Blog

  • مسعـــود بـــارزاني والأخطــاء الـــوطنية الكبـــرى

    الحراك السياسي في العراق وفي أية دولة في العالم تحكمه ضوابط المصلحة الوطنية، هذه مسلمة سياسية لا يختلف عليها اثنان من العقلاء.

    والمصلحة الوطنية هي: 

    1- سيادة

    2- وامن

    3- ووحدة

    4- واقتصاد

    وكل من يفرط بهذه الخطوط الحمراء فهو في دائرة الأخطاء الكبرى تجاه الوطن.

    والسيد مسعود بارزاني مارس كل هذه الأخطاء وبإصرار، وسنوضح الخطوات العملية التي مارسها السيد مسعود بارزاني والتي تنتمي لروح وثقافة العلاقة غير الطبيعية مع إسرائيل منذ الزيارة التي قام بها مصطفى البارزاني عام 1965 لإسرائيل عدوة العرب والمسلمين وعدوة حركات التحرر في العالم الا من وقعت في شباكها.

    ولقد كانت تلك الزيارة بصحبة الدكتور محمود عثمان عضو البرلمان العراقي عن الاكراد وعمر دبابة، والتي لم يعتذر احد منها الى الآن رغم أن الروح الوطنية والإسلامية للعرب والأكراد هي ضد مثل هذه الأعمال غير المبررة مطلقا.

    ويبدو ان ممارسات السيد بارزاني اليوم لا تختلف عن سياق الحالة التي جعلته يخاطب المقبور صدام حسين “عار السياسة والحكم في العراق على مدى كل الأجيال” عندما نشبت الحرب بين الحزبين الكرديين عام 1996 واستعان مسعود بارزاني بصدام حسين ضد جلال طالباني وحزبه، وقال لصدام حسين: أنت الأب والقائد.

    نستحضر هذه المقدمات حتى نضع القارئ في صورة مجريات الأمور ولا يظل هناك التباسا يخيم على فهم المواقف الجديدة القديمة للسيد مسعود بارزاني الذي عمل جاهدا على إضعاف وحدة العراقيين من عرب وكرد وتركمان ووجودات أخرى كريمة متحابة في هذا الوطن التاريخي لهم جميعا.

    ومن تلك المواقف التي تسجل كأخطاء بحق الوطن العراقي لا يمكن تبريرها حتى اي مسوغ في اطار وحدة العراق وهي على الشكل الآتي اختصارا:

    1- العمل الجاد على عرقلة تسليح الجيش العراقي بالطائرات المتطورة المقاتلة وقد كشف عن هذا التوجه في خطابه يوم احتفالية نوروز من هذه السنة حيث قال : يريدون شراء الطائرات لضرب البيشمركة.

    2- دعوته اكراد العراق شبه الصريحة بتحقيق الانفصال عن العراق الفدرالي وقد غلفها بعنوان “بشرى تعلن في وقتها”.

    3- رفضه تسليم السيد طارق الهاشمي المطلوب للقضاء العراقي وهو بذلك يضع نفسه ضد القضاء العراقي الفدرالي الدستوري وهذه مخالفة وطنية كبرى لا تقل خطورة عن سابقاتها.

    4- القيام بزيارة طارق الهاشمي في تركيا بعد كل الاستعداء الذي مارسه طارق الهاشمي ضد الحكومة المركزية الفدرالية في كل من قطر والسعودية والشحن الطائفي الذي مارسه منذ القرار القضائي الذي صدر ضده، وهذه الزيارة تزامنت مع تصريحات اردوغان ووزير خارجيته ضد العراق بإثارة نعرات طائفية، تلوث بها النظام التركي من خلال تدخله السافر في دعم الارهاب ضد سورية والتي اصبحت موضع سخط وتململ اطراف تركية كثيرة، وقيام بعض الأطراف من القائمة العراقية بانتقاد الموقف التركي هو بادرة تنتظر مثيلاتها من الأطراف الوطنية العراقية لاسيما المشاركة في السلطة والعملية السياسية.

    5- تستره على تهريب النفط العراقي إلى الخارج عبر معبر الحاج عمران.

    6- إيقافه ضخ النفط العراقي من حقول كردستان العراق الواقعة تحت هيمنته بحجج ورهانات لا تمت للتشريعات الدستورية التي تقول “النفط ملك الشعب العراقي”. 

    7- إصراره على استقطاع نسبة 17|0 من موازنة العراق بطريقة لا تتفق والقواعد القانونية في توزيع الثروة النفطية.8- العمل الحثيث على جعل البيشمركة قوة عسكرية لا تنتمي للتشكيل العسكري المنتظم تحت راية الجيش العراقي والذي رئيس أركانه من الإخوة الكرد.

    9- اصراره على وجود ممثل لاقليم كردستان في بغداد وهو تمثيل لا يقره الدستور ولا الأعراف الفدرالية المتبعة في العالم.10- إصراره على تثبيت مسمى المناطق المتنازع عليها تحضيرا للانفصال وثقافته التي يتذرع بها بحجة رغبة عموم الكر العراقيين ناسيا هو ومن معه من ساسة الكرد العراقيين بان هذه الحجة هي بذاتها مخالفة دستورية وطنية لايجوز ترويجها.

    11- سعيه لإيجاد ممثليات له في الخارج وهي حالة مرفوضة دستوريا وفدراليا بالرغم من إيجاد مادة في الدستور تتحدث عن ذلك وهي من المواد المختلف عليها والتي لابد من إعادة دراستها وتغييرها بما يتناسب ووحدة العراق الفدرالي وما يقال عن هذه الحالة غير الطبيعية يقال عن العملة والجوازات واللغة الرسمية للعراق الفدرالي الذي عرضوه للمزيد من الإرباك بسبب الصياغات المستعجلة والتي دست فيها بعض المواد غير الملائمة للوحدة الوطنية والسيادة، ومن يحتج بان هذا الدستور قد صوت عليه أبناء الشعب العراقي، فان هذه الحجة تندرج تحت مقولة “حق يراد به الباطل” وأبناء الشعب العراقي ونخبه السياسية والمراقبون لعملية الاستفتاء يعلمون جيدا كيف جرت وما هي ثغراتها التي استفاد منها السيد مسعود بارزاني ولم يطبق ما يتعارض مع مصلحته الشخصية والفئوية وعوائد المنافذ الحدودية في إقليم كردستان من الشواهد على ذلك. 12- قيام السيد مسعود بارزاني وخصوصا بعد التمويل الذي حظي به من بول بريمر الحاكم المدني للعراق ايام الاحتلال بتمويل ودعم مالي مسرف لبعض الاشخاص في الجنوب والفرات الاوسط لغرض ايجاد ولاءات شخصية له تتعارض وروح العملية الديمقراطية في العراق فضلا عن مخالفاتها المالية واضحة البطلان.13- اعطاء الاوامر لفرض الاقامة المحددة والكفيل على العراقيين من ابناء المحافظات الاخرى الذين يزورون محافظاتهم الشمالية التي يصر السيد مسعود بارزاني على تسميتها باقليم كردستان فقط.

    14- استقباله لكل من برهان غليون عن مجلس اسطنبول الداعي بحماس منقطع النظير لتدخل الناتو عسكريا في سورية، ثم استقباله سمير جعج اللبناني المعروف تاريخه في الحرب اللبنانية والذي خرج من السجن بالعفو الذي تحيطه الشبهات واستقباله وليد جنبلاط المعروف بتأرجح مواقفه وتذبذبها التي رفضتها الغالبية الدرزية، ان هذه الاستقبالات التي جرت دون التنسيق مع الحكومة الفدرالية ودون الاخذ بنظر الاعتبار الثوابت الوطنية وثوابت العلاقات الخارجية المحددة دستوريا بالسلطات الخارجية ومن يمثلها مركزيا15- دعوته لاكراد سورية لعقد مؤتمر في اربيل وإلقاء كلمة له في ذلك المؤتمر هو عمل استفزازي للحكومة الفدرالية العراقية التي تتبنى مشروعا للمصالحة بين المعارضة السورية والنظام، مثلما هو استفزاز لدولة شقيقة تربطنا معها اواصر كثيرة اهمها مصلحة الشعبين السوري والعراقي وهذا العمل هو مخالفة دستورية كتبنا عنها في وقتها.

    هذه باختصار بعض الاخطاء والمخالفات الدستورية للسيد مسعود بارزاني وهناك غيرها الكثير، وهو بذلك يشترك مع بعض الساسة الجدد الذين اساءوا للعملية السياسية في العراق ولكن لان السيد مسعود بارزاني يستقطب نوعا من العلاقات الخارجية التي لاتصب في مصلحة الوطن احببنا ان نسلط لضوء عليه، ويبقى ادعاء قيام البيشمركة بحماية بغداد عند دخول الاحتلال هو دعاية غير مبررة بعد حدوث نهب المتاحف والبنوك وحرق المؤسسات المهمة وخرابها وهي ليست لصالح البيشمركة لمن يريد الحديث عن حماية بغداد.

    رئيس مركز الدراسات والأبحاث الوطنية

  • دراسات في علم الأخلاق في أبعاده النفسية والاجتماعية

    المقدمة :

    المعارف التي بين أيدينا هي على قسمين:

    1- معارف نظرية : مثل العقائد بمختلف أنواعها 

    2- معارف عملية : وعلم الأخلاق من أمثلتها 

    وعلم الأخلاق يشكل حضورا لكل فعل بشري , فردي أو جمعي وعلى المستويات الآتية :-

    1- المستوى الاجتماعي

    2- المستوى السياسي

    3- المستوى الاقتصادي

    4- المستوى العلمي

    5- المستوى الثقافي

    6- المستوى العسكري

    وهو وثيق الصلة من العلوم التالية :

    1- علم النفس

    2- علم الاجتماع

    3- علم التاريخ

    ولقد تعددت مصادر دراسة ” علم الأخلاق ” وتوسع الجانب الوضعي في دراسة علم الأخلاق في الجانب الوصفي منطلقا من البعد ” البايولوجي ” وهو بعد مادي اغفل الجانب الروحي ردحا طويلا من الزمن, فظهرت عيوب هذا المنهج خصوصا بعد تقدم علوم الفضاء , وعلوم الجينوم وعلوم الاستنساخ , واكتشف العلماء والباحثون حاجتهم لإعادة النظر في ظاهرة ” الروح” التي تفرض وجودها في المشهد الكوني , والإنسان خير مثال على ذلك .

