل.. بيد أن التباعد بالاستناد على هذا القليل كان الأقرب إلى طبيعة الأوضاع وجوهر الميول.. رغم كل الجهود التي بذلت وفي مقدمتها محاولات العلامة الكبير الاباضي يوسف الطفيش في كتابه الذي طبع في اواخر القرن التاسع عشر بمصر تحت عنوان “جامع الشمل”.

    الجميع يدرك حقيقة أن الخطأ بالدرجة الاولى في هذا الاختلاف، ان الأحاديث لم تدون وهي لم تكتب إلا بعد قرابة مئتي عام، فكم نتوقع يكون فيها من التحريف والخطأ والنسيان “البخاري مات سنة 265 هجري”، وهذا الأمر ينطبق على امور كثيرة غيرها فالاحداث التاريخية التي مرت بالمسلمين لم تدون تفاصيلها ووقائعها واسبابها الا بعد مئات السنين وقد اسهم ذلك في افتراق المسلمين الى فرق واتجاهات وتيارات، حيث تعاملت كل فرقة او تيار بطريقة مختلفة تماما عن الأخرى، تبعا لطبيعة ونوعية الرواية المعتمدة وهنا احتاج إلى ان اشدد على انني لا أقيس مدى صحة هذه المعتقدات والثقافات ولا اعني بتفاصيل الحكم على صحة هذا المعتقد او ذاك ولكنني احاول فقط ان اصل الى حقيقة أن التعصب في تبني نقاط الخلاف على انها نصوص لا تقبل الخطأ والتحريف والسهو، هو الذي قادنا ويقودنا إلى مواقع الخلل الكارثي فالبعض من المسلمين اهتم بخطبة الغدير بينما لم يعرها البعض الاخر هذا الاهتمام.. وارتاب البعض من أحداث السقيفة وما ترتب عليها بينما استحسنها البعض وعدها احد أمثلة تطبيق الشورى وراح البعض من المسلمين يقسمون طرفي معركتي صفين والجمل إلى خير منطلق وشر مطلق بينما يرى اخرون، ان المعركتين ينظر اليهما من زاوية اجتهاد الحاكم.. ويرد البعض الآخر: ولماذا لا ينطبق هذا الحكم على ما حصل لعثمان بن عفان رضي الله عنه ويربط البعض من المسلمين يزيد بجريمة عاشوراء بينما يرى البعض انه بريء منها.

    وهكذا بدا نمو الفوارق واتساع رقعة الاختلاف بين فريقين من المسلمين، حيث بات من الناحية العملية والفعلية وجود ثقافتين وكيانين يتحرك فيهما ومن خلالهما التناسل لتعميق الفجوة وتوسيعها لينمو تباعد فكري وعاطفي بين قاعدتي الفريقين. واضح أن ثمة خللا كبيرا في الاستقراء المنطقي لحركة التاريخ، جعل الكثيرين يلوذون بوسطية تصل الى درجة البلاهة في محاولة لتجنب الوقوع في ما يرونه خطأ الاصطفاف مع هذا ضد ذاك نتيجة انعدام القدرة في التفريق بين الباطل والحق بسبب التحريف والتشويه والتزوير والنسيان الذي أصاب عملية النقل لما حدث. 

    فرؤية معاوية  “المؤمن” و “كاتب الوحي” جعل إمكانية الحكم عليه وهو يقاتل امير المؤمنين علي بن أبي طالب، مفارقة لا يمكن التصديق بها او التعاطي معها بسهولة، فراح يتحدث عنها على انها معركة بين الصحابي علي بن ابي طالب والصحابي معاوية بن أبي سفيان… وبدلا من البحث عن الحقيقية وتطايرها بعيدا عن العواطف راحوا يفلسفون المفارقة ويعطون حكما لها لم يقنع الآخرين، حكما يتبنى عدم الدخول في تفاصيل سلبيات الصحابة من مبدأ ان كل تصرفات الصحابة عبارة عن اجتهادات، فمن اجتهد واخطأ له اجر واحد، ومن اجتهد واصاب فله أجران، وهنا يبرز مبدأ طاعة ولي الأمر في ثقافة البعض لينجر خلف سقطات الحاكم والدفاع عنه بصرف النظر عن صحة ما يؤديه من أعمال وأفعال.

    إن إعادة النظر بالمواقف في ضوء تبني نظرة موضوعية وعلمية للتاريخ خصوصا ذلك الذي لم يدون في حينها، عنصر مهم من عناصر استرداد الامة لوحدتها سعيا لاسترداد كرامتها المهزوزة والمهددة بالسقوط في حضيض الجهل المستفحل، ما نحتاجه اليوم وفي ظل حالة الهيجان الطائفي الذي تطلقه قوى التعصب ومثيرو الفتن على الجبهتين هو الانتقال من النصوص التاريخية إلى السياسة والاجتماع. اعني بذلك الخروج من هذا المربع السجالي والانطلاق باتجاه تأسيس ما يمكن تسميته بميثاق تعايش عام بين مختلف المكونات المذهبية والدينية.. بالطبع لا اقصد هنا تدوين نصوص أو مواثيق مكتوبة بقدر ما اقصد تنظيم أسس وآداب العيش المشترك بعيدا عن كل اشكال النفي، ونبذ ثقافة الشقاق والأفكار الفتنوية.

