Blog

  • 14 تموز عام 1958.. والاستذكارات الخائبة

    مازال حدث 14 تموز عام 1958 يعاني من قسمين من الاستذكارات الخائبة وهي :- 

    1-  استذكارات تصدر عن حالة نفاقية 

    2-  استذكارات تصدر عن حالة الجهل والمحدودية 

    وهناك استذكارات موضوعية لما حدث في 14 تموز عام 1958 وراءها عقول مستنيرة تعرف كيف تفسر الحدث وكيف توظف الموقف . 

    واحسب اننا عندما نسلط الضوء على الاستذكارات الخائبة ونعريها من حالتها التنكرية التي تسبب للقارئ تشويشا مصحوبا بفوضى الإسقاطات والاستعمال المرتجل للقياسات , فبعض أصحاب تلك الإسقاطات ممن كانوا يوقعون على قطع الأيادي والآذان والألسن في محكمة صدام الخاصة , ولم يكتفوا بذلك وإنما تسببوا في تدمير مستقبل كثير من الشباب العراقي عام 1987 وكانوا متزلفين لحزب صدام من عام 1968 إلى زمن سقوطه , فهل يحق لهؤلاء أن يدلوا بالمفاضلة بين العهد الملكي وغيره ؟ 

    عندما نفعل ذلك نكون قد انتصرنا للاستذكارات الموضوعية من حدث 14 تموز عام 1958 .

    ويهمنا تسليط الضوء على القسم المنافق من الاستذكارات الخائبة استشرافا بهدي السماء الذي شخص حالتين ينبغي مواجهتهما وهما:- 

    1-  الكفار 

    2-  المنافقون 

    والإعراض عن الجاهلين كان ايضا توجيها سماويا ” واعرض عن الجاهلين ” وقوله تعالى عن عباد الرحمن ” وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ” .

    ومن أمثلة المنافقين الذين يستذكرون 14 تموز عام 1958 بصورة خائبة , وسنعرض للإسقاطات التي يستعملونها وهم يحسبون أنفسهم من المحللين السياسيين وهم ليسوا كذلك , مثلما انطلت دعواهم على بعض الفضائيات حديثة العهد بالحقل الإعلامي وثقافته عندما طرحت باستسهال كبير مصطلحات مثل :- 

    1-  خبير قانوني : تلبس بها من لا يستحقها ؟

    2-  خبير موسوعي : عالم موسوعي : حيث لا موسوعية لأحد إلا لأصحاب العلم ” اللدني ” وهم المعصومون ” ودرجاتهم موصوفة ومحددة وهي :- 

    ا‌-   الراسخون في العلم 

    ب‌-   أهل الذكر 

    ت‌-   أولي الأمر 

    ونحن جميعا من أصحاب العلم ” الكسبي ” أي يتوقف حصولنا على العلم بمقدار تحصلينا وسعينا , وبما ان العلوم واسعة ولا يمكن لأصحاب العلم الكسبي الإحاطة بها جميعا , لذلك كان التخصص في العلوم حاجة تتناسب والجهد الإنساني , بل أصبح التخصص في العلم الواحد وأجزائه هو الآخر حاجة موضوعية تتناسب والاستطاعة المحدودة عند الإنسان .

    ومن هنا نفهم لماذا ضج بعض المسلمين رافعين شكواهم إلى رسول الله “ص” عندما نزلت الآية الكريمة :” اتقوا الله حق تقاته ” حيث قالوا لرسول الله “ص” : يا رسول الله : لقد أمرنا بالصلاة فصلينا , وأمرنا بالصيام فصمنا , وأمرنا بالحج فحججنا , وأمرنا بالجهاد فجاهدنا , ولكن حق التقوى لا نستطيع عليه ؟ فنزلت الآية الكريمة :” اتقوا الله ما استطعتم ” 

    وعندما نستحضر الآية الكريمة التي تحدد مستوى ومحدودية  بضاعتنا من العلم , قال تعالى :” وما أتيتم من العلم إلا قليلا ” 

    وعندما نلقي نظرة على ما استجد لدينا اليوم من علوم الفضاء وتفاصيله , ونعرف أن هناك من المصطلحات الاختصاصية في هذا الحقل الذي يتحدى العقول البشرية بسعته وغموضه ومجاهيله التي لا تعد ولا تحصى , وهي ما يتداولها علم الفضاء على الشكل الآتي :-

    1-  طب الفضاء – التغذية الفضائية 

    2-  هندسة الفضاء : وفيها علوم واختصاصات كثيرة 

    3-  فيزياء الفضاء : وفيها اختصاصات كثيرة 

    4-  علم الفلك وفيه اختصاصات متعددة 

    5-  صياد الكويكبات : وهو من احدث الاختصاصات الفضائية 

    6-  المجرات والثقوب السوداء ولها اختصاص قائم بذاته 

    ومثلما تعددت علوم الفضاء , كذلك تعددت علوم البحار , وهكذا نرى تجاه سعة العلوم وتعددها , ومع حقيقة محدودية الإنسان فمن التواضع أن نعترف بهذه المحدودية وان لا نغالي في المصطلحات والعناوين ونكثر من المدعيات بلا فائدة .

    ومن بعض الذين أطنبوا في المدعيات ومارسوا الإسقاطات بمناسبة الحديث عن 14 تموز عام 1958 واعتبروا إن العراق الملكي كان الأكثر في إنتاج النفط في المنطقة , ثم الأكثر حضورا من تركيا وإيران وباكستان في حلف السنتو , واستمروا في تبسيط الأمور فقالوا : والأكبر من الأردن حيث كان الأردن تابعا للسياسة العراقية ؟ 

    وهذه الطريقة من المقارنات غير الآخذة بزمن الحدث وتطوره هي التي تجلب القياس المرتجل الذي استبعد عند علماء المعرفة وفقه السلوك الإنساني من اتخاذه دليلا يطمئن إليه ؟ 

    فالعراق كان في إحصاء عام 1947 لا يتجاوز عدد سكانه ” 5″ مليون نسمة , وفي عام 1957 كان عدد سكانه يربو على ” 7 ” مليون نسمة , واليوم في حدود “30 ” مليون نسمة , فالاستهلاك ازداد بزيادة السكان , والمتغيرات المناخية اليوم ليست كما كانت في الثلاثينات والاربعينات والخمسينات زمن العهد الملكي , وتعلق الفلاح بالأرض في تلك العقود هو غير علاقة الفلاح بالأرض اليوم وحلف السنتو صناعة استعمارية لا يفتخر بها احد , والعائلة المالكة التي استقرت في العراق بعدما نفيت من الحجاز , هي عائلة تفتقد للحيوية الاجتماعية والوطنية , نتيجة الشلل الذي عانت منه على يد من سخروها لمصالحهم ونكثوا العهد معها وهم الانكليز , ووفاة جدهم الشريف حسين نتيجة نزف دماغي تعرض له جراء الإذلال الذي مارسه معه كاتب السفارة البريطانية اليهودي في قبرص عندما أراد اقتراض مائة دولار من السفارة البريطانية ؟ 

    هذه العائلة التي أصبحت في كنف الوجود البريطاني الاستعماري يسخرها لمآربه بعد ان دجنها سلوكيا فاصبح أبناؤها من أبناء سادن الكعبة المشرفة الى رواد حانات الخمور وبناتها من أولى الممارسات للسفور , فمات فيصل الأول بحادث غامض يقال وراءه بعض الهنود من سماسرة البريطانيين , ثم مات غازي ثملا بحادث سيارة , وخلا الجو لعبد الإله وصيا على العرش الذي ينتظر صبيا فتح عيناه على مطبخ تنتشر فيه قناني الخمور وعندما توج ملكا لم يعرف كيف يخطب الفتاة التي يريد ولم يعرف كيف يتزوج حتى دهمه اجله في 14 تموز عام 1958 ولم يكن ذلك الموت الدموي البشع هو من خطة وثقافة عبد الكريم قاسم وإنما من مفردات الفوضى التي صاحبت الساعات الأولى للحدث الذي فجر في النفوس هيجانا عاطفيا غير موجه بتنظيم يستحضر العقل والأساليب الحضرية .

    وللحديث صلة

  • أم العروس !!

