Blog

  • الســيــــــاســـــة والـعــمــيـــــــان

    أهل الفكر يعانون من فئتين هما كل من :

    1-  أدعياء السياسة 2-  وجهلاء القراء وفي العراق تتضاعف المعاناة لاتساع مساحة تواجد كل من الفئتين عبر كل من:  1- الأحزاب السياسية التي أصبحت عبارة عن دكاكين للارتزاق السياسي المحشو بالدجل والنفاق والتملق والتزلف والسمسرة قلت لأحدهم يوما وهو صاحب حزب مشارك في الحكومة : انك لم تؤلف حزبا وإنما فتحت دكانا . وكنت أتكلم بلغة توريتها واضحة. فقال لي: أردت يا دكتور وسيلة اعمل بها . قلت له: هذه الوسيلة لا تبرئ الذمة. قال شيئا أراد أن يمدحني به لن اذكره خشية بعض النفوس المريضة التي وجدت في فضاءات الانترنت مساحة لاستفراغ جهالتها الملوثة بالتصاغر والمحشورة بالقمامة التي لا تجعلها تميز بين الروائح الكريهة والانسام المنعشة.  قلت له : نحن لا نريد الجميع أن يكونوا اختصاصيين وعلماء, ولكن نريد من يعمل في السياسة يعرف متى وكيف يجيب ومتى يسكت. فلاذ صاحبي بالصمت, ولم أره بعد ذلك. وهكذا أصبحت أحزابنا دكتاتوريات يمثلها الأمين العام, وإقطاعيات تمثلها المكاتب السياسية, وأتباع لا يعرفون من الحزب إلا العنوان, ولا ينشطون إلا بما درت عليه مصالحهم. 2- الفضائيات: التي تكاثرت كالفطر في المناطق الرطبة المظلمة, حتى بلغ عددها في العراق ما يقرب من أربعين فضائية, اغلبها ممولة من جهات مجهولة , مثلها مثل اغلب الأحزاب التي ترفض كشف مصادر تمويلها ولذلك تأخر صدور قانون الأحزاب, والفضائيات في العراق اليوم تعج بالفوضى في كل شيء , فلا خبرات حقيقية, ولا كفاءات مميزة, ولا برامج تلامس حاجة ومعاناة المواطن إلا ماندر ولا فكر يشكل حضورا جاذبا للمشاهد, ولا تضييفات تكشف عن حسن الاختيار, فضائياتنا أصبحت دكتاتوريات تحاصر حاجة الشباب الباحثين عن العمل , تسلخهم من عاداتهم وتقاليد مجتمعهم لتحشر بهم في أتون صخب الأستوديو وبريق الكاميرات والعدسات المحمولة التي أصبح البعض منها يمارس الارتزاق على أبواب بعض ضعاف النفوس من المسؤولين الذين أشاعوا ثقافة العمولة بكارت الموبايل ودفع أثمان وجبات الأكل وهي رشا مبطنة. 3- الصحف والمجلات: التي أصبحت من كثرتها وبؤس مادتها لا تجد من يقرأها ولاسيما صحافة الأحزاب التي تتكدس في مخازنهم, باستثناء بعض الصحف الجادة التي شقت طريقها إلى المثقف العراقي نتيجة ما تقدمه من فكر ودراسات وطنية. ويلاحظ أن فوضى الإصدار عمت الوزارات والمؤسسات التابعة لها مثلما تسابقت إلى ذلك مجالس المحافظات ودواوين المحافظات, بحيث أصبح الإصدار يعبر عن نهم وحب لاستعراض الشهرة وحب الظهور, فالوزير هو رئيس مجلس الإدارة وهو ليس من الباحثين ولا من المتخصصين في فن الكتابة, وكذلك المحافظ ورئيس مجلس المحافظة والمدير العام وأعضاء مجالس المحافظات الذين بلغ ببعضهم الحال إلى نسبة الإنفاق على بعض النشاطات إلى نفسه وشخصه دون أن ينسبها إلى مجلس المحافظة والمال هو من المال العام. 4- الإذاعات: هي الأخرى تكاثرت بشكل غير مخطط وغير منظم بدون توفير الكادر المتخصص  وبدون رسم خطة للنشر الإذاعي على مستوى البلاد وعلى مستوى المحافظات وحاجاتها وخصوصية كل منها بما لا يجعلها تغرد على موال خاص فتنعدم اللحمة الوطنية وتذوب الهوية الوطنية نتيجة مراهقة إعلامية وجهل سياسي وفقر ثقافي, فأصبحت الإجازات تمنح بطريقة لا تنم عن خطة ومشروع وطني إعلامي, فمن كان سمسارا لبيع السيارات أصبح يملك إذاعة يتحكم من خلالها بحاجة بعض الفتيات وبعض الشباب للعمل, ومن كان معمما لا يزال في بداية تحصيله الدراسي امتلك أجهزة إذاعية وبعضهم فضائية وتربع على عرش إصدار الأوامر والمباهاة بالعناوين والتحدث بما هب ودب مما يختلط فيه بواعث الطائفية والمجد الشخصي, وتبقى تلك الإذاعات رصيدا ودعاية شخصية لصاحبها وليس للوطن, مع مادة لا ترتقي إلى مستوى ثقافة العصر, حتى أصبحت المناسبات الدينية فرصة للضياع الثقافي واختلاط الأوراق مابين القصيدة الشعبية غير الهادفة والخطاب الذي يختزن السفسطة والحديث الممل, ومرة أخرى مع مجهولة التمويل الذي ترك الفقراء في بيوت الصفيح وراح يتفاخر بما هو ليس فخرا. 5- المجالس الثقافية: هي الأخرى لم تسلم من نهم ومراهقة أدعياء الثقافة من طالبي الجاه والوجاهة الذين تصوروا المجالس الثقافية مجرد توفر صالونات البيوت الكبيرة وتحضير الشاي والقهوة والإعلان الأسبوعي او الشهري عن موعد المجلس الثقافي غير آبهين بمضمون المجالس الثقافية من حيث القدرة الحقيقية على العطاء الفكري والثقافي في مختلف الاختصاصات وهذا يتطلب حضور من هم فعلا أرقاما حقيقية يشار لهم البنان في الإنتاج الثقافي حتى يعطوا للحاضرين مادة ثقافية تزيد من وعيهم وتقربهم من آفاق الفهم الحضاري لحاجات الوطن والمواطن والعالم, ونتيجة لذلك تعرضت انتخابات هيئات المجالس الثقافية إلى انتكاسة تمثيلية بسبب بعدها عن الواقع الثقافي ومن يمثله , وقبل ذلك تعرضت المجالس الثقافية إلى اندساس بعض الأميين الذين دفعتهم حماقاتهم إلى فتح مجلس ثقافي حتى أصبح الأمر اقرب إلى النكتة.