    ومن هنا وجدنا أن الجانب الشرعي في دراسة علم الأخلاق الذي ينحو منحى عمليا وليس وصفيا في دراسة الأخلاق هو الطريق الأنسب في ذلك , والطريق الشرعي هو طريق السماء وللسماء كتب منزلة وآخرها هو القرآن الكريم الذي قال عنه تعالى :” وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ” ومما يجعل المرء بصورة عامة والقارئ والباحث والمتابع مطمئنا تجاه صحة وتوثيق ما جاء في القرآن من نصوص هو قوله تعالى :” إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ” .

    وبناء على هذه الرؤية سنتخذ من القرآن والروايات الصحيحة المنقولة عن رسول الله “ص” في صدد الأخلاق مصدرا أساسيا في هذه الدراسة, وسنبدأ بالآيات القرآنية الكريمة التي تدعو إلى الالتزام بالأخلاق الحسنة وهي :-

    1- “وانك لعلى خلق عظيم “- القلم – 4-

    2- “والشمس وضحاها, والقمر إذا تلاها , والنهار إذا جلاها , والليل إذا يغشاها , والسماء وما بناها, والأرض وما طحاها , ونفس وما سواها, فألهمها فجورها وتقواها , قد افلح من زكاها , وقد خاب من دساها ” – الشمس – 1-9

    ويلاحظ في هذه السورة المباركة أن الآيات الكريمات قد أطلقت الاختيار للإنسان , ونفت الجبر والإكراه كما قد يتصور البعض , ومن هنا تظهر حرية الإنسان في اختيار الأخلاق الفاضلة وتنميتها في حياته عن وعي مصحوب بعقل مفكر متدبر كما سنرى في الأبحاث المقبلة أن شاء الله تعالى.

    فالقرآن الكريم يركز على منهج ” التدبر ” والتأمل ” والملاحظة , ويعطي للتجربة نصيبا في المعرفة البشرية كما سنرى دون أن يجعل التجربة هي المقياس الأول والأخير للمعرفة البشرية كما ذهب إلى ذلك التجريبيون, قال تعالى : “أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ” والتدبر يحتاج إلى العقل , والعلم يصاحب العقل , ومن العلم معرفة الإنسان لنفسه, والعقل يوصل الإنسان إلى الدين, والدين يوصل الإنسان إلى الجنة – فعن الإمام الصادق “ع” عن رسول الله “ص” قال : “من كان عاقلا كان له دين ومن كان له دين دخل الجنة ” .

    ومن أوضح مصاديق الحكمة : معرفة الإنسان لنفسه قال تعالى :” يؤتي الحكمة من يشاء ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ” – البقرة – 269 –

    وقال الإمام علي عليه السلام : “أكثر الناس معرفة لنفسه أخوفهم لربه” وذلك في معرض ذكر الآية المباركة :” إنما يخشى الله من عباده العلماء” – فاطر – 28- ولقد تكرر النقل عن رسول الله “ص” قوله : “لا دين بدون معرفة ” والعقل قائد والعلم رائد ” وهو توضيحا لقوله تعالى :” وما يعقلها إلا العالمون ” – العنكبوت – 43-

    ولأهمية تركيز آيات سورة الشمس على النفس, وجدنا تركيز الحديث عن النفس المنطلق والأرضية السليمة للأخلاق وسماتها وأهميتها في حياة الفرد والجماعة , ومن الأحاديث التي ذكرت في ذلك : 

    ا‌-  “من عرف نفسه عرف ربه ” – غرر الحكم ودرر الكلم ص403 الحديث 8048

    ب‌-  “من عرف نفسه كان لغيره اعرف” – غرر الحكم ودرر الكلم – ص436 الحديث 8858

    وفي مقابل العلم بالنفس وهو من مفردات الأخلاق , ذكر الجهل بالنفس , فكانت الأحاديث التالية :

    ا‌-  “أعظم الجهل جهل الإنسان أمر نفسه ” – غرر الحكم ودرر الكلم ص152 الحديث 3027

    ب‌- “كفى بالمرء جهلا أن يجهل نفسه ” – غرر الحكم ودرر الكلم ص364 الحديث 7116

    ت‌- “عجبت لمن يجهل نفسه كيف يعرف ربه ” – غرر الحكم ودرر الكلم – ص 329 الحديث 6344

    ومن هنا اعتبرت المعرفة ألا نفسية انفع من المعرفة الافاقية وهي اصطلاحات منتزعة من الآية القرآنية المباركة : ” سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم انه الحق” – السجدة – 53- وقال تعالى :” وفي الأرض آيات للموقنين , وفي أنفسكم أفلا تبصرون ” – الذاريات – 21-

    ولهذا نقل عن الإمام علي “ع” قوله :” المعرفة بالنفس انفع المعرفتين ”

    كما أن المحققين والمفسرين قد قالوا: أن النظر في معرفة الآفاق والأنفس نافعان جميعا , لكن النظر في معرفة النفس انفع بناء على قوله “ص”:  “ميدانكم الأول أنفسكم فان انتم قدرتم عليها فأنتم على غيرها اقدر”.

    ثم أن المعرفة الحاصلة من النظر في الآيات الافاقية هو علم حصولي ونظر فكري , بينما النظر في النفس وقواها وأطوارها والمعرفة المستحصلة منها , فهي علم حضوري ونظر شهودي, والتصديق الفكري يحتاج إلى “البرهان” القائم على كل من :

    1- اليقينات

    2- المظنونات

    3- المشهورات

    4- المسلمات

    5- المقبولات

    6- الوهميات

    7- المشبهات – الأسس المنطقية للاستقراء – السيد محمد باقر الصدر – ص 379-

    وهذه القواعد يمكن للإنسان ان يذهل عنها وينساها ولذلك يزول العلم بزوالها ويكثر الاختلاف, بينما في العلم النفساني وهو العلم بالنفس وأطوارها وهي مشاهدة وعيان لا ينفك عن التعلق بالعظمة والكبرياء , حيث تنصرف عن كل شيء وتتجه إلى ربها وهو حق المعرفة, بينما المعرفة ” الحصولية ” الفكرية ” نتيجة النظر في آيات الآفاق فهي معرفة بصورة ذهنية عن صورة ذهنية , والإله لا يحيط به ذهن “ولا يحيطون به علما” – الميزان في تفسير القرآن ج6ص176.

    ولهذا رأينا كيف تؤكد سورة الشمس على أهمية الأخلاق حيث قررت ان هذا العالم ” عالم المادة ” قد خلق لأجل الإنسان ” والأرض وضعها للأنام ” – سورة الرحمن – 10- وان الإنسان خلق لأجل الأخلاق الفاضلة التي يطلبها مختارا فيتسنى له التسامي والتكامل في مسيرته نحو الحق عز وجل – التربية الروحية – السيد كمال الحيدري ص 57-

    أما الروايات التي تتحدث عن الأخلاق الحسنة فهي :

    1- قال رسول الله “ص” : ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ”

    2- وقال “ص” : أثقل ما يوضع في الميزان تقوى الله وحسن الخلق”

    3- وقال أبو الدرداء سمعت رسول الله “ص” يقول : “أفضل ما يوضع في الميزان حسن الخلق والسخاء, ولما خلق الله الإيمان قال: “اللهم قوني, فقواه بحسن الخلق والسخاء, ولما خلق الله “الكفر” قال: اللهم قوني, فقاه بالبخل وسوء الخلق ” – المحجة البيضاء ج5ص89-

    4- وقال رسول الله “ص” : “أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة احاسنكم أخلاقا ”

    5- وقال انس : قال رسول الله “ص” :”أن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم الدرجات واشرف المنازل وانه لضعيف العبادة”.

