ما الذي يجري الآن في الشرق الأوسط أهو قد بات الرجل الأكثر مرضا في عالم يفتش عن ضمان استمرار شريان الحياة الأسود؟، ويرجو استغلال واستثمار عبقرية المكان التي يتمتع بها الشرق الأوسط أمراض عديدة مستعصية بعضها ، وخطيرة قابلة للانتقال باللمس والاختلاط أو التعاطي.. وبعضها أوبئة استوطنت وفتحت كل أبواب الاحتمالات المخيفة ومنها لديه القابلية على تحطيم أجهزة المناعة واختراق اسيجة الوقاية.. أمراض قديمة وأخرى جديدة.. بعضها ينشط حسب المواسم .. وأخرى تنشط حسب التوقيتات والبرمجة المرتبطة بموجهات ومجسات لا علاقة لها بالمنطقة ..
في إسرائيل.. الحالة المرضية تبدو أكثر خطورة وأكثر ضغطا على مجمل العلاقات الإسرائيلية مع العالم ومع المحيط الذي تعيش فيه.. بل هي – الحالة المرضية- في إسرائيل تبدو أكثر في الخطورة وفي مفارقاتها واشكاليتها فإسرائيل التي تواجدت في محيط غريبة عنه وغريب عنها.. واستخدمت من اجل ذلك كافة أساليب ووسائل القوة بكل أبعادها ومعطياتها وعناصرها بما في ذلك قوة الشرعية الدولية عاجزة الآن تماما عن تبرير عدم قدرتها على إقناع الرأي العام العالمي والإقليمي وحتى الإسرائيلي من استعدادها للتجاوب مع الطروحات والمواقف المنادية بضرورة وضع لحالة اللاحرب واللاسلم السائدة في منطقة الشرق الأوسط وإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي..
عندما كان الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ، محصورا داخل المحيط الإقليمي ، ولم تكن هناك حلول مطروحة في إطار العملية السلمية التفاوضية، كانت إسرائيل تصر على عدّ التفاوض مقابل الأرض هو الطريق للسلام، غير ان الأمر تغير بعد اتفاقيات كامب ديفيد وخروج مصر من حلبة الصراع وتبعها الأردن وتوالت الاعترافات بإسرائيل من قبل العرب، انفتح الطريق أمام العالم بشكل عام وأمام الولايات المتحدة وأوربا بشكل خاص لتقدم حلولا اشترطت المعني بالمفاوضات المباشرة للمضي بها.. وبالفعل حصلت تلك المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين في أوسلو وواشنطن عبر اللقاء المباشر بين ياسر عرفات ومناحيم بيغن .. وكان من نتيجة ذلك قيام حكومة فلسطينية على الورق وإعطاؤه وجود اسمي في ( ) وتواصلت المفاوضات ولكن دون جدوى الأمر الذي جعل الفلسطينيين يتجهون إلى واشنطن وأوروبا طلبا للنجدة .. وبالفعل كان رد فعل أمريكا وأوروبا تشكيل لجنة أممية رباعية برئاسة بلير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق وطوال أكثر من سبع سنوات لم تحقق اللجنة التي سميت فيما بعد بـ “الرباعية” أي تقدم يذكر وخلال ذلك كانت الولايات المتحدة وبعد نقاشات كثيرة قد توصلت إلى مقترح ينهي هذا الصراع ويسدل الستار على واحدة من بين أسوء واخطر بؤر التوتر في العالم، وقد جاء المقترح على شكل حل سمي بـ (حل) الدولتين قبلت به الحكومة الفلسطينية فيما رفضت ذلك عمليا إسرائيل التي لم تبد وجهة نظر علنية فيه بيد أنها من الناحية العملية شرعت في العمل المضاد والمناقض لفكرة الدولتين تماما من خلال مسألتين:
الأولى: رفضها الاعتراف بالدولة الفلسطينية ومقاومتها لأي إعلان عن ذلك بما في ذلك حق طلب عضوية الأمم المتحدة.
الثاني: الاستمرار في إقامة المزيد من المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية والاستمرار في تهويد القدس .
لقد جاء الموقف الإسرائيلي هذا ليشكل أول صدمة حقيقية للتيار المؤيد لإسرائيل في العالم.. وخصوصا لأولئك الذين كانوا يعتقدون أنها بلد مسالم متحضر يعيش وسط بيئة مفترسة لا تعرف غير الحروب والإبادة..