    ورغم إن للسياسة نصيبا وافرا وسهما كبيرا في تحريك عوامل الفرقة والشقاق فانه يمكن أن يكون لها دور فاعل ومهم في مجال مداواة الجراح والتخفيف من حمأة الصراعات.. ومعروف ان احد اهم اسباب تحريك عوامل الفرقة الطائفية والقومية والاثنية، هم رجال السياسة بيد ان الهياج غير المسبوق سرعان ما تراجع عندما اكتشف ساسة العراق كم هو خطير ومدمر الذهاب بهذا اللعبة إلى نهاية.

     

     

  • محاولة لشراء الوقت

    قد تصبح هذه المحاولة بمثابة مضيعة للوقت لدى من يدّعي بأن لا فائدة من استثمار الوقت لصالحه ولصالح ما يجب العمل به طالما وأن الحياة تمشي وأن الزمن يسير منتصب القامة، وليست محاولة لشراء، بل استجداء الوقت – بمعنى أدق- كما يود ويورد ذلك الكاتب اليوناني الشهير(كازانتزاكي) صاحب وصانع أشهر شخصية روائية في العالم هي (زوربا) في متون مذكراته الشهيرة- ايضا-(الطريق الى غريكو) بعد أن أحس برغبة عارمة في الوقوف على ناصية الطريق لكي يستجدي الوقت من أولئك الذين يبددونه بلا وجع من قلب فقد كان يقول بالنص الذي يرد في سطور وزهور ورياحين حقول مذكراته المدهشة: (زكاة أرواحكم .. قليل من الوقت من كل منكم .. قليل من الوقت الذي تهدرونه بلا حساب .. أنا في حاجة ماسة اليه)!.

      يا.. يا ألطاف الله من روعة هذا التسول الهائل المذهل الذي لا يتقنه سوى عباقرة احترام الوقت وتطويع الزمن نحو كل ما يخدم االبشرية ويضيف لها بعدا  آخر من ابعاد حياتنا التي تعددت وأتسعت واتسمت بالسرعة التي ميزت عصرنا الراهن بها .

    هل من جدوى لمقارنة ما بيننا وبين العالم الراكض من حولنا اللاهث من أجل أن يبقى واقفا ؟ وهل تنفع الشكوى التي تدفعنا للقول – مجددا- بأن المتشكين-عادة- هم أنصاف أو أرباع موهوبين؟ أم أن في الأمر ما يخفي علل عدم احترامنا للوقت و(زهو) اصرارنا المؤكد على ذلك(العدم)  وتعميقه بتبذير ساعاته وأيامه وسنواته بدلا من ادخاره كما تفعل جيوش العاطلين وحشود المتجمهرين في مقاهى الوقت الضائع عندنا، وتكدس أوراق وكتب المراجعات للدوائر الرسمية (حيل أشكد صار منستعمل هاي الكلمة- رسمية- في تسميات حياتنا اليومية!) من أجل تمشية معاملة عادية، قد لا تتعدى الحصول على كتاب تأييد من المجلس البلدي يؤيد كوننا من سكنة مناطقهم، مثلا، وإذا ما تطورت الأمور بشأن الحصول على حقوق وامتيازات فاقرأ (الفاتحة) على أرواح الأوقات المهدورة والمنحورة سرا أم علنا، قصد أم عدم مبالاة على لوائح التأجيلات وقوائم المط والشفط والنط في تجاوز التعليمات ونصوص القوانين التي عادة ما يقررها مزاج الموظف (المسعول) وليس المسؤول على راحة وحقوق المراجعين وفق نصوص وفصوص تلك التعليمات التي يمكن أن تقرأ على نور ضوء ذلك المزاج ، ووفقا لمعدلات ارتفاع أو انخفاض درجات الحرارة الصغرى والعظمى لطبيعة نوع وشكل و(دسامة) تلك المعاملة التي من شأنها ان تختصر الوقت أو تمده به على طول عطاء عمر المراجع (المكرود) والمحسود من كونه يحيا في بلاد تطفو على سطح بحيرات من الذهب الأسود، يضيع الوقت فيها – للأسف-  ويمضي هباء ، وبلا هدف !(مو تمام لو أني غلطان) يا جماعة الخير ؟!

  • كلام في السياحة!