    تعريف الأخلاق :

    قال الغزالي: الخلق بفتح الخاء, والخلق بضمها يستعملان معا فالأول هو الصورة الظاهرية والثاني هو الصورة الباطنية وذلك لان الإنسان مركب من جسد مدرك بالبصر, ومن روح ونفس مدرك بالبصيرة ولكل منهما هيئة وصورة أما قبيحة أو جميلة, فالنفس المدركة بالبصيرة أعظم قدرا من الجسد المدرك بالبصر ولذلك عظم الله من قدره بإضافته إلى إليه قال تعالى :” إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين” – الحجر – 30- فالجسد منسوب إلى الطين والروح إلى رب العالمين , ومعنى الروح والنفس هنا في مقام واحد – التربية الروحية – 61-

    فالخلق بضم الخاء هيئة راسخة في النفس لها أربعة أمور هي :

    1- فعل الجميل والقبيح

    2- القدرة عليهما

    3- المعرفة بهما

    4- وهيئة النفس تميل إلى احد الجانبين

    وليس الخلق بضم الخاء عبارة عن الفعل, فرب إنسان خلقه السخاء ولكنه لا يبذل المال لفقدانه أو لسبب مانع , وربما يكون خلقه البخل ولكنه يبذل المال لباعث من رياء , وكل إنسان خلق بالفطرة قادرا على الإعطاء أو الإمساك وهذا راجع إلى النقطة الرابعة وهو الهيئة التي بها تستعد النفس لان يصدر منها ما يصدر سلبا أو إيجابا , وهناك هيئات للنفس غير راسخة , لان الهيئات على نوعين هما:

    1- هيئات غير راسخة : مثل احمرار الوجه واصفراره

    2- هيئات راسخة لا تزول مثل : لون الإنسان لأنها غير اختيارية أو لا تزول بسهولة وإذا زالت لسبب ما فإنها سرعان ما ترجع, وتسمى بالملكات الاختيارية مثل: العدالة والشجاعة , فالأفعال لو صدرت بصعوبة وتردد لما عدت تلك الصفة ملكة وخلقا , فمن يتردد في دفع الصدقة لا يعد سخيا , ومن يقدم رجلا ويؤخر أخرى في الحرب لا يعتبر شجاعا , فالسخي من يبذل بيسر وسهولة والشجاع من يتقدم في ساحات الحرب كالبرق الخاطف, فالخلق عبارة عن هيئة النفس وصورتها الباطنية – إحياء علوم الدين – للإمام الغزالي المتوفي سنة 505 هجرية – دار المعرفة – بيروت – ج3 ص53

    وبمقدار رسوخ هذه الملكات يكون الإنسان على الصراط, فمنهم من يمر كالبرق الخاطف وبعضهم يمر حبوا وبعضهم يمر وهو يكاد أن يقع فيمسك.

    قال الإمام الصادق عليه السلام :” الناس يمرون على الصراط طبقات, والصراط أدق من الشعر واحد من السيف فمنهم من يمر مثل: البرق , ومنهم من يمر مثل عدو الفرس, ومنهم من يمر حبوا ومنهم من يمر مشيا ومنهم من يمر متعلقا قد تأخذ النار منه شيئا – أمالي الصدوق – تحقيق مؤسسة البعثة – 247|257

    والاعتقاد الصحيح هو منشأ الهيئة الراسخة التي تصدر عنها الأفعال الحسنة, ولذلك كان السيد محمد باقر الصدر في الأسس المنطقية للاستقراء يؤكد على فلسفة الاعتقاد وفتح سجالا واسعا مع دافيد هيوم حول الإدراك وقوة وحيوية ذلك في النفس, حيث قال أن اعتقادنا بوجود الشيء لا يزيد من العناصر التي يتكون منها ذلك الشيء, فالحيوية والقوة هي الاعتقاد وتلك الحيوية هي التي تميز الاعتقاد عن التصور – الأسس المنطقية للاستقراء – محمد باقر الصدر – ص97-

     تعريف العلامة صاحب تفسير الميزان 

    علم الأخلاق هو الفن الباحث عن الملكات الإنسانية المتعلقة بقواه النباتية والحيوانية والإنسانية ليميز الفضائل منها من الرذائل ليستكمل سعادته العلمية فيصدر عنه من الأفعال ما يجلب الحمد والثناء الجميل من المجتمع الإنساني – الميزان – للطباطبائي ج1 ص 370

    والتعرف على قوى الإنسان هو الوصول إلى تعريف علم الأخلاق وقد قسم المحققون هذه القوى إلى:

    1- القوى الظاهرة, وهي الحواس الخمس: اللمس والشم والبصر والسمع والذوق.

    2- القوى الباطنة وهي:

    ا‌- النباتية وهي أربع : الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة

    ب‌-  القوى الخادمة وهي أربع : الغاذية والنامية والمولدة والمصورة

    3- القوة المدركة في الباطن وهي خمس: الحس المشترك والمتخيلة والوهم والحافظة والمفكرة

    4- النوع الثالث وهي القوة المحركة وهي صنفان:

    ا‌- الباعثة وهي شهوية وغضبية

    ب‌-  الفاعلة التي يصدر عنها تحريك الأعضاء

    ت‌- النوع الرابع : القوى العقلية وهي أربع مراتب هي :1- القوة التي بها يفارق الإنسان البهائم.

    3- القوة التي تدخل الوجود للصبي المميز

    4- القوة التي بها تحصل الاستفادة من التجارب وبها يعرف العاقل من غيره

    5- القوة التي بها تعرف حقائق الأمور والتي تميز الشهوة العاجلة للذة أجلة , ولهذا قال الإمام علي “عليه السلام”.

    رأيت العقل عقلين …… فمطبوع ومسموع

    فلا ينفع مسموع ……..إذا لم يك مطبوع

    كما لا تنفع الشمس ……. وضوء العين ممنوع

    القوة العقلية وبها إدراك حقائق الأمور

    القوة الغضبية وهي التي يدفع الإنسان بها الأذى.

    القوة الشهوية : وهي التي يطلب بها الإنسان المنفعة مثل: الأكل والشرب والملبس والمنكح من دون ملاحظة مسائل الحلال والحرام والطاهر والنجس وما يجب فعله وما لا يجب, والنفس إذا تابعت القوة الشهوية سميت بهيمية وإذا تابعت القوة الغضبية سميت سبعية وإذا تابعت القوة العقلية سميت ” ملكية الهية والفائدة في وجود القوة الشهوية بقاء البدن والغضبية لكسر صورة الشهوية والشيطانية لأنهما تطيعان الغضبية ولأنهما في تمردهما لا تطيعان العاقلة بسهولة ومن هنا فان وجود السلطة والحكومة ضروريان لردع الشهوية والشيطانية بما لهما من ولع في الخدع والشهوات , وهذا هو وجه الربط بين علم لنفس وعلم الاجتماع وعلم الأخلاق في سياقاته العملية التي تجعل منه ترجمة عملية لانتظام الاجتماع الإنساني وليس مجرد وصفا مجردا كما يفعل علم الاخلاق في الدراسات الوضعية حيث تبقى الأفعال معلقة لا تجد من حلول لأنها غير معنية بمسالة المعاد والموت وهي قضايا حقيقية وليست أخبار مغيبات – انتهى الجزء الأول ويليه الجزء الثاني أن شاء الله..

    رئيس مركز الدراسات والأبحاث الوطنية.

  • المستقبل.. هو الآن

    يخبرنا تأريخ العظماء في الفكر والفلسفة والدين والعلم والاجتماع والأدب والفن والسياسة أنهم يلتقون على خواص وصفات أهمها المثابرة والجد والاجتهاد والإصرار على الوصول مع قوة أخلاقية عالية… ودائما ما كان البناة وإبطال التاريخ ورجال المنعطفات يوازنون بين إيمانهم برسالاتهم مع الانفتاح على آراء وقناعات الآخرين, وبين روح أخلاقية هي ذات روح الأنبياء وسماحتها ورحابتها وطفحها بالمحبة للناس جميعا وللحياة… مع عناد لا الين ولا أكثر مرونة منه.. وهكذا هم من قادوا شعوبهم ومجتمعاتهم إلى الرحابة والجدة والتطور وحولوا منعطفات التاريخ إلى مصاعد ودرجات ارتقاء واستطاعوا ان يهتدوا إلى النور في دياجير الظلمة.. وكذلك حال المخترعين والمكتشفين والمبدعين في الميادين المختلفة… فكلمة سرهم المثابرة الملتزمة بالأخلاق.. وربما كانت عبقريتهم وراء مثابرتهم وعنادهم وأخلاقيتهم العالية.. وضمان ديمومتهم … فالمصادفات قد تأتي بما تأتي به العبقرية ولكنها ما لم تتزود بإرادة الانجاز وبروح الأخلاق سيكون فشلها مضاعفا وسيتجسد قبحها مضاعفا أيضا… وهذا شهدناه كثيرا في السنوات الأخيرة في السلب والإيجاب…

    أثار انتباهنا ومن ثم انجذابنا لجريدة المستقبل العراقي حماسة العاملين بها من اجل الانجاز الطيب وأخلاقياتهم المتميزة, وأشعرونا بالتفاؤل, وظننا انه ليس من المصادفة أن نسمع ونلتقي بنماذج أخلاقية رفيعة وفي وقت معتم وواقع موحش… إذ لا وحشة تضارع وحشة المسافات بين الناس وفقدان الثقة بين بعضهم البعض.. ومن تحول الأخلاق إلى سلعة في السوق… سوق المصالح وحساباتها… فقد رأينا مثل هذه الأخلاق وهذا التواضع في مؤسسة إعلامية أخرى.. فأنقذونا من تشاؤم ومرارات التجربة… وتوقعنا لهم النجاح.. وقد نجحوا سريعا, وبدأت نسخها تنفد؟؟ وهناك من زف البشرى لأحد أعمدة الجريدة يخبره بشكوى احد باعة الصحف من قلة عدد  مايحصل عليه من نسخ إزاء الطلب المتزايد عليها.. والبائع المعروف في الباب المعظم في بغداد تخلو بسطته الكبرى من المستقبل العراقي في وقت مبكر.. وباتت الصحف المعروفة تتابع من طرف خفي حضورها الشعبي.. والتفت الصحفيون إليها كبديل أخلاقي ومهني… ويذكر الصحفي الرسمي بإكبار ما سمعه من أن إدارة الجريدة ستدعو لحفل الجريدة كل من أسهم بتأسيسها وشارك في إصدارها وان غادرها لأي سبب كان .. وهذا وفاء عجزوا عن المحافظة عليه حتى من أرادوا أو من كانوا في دور ووظيفة الأمثولة.. وربما لا تفهم الامثولات الرسمية ابسط المتطلبات المهنية والثقافية والأخلاقية.. ولهذا وجد الكثيرون تفاؤلهم بهذه الجريدة وأمثالها القليلة…الأستاذ حسن العلوي بصدد إصدار كتاب جديد (أو كتب) يؤكد ريادة العقل الإسلامي للبرالية.. ويؤكدون نسبية الخطأ والصواب في الرأي والموقف.. ولا بد من معرفة وقت القول والرأي والموقف.. وإذا نظرنا إلى (المستقبل العراقي) قلنا إن المستقبل ما يعمل عليه اليوم.. وان ما يتجسد الآن فيها هو المهنية والأخلاقية.. وان القائمين عليها, وفضلا على حماسهم ورسوخ قناعاتهم  وأخلاقيتهم فأنهم لا ينغلقون عن الرأي الآخر ولا يتطيرون من أطروحاته المنطقية.. وهذا ما يبحث عنه حامل الرأي الذي لم يعد له خيار غير أن يعرب عن رأيه في أي منبر نظيف.. هنيئا للمستقبل العراقي نجاحها السريع وندعوها للحفاظ على نجاحها ما دامت المنافسة ستكون شديدة بولادة صحف جديرة بالمنافسة… فالمنافسة, لا الكراهية, وازع التفوق.