    مرت على الربيع الأميركي في العراق تسع سنوات، أو أكثر من (3300) يوم، وهو زمن طويل لا يستهان به، فقد استطاعت بلدان مثل اليابان وألمانيا ومصر وبريطانيا وفرنسا والجزائر ولبنان وغيرها، أن تستعيد عافيتها، وتقف على قدميها في نصف هذا الزمن أحيانا بعد خروجها من حروب طاحنة، واحتلالات مقيتة دمرت بناها التحتية، وأتت على الأخضر واليابس ، ولا احد يدري لماذا بقي العراق حالة استثنائية، حيث مازال ربيعه يقبع تحت أجواء الخريف، وكلما أينعت ورقة وهتفنا بأعلى صوتنا (اللهم صل على محمد وآل محمد) نخرتها دودة الأرض، ومازالت مشاريعه بدون استثناء تراوح في مكانها محاطة بدائرة من الأزمات لا أول لها ولا آخر، أزمة سكن ومدارس وفقر وجوع وبطالة وكهرباء وامن وأخلاق ..الخ.

    لعل هذا الواقع الذي لا يسرّ الوطن والمواطن، هو انعكاس لتركيبة الطبقة السياسية نفسها، ونتيجة طبيعية لأزماتها التي بدأت منذ 2003وتواصلت بتصاعد مثير للمخاوف، ليس ابتداء بأزمة الثقة والكرسي والتداول السلمي للسلطة والصلاحيات وليس انتهاء بأزمة المصالح الفئوية والتخندق المذهبي والقومي وتخوين الآخر!! 

    إن السباق المحموم إلى حد التقاتل على (لقمة الصياد) التي انشغل الجميع بها على الرغم من مئات اللقم الدسمة والهبرات الكبيرة المباحة أمام عيونهم وعلى موائدهم، أوصل العراقيين إلى قناعة أكيدة، إن هؤلاء الفرقاء، وعلى وجه الدقة (النسبة العظمى منهم)، لا يمثلون رجال المرحلة، ولا يصلحون لقيادة البلاد، وان منحهم الأصوات الانتخابية جاء عن حسن نية في غير محلها، وصعودهم إلى مواقع المسؤولية هو غلطة عمر لا تغتفر، وإلا فأي نوع من السياسيين هؤلاء الذين لم يدركوا من أمور السياسة إلا أمراً واحداً نجحوا فيه، عندما أنجبوا وقفا للسنة وآخر للشيعة، وهلالا للعيد في الفلوجة غير هلال العيد في الشامية، وضحكوا على ذقون العباد بالدعوة الى الصلاة المشتركة، وظهروا بمظهر من يحاول التقريب بين الأديان، وكأن رب الشيعة ونبيهم وكتابهم وقبلتهم، هو غير رب السنة ونبيهم وكتابهم وقبلتهم!!

    والعراقيون عرفوا_ ولو متأخرا_ان تقسيمهم الى (دين) شيعي و(دين) سني ، هو سبيلهم الوحيد لكسب الأصوات والحفاظ على المغانم ، ثم اي سياسيين هؤلاء الذين يقودون البلاد الى المجهول باسم الديمقراطية، وباسمها يقيمون الدنيا ولا يقعدونها إذا أرادوا تشكيل حكومة او مساءلة وزير أو إبدال رئيس وزراء أو محاكمة متهم أو محاسبة مسؤول سارق، وأي نوع من الديمقراطيين هؤلاء الذين يعملون في العلن قبل السر على وفق تهم متبادلة وملفات جاهزة عند الحاجة، واسكت عني أسكتُ عنك، وتقيل زعيمي أقيل زعيمك، وتكشف عيوب وزيري أكشف عيوب وزيرك ، ولا شيء لوجه الله أو مصلحة الأمة، ومع كل هذه البلاوي المرة، يرى الأميركان ومراكز دراساتهم، إن تجربة العراق الديمقراطية هي الأفضل، ودستوره هو الأرقى، وطبقته السياسية هدية السماء إلى الشعب!! أليس غريبا مثل هذا الكلام ومدعاة لشق الجيوب ولطم الخدود؟! ولكن أسألكم بالله: من يشهد للعروس غير أمها الكذابة؟!

  • رمضان على الأبواب!!

    أعظم ما أنجزه العقل  البشري وباتفاق جميع العلماء هو (الكمبيوتر) ومثلما نقسّم الأجيال الأدبية في عالمنا العربي؛ الى جيل خمسيني وستيني وسبعيني والى الـ(يني) اللانهاية لها؛ فأنّ العلماء يقسمون اجيال الكمبيوتر بحسب المعدات؛ أو البرامج والتعليمات التي تعمل عليها؛ وما يمكن ان  تنجزه من عمليات معقدة (مثلا- يستطيع الحاسوب حل ترليون عملية حسابية في ثانية) وان كنت أتحداه –أمامكم– اذا استطاع ان يجد حلا للعملية السياسية في العراق(وله سنة طرح)!!

    ومنذ اكتشافه في منتصف القرن الماضي؛ وصل تسلسل الكمبيوتر الجيلي الآن إلى: الجيل الخامس.

    (بالتأكيد نحن غير معنيين بهذه الخزعبلات؛ ولم نتعلم من البلدان المتقدمة التي استعمرتنا  اي شيء؛ بل نحن الذين علمناهم  الفساد الاداري؛ وخيانة الامانة؛ وتزوير الحسابات؛وابتداع العقود الوهمية؛ وبما لا يخطر على بال ايّ مفسد وفاسد لديهم!!)

    ..علماء الجيل الخامس لم يكفهم ان تقتصر وظائفه على (المسائل الرياضية والهندسية,  أو إجراء اخطر العمليات الجراحية؛ او تنظيم مواعيد الطائرات والقطارات.. أو الإشراف على إطلاق سفن الفضاء) بل ارادوها أن تمتد الى ظهور ما يطلق عليه الكمبيوتر المحاور؛ الذي يتحدّث مع صاحبه بشكل حضاري ومؤدب؛ وكأنّه رئيس كتلة برلمانية يحاور رئيس كتلة برلمانية آخر!!

    وكل هذه امور هيّنة قياسا الى ما يشتغل عليه العلماء الآن ؛ فقد وصلوا الى ( تكنلوجيا الاشياء الدقيقة) اومايعرف بـ(نانوتكنلوجي) وهذا الـ(نانو) مستقبل العالم في كل المجالات؛ فبواسطته يخططون إلى ان يصنعوا غواصة دقيقة مكوّنة من الفي اوثلاثة آلاف ذرة؛ لا  يزيد حجمها عن رأس دبوس(اطمئنوا طبية وليست حربية).

    تبحر في دماء الإنسان لمهاجمة الخلايا السرطانية وتدميرها؛ او تذهب الى حصى الكلى وتقضي عليها قضاء امبرما وبلا اي متاعب.

    وما يهمنا كعرب؛ انها – ربما- ستعوضنا عن (الفياغرا) فتصل الى ما يستثير (هممنا) الى الآخر؛لنقدم ابداعنا.. فليسوا هم- وحدهم – معنيين بالجسد؛ وانما نحن كذلك؛ وبما لايمكن ان يتصوّروه !!

    تتناقل المراكز البحثية المعنية بالمستقبل ان بلدانا بعينها؛ تعمل على الافادة مما اكتشفه العلماء في مجال الـ(نانو) وتقدم امثلة.

    فـ:أمريكا (تفكرفي استخدامها وعلى نطاق واسع في الصناعات العسكرية لإنتاج دبابات غير مرئية؛ وانتاج زي يرتديه الجنود فيخفيهم عن نظر ونار العدو).

    -ايران (وهي من الدول الاسلامية القليلة التي دخلت في عصر النانو تكنولوجي؛ بصدد تصنيع طائرة بدون طيار لا يراها الرادار).

    – اسرائيل(وبحسب قول الدكتور محمد النشائي؛ وهو عالم فيزياء نظرية ومهندس مصري، رشح لجائزة نوبل 2006، انها الان بصدد تصنيع طائرات بحجم البعوضة؛تستطيع اختراق المواقع الحربية حتى ولو كانت محصنة).  

    بالتأكيد لن اطالب المسؤولين على ادارة البلد بان يكون لهم إسهامهم العلمي الجديد؛لاسيما وان أول بطارية كهربائية اكتشفت لدينا قبل خمسة آلاف سنة..

    لكني اسألهم: رمضان على الأبواب؛ فأين وصل موضوع الحصة التموينية يا جماعة؟!!

  • مجلس الأمن الوطني في إقليم كردستان !!