    لم يتغيّر صديقنا عبد الله العراقي، القادم مع أسرته من ريف الناصرية إلى العاصمة، قبل سبع وخمسين سنة، فمنذ تعرفنا عليه عام 1969، وأصبح واحدا من أفراد شلتنا وهو ثابت على طباعه، متمسك بطريقة رؤيته للأشياء، حتى عودنا مع مرور الزمن على تقبل تلك الطباع واحترامها، لأنه حيث كانت جلستنا جلسة انس ومزاح، تولى زمام الأمر، وعلا صوته على الأصوات كلها، وأضفى على المكان أجواء من المرح لا أحلى ولا أمتع منها، فإذا انصرفت الشلة الى قضية جادة، وناقشت شأنا من شؤون الثقافة او السياسة او الحياة، لزم الصمت، لا ينطق حرفا، ولا يبدي رأيا، حتى اذا انتهى الجميع، وافرغوا ما في جعبتهم من حوارات ووجهات نظر واختلاف واتفاق، انبرى للكلام، وأطلق رأيا لا يلتقي من قريب او بعيد مع اي من الآراء التي جرى النقاش حولها، ولهذا كنا نسميه في حالات الضحك والمزاح (ابو غريب) في اشارة الى آرائه الغريبة، اما الأغرب من ذلك فان عبد الله يطرح ما عنده وينسحب من النقاش مسترخيا على كرسيه، لايخوض نقاشا ولايرد على تعقيب او تعليق، ولا يقول كلمة اكثر مما قال لو انطبقت السماء على الأرض. 

    في بداية تعرّفنا عليه، كنا ننزعج من هذا السلوك، ونرى فيه نوعا من الاستعلاء ولكننا مع الايام، اعتدنا على طبيعته خاصة وقد لمسنا بالتجربة أي إنسان متواضع هذا الرجل، ولكنه لا يميل الى طريقة حوارنا التي غالبا ما تتحول الى جدل لا طائل من ورائه، تحضرني الآن احدى الجلسات التي تناولت موضوع السياحة ودار الحديث حولها طويلا واتفقنا بعد نقاش سريع على حقيقة مفادها: ان البلد لو اهتم اهتماما حقيقيا بإمكاناته السياحية فان وارداته السنوية تفوق واردات النفط، مثلما اتفقنا على ان السياحة ثروة دائمية قابلة للتطوير، بينما النفط ثروة ناضبة لا مستقبل لها، ولكنا اختلفنا ودخلنا في أنفاق مظلمة من الجدل العقيم. حول أفضل مناطق السياحة وأكثرها مردودا اقتصاديا، هل هي شقلاوة مثلا ام زقورة اور ام آثار بابل ام ملوية سامراء ام سور نينوى… الخ (بغض النظر عن كون السياحة الدينية هي الأفضل من حيث المردود المادي) وهكذا تبنى كل واحد منا موقفا منحازا الى هذه المنطقة السياحية او تلك، وراح يتحدث عن خصائصها وحسناتها وكان واضحا ان اتفاقنا مستحيل، والعراقي يسمع ويتابع من غير ان يشارك او يتفوه بكلمة، حتى اذا انتهينا، بدأ هو بالكلام على عادته وقال (يا جماعة.. انتم تفكرون بطريقة سقيمة ومخجلة، تتحدثون عن الأفضلية هنا او هناك، وقد فاتكم ان السياحة ليست طبيعة ساحرة او آثارا قديمة او مشاهد غريبة، بل هي قبل ذلك راحة السائح، وما يحظى به من ترف ومتع في كل شيء، السكن والمأكل والشرب والنقل والكهرباء والخدمات الهاتفية والتسهيلات المصرفية والاسواق والامن والامان، والعراق لايمتلك منطقة بهذه المواصفات العالية باستثناء مكان واحد يطل على نهر دجلة، مؤهل لاستقبال السياح، وقاطعناه في الحال (انه ابو نواس) ولكنه لم يلتفت الينا، وواصل كلامه (انه المنطقة الخضراء، ولكنها مع الاسف مخصصة للسياحة الداخلية فقط) وحين انتهى توقف على عادته عن الكلام ورفض سماع تعقيباتنا وتعليقاتنا وملاحظاتنا، وتركنا نقلب رأيه ذات اليمين وذات الشمال، ونحن في أعلى درجات الحيرة! 

  • وزير ويشتكي.. فماذا يفعل المواطن؟!!

      أنا معجب بعدالة الحكومة العراقية؛ وسبب إعجابي أنها تضرب لنا الأمثال المتلاحقة في مساواة المسؤولين مع أبناء الشعب؛ ولا أدلّ من ذلك، هذا التشكي الذي انقله للقراء بحذافيره لوزير التخطيط العراقي علي شكري؛ وعلى ذمة وكالة الأنباء التي أوصلته إليّ وتحت عنوان مثير؛ وزير التخطيط: هناك وزراء يملكون بيوتاً في المجمعات الحكومية تسكنها الكلاب فقط!! 