    هذه هي آثار المحور الأول وهم أدعياء السياسية, أما المحور الثاني الذي يعانيه أهل الفكر فهم: “جهلاء القراء ” وهؤلاء ينتشرون اليوم نتيجة الحرية التي وفرها فضاء الانترنيت وسهولة الوصول بأسماء مستعارة تعبر عن فقدان الشجاعة والثقة بالنفس, فتراهم يستغلون هذه الفرص التي تركت لرقابة الضمير كما تعلن عن ذلك المدونات, ولكن أصحاب المدونات فاتهم أننا اليوم في مجتمع يحتضر خصوصا في العراق, وهذا الاحتضار نتيجة انعدام منظومة القيم, ونتيجة ارتباك مستوى الفهم إلى درجات خطيرة بسبب زلزال الجهل الذي خيم على كل شيء  فضاعت مفاهيم : الحرية , والعدالة , والحقوق , والمسؤولية , والأخلاق , والعلم والمعرفة , والأدب , والحشمة والحياء , والنخوة والمروءة, والالتزام والارادة والشجاعة , والجدية والحيوية , والانتاج والعمل , والايمان , ولذلك نجد في باب التعليقات المشرعة بعنوان حرية الرأي مما لا ينتسب إلى الرأي المستخلص من عمق الضمير المتفاعل مع الوجود والكون بحيوية الفهم والحكمة من خلال العقل, ولانعدام كل ذلك نجد : المرتد المفلس من نعمة الإيمان يتقيا سفاهة مثلما نجد قصير النظر الذي يقترب من الخطر دون أن يعرف, ونجد المشحون بأحقاد الطائفية , والمختزن لآثام العنصرية, وقبل ذلك وبعد ذلك نجد ظلمات الجهل تخيم على نفوس وعقول تعاني من الانفصام فتخبط خبط عشواء فتحرك القلم لينزف رعافا يلوث مساحات المدونات التي يدب عليها, وتلك هي المعاناة الحقيقية لأهل الفكر الذين يظل لسان حالهم يقول كما قال الشاعر: بليت باعور فازداد همي فكيف إذا بليت باعورين 

  • أكياس النجوم

    لا يقوم كرسي السلطة العربية قبل قيام الجدران العالية والمحصّنة والعازلة عن الرعية… ويحدث داخلها الانقطاع المعرفي.. وعلى نحو طبيعي وغير محسوس .. ولا يعود السلطان يرى الدنيا إلا من خلال نفسه… ويعزز عزلته أن اغلب المحيطين به لا يسمعونه ولا يرينه غير ما يريد أن يسمعه ويراه.. فهم يقرأونه ويرددون ما يقرأونه… وينتظرون العطايا.. والعطايا لم تعد كيسا من الدراهم … بل أكياس من النجوم والمناصب والثروات… هاك رتبة نقيب… خذ أيها الأمي خمس نجوم.. كن عقيدا, أو عميدا… أنت متضرر عوض اضرارك بعنوان … وذاك جاع فليتخم وليترف… وهذا سبق وان فعله الأعداء, فهل حلال عليهم وحرام علينا؟؟

    من الطبيعي انه بقدر عطايا الأكياس يكون حجم المتملقين وحملة المباخر وناقري الدفوف ولكن بصيغ أخرى تستلهم هوى المعطائين.. والأكيد أن المداحين والمتملقين وخبراء الربت على الأكتاف هم ذاتهم دائما.. يدومون هم أو بنسلهم ومقلديهم… وغوغاء الأمس غوغاء اليوم…(وفحول) التملق أمس فحول التملق اليوم… ومن تصوفوا وفنوا بقادة الأمس تصوفوا وفنوا بقادة اليوم… وبعضهم ينحر حيوات كل منافسيه وعارفيه عندما يخشى كشفهم له…

    والتملق بضاعة, وتحكمه قوانين السوق.. العرض يتبع الطلب.. وكلما زاد الطلب  زاد العرض… وعادة ما يرتفع الطلب وتزدهر سوق المنافقين مع زيادة وقوع القوة بأيدي باطلة وجاهلة وغير جديرة وتبحث عمن يبررها ويؤكدها ويشهد بشرعيتها.. وتقترن مثل هذه المراحل بالفوضى والفساد… والاستياء العام… ونحسب أن العراق يعاني من الانتهازيين.. ومن ازدهار وقتهم … فهؤلاء هم السياج الأكثر ارتفاعا وحصانة ويكفل لانقطاع السلاطين عن رعاياهم ميزة صياغة وصنع آراءهم وأفكارهم ولا يمر عبرهم إلى السلاطين غير ما يناسبهم ويعزز منافعهم ومواقعهم وفنون تملقهم.. وهم عندنا قد يكونون بسطوة مخيفة.. وربما تخضع لإشاراتها السكاكين والكواتم والمفخخات وضروب الممارسات الأخرى… وإنهم الذين جسدوا خيال الأدباء واستنسخوا ما قاله جبران خليل جبران عندما جعل من مجمع القباحات والتشويهات, جعلها خلاصة للجمال والفتنة. وقالوا أن في العراق مخدرات.. وفي كل العالم المتقدم مخدرات .. وكذا عندها شاذون..وفاسدون؟ لا يوجد بلد يخلو من الرشا والفساد.. والوثائق الدراسية المزورة؟؟ لقد وجدوها في ولاية أمريكية…والقضاء؟ هذا ظن , وبعض الظن أثم… والأبرياء, لا بيقين الأهل بل بالقرار الرسمي… ونيلهم حكم البراءة بعد وقت الشقاء  ما ذنبهم, ومن يتحمل وزرهم  ووزر امهاتهم؟