  • مراجعة إنسانية لسجل البدون .. إذا كان الأسرى لا يحملون الجنسية الكويتية فكيف قبضت الكويت تعويضاتهم

    تراكمت آلام البدون في أقطار الخليج العربي حتى كادت أن تتحول إلى مأساة عالمية تفوق مآسي الانتهاكات الإنسانية في العصور الغابرة, فما بالك إذا كانت حقوقهم تُنتهك اليوم في تشريعات الأقطار العربية المسلمة, التي ماانفكت تتظاهر بإنسانيتها وعدالتها, في الوقت الذي تتعمد فيه التعامل مع هذه الشريحة بكل الطرق الدونية المرفوضة, في تناقض عجيب بين المظهر والجوهر. . .  . 

    دعونا نراجع سجلات البدون في الكويت, والذين فاق تعدادهم (100) ألف إنسان مازالوا بدون هوية, وبدون جواز, وبدون حقوق, فبالرغم من إقرار مكتب الشهداء في الكويت بشهادة الشهيد البدون, وبالرغم من اعترافه الوطني بشجاعته وبسالته وتضحياته الجسيمة, واعترافه رسميا بحقوقه بموجب أحكام المرسوم الأميري, الذي أقر منح الجنسية الكويتي لوالدي وزوجة الشهيد, ومنحها لأبنائه, وبالرغم من مضي(15) عاماً على صدور ذلك المرسوم المعطل, لم تنفذ مواده في تطبيقات الأحوال المدنية حتى هذه اللحظة, وظل حبرا على ورق. .في يوم 2/8/2011 , وعلى وجه التحديد في ذكرى الاجتياح العراقي للكويت, قامت لجنة الداخلية والدفاع في مجلس الأمة باستدعاء ممثلين من مكتب الشهيد ووزارة الداخلية للتحاور معهم عن أسباب التلكؤ في تطبيق بنود المرسوم الأميري, فاستغرق الاجتماع ساعات طويلة لمناقشة فيما إذا كان الشهيد يستحق الجنسية من عدمه, وكأنهم لا يعلمون إنهم بعملهم هذا يخالفون السنن والأعراف البشرية السائدة منذ فجر السلالات, فقد قادهم تحاملهم على فئة البدون إلى مناقشة استحقاقات شهداء غادروا الدنيا منذ أعوام وأعوام, وكان الأجدر بأعضاء اللجنة تكريمهم واسرهم بأفضل ما لديهم من تكريم, وان لا يناقشوا فيما إذا كانوا يستحقون التكريم أو لا يستحقونه, فمن المعيب التعامل مع الشهداء بهذه الأساليب الفوقية الناكرة للتضحيات الوطنية المشرفة. . يقول المتشدقون من الذين فروا مذعورين من الكويت يوم الغزو: إن بعض الشهداء لديهم ملفات أمنية مقلقة تحول دون اكتسابهم الجنسية, للإيحاء بأنهم تعاونوا مع القوات العراقية, وربما سيقولون لنا: إن المواطنين الذين سقطوا مضرجين بدمائهم يوم الغزو, هم الذين اختاروا الموت بهذه الطريقة, كي يحتالوا على التشريعات الكويتية, وينالوا الجنسية بعد موتهم, وربما يقولون لنا إنهم هم الذين قرروا الاستشهاد بطريقتهم الخاصة حتى يضمنوا الجنسية لعيالهم بعد وفاتهم. . بربكم من فيكم قرأ أو سمع مثل هذا اللغط في سجلات روما القديمة, أو في سجلات قبائل الزولو والتوتسي ؟؟؟ . .وبالرغم من مطالبات الكويت برفع رفات الأسرى من تربة العراق ونقلها إلى أرض الكويت, وبالرغم من استنفارها المنظمات الدولية, واستدعائها لجان الأمم المتحدة, وبالرغم من مباشرتها بنقل جثامين الشهداء الأسرى في مواكب مهيبة ترفرف فوقها الأعلام الكويتية, وبالرغم من حرص الكويت على إقامة مجالس العزاء لهذه الكوكبة من الشهداء, إلا إنها ما أن انتهت من مراسم العزاء حتى أعلنت على لسان وزارة الداخلية عن رفضها منح شهادة الوفاة لأولئك الشهداء, بذريعة إنهم ينتمون إلى أصول غير كويتية, فهل من الشجاعة أن تستقوي الكويت على شهيد فارق الدنيا دفاعا عن حياضها ؟. . .  يقال ان التعويضات المالية التي دفعها العراق للكويت عن شهدائها الأسرى بلغت أرقاما فلكية بمقياس البند السابع, وتعامل العراق مع هذا الملف من دون تمييز, وسدد ما بذمته لكل أسير من دون تدقيق أو تفريق, في حين نرى الكويت تتجاهل البدون في تعاملاتها الداخلية, ولم تعترف بهم, فهل سلكت الكويت سلوكا مزدوجا عندما ادعت في العلن انتساب الأسرى إليها, وتنكرت لادعاءاتها في السر, ولم تعترف بانتسابهم إليها ؟؟, وإذا كان الأمر كذلك, ألا يحق للعراق مطالبة الكويت بإدراج البيانات المتعلقة بجنسية وشهادة جنسية كل أسير, وإرسالها في قوائم مفصلة بهدف التحقق من مصداقية الادعاءات الكويتية ؟؟, على أن يصار إلى نشرها في الصحف المحلية في كلا البلدين, فالشفافية والوضوح مطلوبتان عند اللجوء للمكاشفة الوثائقية, وبخاصة في هذا الباب من التحاور المبني على الأسس والأعراف الدولية, ويبقى من حق المنظمات الإنسانية المعنية بحقوق البدون التطرق لهذه الفقرة والتأكد من صحتها. . .  

    اما أغرب القصص, فهي قصة الجنود البدون الذين ضحوا بأنفسهم, وتصدوا بصدورهم العارية لحمم القنابل, التي استهدفت موكب الأمير, وكانوا عشرة بعدد أصابع اليد, تجنس اثنان منهم بعد استشهادهم بقرار فوري من الأمير الراحل, اما الثمانية, فلم تصرف لهم الجنسية حتى الآن, لكنها صرفت لأثنين منهم بعد مضي سنوات على حادث الاعتداء, ثم أوصدوا الباب بوجه البدون, وليس أغرب من تسريح عناصر الوحدات العسكرية المقاتلة, وإخراجهم عنوة من الخدمة بسبب انتمائهم لفئة البدون. .

    ختاما نقول: أليس الولاء هو التضحية ؟. أليس الجود بالنفس أقصى غاية الجود ؟.

  • أميركا وأزمات الشرق الأوسط.. من يغذي من؟! .. تغيير جوهري في الإستراتيجية الأمريكية.. حين تتغير اللعبة لترسيخ قبضة القوة !!

    ما هي رؤية الولايات المتحدة الأميركية لمستقبل العالم ومتغيراته المتوقعة وغير المتوقعة..؟! وما هي وسائل واليات استهداف تلك المتغيرات.. والتحالفات الدولية…؟!

    لقد توسع مفهوم الإستراتيجية عبر التاريخ.. فدخل في استخدامات وتعاريف ومفاهيم تنوعت وتعددت مع مرور الوقت وحسب تنوع وتعدد الأغراض والوظائف التي احتاجها الإنسان فيه، حتى بات مفهومها الان يتجاوز قضية ادارة الحروب، ليربط الابعاد السياسية والاقتصادية والنفسية والعلمية والاعلامية مع الابعاد العسكرية في ادارة السياسات الوطنية ومن خلالها إدارة عمليات الصراع الشامل المباشر وغير المباشر وتحديد استهدافاتها، وبذلك ظهر تعبير الاستراتيجية الشاملة او العليا، تعبيرا عن شمولية التوسع في المفاهيم وذلك يعني استخدام جميع مصادر القوة لدى دولة ما، او مجموعة من الدول لتحقيق اهداف معينة، حربا كان ذلك ام سلما..

    ان القناعة التي انتهت إليها الولايات المتحدة الاميركية، هي ان التدخل العسكري المسلح وفق الأساليب القديمة، لم يعد لها جدوى، بل هي مكلفة، اقتصاديا وبشريا ولا تخلو من مخاطر جوهرية قد تترتب عليها نتائج مدمرة، كالحرب العالمية الثانية بالنسبة لبريطانيا التي تحولت بسببها من “متبوعة” كدولة عظمى، الى “تابعة” للولايات المتحدة الاميركية، وكاحتلال افغانستان بالنسبة لـ”الاتحاد السوفيتي” حيث واجه مصير الانحلال والتفكك، لذلك لم تجد أمامها سوى اعادة النظر فيما هي فيه خصوصا بعد ان وجدت ان الامر في تجربتي الحرب على الإرهاب وما تمخض عنهما من احتلال لافغانستان، والحرب على العراق لاسباب تتعلق بالبحث عن اسلحة الدمار الشامل !! جعلها في مكان قريب جدا من التداعي والانهيار، غير ان قراءتها للواقع الدولي ودورها في هذا الواقع يمنعها من ان تلوذ في بلادها بعيدا في الجانب الاخر من المحيط الاطلسي.. لذلك لجأت في ستراتيجيتها الجديدة الى عمليات ” ترقيع ” تكون فيها وخلالها لاعبا نشطا ومتواصلا ولكن من وراء الكواليس او تعبير ادق تتولى وظيفة ” الاخراج ” و “السيناريست” لأفلام واقعية تتراوح ما بين ” الربيع ” و “الخريف ” في عموم الكرة الأرضية.