    يشتكي (معاليه) فيقول:

    (إنني لا املك سوى غرفة واحدة في المجمعات الموجودة في المنطقة الخضراء ومجمع القادسية، بينما هناك وزراء يعيشون خارج العراق ويملكون خمسة بيوت تسكنها الكلاب فقط منذ عام 2003»، مضيفاً كما أن «هناك مسؤولين في الدولة وهم ليسوا وزراء يملكون بيوتاً لم يسكنوها وإنما تركوا فيها بعض الحراس وعندما يقترب أي شخص منهم يقومون بإشهار السلاح بوجهه» وأوضح أن «هناك بيوتاً في مجمع القادسية يسكنها أناس لا علاقة لهم بالدولة او الوزارات وان هناك مسؤولين قد وهبوا لافراد اسرتهم اربعة او خمسة بيوت).

        اشعر أنني معني بنقل معاناة الوزير إلى الحكومة؛ مع يقيني الكامل بان لا احد يقرأ أو يتصفح الجريدة -أي جريدة – فالوقت لدى المسؤولين من بيوت ومن أرصدة ومن صفقات؛ ولذلك أتمنى من معاليه ألاّ يعول كثيرا على كتابتي هذه؛ وانصحه بقراءة الكتاب الأهم -ذي التوزيع المحدود- وهو( كيف تلطش مليارا في خمسة أيام بلا معلم) علما ان الرقم او عدد الأيام قابل للزيادة والنقصان وحسب شطارة القارئ وقربه من مصادر القرار؛ فهذا الكتاب هو من سيحلّ للوزير أزمة السكن وليست التصريحات الصحفية أو كتابة العبد الفقير لله؛ وتهوينا لشكواه- باعتبار ان الذي يرى مصائب الآخرين تهون مصيبته- سأذكر له أن هناك منطقة في بغداد؛ على مشارف حي القاهرة؛ وعلى بعد زيارة من الحكومة؛ عوائل بالكامل نصبت لها خياما مهلهلة وسكنتها من دون أن تفكر بالخدمات او الماء او الكهرباء؛ ولا اريد ان أزيد وجعي فاذكر لمعاليه عشرات العوائل التي تصورها الفضائيات وتعرضها على الشاشة؛ وهي تبحث عن قوت يومها وطعام أطفالها بين المزابل والنفايات؛ من دون أن يرمش للحكومة الموقرة جفن؛ برغم إن ميزانيتها المعلنة هي (120 مليار دولار) أما غير المعلنة فهي (170 مليار دولار)!!

     رقم مخيف يكفي لتأثيث قارات وتزويد كوكب الشمس بأجهزة تبريد مركزية!!

        قبل أشهر دخلت في مارثون البحث عن سكن -إيجار- ولأنّ بعض المناطق مقبولة اجتماعيا فقد تركز بحثي فيها؛ وكنت اهرع كلما رأيت بيتا مهجورا او مقفلا؛ باعتبار أن اهله إما مسافرون او لديهم مكان ثان؛ لاكتشف ان هذا العقار للسيد فلان!! ولماذا لا يسكنه؟ ليأتي الجواب انهم الآن يشترون البيوت ويتركوها مهجورة هكذا!! هذا في مناطق-يا سيادة الوزير- ليست داخل المنطقة الخضراء التي ذكرتها معاليك في شكواك؛ وانما أينما كان هناك عقار قابل للاستيلاء عليه أو شرائه؛

     وسط سؤال ممض يؤرقنا -نحن الفقراء- متى تشبعون.. فقد جعنا حدّ اللعنة ايتها الـ120 مليار دولار!!

       و..لا عزاء للوزير .

  • الإكراه السياسي

    هي ظاهرة واكبت ظهور السلطة الزمنية وابتعادها عن توجيهات السماء , وهي اليوم متفشية في سلوك الأحزاب, والمنظمات, والكتل, والحواضن الاجتماعية والدينية حتى أصبحت من الأمراض السياسية المزمنة .

    وجذور الإكراه السياسي تعود إلى:

    1-  الأنا الشخصية وحب الذات

    2-  عقد وتراكمات لعلاقات ومواقف قمع مختلفة

    3-  تاريخ التربية والحواضن البيئية

    وظاهرة الإكراه أصبحت متجذرة في المجتمعات التي عاشت التدين ضمن مفاهيم مغلوطة , فهي في المجتمعات المحسوبية على الإسلام اكثر من غيرها.

    والإكراه يأخذ شكل الاضطهاد مع الإنسان وكذلك مع الحيوان, ومشهد الأحياء الشعبية والأسواق الشعبية يعج بصور اضطهاد الحيوانات كالخيول والحمير التي تجر العربات, فنظرة عابرة للاحمال والأثقال التي تحملها من دون مراعاة لقدرة تحملها وطاقتها نعرف ان ظلما يمارس على هذه الحيوانات بقساوة لا مبرر لها ومن يمارس ظلم الحيوان في رابعة النهار فهو ممارس محترف لظلم الزوجة والاطفال ان كان متزوجا, وظلم الأخوة والأخوات وربما الأبوين إن كان عازبا.