    كأن للتملق هوية شرقية.. وبشيء من التجاوز هو اختصاص عربي.. وربما عراقي… يضاعف من القطيعة المعرفية للمسؤول ويبعده عن نبض شعبه .. ويمنع الأنين من الاقتراب من جدران قصره… والنموذج الذي رأيناه وأثار الفزع عبر به تملقه الجديد من حواشي الأستاذ إلى موقع الأستاذ.. ومثل هذا النموذج هو الذي أضاع بوصلة المسؤول في وسط نزاع العراقي مع نفسه.. ولم يعد يطيق من يذكره بقائل الحق المر.. فهذا ليس وقتها..

  • مواطنة أم قدر غاشم !

    مسكين هذا العراقي… مسكين لدرجة تفوق أي تصور.. فمنذ بدء الخليقة ظل يعطي ويعطي فقط من دون ان يســـأل: متى يكون الثواب؟ كان ينزف وينزف وشــــرايين عنقه تحت أنصال الحكومات المتعاقبة، ترهف حوافها بمبرد جلده وتوغل فيه طعنا وتجريحا وتقطيعا.. مسكين وهو يحمل أبد الدهر الصخرة ذاتها، يكابد في الارتقاء بها الى المرتقى، ويقطع أشواطا تلو اشواط وسط مخاطر ومصائر شتى، ليعود بركلة عابثة هازئة به وبحلمه متدحرجا على السفح راجعاً الى حيث بدأ.

    مسكين هذا العراقي وهو يسحل منذ (الولادة حتى الموت) عربة المواطنة التي تثقل كاهله وكاهل عياله بشتى الأحمال، فمن لقمة ـ السم ـ المتسربة من بين أنامله هباء منثورا، مرورا بغياب النور الهارب دوما مع هروب التيار من أسلاك الكهرباء، وجفاف صنابير المياه غير الصالحة للشرب وأقامة وحشة البرد بفقدان المحروقات في جلود الفقراء حتى وقوع الطامة الكبرى بفقدان الأمان المرسوم بوحشية في أحداق الصغار..

    شارفت أحلامه عنان السماء يوم 9/4 حتى خف وزنه وغدا كما يقال ريشة تعبث بها شتى الوعود. كان لما قبل يوم واحد يعي ـ واقعيا ـ أن مصيره تحت ربقة سلطة جائرة واحدة وكان يجيد استخدام (طريق السلامة) الى حد ما ليأمن شرورها، ولم يكن قانطا تماما، بل كان حين يضع رأسه اخر نهاره الشاق على وسادته يحتضن حلما بحجم قبضة كف!.. أن غدا جميلا آتيا لا ريب فيه، ولكنه وبمسافة زمنية عمرها يوم واحد فقط لا غير، أصبح ريشة عبثت بها وبقسوة مفرطة وعود شتى، فمن أقصى اليمين العروبي القوماني حتى أقصى اليسار الراديكالي، ومن حدود علمانية واقعية (براغماتية) مبعثرة الى حدود اصولية (مازوشية) تارة ـ حانقة ـ لفقدانها امتيازات ذهبية ظلت تنعم بها معظم عمر العراق، وتارة مسترخية لاستحواذها على معظم مقاليد الامور، وفي كلتا الحالتين تتعامل مع الحاضر ومع المستقبل بماضوية أما مستلبة أو متسيدة، والجميع.. جميع الاطراف تدعو هذا المسكين أن يبذل ويبذل أقصى ما يقدر وما لا يقدر عليه في الالتزام بحس المواطنة.. مسكين أنت أيها العراقي.. هل أعطاك هذا الوطن قرشاً يعيلك ولو لبضعة يوم من جبال الذهب وبحار الكنوز التي ينوء بها؟ لا.. بل هل قال لك كلمة: شكرا.. فأية مواطنة بعد كل هذا يريدون؟..

    ولكن أصبع ديناميت واحد يمكنه أن يشظي جبلا في لحظة.. علينا جميعا أن نقر بذلك، ولكن كم سنحتاج من ملايين اللحظات لبناء جبل؟ أن عملية الهدم أيسر بما لا يضاهى من عملية البناء، ومن طبائع الامور أن لكل شيء ثمنا، كما لا بد من أن نقول كلمة حق، اذ ليس المشهد سيئاً برمته، هناك التماعات من الشرف لم تزل تبرق هنا أو هناك، ولنا أن نحتضن ـ أيها العراقي الشريف ـ حلمنا الذي بحجم قبضة كف، ممنين النفس أن غداً زاهراً وافراً آمناً بالحتم وبالضرورة ينتظرنا هناك في مرمى الأفق.