    عندما أعلن السيد مسعود البارزاني إنشاء مجلس الأمن الوطني في إقليم كردستان العراق برئاسة نجله الأكبر مسرور البارزاني ونائبه من الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يترأسه السيد جلال الطالباني رئيس جمهورية العراق الذي أصبحت السليمانية مقرا دائما لإقامته؟

    هذا الخبر ربما لم ينتبه له الكثيرون ؟

    وبعض التعليقات التي صدرت من بعض الأفراد وليس الجهات لم يتوقف عندها الإعلام كما توقف عند احتفال نقابة الصحفيين بعيد الصحافة العراقية ؟

    وابرز الاعتراضات جاءت من الأحزاب الكردية المعارضة لسياسة الحزبين الكرديين في إقليم كردستان .

    والإعلان عن تأسيس مجلس الأمن الوطني في إقليم كردستان يأتي في خضم الأزمة السياسية بين الكتل وأحزاب السلطة منذ شهور , بل منذ انتخابات عام 2010 والى الآن ؟ فماذا يعني هذا ؟

    والمتتبع لما يجري في إقليم كردستان العراق من حركة تجاه إنشاء الدولة الكردية المستقلة ونواتها في العراق يدرك اكثر من غيره ما معنى ظهور المجلس الوطني الكردي في هذه الأيام ؟

    وإذا أضفنا تصريح وزير الطاقة في إقليم كردستان العراق السيد هورامي في مؤتمر الطاقة الذي عقد قبل أيام في تركيا والذي قال فيه : سيقوم إقليم كردستان بتصدير النفط مباشرة إلى تركيا اي بعد سنتين , ولا يتوقف الأمر على هذه الإضافة وإنما هناك في الواقع إضافات كثيرة مسكوت عنها لأسباب كثيرة كتبنا عنها وحذرنا من عواقبها , ولكن : لقد أسمعت لو ناديت حيا

                       ولكن لا حياة لمن تنادي ؟

    ومن تلك التاسيسات المبكرة للانفصال الذي أعلن عنه السيد مسعود البارزاني بمناسبة أعياد النوروز لهذه السنة وجعلها بعنوان استفتاء مرجح حدوثه لما بعد الشهر التاسع من هذه السنة أيضا

    ولمن يقرأ السياسة جيدا , فان اجتماعات اربيل الأخيرة , واجتماعات النجف بالنسبة للحزبين الكرديين هو لإلقاء الحجة التي مفادها : لا فائدة من الانتظار غير المثمر للعمل مع الكتل والأحزاب العراقية العربية المختلفة في ما بينها , وربما يكون التعليق الذي صدر على شكل مزحة من السيد جلال الطالباني عندما دعي للقاء في الكوفة , فقال : ” أخشى أن تكون هذه الدعوة كدعوة الإمام الحسين من قبل أهل الكوفة ” ؟

    وحتى لا يتشعب بنا الحديث وهو ذو شجون في مثل هذه الحالات التي تغرد خارج السرب الوطني والتزاماته التي تخلت عنها بعض القيادات الكردية عندما أعلنت وبكل وضوح أنها غير معنية بالصراع العربي الإسرائيلي وذلك تبريرا للعلاقات والزيارات التي تمت بينها وبين الكيان الصهيوني, وكتبنا عنها وكتب غيرنا الشيء الكثير وهي موثقة .

    ويمكن إيجاز تلك التاسيسات الانفصالية على الشكل الآتي :-

    1-  ما ثبت في الدستور العراقي الذي كتب تحت الاحتلال بان إقليم كردستان يبقى على خصوصيته القائمة قبل التغيير ؟

    2-  ما كتب في الدستور العراقي عن ما سمي بالمناطق المتنازع عليها , وهو اصطلاح غريب على مفهوم الدولة بصياغتها القانونية , وغريب على مفهوم المواطنة للعراقيين

    3-  ما كتب في الدستور العراقي في نسخته الأولى : يحق لثلاث محافظات رفض ما أجمعت عليه المحافظات الأخرى ؟

    4-  ما كتب في الدستور العراقي : يحق لكل محافظة او إقليم فتح مكاتب في السفارات العراقية .

    5-  ما كتب في الدستور العراقي : يحق لكل محافظة او إقليم إصدار عملة ورقية بلغته ؟ وهو أمر غير متعارف عليه لدى كل فدراليات العالم .

    6-  ما كتب في الدستور يحق لكل محافظة او إقليم إصدار جواز سفر بلغته , وفعلا تم إصدار الجواز العراقي مؤخرا باللغة الكردية والعربية بالإضافة الى اللغة الانكليزية مما تسبب ببعض الاحراجات لحاملي ذلك الجواز لدى بعض الدول التي تعتبر قانونية كل جواز سفر بلغتين فقط ؟

    7-  ما كتب في الدستور العراقي حول استعمال لغتين أو أكثر في المؤتمرات والمخاطبات الرسمية , وهي صيغة تكلف الدولة كثيرا من الإنفاق والأعباء وضياع الجهود في ما لا لزوم له ؟

    وظهرت إجراءات وتطبيقات لم تكن موجودة في الدستور من قبل إدارة إقليم كردستان العراق نشير لها على الشكل الآتي :-

    1-  تسمية وزارة باسم وزارة ” البيشمركة ” أخذت تفسيرات متعددة منها ” حرس الحدود ” ورواتبها من الدولة المركزية وهي حالة مخالفة للدستور الذي يحرم المليشيات ويحصر السلاح بيد الدولة من خلال الجيش والقوى الأمنية التابعة للدولة المركزية .

    2-  تسمية ما يسمى بممثل اقليم كردستان في بغداد , وهي تسمية غير دستورية ولا قانونية, وليس لها ما يبررها في وجود رئيس جمهورية كردي ووزير خارجية كردي , ونائب رئيس وزراء كردي ونائب رئيس مجلس النواب كردي ووزراء أكراد في الحكومة المركزية وما يزيد عن ستين نائبا كرديا في البرلمان الفدرالي .

    3-  الاصرار على الحصول على 17|0 من الميزانية لاقليم كردستان العراق وهو تجاوز غير قانوني في توزيع الثروة حيث لاتتجاوز حصة الاقليم ” 5و12|0 من الميزانية العامة

    4-  إصرار الأكراد على اعتبار منصب رئيس الجمهورية حقا قوميا للأكراد ؟

    5-  إصرار إدارة الإقليم على حقها في استخراج وتصدير النفط دون الرجوع للحكومة المركزية

    6-  قيام إدارة الإقليم بفتح مكاتب وقنصليات لها في بعض الدول والموافقة على فتح قنصليات لبعض الدول دون الرجوع للحكومة المركزية

    7-  إصرار إدارة إقليم كردستان على عزل كل إدارات ووزارات الحكم المحلي عن التشاور والإشراف من قبل الحكومة المركزية

    8-  قيام إدارة إقليم كردستان بفرض الكفالة وتحديد مدة الإقامة على العراقيين الذين يزورون محافظات الإقليم, وهو إجراء غير دستوري , ويخل بالوحدة الوطنية والمفهوم الفدرالي

    وبعد الاطلاع على كل تلك الحالات الموضوعة بشكل ملغوم داخل الدستور , ومنها ما وضع من خارج الدستور ومنها المجلس الوطني الكردي الذي يأتي في سياق التحضير المستمر للانفصال .

  • الملف الأمني (2)

    أشرت في الجزء الأول إلى جهلي بعالم الكومبيوتر، والورطة التي تعرضت لها عندما كنت اعبث بالمفاتيح، حيث ظهر لي وجه كارتوني، ونهرني عن هذا التصرف الصبياني، ثم سألني عن المعلومة التي أريدها، فطلبت منه ان يخبرني عن مستقبل الملف الأمني في العراق (كانت الوقائع قد جرت العام الماضي)، فلم يرد على طلبي، ولكنه اكتفى بالبكاء العنيف حتى أصابتني العدوى فخرجت الى الشارع وأنا ابكي، وقد ظن المارة إنني إنسان معتوه!

    لم اتعظ، وكان المفروض أن لا ألدغ مرتين، ولكن العزة بالإثم أخذتني، وعدت إلى الكومبيوتر من جديد في بداية حزيران الماضي من السنة الحالية، ورحت اعبث بالفارة والمفاتيح على هواي، وفجأة ظهر على الشاشة وجه رجالي ببشرة بيضاء، حليق الشارب واللحية، له خدان متعافيتان، ويتعطر بعطر فرنسي كدت أشم رائحته الزكية، ويرتدي بدلة قريبة من اللون الزيتوني وربطة عنق أنيقة ويزين أصابعه بثلاثة خواتم فيما أحاط معصمه بساعة ذهبية، على إن أحلى ما فيه يكمن في تلك الدقة والابتسامة التي لم تفارق شفتيه. 