    وظاهرة الاضطهاد والظلم التي تنجم عن سايكولوجية الإكراه نجد لها أمثلة متوفرة بكثرة في الحياة الاجتماعية, خاصة لدى اصحاب الحرف والمهن المدنية مثل:

    1- عمالة البناء

    2- عمال الشركات الخاصة الأهلية

    3- عمال تصليح السيارات: والتي تسمى في المدن العراقية “الأحياء الصناعية” وهي تسمية غير حقيقية أخذت من الصناعة اسمها فقط, وأصبحت مكانا للتسرب من المدرسة بالنسبة للصغار وهي ظاهرة تحتاج إلى دراسة.

    4-  عمال الجزارة والقصابين

    5-  عمال صناعة الأبواب الحديدية

    6-  عمال الحلاقة

    7-  عمال المطاعم

    8-  عمال الفنادق

    9-  عمال المقاهي

    والاضطهاد موجود ومنتشر في كل الحواضن الاجتماعية في كل من:

    1-  الأسرة

    2-  المدرسة

    3-  الجامعة

    4-  المستشفى

    5-  المؤسسات الحكومية

    6-  الحوزات والجامعات الدينية

    7-  المنظومة الاجتماعية

    8-  منظومات ومؤسسات: البرلمانات, ومجالس المحافظات والمجالس المحلية

    ويتضح شكل الإكراه والاضطهاد من خلال من خلال طريقة المعاملة وفارق الرواتب والامتيازات التي تكرس لفئة مما تجعلها قادرة على استغلال حاجة الفئات الاخرى وهي الأدنى في السلم الوظيفي او الاجتماعي.

    فوجود المكاتب والمغالات في مراسيمها وخدمتها تضطر فئة من الناس ان تسخر للخدمة بطريقة لا توفر للمواطنين الضعفاء قدرا من الحرية والاعتبار الاجتماعي, ويتساوى الاضطهاد والظلم في المكاتب الخاصة والعامة.

    ومن فرط شيوع ظاهرة الإكراه والظلم والاضطهاد في سلوك الناس أصبحت حتى الحواضن الدينية لا تسلم من وجود هذه الظاهرة التي أصبحت تكاد تكون مستعصية على الحل بدليل وجود النواهي والممنوعات الكثيرة بشأن ظاهرة الإكراه في الكتب الدينية لاسيما في القرآن الكريم , ولكن قلة من الناس من يلتزم بذلك وربما من هم ليسوا من المحسوبين على الحواضن الدينية ولا يعيشون على الحقوق الشرعية ولكنهم لا يمارسون ظاهرة الاكراه والاضطهاد لمن يعملون معهم , بينما نجد هذه الظاهرة متفشية في بعض الحواضن الدينية , وهذا ما يتعارض مع النصوص القرآنية المباركة قال تعالى :

    1-  “ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين” – 99- يونس .

    2-  “لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ” – البقرة – 255.

    والإكراه السياسي اليوم يتخذ منحى خطيرا في كل من :

    1-  الانتخابات : حيث يسلط الإكراه على فئات أما ضعيفة او قليلة من خلال حاجتها , بل حتى الإغراءات التي تستعمل في الانتخابات هي وسيلة غير مباشرة للإكراه.

    2-  في الكسب السياسي الحزبي : حيث تستغل المواقع والامتيازات والسلطة لفرض الكسب.

    3- في النشاط والتحرك الطائفي, حيث يتعرض بعض المواطنين الذين لايحبذون الانحياز الطائفي الى ضغوطات تصل الى حد التهديد وقطع الأرزاق.

    4- في الخلافات التي تقع بين الأحزاب والكتل يتعرض بعض المواطنين من جراء ذلك إلى التلويح والتلميح بقطع العلاقة مع الخصم السياسي وهو إكراه يتكرر دائما عند حدوث الخلافات السياسية بين الأحزاب يدفع ثمنها المواطنون .

    ومن هنا فإن الإكراه السياسي يكاد يفسد الحياة السياسية والاجتماعية إذا استمر منفلتا كما نرى.

    والضرورة الوطنية تقتضي الشروع بتفادي هذا المرض السياسي من خلال بيان مخاطره وأضراره, ومن خلال بيان حرمته الشرعية, وعدم انسجامه مع القواعد الأخلاقية والأعراف الاجتماعية ووسائل الإعلام مدعوة جميعا لشرح مخاطر هذا المرض المزدوج سياسيا واجتماعيا, والحواضن الدينية هي الأخرى مدعوة لإعادة النظر بتسرب هذا المرض الأخلاقي الى بعض مناخاتها والعمل على منعه من خلال تقديم القدوة الحسنة وإبعاد العناصر غير المؤهلة أخلاقيا.

  • الصحفي الطبيب !

    على مدى ثلاثين سنة، لم تغادر الحقيبة الدبلوماسية يدي، حتى أصبحت جزءا من شخصيتي، فهي رفيقة السفر في جولاتي الصحفية، احمل فيها ما تيسر حمله من ملابس بسيطة، وهي صديقتي في العمل الوظيفي، استعين بها على علبة السجائر والولاعة والنقود ومفاتيح البيت والأقلام والأوراق … ولي فيها مآرب أخرى! 