  • أهلا.. أهلا بالسكان

       لا أعرف أصلا ولا فصلا عن أسباب ودواعي تسمية مقود السيارة-عندنا-  باللهجة العامية الدارجة بـ(السِّكان) وكيف تسللت هذه المفردة إلى ملاك قاموسنا اليومي والتداولي بهذا الاتساع والشهرة والصيت،، حتى غدت تنافس كلمة (مود) الأنكليزية الأصل والفصل والتي تعني- بالدقة- كلمة(مزاج)، و(مود) هذه واحدة من المفردات التي تجاوزت حدود وسدود التداول والاستعمال اليومي بمسافات أبعد مما كنا نتصور- حتى نسينا أنها من معجم وليم شكسبير- بعد أن دخلت وتسربت وتغلغلت وأعجبت العديد من شعراء وكتاب الأغنية بفائض حنين عواطفهم الزائدة بل الجياشة لكسب رضا المحبوب باي ثمن كان،، حتى ولو بعبور الشط (على موده) حسب مصادر وأصول أغنية كاظم الساهر (عبرت الشط على مودك… خليتك على رأسي)،، نعم، لقد احتلت كلمة (مود) – ولا علاقة لهذه المفردة، هنا، بالقائد البريطاني الجنرال (مود) الذي احتل العراق بداية القرن العشرين ملوحا بعبارته الكاذبة المنافقة: (جئنا محررين، لا فاتحين)!! وربما جاءت عرضا في وسائل التعبير عما يجيش ويعتلج في دواخل ذلك النوع من الكتاب الذي أوصى بهم (أرسطو) حين قال لـ(الاسكندر المقدوني): (عندما تفتح بلادا…اسأل عن كاتبي أغانيها)!!

        وهاهي أغنية المطرب الكبير(ياس خضر) تختصر المسافة التي أبغي وأريد الوصول اليها، يقول مطلعها:(على مودك، يا محبوبي على مودك … ذبل عودي وانا مناطر ووعودك)، ومتى تصل الأغنية الى شواطئ وضفاف عبارة تضيف لوعة فوق لوعات تدفق حنجرة وشجن المطرب وهو يغرد صادحا:) أنا العطشان وأنت موردة خدودك) فيكمل الكورس (القفلة) مرددا:  ( على مودك، يا محبوبي على مودك…..) الى آخر(المود) الذي يتوافد لكي يساند موضوعة (السكان)!! ومانريده- هنا حصرا- هو(التعداد العام للسكان) وليس (السكان) أي مقود السيارة الذي أوردته -قصدا- بداية مقالي هذا (أهلا…أهلا بالسكان)،، وهذا كان-ايضا عنوانا لإحدى الأعمال الدرامية المصرية التي شاهدنا عرضها في تلفزيونات تسعينات القرن الماضي وهي من بطولة الراحل (حسن عابدين) و(رجاء الجداوي) الممثلة المخضرمة قبل أن تأكل السمنة رشاقتها المدهشة أيام كانت تحتل مرتبة أشهر عارضة أزياء في الأمة العربية!! ، لقد نال ذاك العمل الدرامي  شهرة واسعة،، قبل انتشار فضائيات عصر السموات المفتوحة على مصراعيها لكنه (اي مسلسل،، أهلا بالسكان) لكنه لم ينل -بعد- سعة وشهرة الجهات التي ناضلت وسعت لكي تحقق جردا احصائيا دقيقا للتعداد السكاني في العراق الجديد،، عراق التغيير بعد حرب الربيع عليه في نيسان/2003والذي احتفل بإطفاء الشمعة التاسعة قبل ايام ولكن،، وهذه الـ(لكن) كبيرة جدا، فقد نحقق الجلاء في يوم الوفاء بخروج آخر جندي امريكي محتل،، دون ان يتحقق حلم التعداد العام للسكان الذي تزامنت مناقشته والبت فيه مع منغصات وتداخلات (جر وعر) ما رافق انتخابات2010 وتداعياتها المعروفة،،فأنقسم الفرقاء- كالعادة- حول اجراء هذه العملية-الحضارية،، أو تأجليها،، أو طمسها لأسباب يشيب لها الرأس وتذبل الخدود وتترهل الزنود ويدمى لها القلب حسرة أثر حسرة،، الأسئلة كثيرة ومثيرة حول دواعي وأسباب عدم إقامة التعداد العام للسكان حتى الآن.. يا جماعة الخير.!! 

  • وطن مؤقت!!

    جميع الذين أسهموا في النضال ضد النظام السابق، ممن شاركوا في إسقاط النظام المقبور، بهذه الطريقة أو تلك، يجمعون على ان حكم صدام حسين قد وضع الشعب العراقي كاملا بما يشبه السجن الكبير، واقفل الأبواب عليهم، فلا يسمعون عبر معتقلهم المظلم غير خطابات القائد، ولا يحتفلون بغير أيامه وأعياده، وتلك هي حال العراقيين، لا انترنيت ولا ستلايت ولا هواتف محمولة ولا تكنولوجيا متطورة ولا ديمقراطية ولا أحزاب ولا صحافة حرة ولا صوت آخر ولا هم يحزنون!

    وفجأة انتفضنا وحطمنا قيودنا وقلنا لأنفسنا كما قال الرفاق الماركسيون، البروليتاريا لن تخسر إلا أغلالها، وهذا ما حصل فعلا، فبعد الاعلان عن ثورتنا المجيدة في التاسع من نيسان، وبمؤازرة المخلصين من أصدقائنا الاميركان أسقطنا تمثال الصنم في ساحة الفردوس، وحصلنا على حريتنا وتنفسنا الصعداء… ولأننا كنا مثل جائع لم يذق الطعام منذ ثلاثة أيام، حتى إذا عثر عليه أكل واكل الى ان أصيب بالدوار والتخمة وسوء الهضم.. فقد هجمنا بكل تواريخ الحرمان، على اطباق شهية من الأكلات لم نتذوق طعمها من قبل، قدمت امامنا بانواع لا تحصى ولا تعد، ليس ابتداء بمئة وعشرين حزبا سياسيا وثمانين تنظيما إرهابيا، وليس انتهاء، بمئة وتسعين منظمة مجتمع مدني، واربعمئة وسيلة إعلامية، وغرقنا بأطنان من المصطلحات والمفردات التي تظهر بسرعة وتختفي بسرعة، وتتسيد الساحة قبل الانتخابات وتغيب بعدها، حتى بدا كل شيء في حياتنا (مؤقتا) ولا يعرف الاستقرار او الثبات، ها نحن منذ اللحظة الاولى للثورة المباركة نتنقل بسرعة البرق من الإدارة المدنية إلى مجلس الحكم ورئيس كل شهر إلى حكومة انتقالية ووطنية وحكومة شراكة، وإذا سأل احدنا متى نهنأ بالراحة والامن والأمان، قالوا لك: انها حالة مؤقتة والخير في الطريق، وهكذا الأمر بالنسبة للبطالة، انها حالة مؤقتة وسيتوفر العمل للجميع، ولا تختلف الحالة في أمور الكهرباء، والقطع المبرمج، إنها مؤقتة، ومشكلات الهاتف والماء الصالح للشرب وأبنية المدارس الطينية ومئة مليون طن من النفايات والأنقاض والاسلاك الشائكة والحواجز الكونكريتية.. متى.. متى تنتهي.. والجواب جاهز ومعروف، كلها مؤقتة!! 