إزاء ذلك بدأ العالم يفكر بالبديل الذي ينقذ الموقف من التدهور باتجاه الكارثة خصوصا بعد هزيمة إسرائيل في حرب تموز عام 2006 على يد حزب الله … وتفتق هذا التفكير عن فكرة إقامة دولة واحدة تضم اليهود والفلسطينيين وغيرهما من الاثنيات والقوميات وقبل ان يتنفس العالم الصعداء لأنه وجد الحل الحضاري المعقول والممكن جاء رد إسرائيل أن هذا الحل ينهي وجود الدولة اليهودية ويقضي على حلم قيام إسرائيل الكبرى لأن المشكلة الكامنة في الخلل الديمغرافي، هو الذي سيجردها من الأغلبية وبالتالي فإن صناديق الاقتراع ستأتي بحكومة فلسطينية وليست حكومة يهودية وعلى ذلك فالدولة اليهودية القائمة هي دولة يهودية بنسبة 90% لضمان بقائها على هذا النحو:
لذلك فإن الموقف الإسرائيلي ينهض على :
رفض عودة اللاجئين والمهجرين منذ عام 1948 بأي حال من الأحوال:
رفض إطلاق الزيادة السكانية للفلسطينيين المتواجدين في الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.
إذن ما الحل؟ الصحافة الأمريكية والإعلام الأمريكي ومراكز البحث والتحليل والدراسة وجهات صنع القرار الأمريكي وصلوا إلى الطريق المسدود.. ولم تعد اللقاءات والاجتماعات والمحادثات الثنائية والجماعية الأمريكية الإسرائيلية والأمريكية الأوربية الإسرائيلية بقادرة على استيعاب ما يحدث وغير قادرة على فهم ما تريده إسرائيل تماما، وإسرائيل من جانبها ورغم أنها تعرف تماما حراجة موقف الغرب وأمريكا وتعرف أنها ولأول مرة تقف وهي عاجزة تماما من تقديم ما يعزز ثقة حلفائها بها وبتوجهاتها المنطقية من هنا كان لابد من إيجاد تيارات في المنطقة تعمل عمل التخفيف من ثقل الضغوط عليها، وكانت هذه التيارات قد تجسدت بالنقاط التالية:
أولا: ربيع عربي يأتي بأسوء ممن كان يحكم ويتجسد ذلك بالسلفيين والإخوان المثيري للخلاف والاختلاف والمسببين للصراعات العربية العربية والإسلامية الإسلامية .
الثانية : حماية الاستبداد المالي
الثالثة : إيجاد محور يهدد السيطرة الأمريكية بالعصيان والتمرد والتنمر.. يتكون من إسرائيل +تركيا + السعودية +قطر).
الرابعة : التصعيد في الموقف المعادي للبرنامج النووي الإيراني والربط بين هذا التصعيد وغلق مضيق هرمز وتهديد خطوط النقل النفطي والتجاري في الخليج العربي .
الخامسة: العمل على إيجاد قواعد عسكرية إسرائيلية في المناطق المحيطة بإيران او استخدام هذه القواعد لأغراض تجسسية وتعبوية وإستراتيجية.
السادسة: تحطيم سوريا من الداخل تنفيذا لمشورة هنري كيسنجر الشهيرة.
فعلا حققت إسرائيل بعض النتائج الايجابية بالنسبة لها فقد اشغلت العالم وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا بما جرى وحتى دول المنطقة هي الأخرى لم يعد حديثها منصبا على ما يجري في الساحة الفلسطينية بل ان الفلسطينيين أنفسهم تناسوا او نسوا موضوعهم.. وراحوا يتحدثون عن انواع السلفيين والاخوانيين وانتظار سقوط طاغية دمشق .
السابعة/ بدأت إسرائيل تتحدث في السر والعلن عن تواجد إسرائيلي يقربها عن الخطر النووي الإيراني المزعوم كتفويض لها عن الأضرار التي لحقت بها جراء مشاركتها في الحرب الباردة وبدلا عن التعويضات المادية التي أوعدتها بها الولايات المتحدة الأمريكية وليس ثمة إمكانية لتحقيق ذلك إلا من خلال ثلاثة مقتربات :
الأول: من خلال قطر : وقطر بلد صغير لا يمكن إخفاء الوجود الإسرائيلي فيه
الثاني: من خلال اذربيجان وهذا أيضا فيه الكثير من الصعوبات والتعقيدات المتوقفة نتيجة بعد المسافة بين إسرائيل وأذربيجان.
الثالث: من خلال العراق ، وهذا الخيار الأفضل إذا ما تحقق في ضوء عدة عوامل مساعدة منها إسقاط النظام في سوريا وقيام نظام يرتبط بالحلف القطري السعودي الإسرائيلي التركي بتعاون في فتح قنوات التقرب والاقتراب من ايران إضافة الى ايجاد إمكانية التعاون مع القوى المعارضة للنظام الإيراني وتسهيل تواجدها في مناطق قريبة من الحدود العراقية الإيرانية على شكل خلايا نائمة وشبكات استطلاع وجمع معلومات وبشكل خاص حول الإشعاعات النووية والتلوث النووي وغير ذلك من الأمور المهمة.