    يا الهي كم كان إنسانا لطيفا ومهذبا، وحين سألته عن مستقبل الملف الأمني في العراق، قال لي (أولا  … بسم الله الرحمن الرحيم)، ثم انطلق يحدثني عن الوضع الأمني المستقر في البلاد، بحيث ان الجهات الأمنية المسؤولة، بدأت برفع الحواجز والأسلاك عن الشوارع والأحياء السكنية، و لن يمضي وقت طويل لكي يحتفل العراقيون بالتخلص من آخر الحواجز، ثم تطرق الى قضية تجفيف منابع الإرهاب، والضربات النوعية الساحقة التي تلقاها تنظيم القاعدة، بحيث فقد قدراته القديمة على بسط نفوذه هنا أو هناك كما كان في السابق، وهكذا ايها المواطن الكريم لم تبق للإرهابيين أية حاضنة، والأهم من هذا كله فيما يتعلق بمستقبل الملف الأمني، إن الجزء الأعظم من التنظيمات المسلحة ألقت السلاح واندمجت بالعملية السياسية، وتحولت الى قوى ديمقراطية بناءة، وذلك بعد اطمئنانها الى مغادرة القوات الأميركية، ارض الوطن واستعادة العراق لسيادته الكاملة، وبإمكاني على وفق المعلومات الدقيقة التي بين يدي، أؤكد لك بثقة عالية أيها المواطن الكريم: إن عهد اللواصق والكواتم والمفخخات والجثث المجهولة أصبح من الماضي وبمقدور أي عراقي  (حاليا) -الحديث جرى يوم 9 / 6 / ان يغادر بيته ويعود إليه في اي وقت والى اي مكان وهو مطمئن على نفسه وأسرته … 

    الحقيقة منحني الرجل ما يكفي من الإحساس بالأمان، والسعادة والطمأنينة من غير أن تفارق الابتسامة الشفافة وجهة، ويبدو أن العدوى انتقلت إلي، فقد أشرق فمي بابتسامة عريضة دونها ضحكة يونس محمود، بغض النظر عن العبارة التي كانت تظهر على الشاشة وتختفي وهي تقول (يرجى الانتباه … فهذا الموقع تعرض إلى فايروس حكومي وهو خاص بالإعلانات الرسمية) ولهذا تركت مكاني وهرعت إلى الشارع والسوق وأنا أوزع ابتسامتي على الرجال والأطفال والنساء والصبايا حتى ظنت الناس بي الظنون !!

  • الذكاء عند فلاسفة الفساد

    للذكاء تعاريف عدة تعبر كلها عن القدرة الإبداعية, التي يمتلكها الإنسان في حل المعضلات الفكرية الصعبة, لكنه في القاموس الانتهازي يحمل أكثر من معنى, وتنقلب مفاهيمه عند أصحاب الوجوه الزئبقية, الذين تخصصوا بتوظيف أدمغتهم في مشاريع الخبث والدهاء والغش والحيلة والمراوغة, حتى صار معنى الذكاء في تطبيقات التشكيلات الإدارية الفاسدة يعبر عن مهاراتهم الشيطانية في تدمير مستقبلنا, ويعكس عبقريتهم في استثمار المناصب الإدارية وجني الفوائد النفعية, فالعبقري عندهم هو الذي يستغل وظيفته في جمع المال الحرام, ويغير لونه في المواسم بما ينسجم مع اللون السائد في كل عصر ومصر, أما النزيه فهو نظرهم الغبي الذي لا يحسن انتهاز الفرص, فيستخفون به ويستهزئون بالمتعففين من أمثاله, من الذين رفضوا الانحراف والانجراف, واختاروا السير لوحدهم في المسالك المستقيمة الموحشة, وربما يقع المتعففون ضحايا لممارسات الفئات المنحرفة الفاسدة. .

     فالمفسدون يعدون أنفسهم أذكى من غيرهم, وهذا الذكاء الزائد (إن كان هناك ذكاء فعلا) هو الذي يمنحهم (الحق) في استغلال مواقعهم ومناصبهم ودرجاتهم الوظيفية, ويشجعهم على الاستفادة من نفوذهم في تشكيلات الدولة أو في التنظيمات الحزبية أو النقابية أو الاجتماعية أو في القطاع الخاص, بالاتجاهات التي تحقق مآربهم الشخصية, فالذكاء في معايير هؤلاء يعني إتقان الغش والتحايل والفهلوة, ويعني انتهاز فرص التسلق نحو الأعلى, والقفز فوق درجات السلم الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي, وممارسة الانتهازية بأبشع صورها, والإفـــراط في تسجيل المكاسب الجشعة في سجلات الفرهود واللغف والابتزاز واللختنة, وإجادة التظاهر بالمظاهر المزيفة التي أسبغت بعض الخصال الشرعية على (الرشا) والعمولات المالية المليونية, وجعلتها في خانة (الهدايا) و(العطايا) و(الإكراميات) المشرعنة. 

     الذكـــاء فـي حسابـــــات اللصوص والحرامية يعني أيضا اللجوء إلى أساليب الخداع والتضليل في الاتجار بالممنوعات, ونهب المال العام, وتلفيق الاتهامات الباطلة للكفاءات الإدارية المنضبطة, فانقلبت المعايير رأسا على عقب في مخططات أصحاب الضمائر المعطوبة, إلى المستوى الذي ظهرت فيه علينا أكثر من (رويبضة) في الزمن الذي خوّنوا فيه الأمين, وائتمنوا الخائن, وكذبوا فيه الصادق, وصدقَوا الكاذب, واقتفوا أثر فيلسوفهم ميكافيلي وتعلموا في مدرسته, وعملوا بنصيحته, فاختاروا مكر الثعالب وخداعها ومراوغتها في مواجهة الناس, فالإنسان الثعلب هو الذي يتقن التنكر بحلل زائفة, فيُظهر الصدق والعدل والوفاء, ويستبطن الغدر والكذب والنفاق.  ولا يعلم الميكافيليون إن البقاء دائما للأصلح والأكفأ والأذكى, ولن تفرض علينا رويبضاتهم وثعالبهم المراوغة معاييرها الغبية في صياغة المعاني الهشة للذكاء, فذكاؤنا الفطري هو الذي كشف لنا مدى مكرها وخداعها, وسيأتي اليوم الذي تتبدد فيه سياسة وأد الكفاءات, لأنه من غير المعقول أن تستمر الأعراف الفاسدة على ما هي عليه في تهميش أصحاب المواهب والقدرات العلمية والخبرات المهنية, ومن غير المعقول أن تكون هي التقاليد الإستراتيجية المعتمدة في ترميم قواعد هياكلنا الإدارية الآيلة للانهيار. 

    ختاما لابد لنا من الاعتراف بذكاء فلاسفة الفساد في ربط السياسة بالطائفية, عندما ربطـــوها بالنصوص وعمقوها بالنفوس, فبرعوا في ترويج الولاءات المذهبية المتطرفة, وأبدعوا في تغييب التحالفات الوطنية. والله يستر من الجايات.

  • … بالدف ناقر

    انتشر وشاع وعم رقص أهل البيت على نقر دف الملفات وأدلة الاتهام والمستمسكات، و..ادفع وإلا كشفتك،  أعطني واسكت…وإنها لغة تفشت في مختلف المرافق والمفاصل ومواضع النفع، في المصالح والأعمال والصفقات  والمقاولات، في الغايات المالية والتوظيفية والمواقع المؤثرة، في زوايا لا تخطر على بال البسطاء، ونخشى ذكر أمثلة لها لعدم الرغبة في الاقتراب من حشود الكلاب المسعورة، وليأخذ كل محترف للتهديد والابتزاز ومن بيده سلاح للتهديد,  ليأخذ على نفسه وليظن انه المقصود في الرقص على إيقاع دف الملفات (واللزمات) والتهديد.