    مرة استأجرت سيارة (تاكسي) من منطقة الصالحية إلى المنزل، وفي الطريق ـ كما يجري عادة ـ تبادلت أطراف الحديث مع السائق، وقد شكا لي من متاعب صحية في المعدة، وحين سألته عن طبيعة تلك المتاعب وشرحها لي، قلت له (الأعراض التي تتحدث عنها، هي الأعراض ذاتها التي اعاني منها، وربما تكون بداية لقرحة المعدة)، استرعت ملاحظتي انتباهه، وسألني بنبرة تنم عن احترام كبير (دكتور .. الله يرضه عليك، شنو العلاج المناسب، تدري احيانا الوجع ميخليني أنام للصبح)، ضحكت وقلت له (العفو اخي … اني مو طبيب، بس على كل حال، اهم شيء بالنسبة للقرحة هو البهريز)، ثم نصحته بضرورة الإقلاع عن التدخين مباشرة، والامتناع عن تناول بعض الأطعمة، وبصورة خاصة التوابل، وفتحت حقيبتي وعرضت عليه نوعين من الأقراص، التي استعملها قبل الطعام وبعده، بناء على توجيهات الدكتور الاختصاص في مستشفى اليرموك، ونصحته بإلحاح أن يعرض حالته على الطبيب لأن كثيرا من الامراض، وخاصة أمراض المعدة والجهاز الهضمي تتشابه أعراضها!!

    حين انتهيت من كلامي، سألني الرجل (جنابك وين تشتغل؟) قلت له : (انا اعمل صحفيا في احدى الجرايد)، ارتسمت على وجهة ابتسامة عريضة.. وقال لي (استاذ … اني اقصد بيا مستشفى تشتغل… يا جرايد … يا صحافة… الله شافوا بالعين لو بالعقل… كل هاي المعلومات وتريد تضحك علي وتسمي نفسك صحفي… يابه بشرفي انته طبيب ونص!)، وضحكنا معا، وأقسمت له أنني اعمل في الصحافة، غير انه لم يقتنع، لأن كلامي وهيأتي على ما يبدو، وحقيبتي الدبلوماسية بصورة خاصة، اوحت له أنني طبيب، بل أفضل طيب على حد تعبيره !!

    كنا قد وصلنا الى المنزل، ودفعت له عشرة آلاف دينار، هي أجرة الطريق المتفق عليها، إلا انه اقسم بالطلاق ألا يأخذها (أستاذ … هذه أجرة الفحص … يعني الكشفية … وانت تستاهل اكثر ! )، وبذلت معه المستحيل لكي يأخذ الأجرة، واقسمت له الايمان الغليظة انني لست طبيبا، ولكنه اصر على موقفه (مستحيل دكتور، لان هذي كشفيتك، وهذا حقك، ثم انطلق بمركبته وهو يردد (ممنون منك دكتور … ألف شكر !) 

    بعد ثلاثة ايام فقط على الحادث، فوجئت بالسائق يطرق بابي عصرا، وما ان فتحت الباب حتى قال لي بدون مقدمات وبوجه عابس (راجعت المستشفى وبعد الفحص تبين عندي شوية سوء هضم بسيط، وماكو لا قرحه ولا هم يحزنون … رجاء رجع لي فلوس الكشفية، يعني الاجرة) ضحكت وأعطيته عشرة آلاف دينار وتوجه إلى مركبته، وقبل ان ينطلق قال لي: (حضرتك اذا صحفي .. شكو مسوي نفسك طبيب براس الناس)!! 

  • منظومة الأخ الأكبر .. أخطـــر مؤســـسات النظـــام العالـــمي الجديـــد

    أغلب الظن أنكم لم تسمعوا من قبل بنظام ( الأخ الأكبر), ولا نقصد هنا نظام الأسرة العربية, التي يأتي فيها الأخ الأكبر من بعد والده في الإشراف على البيت والعائلة, وتقع عليه مسؤولية رعاية والدته, والعناية بأشقائه الأصغر سنا منه, ويتمتع بمزايا وامتيازات واسعة في حدود التقاليد العربية الموروثة. فالأخ الأكبر الذي سنتحدث عنه هنا اكبر من المدن, واكبر من الحكومات كلها, فهو العين الساهرة للنظام العالمي الجديد, وهو الجهاز الرقابي الدولي المركزي, الذي سيتولى مسؤولية الاستطلاع العميق في البر والبحر والجو, والذي سيكلف بمراقبة تحركات سكان كوكب الأرض داخل بيوتهم وخارجها, ومتابعة نشاطاتهم اليومية حيثما كانوا, ويتولى رصد مستويات الأداء للحكومات المحلية في الأقطار كافة, وإحصاء مستويات الإنتاج في المعامل والمصانع والورش والحقول والمدارس والمستشفيات, ويقوم بتوجيه المنظمات والاتحادات والهيئات الدولية بصرف النظر عن اختصاصاتها وجنسياتها وأماكن تواجدها, وقد صممه كهنة النظام العالمي بعين واحدة لا يمتلك غيرها, عين قريبة الشبه بعين الأعور الدجال, إن لم يكن هو الأعور الدجال نفسه, فهو يرى الأشياء بعين واحدة, وينظر إلى الأمور بعين واحد, وبإمكانكم مشاهدة هذه العين الواحدة مطبوعة على العملة الأمريكية, فئة واحد دولار, حيث وضعوا العين فوق الهرم الفرعوني, وحفروا على قاعدة الهرم تاريخ تأسيس منظمة عبيد الشيطان بالأرقام اللاتينية. 