لقد تفاقمت مشاكل الوضع الاقتصادي والاجتماعي في إسرائيل على نحو لم يسبق له مثيل فخلال عقد واحد جرى تقليص المساعدة التي تقدمها الإسكان للإسكان بـ 56 % وتراجعت نسبة القاطنين في شقة من 73% إلى 66% ومنذ بداية التسعينيات تآكلت الميزانية الفعلية للتزويد بسلة الخدمات العامة بنحو 50% .
بالطبع لابد من ملاحظة ان التعليم والإسكان والتشغيل والرفاهية ليست منتجات استهلاكية بل هي حقوق أساسية لا ينبغي التفريط بشيء منها لحساب قوى السوق من هنا تتصاعد موجات الغضب داخل الكيان الإسرائيلي حيث تفيد المعلومات المؤكدة بوجود حالة غليان داخل إسرائيل والتخطيط للقيام بتظاهرات واعتصامات ضد تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية ..
فما بين 2009 و2011 هبط النمو في إسرائيل فقد انخفضت نسبة النمو من 5 % إلى 3،4 % ثم إلى 8،2 ثم إلى اقل من 1 % ثم بدأ الانحدار فيما ارتفعت البطالة فيها إلى أكثر من 12 % فيما بلغ التضخم أكثر من 8 % حسب الميزانية لعام 2011 ، وإجمالا يمكن القول بلا تردد أن الاقتصاد الإسرائيلي دخل في أزمة عميقة متفاقمة ومدفوعة باتجاه التداعي والانهيار الحقيقي تحت ضغط ثلاثة عوامل متشابكة ومتداخلة ومتواصلة وهي :
*انهيار صناعات التكنولوجيا المتقدمة والتقنيات الحديثة
* أزمة الاقتصاد الأميركي والغربي عموما التي تفاقمت منذ بداية العقد الماضي ، لتصل مع بداية العقد الحالي إلى درجات ومستويات تثير الكثير من المخاوف والقلق الحقيقي من المستقبل المجهول.
*سلبية المجتمع الإسرائيلي وعدم قدرته على التكيف مع أوضاع تتطلب منه شد الحزام على البطن والتضحية بما كان يتمتع به في المناطق التي هاجر منها تحت الضغط الصهيوني الذي يحاول دفع المزيد من المهاجرين للاستيطان في أراضي عربية محتلة في الضفة أو غزة أو في غيرهما . وهذه العوامل بالإضافة إلى عوامل أخرى لا تقل أهمية منها عدم قدرة إسرائيل على التواصل مع المحيط الذي تعيش فيه بسبب خضوعها لتوجهات ومخططات توسعية كلفتها المزيد من التورط في أزمتها الخانقة ويؤكد خبراء الاقتصاد والمال في العالم أن الاقتصاد الإسرائيلي كان يمكن ان ينهار تحت وطأة هذه الأزمة، لولا استمرار الدعم الأميركي المادي والمعنوي حتى بات صحيحا القول ان الكيان الإسرائيلي ، هو الكيان الوحيد في العالم الذي يعيش على ما يصله من معونات من قوى دولية كبرى رغم ما يبدو على السطح من ظواهر ومظاهر توحي بوجود دلائل على سيطرة وتحكم في الأزمة ، بيد ان المستقبل يخفي عددا هائلا من التحديات القاسية قد تكون لها تداعيات على قدرة الدولة العبرية على تمويل اتفاق امني تتصاعد وتائره وعلى استقرار داخلي تزداد تكاليفه، وعلى مكانة دولية تحتاج إلى بذل مادي واسع النطاق وتكمن هذه المخاطر أساسا في تآكل رأس المال البشري في إسرائيل… ويعني ذلك في محصلته المباشرة، تهديد أساس ورأسي للأمن القومي الإسرائيلي والأمن القومي بدلالته الموسعة ، يعني قدرة الدولة على الدفاع عن نفسها وعلى تحقيق اهدافها القومية ـ على الأقل في حدها الأدنى ـ في مجالات الأمن والسياسة الخارجية، والمجتمع والاقتصاد والعلوم، وبذلك يتميز هذا المفهوم عن مفهوم “الأمن القومي” بالمعنى الضيق المتمحور حول العلاقات الخارجية والأمن وحسب، ويتجلى هذا التصريف الواسع في وثيقة “استراتيجي الأمن القومي” للولايات المتحدة الأميركية الصادرة عن البيت الأبيض في أيار 2010 التي تحدد أربعة مجالات:
وهي الامن والازدهار والقيم والنظام العالمي ويشمل الازدهار الذي نحن بصدده الان الأهداف التالية :
* تعزيز رأس المال البشري
* التعليم الذي يخدم الأمن القومي في ثلاثة أمور هي :
* تطوير العلوم والابتكار والتكنولوجيا
* تحقيق النمو الاقتصادي المستقر والمتوازن
* استغلال ناجح لأموال دافعي الضرائب
ان هذا التحديد العملي والواقعي للأمن القومي ، يتيح لنا فرصة الغوص بعيدا في احتمالات المستقبل بالنسبة لإسرائيل فإسرائيل غير قادرة على التعاطي الصحيح مع هكذا تعريف للأمن القومي فتقويم أخطار الحروب التي تنوي إسرائيل القيام بها فضلا عن تلك التي تخوضها الآن يفصح عن حقيقة ان ذلك ضرب من ضروب المستحيل فإذا أخذنا جانبا واحدا من الجوانب ذات الصلة في هذا الموضوع نكتشف حقيقة المستقبل الأسود الذي ينتظر إسرائيل .