    واذا ما اردنا تناول موضوع ” موقع الشرق الاوسط في النظام العالمي في ضوء الستراتيجية الاميركية الجديدة” فاننا نصطدم بالغموض الذي يحيط بكل الجوانب المؤثرة والمتأثرة في المنطقة إقليميا وعالميا.

    ان التدرج التوصيف الاميركي للدور الاميركي الجديد، يشير وبوضوح الى ما تعانيه اميركا في الوقت الحاضر من مأزمة خانقة اخذ بتلابيبها ولا يبدو ان المستقبل المنظور يحمل حلا جذريا فالتوصيف الذي اعتمده بوش الاب هو “النظام العالمي الجديد” الذي يحمل معه “التفرد” الاميركي المطلق في العالم ومنذ عام 1991 ولحد الآن، عشنا فوضى حقيقية في الدلالة التي طرحت العديد من الردائف والبدائل والمصطلحات، فقد بادر الرئيس كلينتون الى تغيير التوصيف عندما ادرك ضخامة المسؤولية التي اناطها ” التفرد ” بالولايات المتحدة الاميركية فأشرك فيها دول حلف الناتو، حيث إستراتيجية الحلف تعترف بالشراكة الاوربية ” على حساب الاتحاد الاوربي” وتتنازل اميركا عن ” التفرد ” بالالتزام بهذا الحلف وبالمقابل تعترف إستراتيجية الحلف بوجود منطقة محظورة عليها هي منطقة الشرق الأقصى لتتخطى في المقابل جغرافية الحلف فتدخل في إطار مصالحة كل من دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط واسيا الوسطى مع السعي لتوسيع الحلف كي يضم استراليا مثلا، وهذا التغيير المهم يعكس فقدان ” التفرد ” الاميركي لمعناه بشكل لا يقبل اللبس او الغموض.

    على ان ذلك أيضا خضع لتغيير في التوصيف على يد اوباما الذي وجد ان لا مناص في إعادة النظر في الإستراتيجية الأميركية على نحو يجعل من الممكن التقرب من حلول ناجحة وواقعية للازمة التي تعصف بالوجود الأميركي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ويجسد الآن الموقف الاميركي حيال ما يجري في العالم نموذجا جديدا في “المرونة”.

    حيث تعكس التقييمات الأميركية لمرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة، لجوء الادارة الاميركية الى تبني اسس وقواعد جديدة في تعاملها مع الواقع ومتغيراته المباشرة وغير المباشرة مستخلصة دروسا جديدة فرضت ستراتيجية مختلفة عن ستراتيجيتها السابقة التي كانت تنفذ من خلالها أهدافها البعيدة والقريبة تلك التي كانت تنهض على مبدأ، “الضربات الاستباقية ” للحركات ” الثورية ” وحركات العنف المسلح الذي حمل وضعا حديثا “الارهاب” وما سمي بـ”الدول الفاشلة” ستراتيجية تبتعد كثيرا عن مفهوم “التورط” وفق ما يراه بريجنسكي مستشار الامن القومي الاميركي الاسبق، في مغامرات حربية تكلف الولايات المتحدة الاميركية اكثر من الفائدة المتحققة على الصعيد الإستراتيجي وفي المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمن القومي، كما حصل ذلك في العديد من الممارسات الباهظة التكاليف كالحرب الفيتنامية وحروب أميركا الجنوبية والحروب الاسيوية وغيرها.. ثم الاحتلال الاميركي لافغانستان واحتلال العراق وكل ذلك اوجد تراكما كبيرا من الدروس والعبر، جعل فكرة التخلي عن ذلك النهج أمرا لا مفر منه، خصوصا بعد أن واجهت الولايات المتحدة الاميركية حالة الاختبار الصعب، بين ان تستمر على ذات الوتيرة الى يقف من الانفاق العسكري المكلف، او ان تتوقف بنسبة معينة وفق ما يتيح ذلك الوضع الاقتصادي الذي بات الان ينذر بأفدح واعنف الكوارث إذا ما استمرت عمليات الإنفاق العسكري على ما هي عليه الان، تقول صحيفة، الكرستيان سانيس مونتير ” الولايات المتحدة الاميركية لم تكن مجرد متفرج في النزاعات التي جرت او تجري في العالم او مجرد متدخل او ” حتى طرف ” لحلها، بل هي عانت وتعاني من انعكاساتها داخل الولايات المتحدة الاميركية نفسها.. ويتساءل ” هنتنغتون ” في مقالته عن كيفية مواجهة النتائج المتحققة عمليا على صعيد الوضع الداخلي من هذه السلسلة الطويلة جدا من الأزمات العالمية: ازمة ناغورني ـ كارباخ ـ اذربيجان ـ ارمينيا ـ عاصفة الصحراء، حرب البوسنة ـ الهرتزك ـ حرب كوسوفو ـ صراع القبائل الافريقية ـ العنف الجزائري ـ ازمة كشمير ـ ازمة تايوان ـ احتلال افغانستان ـ احتلال العراق ـ أزمة لبنان ـ الربيع العربي ـ أزمة إيران ـ أزمة الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، الأزمة السورية، ازمة الكرد والشعوب المجاورة، الازمة الديموغرافية في روسيا ثم الأزمة المالية العالمية.. وكل ذلك يتطلب من أميركا المزيد من القوة والقدرة المفقودة !!

    ” نحن اقوياء بما فيه الكفاية ” هكذا يبدأ اوباما حديثه مع المجموعة من الخبراء المكلفة باعادة النظر بالإستراتيجية الاميركية على مدى العقد القادم.. واستطرد قائلا: 

    ” في وسعنا ان لا نسمح بميزان القوى في العالم ان يختل لصالح هذه الدولة او تلك او هذا التكتل الدولي او ذاك.. نحن نستطيع البقاء اقوياء، نحافظ على قدراتنا وإمكانياتنا دون ان نتعرض لاستنزاف قد يعيد تجارب مرت علينا او على غيرنا، والسؤال الآن هو كيف نحقق ذلك؟!! اراهن على اننا نستطيع ان نحقق ما نريد من خلال السياسة الفولاذية او القوة الناعمة، دعونا نستفيد من تجربة وزيرة خارجيتنا، فهي امرأة ولكنها في ذات الوقت شخصية قوية انها فولاذ سياسي دبلوماسي”.

    بدأ الترويج لهذه السياسة في الوقت التهبت فيه المنطقة العربية بمتغيرات عامة شاملة كبيرة وصفت بانها “ربيع عربي” يحل محل صيف طويل محرق، احرق كل شيء قبل أن يقيم كيانات تنهض على النار والحديد وبالاستناد على دعم وإمداد وتشجيع خارجي.. وبعيدا عن اية رغبة في التراجع او التوقف على اقل تقدير عن مواصلة الغوص أكثر فأكثر في مستنقع الاعتماد على الدعم الخارجي في غياب التواصل مع شعوبها المظلومة والاستقواء عليها بضمانات لم تتحقق بفعل تغيير الستراتيجيات في العالم وفي ضوء قاعدة: “اخلع عميلك كما تخلع نعلك”.

    لقد وقفت أميركا تتفرج تارة وتحرض بالإعلام تارة اخرى.. وأقصى ما وصلت إليه، في ليبيا هو دفع الناتو ليكون بديلا عنها في دفع المناوئين للقذافي باتجاه الاطاحة بنظامه والسيطرة على ليبيا دون ان يعني ذلك انها كانت عدوة مناوئة للقذافي، فالجميع يعرف تماما ان القذافي احد عملائها غير ان التغييرات التي حصلت وتحصل لا تتعلق بكم حجم المعارضة، ولا بالاسباب التي تجعل من الشعب الليبي يحتج ويثور، بقدر ما يتعلق بخريطة المتغيرات التي صنعتها وكالة المخابرات الاميركية التي لا تستثني حلفاءها ولا خصومها، ولعل الدور الذي تضطلع به قطر والسعودية، التحريض والتمويل والقيادة والتنسيق في الربيع العربي، هو من دون ادنى شك يمثل الجواب الواضح والمحدد لاي سؤال عن هوية هذا الربيع والدوافع الكامنة فيه وخلفه.

    المهم ما نحن فيه الآن، وهو التغيير النوعي الواضح في الإستراتيجية الاميركية، والمبني على استخدام القوة الناعمة، أو الدبلوماسية المدرعة أو القبضة الحديدية الى ما لا نهاية الأسماء والتوصيفات المعبرة عن رفض الولايات المتحدة الأميركية التورط في الدخول في نزاع مسلح او شن حرب على أية دولة لا تتوافق سياستها مع سياسة أميركا.

    تقول كلينتون وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأميركية في اجتماع عقد في أيلول عام 2011 لوضع اللمسات الاخيرة على الإستراتيجية الاميركية الجديدة “في وسعنا الاعتماد على الشعوب في تغيير ما نريد تغييره، وما يحدث الآن في ليبيا نموذج يمكن أن يتكرر بصيع افضل بالنسبة لنا فليس ضروريا ان نزج بأي جزء مهما كان ضئيلا من قواتنا او القوات الحليفة في اي عملية تغيير تحدث مستقبلا.. علينا فقط ان ننتبه جيدا إلى ضرورة منع قوى الإرهاب الاستفادة من الذي يحصل لصالح مشروعهم الإرهابي المدمر”.