    تعود جذور (الأخ الأكبر) لرواية الكاتب الانجليزي (جورج أورويل), التي أصدرها قبل وفاته بعام واحد, وكانت تحمل عنوان (1984) وهي من أروع أعماله الأدبية, ولاقت شهرة عالمية واسعة, وترجمت إلى (62) لغة, ترجمها إلى العربية (أنور الشامي), واختارتها مجلة (التايم) من بين أفضل 100 رواية كتبت بالانجليزية في القرن العشرين, ومنعتها السلطات في الكثير من الدول والمكتبات العالمية, باعتبارها من أخطر روايات الخيال السياسي.

    كان بطل الرواية (وينستون سميث) يشك بالمنظومات الحزبية والاستخباراتية المسيطرة على البلاد, والتي كانت تعمل تحت اسم (الأخوية), ويتزعمها (الأخ الأكبر), الذي كان يراقب الجميع دائما, ويوهم الناس انه على صواب دائما. كان (وينستون) يتفادى الكاميرات والتلسكوبات التي زرعها (الأخ الأكبر) في البيت والمزرعة ودورات المياه وملاعب كرة القدم, واعتاد (وينستون) على التساؤل عن الماضي الجميل, وكيف كانت الحياة قبل قدوم (الأخ الأكبر) إلى البلاد ؟, وهل الحقائق التي يقولها (الأخ الأكبر) من حين لآخر هي الحقيقة فعلا ؟, أم أنها مجرد أكاذيب ملفقة, وأباطيل مفبركة يفرضها بالقوة عن طريق عناصر (شرطة الفكر), التي تجوب شوارع المدن كما الكلاب السائبة.

    من غرائب الصدف أن هذه الرواية تحولت إلى فيلم سينمائي في عام 1984, وصادف أن أنتجت شركة (Apple) في العام نفسه الدفعة الأولى من كومبيوتراتها الشخصية (ماكنتوش), وروّجت لها بإعلان شهير مستوح من رواية (1984), يظهر فيه مدير مبيعات شركة (IBM) وكأنه (الأخ الأكبر) في رواية أورويل, وهو يراقب الناس ويتحدث معهم من شاشة تلفزيونية عملاقة. 

    انتشرت هذه الرواية وذاع صيتها, وكان لها الأثر الكبير على روايات عديدة, نذكر منها: (فهرنهايت 451), و(الرجل الراكض), و(عالم جديد شجاع), وقال عنها المفكر الكبير نعوم تشومسكي: (نعم, لقد تحققت نبوءات أورويل, خصوصا بعد أن وقع ما حذرنا منه, على الأقل في جوهره). 

    كان تشومسكي على حق حينما أبدى ارتيابه بما تقوم به القوى الخفية المسيطرة على المجتمع الغربي, والتي تسيطر على أهم مفاصل الاقتصاد العالمي, وتتحكم برسم المسارات المستقبلية لمعظم دول العالم, فقد سارعت هذه القوى إلى إطلاق مفهوم (الأخ الأكبر) على منظوماتها المخابراتية, حتى صار (الأخ الأكبر) هو الرمز المعلن للقوى الاستعلائية المستبدة, وهو العين الساهرة على مصالح النظام العالمي الجديد, وصار الرئيس الأمريكي نفسه مجرد أداة وألعوبة بيده, ولا يمكنه التمرد على (الأخ الأكبر), الذي أوصله إلى البيت الأبيض, وأصبح السياق العام في انتخاب رؤساء البيت الأبيض, هو اختيارهم من صفوف الأغبياء والمغفلين, الذين لا يتمتعون بأية موهبة, وذلك لضمان عدم خروجهم عن طاعة (الأخ الأكبر), أما إذا حاولوا التمرد على قواعده, فان مصيرهم كمصير (جون كينيدي), الذي تعرض للاغتيال منذ أربعة قرون, وسُجل اسمه في قائمة المعترضين على برامج (الأخ الأكبر).  