    تسع سنوات، وكل شيء مؤقت حتى أصبح بقاؤنا على قيد الحياة حالة مؤقتة يقررها إرهابي او حزام ناسف أو كاتم صوت، واذا كنا الى حد الان نتحدث بلغة خطابية رنانة عن وطن واحد، وعن عراق متماسك وشعب متآزر، فان أخشى ما تخشاه ان يكون كل ذلك حالة مؤقتة!! 

    ملاحظة: لا يجوز التشاؤم، ففي البلد كذلك ثوابت لا يرقى إليها التغيير تحت أي ظرف.. لعل في مقدمتها رواتب المسؤولين الفلكية والموقف من كرسي الحكم!!

  • مديــنــة الحـــب والتســـامح

    هذه قصة مدينة بُنيت عام 1682 على أسس المحبة والوئام, ونمت في أجواء العدل والتسامح, حتى أضحت رمزا من رموز التعايش السلمي بين الناس على اختلاف ألسنتهم وسحناتهم, من دون تمييز بالدين أو العرق, نستعرض قصتها هنا عسى أن نستفيد من تجربتها المثمرة في إرساء قواعد المساواة بين شرائح مجتمعاتنا المفككة, وعسى أن نقتفي أثرها ونمتلك قدراتها الفذة في تفتيت الفوارق بين الناس, حيث لا تفاضل بينهم إلا بالمعايير الإنسانية البحتة, فربنا واحد, ووطننا واحد, ومصيرنا واحد. . .

    ابتسامة على علبة الشوفان

    ربما لم ينتبه القارئ الكريم إلى كلمة (Quaker) المثبتة على علب الشوفان الجاهز, ولم يسأل نفسه عن صورة الرجل ذي الشعر الأبيض المستعار, والقبعة التقليدية السوداء, وابتسامته العريضة التي أصبحت هي العلامة التجارية المميزة لأجود أنواع الشوفان البري, فالرجل المبتسم هو السير (ويليام بن) ابرز قادة طائفة (الكويكرزQuakers ), اما الكويكرز فهو الاسم الشائع لطائفة مسيحية من أعضاء جمعية الأصدقاء الدينية في الغرب, ويطلقون على أنفسهم (الأصحاب). . 

    نشأت نزعة (الأصحاب) في انجلترا في القرن السابع عشر الميلادي, وهم اليوم يقطنون الولايات المتحدة, ويوجد الكثير منهم في كينيا وويلز. . 

    يميل (الأصحاب) إلى التركيز على التجارب الروحية الفردية, ويتعاملون مع وقائع الحياة اليومية على إنها من طقوس العبادة, فالأكل عندهم عبادة, والنوم عبادة, والشغل عبادة, ولا يلتزمون بأداء الطقوس التقليدية الموروثة, وإنما يؤدون بعض الأنشطة اللاهوتية في لقاءاتهم الأسبوعية والشهرية والسنوية, وأحيانا يتعبدون معا في أماكن خاصة عن طريق الالتزام الجماعي بالصمت, ويعتقدون إن الإنسان نفسه أقوى مصادر الخير والعطاء, وان الشر كله يكمن في الإسراف والبذخ والترف, ولا توجد في عقيدتهم أية فوارق بين الرجل والمرأة, أو بين الغني والفقير, أو بين الأسود والأبيض, فالناس عندهم سواسية, ويرون إن مكارم الأخلاق وحسن السلوك والآداب العامة هي المعايير التي تحسم المفاضلة بين الصالح والطالح. .

    بنسلفانيا أو غابات (بن)

    حملت مقاطعة (بنسلفانيا) اسم مؤسسها (بن) منذ عام 1682, وخلدت ذكراه حتى يومنا هذا, وكانت مدينة (فيلادلفيا) هي المركز, وتسميتها مأخوذة من اللغة اليونانية, وتعني مدينة الحب الأخوي. .

    ولد (ويليام بن) في لندن عام 1644, وعمل في عرض البحر على سفن الأسطول البريطاني, وتدرج في السلك البحري حتى نال درجة (أميرال), واستحق لقب (فارس), باسم الأميرال السير ويليام بن. .

    التحق (ويليام) فيما بعد بجماعة الأصحاب المحظورة (الكويكرز), فتعرض وجماعته للمعاملة السيئة, وكانوا يطالبون الملك (تشارلز الثاني) بالسماح لهم بإنشاء مستعمرة تجمعهم في الأرض الجديدة (أمريكا) حتى لا يتعرضوا للازدراء والعنف, فنجح (ويليام بن) في إقناع الملك, وغادروا بريطانيا صوب السواحل الامريكية, فوصلوها في ربيع عام 1682, ونصبوا مخيمهم الأول عند شواطئ نهر (ديلاوير), وباشروا بتخطيط حدود المستعمرة التي حملت اسم (بن), فولدت (بن سلفانيا). .