    تصاعد النقر واتسع الرقص ودخلت اللعبة في باب الاعتياد والروتين، وكما لم يعد العراقي ليستغرب من أخبار المفخخات والانفجارات والمداهمات والكواتم فانه لم يعد يستغرب أخبار ووقائع المساومات، وبات هناك من يهدد الآخر (بالكشف)  وان كان لا يملك أدلة ووسائل تهديد فعلية، فالمقابل لا يخلو من سر فاسد ومن مستور مخيف، وان ما عزز وأشاع ورسخ هذه  الممارسة إنها بلا عواقب غير النفع، فاكبر حجم للفساد المالي والإداري يستوجب ويفترض أن تقوم اكبر المحاكم والمحاكمات في العالم وان تكون الأخبار اليومية الأولى هي التي تتعلق بالفاسدين والمفسدين، في حين تبدو السياسة هي طمس وتهميش إجراءات المتابعة والتعقيب، والحق، ربما ليست سياسة مقصودة بجعل المواطن ينسى هذه الوقائع بقد ما هو نتاج بنية ومظهر واقع رسمي سائد، وان المليارات قد نسيت وصفا عليها الماء، والتعيينات لا تعكرها الفضائح، والعمولات والحصص هنا وهناك ماضية ولا يزعجها نبح الكلاب واحتجاجات البؤساء… الخ، واخذ المسؤولون بعناوينهم المختلفة يسمون الأشياء والوقائع بأسمائها بلا أدنى مراعاة للياقة المعروفة في الدول، وبما أتاح حتى للمتجني وللساخط وللمغرض أن يتقول ويفتري ويخرب، فهو,  وكما يبدو,  محقا وانه أينما يرمي حجره يقع على فساد، والاهم هو هذا التبلد الغريب والعجيب إزاءه,  وعدم رؤيته، على العكس، هناك من عمم الجنة التي يعيشها على كل العراق,,  ولذا يرى العراق كله يرقص ولكن لا على إيقاع نقر الدف.

  • الشرق الأوسط .. رجل العالم المريض !!

    ما الذي يجري الآن في الشرق الأوسط أهو قد بات الرجل الأكثر مرضا في عالم يفتش عن ضمان استمرار شريان الحياة الأسود؟، ويرجو استغلال واستثمار عبقرية المكان التي يتمتع بها الشرق الأوسط أمراض عديدة مستعصية بعضها ، وخطيرة قابلة للانتقال باللمس والاختلاط أو التعاطي.. وبعضها أوبئة استوطنت وفتحت كل أبواب الاحتمالات المخيفة ومنها لديه القابلية على تحطيم أجهزة المناعة واختراق اسيجة الوقاية.. أمراض قديمة وأخرى جديدة.. بعضها ينشط حسب المواسم .. وأخرى تنشط حسب التوقيتات والبرمجة المرتبطة بموجهات ومجسات لا علاقة لها بالمنطقة .. 

    في إسرائيل.. الحالة المرضية تبدو أكثر خطورة وأكثر ضغطا على مجمل العلاقات الإسرائيلية مع العالم ومع المحيط الذي تعيش فيه.. بل هي – الحالة المرضية- في إسرائيل تبدو أكثر في الخطورة وفي مفارقاتها واشكاليتها فإسرائيل التي تواجدت في محيط غريبة عنه وغريب عنها.. واستخدمت من اجل ذلك كافة أساليب ووسائل القوة بكل أبعادها ومعطياتها وعناصرها بما في ذلك قوة الشرعية الدولية عاجزة الآن تماما عن تبرير عدم قدرتها على إقناع الرأي العام العالمي والإقليمي وحتى الإسرائيلي من استعدادها للتجاوب مع الطروحات والمواقف المنادية بضرورة وضع لحالة اللاحرب واللاسلم السائدة في منطقة الشرق الأوسط وإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.. 

    عندما كان الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ، محصورا داخل المحيط الإقليمي ، ولم تكن هناك حلول مطروحة في إطار العملية السلمية التفاوضية، كانت إسرائيل تصر على عدّ التفاوض مقابل الأرض هو الطريق للسلام، غير ان الأمر تغير بعد اتفاقيات كامب ديفيد وخروج مصر من حلبة الصراع وتبعها الأردن وتوالت الاعترافات بإسرائيل من قبل العرب، انفتح الطريق أمام العالم بشكل عام وأمام الولايات المتحدة وأوربا بشكل خاص لتقدم حلولا اشترطت المعني بالمفاوضات المباشرة للمضي بها.. وبالفعل حصلت تلك المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين في أوسلو وواشنطن عبر اللقاء المباشر بين ياسر عرفات ومناحيم بيغن .. وكان من نتيجة ذلك قيام حكومة فلسطينية على الورق وإعطاؤه وجود اسمي في (        ) وتواصلت المفاوضات ولكن دون جدوى الأمر الذي جعل الفلسطينيين يتجهون إلى واشنطن وأوروبا طلبا للنجدة .. وبالفعل كان رد فعل أمريكا وأوروبا تشكيل لجنة أممية رباعية برئاسة بلير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق وطوال أكثر من سبع سنوات لم تحقق اللجنة التي سميت فيما بعد بـ “الرباعية” أي تقدم يذكر وخلال ذلك كانت الولايات المتحدة وبعد نقاشات كثيرة قد توصلت إلى مقترح ينهي هذا الصراع ويسدل الستار على واحدة من بين أسوء واخطر بؤر التوتر في العالم، وقد جاء المقترح على شكل حل سمي بـ (حل) الدولتين قبلت به الحكومة الفلسطينية فيما رفضت ذلك عمليا إسرائيل  التي لم تبد وجهة نظر علنية فيه بيد أنها من الناحية العملية شرعت في العمل المضاد والمناقض لفكرة الدولتين تماما من خلال مسألتين: 

    الأولى: رفضها الاعتراف بالدولة الفلسطينية ومقاومتها لأي إعلان عن ذلك بما في ذلك حق طلب عضوية الأمم المتحدة. 

    الثاني: الاستمرار في إقامة المزيد من المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية والاستمرار في تهويد القدس . 

    لقد جاء الموقف الإسرائيلي هذا ليشكل أول صدمة حقيقية للتيار المؤيد لإسرائيل في العالم.. وخصوصا لأولئك الذين كانوا يعتقدون أنها بلد مسالم متحضر يعيش وسط بيئة مفترسة لا تعرف غير الحروب والإبادة.. 

    إزاء ذلك بدأ العالم يفكر بالبديل الذي ينقذ الموقف من التدهور باتجاه الكارثة خصوصا بعد هزيمة إسرائيل في حرب تموز عام 2006 على يد حزب الله … وتفتق هذا التفكير عن فكرة إقامة دولة واحدة تضم اليهود والفلسطينيين وغيرهما من الاثنيات والقوميات وقبل ان يتنفس العالم الصعداء لأنه وجد الحل الحضاري المعقول والممكن جاء رد إسرائيل أن هذا الحل ينهي وجود الدولة اليهودية ويقضي على حلم قيام إسرائيل الكبرى لأن المشكلة الكامنة في الخلل الديمغرافي، هو الذي سيجردها من الأغلبية وبالتالي فإن صناديق الاقتراع ستأتي بحكومة فلسطينية وليست حكومة يهودية وعلى ذلك فالدولة اليهودية القائمة هي دولة يهودية بنسبة 90% لضمان بقائها على هذا النحو: 

    لذلك فإن الموقف الإسرائيلي ينهض على : 

    رفض عودة اللاجئين والمهجرين منذ عام 1948 بأي حال من الأحوال: 

    رفض إطلاق الزيادة السكانية للفلسطينيين المتواجدين في الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. 

    إذن ما الحل؟ الصحافة الأمريكية والإعلام الأمريكي ومراكز البحث والتحليل والدراسة وجهات صنع القرار الأمريكي وصلوا إلى الطريق المسدود.. ولم تعد اللقاءات والاجتماعات والمحادثات الثنائية والجماعية الأمريكية الإسرائيلية والأمريكية الأوربية الإسرائيلية بقادرة على استيعاب ما يحدث وغير قادرة على فهم ما تريده إسرائيل تماما، وإسرائيل من جانبها ورغم أنها تعرف تماما حراجة موقف الغرب وأمريكا وتعرف أنها ولأول مرة تقف وهي عاجزة تماما من تقديم ما يعزز ثقة حلفائها بها وبتوجهاتها المنطقية من هنا كان لابد من إيجاد تيارات في المنطقة تعمل عمل التخفيف من ثقل الضغوط عليها، وكانت هذه التيارات قد تجسدت بالنقاط  التالية: 

    أولا: ربيع عربي يأتي بأسوء ممن كان يحكم ويتجسد ذلك بالسلفيين والإخوان المثيري للخلاف والاختلاف والمسببين للصراعات العربية العربية والإسلامية الإسلامية . 