    يجسد (الأخ الأكبر) روح الامبريالية العنصرية الشمولية بأقبح صورها, ويستجمع طغيان الطغاة كلهم, ليعيد الناس إلى عصور العبودية والوثنية, ويصادر حقوقهم, ويصنف شعوب الأرض إلى فئتين, فئة فوقية, وفئة دونية, فئة تحمل جينات (الأنا) المقدسة (السوبرمان Superman), وفئة مهمشة تحمل جينات الذل والعبودية (السبمان Subman), فيقسم البشر إلى قوي وضعيف, مسلح وأعزل, سيد وعبد, مقدس ومنبوذ, حكيم وأحمق, قاهر ومقهور, وصولا إلى الخضوع الكلي لطغيان (الأخ الأكبر), والإيمان بنظريته الاستعلائية الرامية إلى فصل الشعوب, وعزلهم في قارتين جديدتين, قارة تضم الغرب وحدهم, وقارة أخرى تضم بقية العالم, في إطار الشعار الذي أطلقه (الأخ الأكبر): (The west & the rest),  

    وستكون الحروب والأمراض الفتاكة, والنزاعات الطائفية, والصراعات القومية, والتنافرات العنصرية من نصيب الأقطار العربية والإسلامية, ومن حصة البلدان الأفريقية الضعيفة, والأقطار الآسيوية الفقيرة, بينما يكون الأمن والاستقرار والسعادة والنعيم وراحة البال من حصة الغرب, الذي سيتسيد العالم في ظل النظام الاستعماري الجديد, وفي ظل القيادات العربية المتخاذلة, والملوك والأمراء والرؤساء, الذين باعوا أنفسهم للشيطان, وتنكروا لدينهم ومبادئهم, فتواطأوا مع الغزاة والمحتلين, ومنحوهم القواعد العسكرية, والتسهيلات اللوجستية, واشتركوا معهم في اجتياح البلدان الإسلامية, ووصل بهم الرضوخ والإذعان لإرادة (الأخ الأكبر), إلى المستوى الذي صاروا فيه هم الحاضنة الكبرى لأعداء الله, وأعداء الإنسانية, واختفت أنيابهم كلها في مواجهة الغزو, وصاروا ليوثا أمام الغزاة, ليضيفوا الرياح القوية للمهزلة, عن طريق تأجيج النعرات الطائفية, وبث الرعب في قلوب الناس, وزرع الفتن, وإشاعة الفوضى, وتطبيق وصايا زعيمهم الذي علمهم الخسة والنذالة, ولم يعلموا أن شخصية (الأخ الأكبر) هي شخصية كارتونية انطلقت من أعماق أزمة عسكرية وثقافية واقتصادية, تعيشها البلدان الغربية, التي أدركت صعوبة المواجهات التعبوية مع بلدان العالم الثالث, سيما أن شعوب العالم الثالث أصبحت أكثر نضوجا وتفهما لقواعد اللعبة الدولية, فسارع (الأخ الأكبر) إلى الاستفادة من عوامل التفكك الطائفي والقومي, واستثمار ظاهرة الفساد المستشرية في بنيان الحكومات المفسدة, ولجأ إلى شراء ذمم الزعماء, والاستعانة بهم في تهديم أركان الدين بمعاول الطائفية, وتوظيفهم في تسفيه المبادئ الوطنية والقومية. 

     أرادوا جميعا أن يطفئوا نور الله بأفواههم, فأبى الله إلا أن يتم نوره, ووضع سره في أبسط خلقه, إذ ظهر عليهم بائع فقير ضعيف الحال, خاوي البطن, يرتدي أسمالا ممزقة, يتجول بعربته الصغيرة على الأرصفة, يمسك بيده العارية شعلة من نار الثورة على الباطل, كشعلة (كاوا الحداد), قذفها في لحظة غضب بوجه عبد من عبيد (الأخ الأكبر), فسقط صولجانه في الوحل تحت عجلات عربات الفقراء, ثم سقط العبد الثاني في ميدان التحرير, وانهار حكم العبد الثالث في باب العزيزية, وترنح العبد الرابع في ميدان اللؤلؤة, واهتز العبد الخامس في صنعاء, وتعالت أصوات الغضب بنبرة واحدة في كل مكان, من نينوى إلى نواكشوط: (الشعب يريد إسقاط النظام. . الشعب يريد إسقاط النظام), ولن تهدأ صرخاتهم الصاخبة المدوية حتى تتساقط العروش الظالمة, وتندحر الأنظمة الرخيصة الفاسدة, التي باعت نفسها للأخ الأكبر, وسخرت ثرواتها في خدمة الطاغوت الأكبر, وفاتهم أن يعلموا, أن لا شيء دائم في هذا الكون الفسيح, وان البقاء لله وحده, فكل من عليها فان, ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام, وان الأرض سيرثها الذين آمنوا بالله الواحد الأحد الفرد الصمد, ولا مكان فيها للأخ الأكبر, ولا للدجال الأعور, ولا لزبانية واشنطن, ولا لعملاء البنتاغون, ولا مكان فيها لقرود السيرك السياسي, وكلاب السلطات الجائرة الفاشلة.

    بسم الله الرحمن الرحيم

    ((وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ))

    صدق الله العظيم