     مدن تحتضر وأخرى تولد من العدم

    في العام الذي وصل فيه (الأصحاب) إلى سواحل أمريكا بأسطولهم الذي قاده الأميرال (ويليام بن) نحو بر الأمان, كانت الإمبراطورية العثمانية تمر بأتعس أيامها على يد السلطان الفاشل (محمد الرابع). انتقلت السلطة في تلك الحقبة إلى أيدي سلاطين عاجزين, أو غير مؤهلين, وكان كبير الوزراء (وزيري أعظم) هو الذي يتحكم بولايات الإمبراطورية, وهو الذي يوجه كتائب الجيش الانكشاري حيثما يشاء, من دون أن يعلم السلطان بما يجري خارج أروقة قصر (الحرملك), حتى انه لم يكن يعلم بالحصار الذي فرضه الجيش العثماني على مدينة (فيينا) في النمسا عام 1683 إلا بعد ستة أشهر من بدأ الحصار, فمنيت الإمبراطورية العثمانية بهزائم متلاحقة في أواخر عهد (محمد الرابع), ما اضطر الوزير الأعظم إلى عزله وتنصيب شقيقه الأصغر (سليمان خان الثاني), الذي كان أضعف من سابقه, فهبت رياح الإهمال على المدن العربية من بغداد إلى الخرطوم, ودخلت في نفق الفترة المظلمة, وعانت الأمرين من جراء الظلم والاضطهاد والتدمير, وتخريب الضواحي والقصبات, وانحدرت بمرور الزمن في وديان الدمار التدريجي, وتوسعت الفجوة الحضارية بين المدن العريقة في العالم القديم, والمدن الناشئة في العالم الجديد, وفي خضم هذه المفارقات الحضارية والتقنية والإنسانية سارت المدن الناشئة بسرعات مذهلة, وحققت من الانجازات في غضون بضعة أعوام ما لم تحققه مدن العالم القديم في قرون, وربما يطول بنا الحديث عن أزمة التطور الحضاري في العراق وبلاد الشام, لكننا نوجز الكلام بما آلت إليه أحوالنا اليوم في ظل تكاثر مدن الصفيح والتنك في بغداد وضواحيها, في الوقت الذي تفاقمت فيه ظاهرة (الحواسم), إلى المستوى الذي انتشرت فيه البيوت العشوائية البائسة في الساحات والحدائق العامة ومحرمات الأنهار والأرصفة, وتحت فضاءات الجسور والمعابر. 

     مدينة الحب والتسامح

    ربما كان البيان الذي نشره (ويليام بن) قبيل مغادرته انجلترا هو النداء الذي استقطب الباحثين عن الحرية والانعتاق في الأرض الجديدة, فقد أعلن (ويليام) انه يضمن للناس حرية العبادة والتعبد بالطريقة التي يرونها مناسبة, فتقاطروا على (فيلادلفيا) من كل حدب وصوب, ولم تمض بضعة عقود حتى شهدت مدينة الحب الأخوي ولادة عملاق جديد من عمالقة الفكر والأدب, فجاء (بنجامين فرانكلين) ليحمل لواء التحرر من الرق والعبودية. .

    ظلت (فيلادلفيا) تجتذب الملايين من المهاجرين من أوربا, ومن السود الفارين من تعسف الإقطاع الأمريكي, فوجدوا طوق النجاة في الانتماء لطائفة (الأصحاب), أو (الكويكرز), التي حققت لهم العدالة والمساواة, حتى بلغت نسبتهم 40% في عموم مدن ولاية بنسلفانيا, يقيمون في المدن الشمالية من الولاية, من هنا كان (جرس الحرية) هو الشعار والرمز الذي تغنت به المدن المتدثرة بسحب الأمن والأمان. .

    كانت هذه المدينة محطة حضارية من محطات المحبة والتسامح, تعايش فيها الناس على اختلاف ميولهم وثقافاتهم ودياناتهم, فرحبت بالجموع البشرية, التي مرت بها من دون أن تلجأ إلى الأساليب الطائفية المقيتة, ومن دون أن تتضايق من وجودهم في رحابها, وربما تميزت عن المدن الأخرى بقدراتها العجيبة على استثمار التباين العرقي والمذهبي وصهره في بوتقة الإبداع والتألق الحضاري نحو تحقيق أفضل المكاسب وأعلى الموارد. . 

    ترى ما الذي سيقوله أولئك الذين يفترض بهم أن يؤمنوا إيمانا قاطعا بتعاليم دين الرحمة والتسامح والمحبة والسلام, في الوقت الذي يلجأون فيه إلى أساليب القسوة والعنف والتكفير والتطرف حتى في الأمور التافهة .

    الاختلاف لا يفسد الود

    قال فولتير لغريمه جان جاك روسو: أنا لا اتفق معك في كلمة واحدة مما قلت, ولكنني مستعد للدفاع عن حقك في التعبير عن أفكارك حتى لو مت في سبيل ذلك

  • الرعاية الصحية بيــــن العــــراق و تركيا

    للصديق الاديب والنطاسي البارع الدكتور رافد الموسوعي؛ اهتمامات كثيرة فضلا على اهتماماته الطبية؛ فهو ناقد وشاعر ومتابع وأحد اعمدة الحضور في المجالس الادبية البغدادية ؛ وقد فاز له بحث علمي تضييف على أثره الجهات التركية؛ ومن هناك وصلني منه ايميل يقارن فيه الواقع الصحي العراقي بالواقع الصحي في تركيا (والتي قطعا لا تملك ميزانية نفطية كميزانيتنا ؛ لكن البشر هناك لهم موازنات –للاسف- لا نملكها نحن)

      فتركيا كانت الى وقت قريب من الدول التي تستحق الرثاء للانتكاسات الاقتصادية التي تراكمت عليها ؛ لكنها استطاعت بهمة –المحروقين- على احوال بلدهم من تحقيق قفزات هائلة؛ وفي المقدمة منها القفزة التي كتب لي عنها الموسوعي د رافد: القفزة الصحية؛ نتمنى ان يطلع المسؤولون فعسى ولعل.   