    الثانية : حماية الاستبداد المالي 

    الثالثة : إيجاد محور يهدد السيطرة الأمريكية بالعصيان والتمرد والتنمر.. يتكون من إسرائيل +تركيا + السعودية +قطر). 

    الرابعة : التصعيد في الموقف المعادي للبرنامج النووي الإيراني والربط بين هذا التصعيد وغلق مضيق هرمز وتهديد خطوط النقل النفطي والتجاري في الخليج العربي . 

    الخامسة: العمل على إيجاد قواعد عسكرية إسرائيلية في المناطق المحيطة بإيران او استخدام هذه القواعد لأغراض تجسسية وتعبوية وإستراتيجية. 

    السادسة: تحطيم سوريا من الداخل تنفيذا لمشورة هنري كيسنجر الشهيرة. 

    فعلا حققت إسرائيل بعض النتائج الايجابية بالنسبة لها فقد اشغلت العالم وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا بما جرى وحتى دول المنطقة هي الأخرى لم يعد حديثها منصبا على ما يجري في الساحة الفلسطينية بل ان الفلسطينيين أنفسهم تناسوا او نسوا موضوعهم.. وراحوا يتحدثون عن انواع السلفيين والاخوانيين وانتظار سقوط طاغية دمشق . 

    السابعة/ بدأت إسرائيل تتحدث في السر والعلن عن تواجد إسرائيلي يقربها عن الخطر النووي الإيراني المزعوم كتفويض لها عن الأضرار التي لحقت بها جراء مشاركتها في الحرب الباردة وبدلا عن التعويضات المادية التي أوعدتها بها الولايات المتحدة الأمريكية وليس ثمة إمكانية لتحقيق ذلك إلا من خلال ثلاثة مقتربات : 

    الأول: من خلال قطر : وقطر بلد صغير لا يمكن إخفاء الوجود الإسرائيلي فيه 

    الثاني: من خلال اذربيجان وهذا أيضا فيه الكثير من الصعوبات والتعقيدات المتوقفة نتيجة بعد المسافة بين إسرائيل وأذربيجان. 

    الثالث: من خلال العراق ، وهذا الخيار الأفضل إذا ما تحقق في ضوء عدة عوامل مساعدة منها إسقاط النظام في سوريا وقيام نظام يرتبط بالحلف القطري السعودي الإسرائيلي التركي بتعاون في فتح قنوات التقرب والاقتراب من ايران إضافة الى ايجاد إمكانية التعاون مع القوى المعارضة للنظام الإيراني وتسهيل تواجدها في مناطق قريبة من الحدود العراقية الإيرانية على شكل خلايا نائمة وشبكات استطلاع وجمع معلومات وبشكل خاص حول الإشعاعات النووية والتلوث النووي وغير ذلك من الأمور المهمة. 

    لقد تفاقمت مشاكل الوضع الاقتصادي والاجتماعي في إسرائيل على نحو لم يسبق له مثيل فخلال عقد واحد جرى تقليص المساعدة التي تقدمها الإسكان للإسكان بـ 56 % وتراجعت نسبة القاطنين في شقة من 73% إلى 66% ومنذ بداية التسعينيات تآكلت الميزانية الفعلية للتزويد بسلة الخدمات العامة بنحو 50% . 

    بالطبع لابد من ملاحظة ان التعليم والإسكان والتشغيل والرفاهية  ليست منتجات استهلاكية بل هي حقوق أساسية لا ينبغي التفريط بشيء منها لحساب قوى السوق من هنا تتصاعد موجات الغضب داخل الكيان الإسرائيلي حيث تفيد المعلومات المؤكدة بوجود حالة غليان داخل إسرائيل والتخطيط للقيام بتظاهرات واعتصامات ضد تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية ..

    فما بين 2009 و2011 هبط النمو في إسرائيل فقد انخفضت نسبة النمو من 5 % إلى 3،4 % ثم إلى 8،2 ثم إلى اقل من 1 % ثم بدأ الانحدار فيما ارتفعت البطالة فيها إلى أكثر من 12 %  فيما بلغ التضخم أكثر من 8 % حسب الميزانية لعام 2011 ، وإجمالا يمكن القول بلا تردد أن الاقتصاد الإسرائيلي دخل في أزمة عميقة  متفاقمة ومدفوعة باتجاه التداعي والانهيار الحقيقي تحت ضغط ثلاثة عوامل متشابكة ومتداخلة ومتواصلة وهي :

    *انهيار صناعات التكنولوجيا المتقدمة والتقنيات الحديثة 

    * أزمة الاقتصاد الأميركي والغربي عموما التي تفاقمت منذ بداية العقد الماضي ، لتصل مع بداية العقد الحالي إلى درجات ومستويات تثير الكثير من المخاوف والقلق الحقيقي من المستقبل المجهول. 

    *سلبية المجتمع الإسرائيلي وعدم قدرته على التكيف مع أوضاع تتطلب منه شد الحزام على البطن والتضحية بما كان يتمتع به في المناطق التي هاجر منها تحت الضغط الصهيوني الذي يحاول دفع المزيد من المهاجرين للاستيطان في أراضي عربية محتلة في الضفة أو غزة أو في غيرهما . وهذه العوامل بالإضافة إلى عوامل أخرى لا تقل أهمية منها عدم قدرة إسرائيل على التواصل مع المحيط الذي تعيش فيه بسبب خضوعها لتوجهات ومخططات توسعية كلفتها المزيد من التورط في أزمتها الخانقة ويؤكد خبراء الاقتصاد والمال في العالم أن الاقتصاد الإسرائيلي كان يمكن ان ينهار تحت وطأة هذه الأزمة، لولا استمرار الدعم الأميركي المادي والمعنوي حتى بات صحيحا القول ان الكيان الإسرائيلي ، هو الكيان الوحيد في العالم الذي يعيش على ما يصله من معونات من قوى دولية كبرى رغم ما يبدو على السطح من ظواهر ومظاهر توحي بوجود دلائل على سيطرة وتحكم في الأزمة ، بيد ان المستقبل يخفي عددا هائلا من التحديات القاسية قد تكون لها تداعيات على قدرة الدولة العبرية على تمويل اتفاق امني تتصاعد وتائره وعلى استقرار داخلي تزداد تكاليفه، وعلى مكانة دولية تحتاج إلى بذل مادي واسع النطاق وتكمن هذه المخاطر أساسا في تآكل رأس المال البشري في إسرائيل… ويعني ذلك في محصلته المباشرة، تهديد أساس ورأسي للأمن القومي الإسرائيلي والأمن القومي بدلالته الموسعة ، يعني قدرة الدولة على الدفاع عن نفسها وعلى تحقيق اهدافها القومية ـ على الأقل في حدها الأدنى ـ في مجالات الأمن والسياسة الخارجية، والمجتمع والاقتصاد والعلوم، وبذلك يتميز هذا المفهوم عن  مفهوم “الأمن القومي” بالمعنى الضيق المتمحور حول العلاقات الخارجية والأمن وحسب، ويتجلى هذا التصريف الواسع  في وثيقة “استراتيجي الأمن القومي” للولايات المتحدة الأميركية الصادرة عن البيت الأبيض في أيار 2010 التي تحدد أربعة مجالات: 

    وهي الامن والازدهار والقيم والنظام العالمي ويشمل الازدهار الذي نحن بصدده الان الأهداف التالية :

    * تعزيز رأس المال البشري 

    * التعليم الذي يخدم الأمن القومي في ثلاثة أمور هي :

    * تطوير العلوم والابتكار والتكنولوجيا 

    * تحقيق النمو الاقتصادي المستقر والمتوازن 

    * استغلال ناجح لأموال دافعي الضرائب 

    ان هذا التحديد العملي والواقعي للأمن القومي ، يتيح لنا فرصة الغوص بعيدا في احتمالات المستقبل بالنسبة لإسرائيل فإسرائيل غير قادرة على التعاطي الصحيح مع هكذا تعريف للأمن القومي فتقويم أخطار الحروب التي تنوي إسرائيل القيام بها فضلا عن تلك التي تخوضها الآن يفصح عن حقيقة ان ذلك ضرب من ضروب المستحيل فإذا أخذنا جانبا واحدا من الجوانب ذات الصلة في هذا الموضوع نكتشف حقيقة المستقبل الأسود الذي ينتظر إسرائيل .