ان اقتصاد إسرائيل موجه بالكامل باتجاه التصدير إلى الخارج ، وبذلك فقد بلغت الصادرات الإسرائيلية من سلع وخدمات حوالي 300 مليار شيكل إي ما يساوي 54 ، 80 مليار دولار في سنة 2010 ويمثل ذلك تراجعا كبيرا عن الاعوام التي سبقته ففي عام 2009 بلغت الصادرات 350 مليار شيكل ويترادف مع ذلك انكماش واضح في الناتج الاجمالي وتمويل موارد إضافية للحاجات الاجتماعية على حساب الضرورات القومية الأخرى وعلى خلاف ما توقعه بنك إسرائيل المركزي من انخفاض معدل البطالة في إسرائيل فان المتحقق الآن ان النسبة تجاوزت حدود 12% مقارنة بـ10% في منطقة اليورو التي تشهد اضطرابات اقتصادية خطيرة هذا إلى جانب الظهور المتزايد للنتائج المدمرة للاستقرار للرفاهية في إسرائيل، ذلك هو التباين الواسع بين مستويات الأجور وتردي أوضاع الفئات الفقيرة، وكانت عمليات الطرد والاضطهاد المتعمد من اليهود البيض للمهاجرين السود وإجبارهم على الرحيل من إسرائيل تعبيرا واقعيا لمستوى ما تعانيه إسرائيل من مشاكل توفير العمل للعاطلين وكذلك توفير المستوى الاقتصادي والاجتماعي المقبول من قبل اليهود الذين يحتمل قيامهم بالهجرة الى إسرائيل وتظهر هيكلية الدخل القومي في إسرائيل انسحاق الطبقة الوسطى التي تشكل العمود الفقري للدولة في مجالات القوة العاملة والمجتمع والأمن .
إن بلدا يعيش هكذا تحديات يواجه بالتأكيد خلل التوازن بين متطلبات نمو قوته العسكرية ومتطلبات الحفاظ على دوران حركة الاقتصاد في إطار النمو والتحسن ، فالطموحات الإسرائيلية وخططها المستقبلية للتوسع تحتم عليها بذل مجهود امني استثنائي يتجلى في النفقات الأمنية المتزايدة من هنا بدأت إسرائيل رحلة البحث عن بدائل للمساعدات والمنح المقدمة لها من أميركا والغرب بعد ان وصلت الأزمة في هذه الدولة إلى درجة لم يعد معها بالإمكان، الحفاظ على الوجود بعيدا عن إجراءات تقشف حقيقي ، ولم يطل بها البحث، فقد وجدت في قطر ثم السعودية ثم تركيا ، أفضل الأصدقاء وأحسن المساعدين ، فالحاجة قائمة لتعاون برباعي رغم الخلافات التي تصل إلى حد التناحر والتنافس بينهم ، ورغم ما يبدو على سطح العلاقات بينهم، كما هو الحال بين تركيا وإسرائيل والاستعراضات المسرحية التي حصلت بينهما منذ دشنت تركيا مرحلة التوجه نحو الشرق والجنوب بعد أن أعطت ظهرها لأمال وأحلام بالانضمام للاتحاد الأوربي المثقل بالمشاكل والهموم.. وغير المستعد لقبول دولة تعاني مشاكل داخلية كثيرة كاضطهاد الأكراد والعرب والأرمن والعلويين وأمور كثيرة غيرها .. هذه الأمور وغيرها سنتحدث عنها بالتفصيل في حلقة ثانية من موضوعنا هذا “أمراض الشرق الأوسط ” و “الرجل المريض”.