    لقد خرجت الولايات المتحدة الاميركية من حربها ضد الارهاب بخسائر فادحة لحقت بقواتها أدت الى تأليب الرأي العام الداخلي ومطالبته بانهائها خصوصا وان الامريكيين لم يقتنعوا تماما بهدف الحرب الداعي الى ترويج الديمقراطية، مقابل ان يموت الاميركيون ويتراجع الاقتصاد من اجل ديمقراطية أفغانستان أو العراق، أمر لا يمكن أن يفهموه لذلك فقد كان على صناع القرار في أميركا الاتجاه نحو الابتعاد عن الشامل والكامل عن الإستراتيجية السابقة والسعي إلى عدم منح الشعوب أو الدول او الحركات في العالم فرصة محاربة ومقاتلة قواتها، بل يمكن التوجه نحو جعل أولئك الذين ليس لهم وجود تحت ظل العولمة، أن يقضى عليهم بطريقة لا تحمل الجندي الأميركي أية أعباء غير الفرحة بالنصر الكبير بالإطاحة بهم دون ان تتحمل الخزينة الأميركية أية تكاليف وحتى أولئك المتحالفين مع أميركا، لم يعد ثمة سبب يدعو اميركا لحماية أنظمتهم والدفاع عنهم بعد ان لفظتهم شعوبهم، فاذا كان غيابهم خسارة، فان وجودهم عبء ثقيل باهظ التكاليف ويحمل كاهل دافع الضريبة الأميركي خسائر باهظة ومؤذية، وهي أصلا لا ضرورة مبدئية او فكرية او عقائدية  طالما ان البديل اكثر قدرة واكثر استعدادا للتعاون ومقبول جماهيريا باعتباره وصل الى ما وصل إليه بفعل “الربيع العربي”.

    ولكن ما هي مقومات هذه الإستراتيجية الجديدة…؟

    البديل الإستراتيجي الذي تتبناه الولايات المتحدة الأميركية، هو شن حروب، من نوع جديد، حرب تعتمد على استخدام القوة الناعمة، وقد قررت أميركا إدخال هذا النوع من الحروب، ميدان التطبيق الفعلي منذ ان قررت الانسحاب من العراق اولا ثم من أفغانستان ثانيا لتسدل الستار على مرحلة انتهت عمليا ونظريا، وكانت بداية الحرب الناعمة مع سوريا وايران وعراق المستقبل، واللاعبون من غير الدول وهما: حزب الله وحماس والمنظمات الأخرى في العالم. 

    تعتمد الحرب الناعمة او السياسة الفولاذية او دبلوماسية القبضة الحديدية على جملة عناصر مهمة منها: الاقتصاد والمال والإعلام والاستخبارات والحرب السرية التي تنهض على الاستخدام المبرمج للكومبيوترات والانترنيت والمعلومات الرقمية وغير ذلك، دفع الحلفاء وهيئة الامم المتحدة للاشتراك فيها وخصوصا في مجال فرض العقوبات والحصار الاقتصادي والعزل السياسي وادخال المنظمات الدولية في مجال القضاء وحقوق الانسان. باختصار شديد، حشد كل الممكنات وعناصر القوة المتاحة لالحاق الضرر الفادح المؤدي الى فرض الاستسلام المباشر او غير المباشر على ” العدو ” وتجريده او تقييد حركته في مجال مجابهة او مواجهة الشعب الذي سيلقى كل الدعم والتأييد والمناصرة من الخارج وفضح إجراءات حكومته وعملياتها الانتقامية، هذا النمط من الحروب، منطبق الآن عمليا وفعليا، حيث تخوض أميركا بكل إمكانياتها المادية والسياسية والإعلامية حربا ضروسا ضد سوريا وايران ولكن بطريقة جديدة مبتكرة اهم ما فيها التهديدات والمناورات وأشياء أخر.

    ان مجموع ما قالته الولايات المتحدة الاميركية وحلفاؤها في الحرب الناعمة على ايران وسوريا خلال عام واحد، يعادل ما قالته اميركا وحلفاؤها على دول المحور قبل وخلال وبعد الحرب العالمية الثانية وما قالته على الاتحاد السوفيتي ودول حلف وارشو خلال خمس سنوات، فهناك الان اكثر من مئتي فضائية واذاعة وموقع منتشرة في عموم الكرة الارضية بالإضافة الى مئات الدوريات والصحف والمجلات ومراكز البحث العلمي وغيرها تواصل على مدار الساعة تطويق المتلقي بآلاف الاخبار المصنعة جيدا والتحليلات والمناقشات والدراسات والمتابعات مع مئات الصور ورسوم الكاريكاتير في أضخم عملية إعلامية يراد منها تطويق نظامي في طهران ودمشق وغلق اية منافذ يمكن استخدامها للخروج او التحرك المرن او حشد الامكانيات والطاقات المتوفرة للدفاع عن النفس او تحريض الآخر للمعاونة، ويتابع الناس في كل انحاء العالم، كيف ان الاوضاع في هذين البلدين تسير باتجاه الضعف والهزال.. ومن الغريب حقا.. ان يتحدث الستراتيجيون في العالم عن عناصر قوة بلد صغير وقد يرى في الخارطة السياسية والبشرية والطبيعية ليس على مستوى العالم بل على مستوى الشرق الاوسط، فيضعون “الجزيرة” قبل المال كعنصري قوة لـ”دويلة قطر”، ترى أيدرك البعض عندنا هذه الحقيقة المرعبة.. ليعطوا الاعلام في بلادنا ما يستحق من الاهتمام والعناية.. ؟! انه مجرد سؤال !!   

  • متعة التخلي عن الطموح

      الإنسان إنسان طالما يتحمل ما يكره ويقاوم ما يحب،، تلك حكمة أتذكرها وأحفظ فحوى معناها عميقا في قلبي،، وعلى ظهر قلب وسجية وعي تلميذ(هو أنا) حين شاء أن يستلها من سطور أحد كتب المطالعة الخارجية أيام دراسته المتوسطة،، يوم كان ينصح معلم اللغة العربية قراءة الكتب الخارجية إلى جانب ما هو مقرر في مناهج التربية والتعليم لتساعد في تنمية ثقافتنا وتعميق فهمنا في معرفة ما يدور من حولنا،، فالكتب المقررة – وفق تلك المناهج-  ما هي إلا مفاتيح عامة،، فيما تحمل الكتب الخارجية والمطالعات فضاءات ودروب أوسع وصولا للتعلم من تجارب ما يتركه الخالدون والعباقرة من المبدعين والحالمين على تطويع انجازاتهم ونواتج إبداعاتهم في خدمة الآخرين فهي- بحق- راساميل ما توصلت إليه الحضارة في عموم مفاصل الحياة التي لا يصنعها أولئك الذين يؤمنون بالمألوف، بل أولئك الحالمون،، القادرون على ترك بصماتهم واضحة- ناصعة في سجلات التأريخ وخطوات تقدم البشرية،، وكم تكمن براعة التكثيف والصدق في عبارة فيلسوف ألماني قال مختصرا في جمع جوانب حياته:( يمكنني أن ألقي على كل ما حدث لي،، سواء أكان فاجعة.. أم فرحا… نظرة اعتراف بالجميل).

     كم أجد ضالتي ونبل مقاصدي في اجتراح واقتراح تسمية هذه المتعة بـ(متعة التخلي عن الطموح)- عبر حكمة ودقة ما كان يتصوره ويراه الحكماء العرب في صلاحية من يكون رئيسا أو قائدا أو زعيما أن تتوافر فيه صفات:

    – التجرد عن الهوى…

    – ولذة في الحرمان..

    – والترفع عن الحقد..     

     لكن كيف يمكن لمّ شمل شمائل هذه السمات والصفات في وعاء واحد في عالم يومنا؟!،، ما دام الكل يلهث،، يغامر،، يقامر للحصول على كل شيء دون التنازل أو التجرد عن أنانية أهوائه ومزاجية لذائذه وتلوينات أحقاده ونوازع أحلامه الفردية – الخالية من أي حلم جماعي يوفر الأمن والسعادة للجميع،، ففي قدرة التخلي عن الطموح القاتل والمريض بأنانية من يحمله ونوايا من يتبناه،، يسكن الطموح  الحقيقي ويسمو إحساسا وحبا للآخرين عبر مهارات ترويض الروح على نبذ ونحر الحقد والحسد وتهذيب النفس بتخليصها من غرائز الغل والعدوان،، ألا يلخص بيت شعر أمير الشعراء أحمد  شوقي:( لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب… و ينال العلا من في طبعه الغضب) ما نحن عازمون عليه تساميا بالذات نحو عمق صلتنا بالناس.

      وما بين طراوة الكلمات وسحرها وما بين رهبة الإحساس بثقة ومصداقية الأرقام في صلب  وقلب ما أراد أن يصل إليه عمودنا عن الطموح،، يرسم لنا عالم الرياضيات الشهير (الخوارزمي) معادلته عندما سئل عن (الإنسان؟) فأجاب:

     إذا كان الإنسان ذا (أخلاق ) فهو يساوي(1) وإذا كان ذا(جمال) فأضف صفرا  ليصبح(10) وإذا كان ذا (مال) يضاف صفرا ويتضاعف إلى(100) وإذا كان ذا حسب ونسب  يكون(1000) فإذا ذهب العدد(1) الذي هو (الأخلاق) ذهبت قيمة الإنسان كلها وبقيت الأصفرار التي لا قيمة لها.!