    (يختلف نطاق تغطية الرعاية الصحية في القطاع الصحي بتركيا عن مثيلاتها من البلدان المتوسطة الدخل، على الرغم من النمو الاقتصادي الذي شهدته البلاد عام 2003. ولهذا لجأت الحكومة التركية للبنك الدولي للإنشاء والتعمير(IBRD) من أجل توسيع نطاق التأمين الصحي لأوساط المعوزين والأسرالفقيرة بنسبة 75% على مدار ثلاث سنوات. وقد أدى هذا التوسع إلى إحداث تخفيضات هائلة في تكاليف الرعاية الصحية، وزيادة الانتفاع بالخدمات الصحية، وزيادة رضا المنتفعين من الخدمات المقدمة. إن تطبيق الإصلاحات كان ضمن ستراتيجيتين قصيرة الأمد تقضي بالاستفادة من البني التحتية الموجودة ومن الموارد البشرية والمالية المتوفرة وتوسيع الخدمات في الاستغلال الأمثل للطاقات بشفافية ورؤية واضحة في تعميق الرقابة على الموارد وكيفية صرفها في سبلها المعروفة. وستراتيجية طويلة الأمد؛ وهي شراكة مع المنظمات العالمية التأهيلية ومنها صندوق النقد الدولي ومنظمة الصحة العالمية في التخطيط وفي توسيع البنى التحتية من مستشفيات وأجهزة وتطوير الموارد البشرية؛ ضمن فصل القطاع الصحي العام عن القطاع الصحي الخاص ووضع قاعدة بيانات تعتمد على الإحصاءات الدقيقة للسكان والرقم المدني الموحد ووجود نظام أرشفة صحي الكتروني يتابع حالات المريض الصحية والخدمات المقدمة له والمصروفة له ويتابعه حسب نظام الإحالة الصحية؛ عن طريق الاتصال الهاتفي والرسائل القصيرة حتى لا يشكل جهدا على المؤسسة الصحية ويقلل معاناة المواطن المريض في الانتظارالطويل والحصول على الأدوية- مثلا الطبيب فقط يعطي للمريض قصاصة فيها رقم اليكتروني ويستطيع صرفها من إية صيدلية بسعر مدعوم إلى حد 80% من سعر الدواء والأدوية المنقذة للحياة والطوارئ والمزمنة والأدوية لمرضى الإمراض المزمنة والسرطانية فهي مجانية ومتوفرة دوما- إن النظام الالكتروني الأرشيفي لمتابعة حالة المريض يعطي أولوية لأرشفة التاريخ المرضي للمريض من تاريخ التلقيح ورعاية الأسنان والأمراض الانتقالية والمزمنة وهي مع كل الفحوصات وموجودة في قاعدة بيانات وطنية متاحة لذوي الاختصاص المخولين ومن ناحية أخرى تعطي للمتابع إحصائية دقيقة عن حجم الخدمات المقدمة والمواد المصروفة والكلفة الاقتصادية للرعاية الصحية المقدمة لمقارنتها بالمبالغ المخصصة للرعاية الصحية مما يعطي شفافية في استخدام الموارد المالية) وللمقال بقية.

  • سوء القصد؟

    علمنا الدرس الديمقراطي اللفظي ان نفترض الصواب في المقابل الخطأ, وان نفترض في صوابنا بعض الخطأ.. فكان علينا ان نضع احتمال ان يكون نهج الحكومة صائبا, وان نراجع هذا اليقين العام بان هذه الحكومة مؤسسة ومبنية على خطأ, وولدت عرجاء, وربما كسيحة.. وقد تكون موبوءة.. واننا قد ابتلعتنا انطباعات وربما اوبئة فرأينا فيها كل هذا الفساد.. وتشاءمنا وانتظرنا مستقبلا يفزع الدنيا ويضحكها في الوقت ذاته, ويظهر الدين الاسلامي مصدرا لتفتت وتمزق المجتمع .. ولضروب التجبر والقسوة والطغيان ..

    الدرس الديمقراطي يدعو للنظر للشمس بشيء من الريبة وما اذا لم تكن شمسا , فربما هي نتاج علمي حديث ايضا.. فالوقت يدعو لإعادة إنتاج كل شيء بالعقل  .. والإسلام بدوره يدعو لإعمال العقل وميز العقول في ثوابه.. فلا ضير في ان نتهم انفسنا, ازاء الحكومة بالتحامل والسوداوية وبالاعتقاد ان العراق يتصدر فساد الفاسدين في العالم… وانه تأسس بعد الاحتلال بعقول, لا يخلو بعضها من الجهالات الفادحة والأفكار العفنة والقناعات المتخلفة والمختلطة بالعقد والنزوات  والتطلعات الضحلة… وان ما نراه من الوثوب من الأمية الأبجدية الى حمل شهادة الدكتوراه.. ومن الجلوس وراء سلال البقالة الى الجلوس في المناصب العليا  وحمل الرتب ان هو الا تشوش نظر واخلاط ذهن واعراض ارهاق .. ولانه لا يمكن تصديق ما يجري.. ولا يمكن تصور قيام دولة بهذه المواصفات .. حتى اذا صحونا وتأكدنا مما نرى .. يأسنا ايضا لانه من المستحيل تغيير دولة بكاملها اولا .. ولان رجالها على قناعة بأنفسهم وبتجربتهم , وانهم يؤسسون لنموذج عالمي , وربما كوني … ولا يرى عظمة النموذج غير بناته وغير رجاله.. وقد يغفرون لمن لا يرى.. بل وقد يتضرعون لان يغفر الله لكليلي النظر ولكل اولئك الذين لا يعلمون …