    ان اقتصاد إسرائيل موجه بالكامل باتجاه التصدير إلى الخارج ، وبذلك فقد بلغت الصادرات الإسرائيلية من سلع وخدمات حوالي 300 مليار شيكل إي ما يساوي 54 ، 80 مليار دولار في سنة 2010 ويمثل ذلك تراجعا كبيرا عن الاعوام التي سبقته ففي عام 2009 بلغت الصادرات 350 مليار شيكل ويترادف مع ذلك انكماش واضح في الناتج الاجمالي وتمويل موارد إضافية للحاجات الاجتماعية على حساب الضرورات القومية الأخرى وعلى خلاف ما توقعه بنك إسرائيل المركزي من انخفاض معدل البطالة في إسرائيل فان المتحقق الآن ان النسبة تجاوزت حدود 12% مقارنة بـ10% في منطقة اليورو التي تشهد اضطرابات اقتصادية خطيرة هذا إلى جانب الظهور المتزايد للنتائج المدمرة للاستقرار للرفاهية في إسرائيل، ذلك هو التباين الواسع بين مستويات الأجور وتردي أوضاع الفئات الفقيرة، وكانت عمليات الطرد والاضطهاد المتعمد من اليهود البيض للمهاجرين السود وإجبارهم على الرحيل من إسرائيل تعبيرا واقعيا لمستوى ما تعانيه إسرائيل من مشاكل توفير العمل للعاطلين وكذلك توفير المستوى الاقتصادي والاجتماعي المقبول من قبل اليهود الذين يحتمل قيامهم بالهجرة الى إسرائيل وتظهر هيكلية الدخل القومي في إسرائيل انسحاق الطبقة الوسطى التي تشكل العمود الفقري للدولة في مجالات القوة العاملة والمجتمع والأمن .

    إن بلدا يعيش هكذا تحديات يواجه بالتأكيد خلل التوازن بين متطلبات نمو قوته العسكرية ومتطلبات الحفاظ على دوران حركة الاقتصاد في إطار النمو والتحسن ، فالطموحات الإسرائيلية وخططها المستقبلية للتوسع تحتم عليها بذل مجهود امني استثنائي يتجلى في النفقات الأمنية المتزايدة من هنا بدأت إسرائيل رحلة البحث عن بدائل للمساعدات والمنح المقدمة لها من أميركا والغرب بعد ان وصلت الأزمة في هذه الدولة إلى درجة لم يعد معها بالإمكان، الحفاظ على الوجود بعيدا عن إجراءات تقشف حقيقي ، ولم يطل بها البحث، فقد وجدت في قطر ثم السعودية ثم تركيا ، أفضل الأصدقاء وأحسن المساعدين ، فالحاجة قائمة لتعاون برباعي رغم الخلافات التي تصل إلى حد التناحر والتنافس بينهم ، ورغم ما يبدو على سطح العلاقات بينهم، كما هو الحال بين تركيا وإسرائيل والاستعراضات المسرحية التي حصلت بينهما منذ دشنت تركيا مرحلة التوجه نحو الشرق والجنوب بعد أن أعطت ظهرها لأمال وأحلام بالانضمام للاتحاد الأوربي المثقل بالمشاكل والهموم.. وغير المستعد لقبول دولة تعاني مشاكل داخلية كثيرة كاضطهاد الأكراد والعرب والأرمن والعلويين وأمور كثيرة غيرها .. هذه الأمور وغيرها سنتحدث عنها بالتفصيل في حلقة ثانية من موضوعنا هذا “أمراض الشرق الأوسط ” و “الرجل المريض”.

  • تماس كهربائي

      اتّصلت بصديق قديم (فهيم) -إلى حد معين- في مجال فهم أمور تتعلق بالكهرباء وبحدود التعامل الأولي مع مسمياتها وقوة (الفولتية) الواصلة والمتوفرة في مفاصل كهرباء حياتنا اليومية، فأخبرني بوجود العديد من دول العالم تكون فيها (الفولتية/ بقوة 110هيرتز)، ولا تعاني شعوبها من أي انقطاع ولا تعرف شيئا عن أصحاب المولدات، كما أن هذه النسبة من نسائم تلك (الفولتية) -أيضا- لا تتسبب في  الموت (نتلا بالكهرباء) -على الطلاق- كما ان الخسائر المادية فيها، جراء الحوادث وكافة أنواع الإهمال المقصود وغير المقصود، لا تصل الى حدود ما يصلنا -نحن أنباء النفط والشفط- من (فولتية/بقوة220هيرثز) حيث تستمر -عندنا-  الانقطاعات الدائمة وتتكرر العوارض والاعتراضات التي لا تنتهي من توافر احتمالات (النتل) والقتل جراء سوء استخدام هذه النعمة من الطاقة التي اقترنت باسم مكتشفها (توماس أديسون) الرجل الذي أضاء العالم، يسمى في قواميس تقيم نوابغ العلم، طبعا، قبل أن يكن الطالب (توماس) متخلفا من الناحية الدراسية في المرحلة الابتدائية، بشهادة وإصرار معلمته التي رفضت قبوله في المدرسة، فتكفلت أمه (أم توماس) بتعليم ابنها، الذي كان كلما يفشل في استخدام معدن معين لا يعينه في الوصول والحصول إلى الشرارة أو (القدحة) الأولى من مخترعه الجهنمي (الكهرباء) يقول لمن معه بفرح غامر: (لقد نجحت).

    – وحين يسأل … كيف ذلك؟!

     يجيب بثقة تؤكد لديه، أنه نجح في أن لا يستخدم هذا المعدن في تجاربه القادمة، ليتعرف -ضمنا- بأهمية الفشل وكيفية الاستفادة من تجاوز الأخطاء.

     – ولأن الذي أبغيه في (لفي ودوراني) هذا مع موضوع الكهرباء، لا يتعلق -مباشرة- بمخترعها وبالمعلمة التي رفضت تعليمه والأم التي تفانت في تعليم أبنها البار، كما انه لا يتعلق بموضوع الاستفادة من الأخطاء، تلك التي حاول أن يلخصها الشاعر المصري (أحمد عبدالمعطي حجازي) قبل هبوب نسائم الربيع العربي بثلاثة عقود -مضت- تقريبا حين قال في إحدى قصائده مخاطبا الشعب العربي: (في العالم المملوء بالأخطاء…مطالب وحدك أن لا تخطأ)، فما أبغيه -هنا- هو التطرق للكثير من المصطلحات والمسميات التي تنبت وتنمو في أراضي وحقول حياتنا، وسرعان ما تتحول إلى قناعات وسلوكيات ومفردات يتناولها الناس الطيبون لفرط طيبتهم، في وقت يتبارى المحللون السياسيون باستخدامها في تصريحاتهم ولقاءاتهم على شاشات الفضائيات، فبعد تفسخ وضمور بعض تلك المصطلحات المستخدمة في  السياسة والإعلام في الفترات التي سبقت مرحلة التغيير بالاحتلال ومشتقاته منها مثلا/ فرق التفتيش/ الكيل بمكيالين/ الضوء في نهاية النفق/ اليورانيوم المنضب/ الحصار الذي لا يرفع بل يتهشم/ العبور الناجز/ والعدو العاجز عن تحقيق أي نصر في جبهات حفر الباطن وغيرها من (جنجلوتيات) النظام السابق، واليوم تقاطرت على رؤوسنا تسميات/ كتل/ ائتلافات/ نمو الديمقراطية/ برلمان/ مجتمع  مدني/ تحالفات/ شفافية/نزاهة /مساءلة وعدالة/ سحب الثقة/ إعادة فرز/ إجراءات انتخابات مبكرة/ اصطفاف/ فرقاء/ شركاء/ مصالحة وطنية/ غسيل أموال، هذا على صعيد السياسة والإعلام وشؤون السوق والمال، أما على أصعدة أخرى، فأن من أهم وأعجب ما أصبح يثير اهتمامنا، كثرة سماعنا-بالإضافة إلى كل ما ورد-حالات حدوث (تماس الكهربائي) تكلفنا الكثير من الخسائر المادية،! للموضوع صلة وصل-أولا وأخيرا- بواقع الكهرباء،قبل وبعد التغيير، مو لو مو مو؟!