  • المصلحة العامة!!

    منذ قيام الدولة العراقية، وصدور أول التشريعات الإدارية، ظهر إلى الوجود مصطلح (المصلحة العامة)، حيث تم اللجوء إليه من قبل الحكومات المتعاقبة جميعها، بغض النظر عن كونها وصلت إلى السلطة عبر انقلاب او ثورة او مؤامرة، او على ظهر دبابة، فعلى الدوام بإمكانها استعمال سلاحها الحارق الخارق، وهو (بناء على مقتضيات المصلحة العامة)، إذا ما أرادت إقالة وزير، او إعلان حظر التجوال، أو منع التظاهرات، او الانتقام من المعارضة، او اعتقال السافرات او تعطيل الدستور، وكنا -نحن المواطنين البسطاء- ننظر الى هذه المقتضيات بحسن نية، لقناعتنا بان الحكومة هي ولية أمرنا، وتعرف مصالحنا أكثر مما نعرفها، ولهذا كنا نؤيدها ونصفق لها، حتى لو أقدمت على إعدام أولادنا او آبائنا، لأنهم لو لم يكونوا خونة ومتآمرين لما نالوا هذا العقاب! ولعل مما زاد تعلقنا بالحكومة، ان مقتضياتها ذات طبيعة عامة (المصلحة العامة) وليست (الخاصة)، أي أنها موضوعية وتخدم الوطن!!

    ومن البديهيات التي تعلمناها، ان مصلحة الوطن هي من المصالح (العليا) التي تقررها الحكومات وحدها، ولا يحق لنا نحن البسطاء، التدخل او الاعتراض، ومن هنا اتسمت عبارة (بناء على مقتضيات المصلحة العامة) بهالة من الأسرار التي لا يجوز الاستفسار عنها، أو الاقتراب منها، ولهذا أصبحنا -حاشانا- مثل قطيع الغنم المطيع، نمشي وراء اولياء امورنا على عهد نوري السعيد او الزعيم عبد الكريم قاسم او العقيد عبد السلام (أصبح يحمل درجة مشير بعد توليه رئاسة الجمهورية بناء على مقتضيات المصلحة العامة) أو عبد الرحمن أو البكر (أصبح بدرجة مهيب وهو ليس عسكريا بناء على المقتضيات) من غير أن نسأل أو نستوضح!!

    بالطبع لم يعد الأمر كذلك في (العراق الجديد)، فحكوماتنا منذ مجلس الحكم حتى يومنا هذا لم تعد لديها أسرار، فهي تتخذ قراراتها في العلن، وتصارح الشعب بها، وهذا جزء من أفضال الديمقراطية، ولذلك ألغت من قاموسها العبارة القديمة الجاهزة، وحلت محلها العبارة التالية التي تقول (وبناء على مقتضيات المحاصصة) يحتل فلان الفلاني مثلا وزارة الدفاع أو الداخلية او الصحة أو المالية او التجارة بغض النظر عن الشهادة أو الكفاءة أو الاختصاص، وبناء على مقتضيات المحاصصة يعين المهندس المعماري فلان الفلاني طبيبا استشاريا في مستشفى المدينة العام، ومقتضيات المحاصصة هي التي تقود البلد وتحكمه وتسير أموره، وعلينا نحن المواطنين الكرام أن لا نسأل ولا نعترض، لان أولياء الأمور أدرى بمصالح الوطن ومصالحنا، مثلما علينا أن نوافق ونصفق ونبارك كما اعتدنا على ذلك منذ تسعين سنة!!

  • خطاب إلى: دولة رئيس الوزراء

    • قبل أكثر من قرنين اجتاحت العالم حمى (الربيع الأوربي) وقد انطلقت الشرارة الأولى من (الأمة الفرنسية) في ثورتها الشهيرة التي أسقطت النظام الملكي؛ وأعدمت رئيس الهرم.. وأعادت صياغة (الجمعية العامة) بعد هدم أشهر السجون (الباستيل) .

    وقد استمرت هذه الأحداث بما يقرب من 10 سنوات (ما أشبهها بتاريخنا) لان الانفلات الأمني والاحتراب الطائفي والمناطقي قد اندلق في الشوارع الفرنسية برفقة الدم البريء إلا من (الشبهة).

    • خلال هذه السنوات؛ كما يذكر التاريخ؛ بدأت الثورة تأكل نفسها فتمّ (تخوين) الرفاق؛ وارتفع شعار (المقصلة) المرعب ليطال اغلب زعماء الانتفاضة الفرنسية؛ إلى أن سقط تحت شفرتها (خطيب الثورة) ومتحدثها المفوّه؛ وصولا إلى دكتاتور التغيير (روبسبير). 

    • ولو نظرنا الى مرحلة (ما بعد صدام) واستعرضنا الأسماء والوجوه التي احتلت فضائيات العالم؛ وأصبحت أشهر من (سازوكي) في تلك الفترة واين هي الآن؛ لأصبح من حقنا ان نخاف على (منجز ديمقراطي) دفعنا ثمنه دم أجمل شباب ورجال ونساء وأطفال وشيوخ العراق؛ ومن المفارقة اننا دفعناه على يد من جاؤوا بالتغيير– الأمريكان؛ ومشتقاتهم الارهابية من تنظيمات وقتلة ومرتزقة مأجورين (لا آجرهم الله).

    • قبل فترة قصيرة أودع التوقيف احد أهم أعمدة الاستخبارات في وزارة داخليتكم بتهمة التعاون مع الإرهاب؛ وهي تهمة مرعبة لان الرجل قد جاء معكم؛ من جبهات المعارضة التي قاتلت النظام السابق في الهور وفي الجبال؛ وبالتأكيد تعرفونه حق المعرفة مثلما تعرفون نضاله وسمعته التي كانت موضع ثقة الجميع؛ ولنضاله هذا ولسمعته هذه ولثقتكم به- كوزير داخلية – فقد سلمتموه (دائرة المعلومات – الاستخبارات) وهي واحدة من اخطر محطات امن الوطن والمواطن؛ وقد حقق الرجل انجازات كبيرة في حربه ضد الارهاب وضد القاعدة ؛ كان تلفزيون العراق والمؤتمرات الأمنية خير شاهد له في حربه وانجازاته تلك.

    والمفارقة؛ إن هذا الرجل يودع التوقيف بـ(وشاية) تتهمه بالتعاون مع الإرهابيين!!

    •  بعد أسابيع من التحقيق ومن التقصي ومن سماع الإفادات والشهود؛ برأت المحكمة ساحته (وهو ما يشهد للقضاء العراقي) وقالت له بملء الفم: اذهب فأنت نقي الضمير والقلب واليد والوطنية؛ وكان من المفروض ان يكون اول المهنئين له هو – وزير الداخلية – مسؤوله المباشر؛ باعتبار أن ثقته بقادته كانت موضع اختبار حرج؛ واجتازت ثقته الاختبار بنجاح يحسب له قبل أن يحسب للقائد المفروج عنه؛ لكن أن تجري الامور وكأن شيئا لم يكن؛ ولا من حدث جلل احاق بالمنظومة الامنية؛ فهذا أمر يدعو الى الاستغراب؛ وان كان الاستغراب الاكبر هو ان يبعد الرجل عن دائرته ومكان انجازه الأمني؛ بدلا من يعاد اليهما ومعه الدعم المستحق لتحقيق انجازات اكبر. 

    • بالتأكيد – دولة رئيس الوزراء- تعرف إنني كنت اتحدث عن (اللواء مهدي الفكيكي) الذي كنا – كصحفيين – من أوائل شهود بطولاته في تتبع منابع الإرهاب ومحاولة تجفيفها مع المخلصين في الجيش والشرطة..مع ثقتي. 

  • أحـــــزاب الـــدويــــــلات

    يبدو ان مفهوم الفدرالية لم يجد له طريقا الى ثقافة الذين حملتهم قوائم الاحزاب والكتل الى البرلمان والحكومة , وهذين الموقعين اصبحا اسيرين مختطفين من قبل الحالة  التي لم تعرف الى الان كيف تحل خلافاتها .

    وعدم معرفة حل الخلافات والتباين في الاراء لمجاميع حزبية تنتمي لحاضنة تاريخية شهدت من كتب المسلات والقوانين , وعرفت كيف تتفق على حمل الحجر الاسود , وعاشت تجربة الشورى بتفاصيل مثرية تعليما وتأصيلا ووجودا جاذبا على المستوى الحضاري .

    ان تبخر معرفة الارث التاريخي , وتعثر طريقة المداولة والمناولة ديمقراطيا , المفهوم الذي لازال حيا بالممارسة والتطبيق لدى شعوب كثيرة , ولكن احزابنا وكتلنا السياسية يبدو انها لم تاخذ بعين الاعتبار كل تلك الابعاد : لا التاريخية منها والتي يحتفظ الجمهور العراقي وقواعده الشعبية بالكثير منها ويقدم الولاء لها بطريقة لاتقبل الشك في مصداقيتها وحضورها الذي تتصاغر امامه كل الدعاوى والشعارات المستوردة , مما يجعل دائرة العمل السياسي القلقة والمرتبكة مهددة باسترجاع القواعد الشعبية المليونية زمام المبادرة وتغير بوصلة الفعل السياسي الى حاضنته التي تترسخ فيها قيم ومفاهيم تمتلك قوة وحيوية الاعتقاد على مستوى الادراك الذي يؤسس لفضاءات النفس بناء هو من جنس البناءات الكونية التي لاتعترف الا بهوية واحدة خالدة محببة تهفو اليها قلوب الكائنات وتتوحد معها ذرات وجزيئات الخلايا في صورها :

    1-  النباتية

    2-  الحيوانية

    3-  الادمية

    وهذه هي الوحدة التكوينية الحقيقية , وعندما يضاف لها المكمل الوجودي الاخر من جزيئات ” الحجر ” الذي اعطي صفة المشهد الولود للحياة عبر تدفق المياه من شقوقها , وعبر تدافع الانهار من بين اطباقها , وعبر خشوعها المعبر عنه ” بالخشية” والخشوع الموصوف به حال الجبال تجاه ” القران ” .

    عندما نتامل تناغم المشهد الكوني ونكتشف انغامه الموسيقية ونعرف ايحاءاته المعرفية وايقاعاته التي تبعث فينا الدهشة تارة والخوف والرعب تارة اخرى , لنعرف اننا امام تحد لا طاقة لنا به الا من خلال العودة والالتحام بمسيرة موكبه المرتل والمسبح باسم الحق المطلق ذلك هو ” الله ” .

    عند ذلك نعرف معنى السلام والوئام , ونبتعد عن الخصام ونطلق سلوكية الانفصام التي عششت في اذهان بعض الانام فأورثتنا خيبة الأمل , وإحباط العمل , وتكاثرت في سربنا : ” النطيحة والمتردية ” حتى التي اكل الضبع منها وليس الاسد ملك الغابة , ولا النسر ملك الجو , ولا التمساح ملك الانهار ولا الحوت ملك البحار ان من يستمع اليوم لما يصدر عن قاعة الإعلام والصحافة في مجلس النواب التي اصبحت مستباحة بنهم الرغبات التي لايقف وراءها عقل عليم , ولا حلم حكيم , ولا حس سياسي سليم والذي تتسابق لنقله الفضائيات وبعضها من ادمن ثقافة التحريض وانزل سمعة الوطن الى الحضيض باسم ” الخبر العاجل ” وورد توا ” و ” صرح القيادي في الكتلة او القائمة الفلانية ” هكذا اصبحت لفظة ” القيادي ” تطلق جزافا , بلا روية , وبدون احترام للمصطلح , ولا احترام الرعية التي اكتشفت عبر معرفتها الميدانية بان تمثيلها اختطف , وحقها اغتصب , ومن وعدها حنث بوعده , ومن عاهدها اخلف بوعده , ومن بايعته ادار لها ظهره , وراح يقضي وطره في عواصم غيره , منشغلا بمعلفه الذي لا يتسع الا لشهوة بطنه وفرجه 

    وهذا الصنف من اتباع الكتل والاحزاب لا يؤتمن على قضية , ولا ينجح في مشروع , فهو الى الترهل والفشل مصنوع ومدفوع , تكشفهم تصريحاتهم التي يكثر خطؤها ومن كثر خطؤه قل حياؤه , ومن قل حياؤه مات قلبه , ومن مات قلبه لا ينفع في شيء 

    لذلك فهؤلاء ليسوا اصحاب دولة , وانما هم اتباع دويلات مكاتبهم تشهد على ذلك , وتصريحاتهم توثق ما هم فيه من التشتت والضياع , ومجالس المحافظات اصبحت عشا لتفقيس وتفريخ الفرقة والتباعد والخذلان والفوضى التي اصبحت سمة دائمة من سمات دوائر ومؤسسات الدولة , حيث التسيب الوظيفي والتسرب النوعي للكفاءات والخبرات بعد عجزها عن تحقيق الاصلاح والبناء نتيجة غلو وتشبث الاحزاب بالفاشلين والمحدودين والسطحيين والاميين حتى وصل الامر الى تمرد بعض من اصعدوهم بدون استحقاق , فقلبوا لهم ظهر المجن بالنفاق وساقط الاخلاق الذي اغرق كل فضيلة في العراق 

    الم تكف تسع سنوات من التجارب الفاشلة في الكهرباء واموالها موجودة , ووسائل تقنيتها متوفرة في الاسواق العالمية , ثم الم تكف ثلاث دورات انتخابية مع دورة تمهيدية سابقة , ودورات لانتخاب مجالس المحافظات نحن على اعتاب الرابعة منها ,ولم يلح في الافق تباشير التغير في عقول ساسة الاحزاب ورؤساء كتلهم من الذين لم يتفقوا على الوزارات الامنية لما يزيد عن سنتين , ولم يتفقوا على ما توافقوا عليه في خلواتهم التي كانت لاربيل وشم لم يزيدهم جمالا , ولم يوفر لهم استقرارا عندما استبدلوا بغداد مدينة الرئاسة تاريخيا , واعطوا لطالب المنى غير المجمع عليها نصيبا من الظهور والتفرد انقلب عليهم وبالا لولا ما قام به اوباما من اعراض ملموس وتجهم محسوس للمشاريع التي تجعل العراق الموحد على كف عفريت 

    كل هذا حدث ومازال يحدث بسبب انصاف الرجال من الذين فرضوا على المشهد السياسي العراقي برغبات شخصية وطموحات حزبية , وخطط ومشاريع اجنبية , يحضر فيها الدخيل والطارئ , ويستبعد منها الاصيل والمخلص , حتى لقد مللنا من الملاحظة , ويأس شعبنا من طول انتظاره وكثرة معاناته , ومن لف ودوران وتحايل واجترار ممل مغلف بالف عنوان خال من الصدق والوجدان 

    وخلاصة الكلام المسؤول : ان كل ماظهر على ساحة المشهد السياسي هي احلام صغيرة لصناعة دويلات تنتظر الامير الذي لايعرف مصيره , وهذه معادلة فاشلة لاتتناسب وتضحيات وصبر العراقيين , واذا كان بعض من تلك الاحزاب ورؤسائهم يعتقدون انهم اصبحوا قدر العراق , فقراءتهم خاطئة , وارضيتهم ملغومة لايدرون متى تتفجر بهم , ليس على طريقة الانقلابات العسكرية التي ولى عهدها ولكن على طريقة السنن الكونية الحاكمة .

  • اللافتة!!

    من مكاسب قمة بغداد، عودة العراق إلى محيطه العربي، وهي عودة سمحت للمواطن أن يعرب عن مشاعره القومية المكبوتة من دون أن يتهمه احد بالشوفينية ولذلك أرى من المناسب ضمن هذه الأجواء المفعمة بالمشاعر الجياشة، ان ادعو إلى إلغاء مفردة (يافطة)، كونها أعجمية، ومجهولة الحسب والنسب والهوية، والتمسك بمفردة (لافتة)، كونها تنحدر من لغة العرب العاربة!

    وما دمنا بصدد الحديث عن عروبة اللافتة، فان الدولة على ما تقول إحدى الروايات، قامت، في عام 1978، بتعيين موظف قديم، مديرا لإحدى الدوائر وكانت تلك الدائرة هامشية منسية (أي ليست سيادية)، حتى أن الوزارة المسؤولة عنها كما يروى، شملت جميع الدوائر التابعة لها بالمخصصات ونثرية المدراء، باستثناء تلك الدائرة ومديرها، فقد تركته يعيش عيشة الكفاف على راتبه الذي لا يسمن ولا يغني، مع ذلك كان الرجل سعيدا للغاية، وعزاؤه في ذلك سمعة المنصب الرسمية، و(الصيت) الاجتماعي!!

    غير أن المشكلة التي لم يتحسب لها، وبدأت تؤرقه، وترهقه ماديا، أن الوزارة تطلب منه، والمنظمة الحزبية تأمره، ومديره العام يبلغه، أن يرفع لافتة على واجهة دائرته في الأعياد والمناسبات الوطنية والسياسية والدينية، وكان عليه الالتزام، وتنفيذ الأوامر والطلبات، وهكذا بدأ الرجل يرفع اللافتات كلما حلت مناسبة 14 تموز أو 17 تموز أو 30 تموز أو ميلاد الحزب أو 8 شباط او عيد الأضحى او الفطر او المرأة او النوروز.. الخ، ومع حلول عام 1979 وتولي صدام حسين الموقع الأول في الحزب والدولة، ومع ما شهده العراق على عهده من مناسبات، أصبح الرجل مطالبا برفع لافتة جديدة كل يوم، فهناك ميلاد القائد وأسبوع القادسية ويوم النداء ويوم العلم والنخوة والبيعة، والزحف الكبير والرجعة الأولى والرجعة الثانية وتحرير الفاو و.. و.. زيادة على المناسبات القديمة، وهكذا بات الرجل يدفع من جيبه ويدفع أجور القماش والحبال والخط، من غير أن يدفع له احد درهما واحدا، ويقال انه في معظم أشهر السنة التي تزدحم فيها المناسبات حتى باتت أكثر من عدد الأيام، كان يصرف راتبه كله، ويقترض فوقه، ولهذا ضاق ذرعا نفسه وبالمنصب وبأوضاعه المادية، وهو لا يستطيع البقاء متفرجا، مثلما لا يستطيع تقديم الاستقالة او ترك الوظيفة، لأنه سيتعرض إلى أقسى العقوبات!

    في لحظة صفاء ذهني، اهتدى الرجل إلى الحل الذي سينقذه من محنته، فقد عمد إلى رفع لافتة (خشبية) كبيرة، تحمل العنوان التالي (نهنئ الشعب العراقي بهذه المناسبة)، كان يرفعها عند حلول أية مناسبة، ثم يخفيها ويرفعها مع حلول مناسبة جديدة، ولأن الرجل بقي في منصبه بعد سقوط النظام والى يومنا هذا، لكون دائرته هامشية، ولا تثير شهية المحاصصة السياسية، فقد احتفظ بلافتته الخشبية، وما زال يرفعها في مناسبات العراق الجديد، مثل ثورة 9 نيسان المجيدة، أو العرس الانتخابي او يوم الجلاء، او إعلان الدستور او الانقلاب على الدستور!!