  • محمد حسين فضل الله فقيه الوعي الحركي

    مرت الذكرى الثانية لوفاة المرجع الفقيه المفكر السيد محمد حسين فضل الله قبل أيام في وسط حشد هائل من ألاحداث التي هزت المنطقة والعالم حتى بانت مخاضات ولادة محاور جديدة تتحدى ألاحادية القطبية التي أظهرت عدوانية مغلفة بشعار الديمقراطية كاد يكون السيد محمد حسين فضل الله من ضحاياها في الثمانينات في حادثة التفجير الذي وقع في بئر العبد .

    وأذا كان هذا الحشد الهائل من ألاحداث لاسيما في منطقتنا يطغى على الذاكرة العامة للناس فيجعلهم منفعلين بالمستجد من حوادث ألايام , فأن الذاكرة الخاصة للدوائر الثقافية , وللمثقفين الذين يحرصون على ألارث الثقافي ورجاله لايحق لهم أن يصابوا بالغفلة تجاه الذكريات المهمة كما يصاب العامة من الناس وهذا ماحدث تجاه ذكرى رحيل فقيه الوعي الحركي محمد حسين فضل الله الذي سيذكره أيتام لبنان من الذين أحتضنهم في مدارس جمعية المبرات الخيرية في لبنان أحدى ثمار جهود العمل ألاصلاحي ألاجتماعي الذي كرس السيد محمد حسين فضل الله حياته من أجله وكأن لسان حاله يقتدي بما عاناه نبي الله ” شعيب ” عليه السلام مع أهل ” مدين ” عندما قال في قوله تعالى :” قال ياقوم أرأيتم أن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم الى ما أنهاكم عنه أن أريد ألا ألاصلاح ما أستطعت وما توفيقي ألا بالله عليه توكلت واليه أنيب ” – 88- هود –

    ولكن الجهود ألاصلاحية للسيد محمد حسين فضل الله رحمه الله التي أنطلقت من بناء ألانسان بناء ثقافيا يبدأ من الوعي السليم لما يدور في الحياة من طقوس وتقاليد تعرضت بمرور الزمن لشوائب في ألاداء , وتشويش في الفهم يجعل ألامة تتخبط في شراك من الجهل والتخلف مما يعز على النفوس ألابية والعقول الواعية أن تستسلم لذلك التخبط , أو تغض النظر عن تلك الشراك؟

    ومما يحسب للسيد محمد حسين فضل الله من فرصة ذهبية أحسن أستثمارها فأضيفت لصفحات حياته الجهادية هو تعرفه المبكر بفيلسوف القرن العشرين المرجع الشهيد السيد محمد باقر الصدر صاحب ” نظرية التوالد الذاتي في المعرفة ” ومؤسس الولادة الحركية التنظيمية الحديثة بمواصفات مدرسة أهل البيت عليهم السلام , ومن أولى طلائع ألواح المعرفة الحركية في نهاية الخمسينات في العراق ماحملته ” مجلة ألاضواء النجفية ” لمؤسسها العلامة مرتضى أل ياسين , والتي كانت تحمل أطروحة الفكر التغيري الذي يلقيه المفكر الموهوب السيد الشهيد محمد باقر الصدر على شابين من طلاب الحوزة العلمية في ذلك الوقت هما : الشيخ المرحوم محمد مهدي شمس الدين الذي أصبح لاحقا نائب رئيس المجلس الشيعي ألاعلى في لبنان , والمرحوم السيد محمد حسين فضل الله الذي أصبح مجتهدا في العمل الحركي , ثم مرجعا من مراجع المسلمين , وكانا كل من الشيخ والسيد يحرران مايلقيه السيد الشهيد محمد باقر الصدر من فكر حركي تغييري ويكتبانه في مجلة ألاضواء مثل :-

    1 –  معنى ألانقلابية في الفكر ألاسلامي السياسي

    2 –  معنى التغيرية في المجتمع

    3 –  لماذا التنظيم وكيف ؟

    4 –  لماذا السرية ومتى ؟

    وظل السيد محمد حسين فضل الله وفيا لآخيه وأستاذه الشهيد محمد باقر الصدر في العمل على تطبيق تلك المفاهيم الحركية من خلال مؤازرته للعمل التنظيمي بصياغة ” حزب الدعوة ألاسلامية ” وحرصه على سلامة المنهج والمسير , وملاحظاته في هذا الباب كثيرة لايسعنا في هذه العجالة بيان تفاصيلها .

    حتى أنه رحمه الله عندما سمع ببعض ألاشكالات والمواقف وألتقى بي في أحدى الجلسات الخاصة فوقف على باب الغرفة التي كنت أجلس فيها فسلم علي بأدبه الجم وتواضعه المعروف وقال يا أبا شيماء :-

    وجادت بوصل الروح حين لاينفع الوصل ؟

    ثم أردف قائلا وهو يخاطبني بحرقة وألم وشعور بالمسؤولية :-

    ” أريد أن أراك في المقدمة ” ؟

    قلت له : سيدنا :  لايدرك الهم ألا من يكابده

    ولا الصبابة ألا من يعانيها؟

    وقريب من هذا الموقف ماجرى مع أخي وعزيزي الشيخ المجاهد الشيخ محمد مهدي ألاصفي عندما أراد أن يحدثني في خصوص ما أستجد لدي من رؤية لآخطاء تنظيمية تنعكس على مستقبل العمل الحركي ألاسلامي وتشله وهذا ماحدث لاحقا , ومن مصاديق رؤيتي أن الشيخ ألاصفي تنحى عن العمل التنظيمي بصيغة الحزب الى العمل التبليغي بأطار المؤسسة المرجعية وحوزاتها .

    ونقل لي الشيخ عبد الحليم الزهيري مستشار السيد رئيس الوزراء ألاستاذ نوري المالكي عندما زار لبنان بعد حدوث التغيير في العراق بعد 2003 وألتقى بالسيد محمد حسين فضل الله رحمه الله فقال له بشغف : أخبرني كيف حالكم وماذا تعملون ؟

    يقول الشيخ الزهيري : قلت له : سيدنا الكل يركض وراء الكراسي؟

    يقول : قال لي السيد : والميدان من له؟

     يقول الشيخ الزهيري : قلت له : سيدنا الدكتور علي التميمي فقط في الميدان ؟

    يقول الشيخ : قال السيد : الدكتور أبوشيماء هذا ديدنه رجل الميدان

    ومايقصده الشيخ الزهيري في الميدان أنذاك هي فترة : 2003 – 2004  وفي أواخر عام 2004 كان معي وفد من شبكة العون النفسي وألاجتماعي لآطفال وعوائل العراق في عمان , وعندما زرنا سورية ألح علي بعض أعضاء الوفد أن أخذ لهم موعدا للقاء السيد محمد حسين فضل الله رحمه الله الذي كان يأتي للحوزة في السيدة زينب يومين في ألاسبوع , فأتصلت به رحمه الله وأتفقت معه على موعد اللقاء الذي كان موضع فرح وسرور أعضاء الوفد لما وجدوا في شخص السيد من تواضع وأنفتاح ووعي لمشكلات العصر ؟

    ووعي السيد الحركي في أجواء الجمود الحوزوي جلب له الكثير من المشاكل وألاشكالات التي عبرت عنها أسئلة الشيخ حسين النوري الهمداني سنة 1418 هجرية والتي وجهها الى السيد مستفسرا من باب ألقاء الحجة على تلك ألاشكالات النابعة من ألاغراض الشخصية والتي أكالت التهم للسيد بدون وجه حق ومن تلك ألاسئلة : 1- ماهو رأيه بحديث الغدير -2- وكيف نصب الرسول “ص” عليا خليفة له -3- وما هو رأيه بالصديقة فاطمة الزهراء -4- وماهي عقيدته بمجالس العزاء -5- وما هو رأيه بالمباهلة – 6- وهل يجيز القياس ؟ – 7- وهل ولاية أهل البيت من ضرورات المذهب الشيعي ؟ وقد أجاب عليها بما يدحر شكوك المشككين , مثلما أجاب عن رؤية الهلال التي ترفع ألاختلاف الذي يقع بين المسلمين وقد سبقه الى ذلك السيد الشهيد محمد باقر الصدر.

    رئيس مركزالدراسات والأبحاث الوطنية