    لنتهم أنفسنا ونصغي بحيادية.. ونرى ان كان الرجل المناسب في الموقع المناسب .. وماهي الخطط الخمسية وغيرها في الصناعة والزراعة والثقافة والتنمية الاجتماعية … لنقل اننا نردد ما يصخب به الغوغاء (الذين اذا اجتمعوا غلبوا واذا تفرقوا  لم يعرفوا… او هم الذين اذا اجتمعوا ضروا , واذا تفرقوا نفعوا ) وليكن من الغوغاء كل من رأى الاعوجاج في بناء الدولة.. وكل من تشاءم منها.. وكل من رأى الفساد فيها… وسيكمل فضله وانتسابه الى الديمقراطية ان هو تغاضى عن السؤال عن مصير خمسمئة مليار دولار هي عائدات النفط منذ الاحتلال …

    ربما كل هذا اللغط الذي ضجت به آفاق الأرض بشأن الفساد هو مجرد أباطيل واتهامات ومحاولات إسقاط للتجربة.. فهل ان هذا الرقم المذهل من مليارات  الدولارات, هذا من المرئي فقط.. هو مجرد افتراءات؟؟ الشمس غير موجودة ولكن مبلغا يبني نصف العالم لا يمكن إنكاره وعدم رؤيته .. اين الخمسمئة مليار دولار؟؟؟   

  • نامي على زبد الوعود تداف في عسل الكلام! .. ذلك هو ما يسعى إليه مروجو “السينات” في الأعمال والأفعال الموعودة!!

    المستقبل العراقي / حليم الأعرجي

    رغم أن المبدأ الغوبلزي المعروف “اكذب .. اكذب ، حتى يصدقك الناس”، هو مبدأ اعلامي مشهور في الاعلام الغوغائي الكاذب.. بيد انه ايضا احد اهم اركان السياسة “ممارسة وسلوكا واسلوبا” وادبيات هذا النوع تطفح بأكاذيب لا حصر ولا عد لها .. فهي حاضنة معتمدة من قبل اولئك الذين لا يملكون غير الكذب في تمرير وجودهم كـ” حكام ” او ” قادة ” احزاب وتيارات، حتى بات من العسير البحث عن علاقة بين طبيعة نظام الحكم السياسي الحديث ومدى استخدامه او حاجته الى استخدام الاكاذيب للتبرير او التسويق او التزويق او لطمس الحقائق او للتضليل او للخداع او للظهور بمظهر مغاير ومخالف لما هو عليه.

    يمتلئ خطابهم حد الفيضان بحرف “س ” و التلفيق والخيال الاسود والترويج والترتيش والتزوير المتعمد وقلب الوقائع رأسا على عقب  والباس الباطل لباس الحق، ولباس العدل للظلم  .. حتى بات، ليس اسهل من تخيل سياسيين ميكافيللي التوجه في اطار نظام حكم ديمقراطي ليبرالي، واسهل من ذلك تخيّل نظام حكم سلطوي ميكافيللي في تعامله مع تبريرات سياسته.

    بالطبع لابد من القول، إن من اضغاث احلام التمني، الاعتقاد بان الديمقراطية الليبرالية متطابقة مع الشفافية وحق الوصول الى المعلومات بحرية، وإنها تعني المساءلة والمحاسبة ومن المفترض ان هذين المركبين يتطلبان حق الناس بمعرفة الحقيقة، عن أهداف ودوافع ونيات ، وبالتأكيد عن افعال السلطة الحاكمة  … هذه كلها قيم مرغوبة لا بل مطلوبة في الديمقراطية واهم تماما ، ان لم يكن محتال مخادع، من يعتقد انه من الممكن استخدام الديمقراطية “قناع” يخفي فيه وجهه الحقيقي ، فمتى لو لم يستطع احد من المحيطين به والمستفيدين منه ، مصارحته بانه صار معروفا تماما على حقيقته وان اكاذيبه لا تخدع احدا وتجارته في هذا الميدان اضحت بائرة لا احد يقترب منها ، فان الشعب ، ومعه كل الاخيار في العالم لن يترددوا من فرض ارادته وتأكيد قدرته على ازاحة ظالميه ومغتصبيه ومغيبيه وتعليمهم درسا لا ينسى في الاخلاق والربيع العربي بعيد عنا. 

    لقد برع البعض في اخفاء مكوناتهم واعمالهم المخزية، خلف سحب كثيفة من الدخان الأسود، من الأكاذيب والتزوير من اجل تجنيد غالبية الناس لتأييدهم في خطوة ما خطوها او في تنفيذ مشروع معين في السياسة او الاقتصاد او اي شيء آخر ما كانوا ليؤيدوها لو عرفوا الحقائق التي حجبت عنهم.

    اذكر في هذا الصدد عدد من الاكاذيب التي اريد بها ومن خلالها تكريس فكرة ان الحاكم الذي اطلقها، صادق في شعاراته وفي مشروعه وفي ايديولوجيته.

    * اطلق حكام العهد الصدامي، شعار  “اليوم .. اليوم .. وليس غدا” في اطار ادعاءاتهم ووعودهم وطروحاتهم وتنظيراتهم حول القضية الفلسطينية، وكان الشعار كاذبا اريد به كسب تأييد الناس لهم واجبارهم على الانخراط في حزبهم ومعاداة القوى الاخرى.

    *واطلقوا شعارا آخر لا يقل كذبا عن سابقه وهو:  ” كل شيء من اجل المعركة” وكان هذا الشعار مكرسا لاحراج دول المواجهة “سوريا والاردن ومصر”. 

    *اطلق حزب البعث شعار ” الوحدة ” لاحراج نظام عبد الكريم قاسم، وعندما وصل الى السلطة في 1963 امتنع عن اقامتها وبدء نظامي البعث في العراق وسوريا يناوران ويسوفان ويماطلان في المفاوضات التي جرت طوال ثلاثة اشهر، وبعد كل ذلك تمخض الفيل فولد فئرا حيث صدرت قرارات كاذبة وغير صادقة بالمرة بصدد اقامة “الوحدة  الاتحادية” في نيسان 1963 …

    *وظل البعث يطلق المزيد من الشعارات ” الوحدوية ” دون اية مصداقية  بل ان البعث كان الوحيد الذي عارض تخصيص مبالغ سنوية ، كتبرع من الدول العربية لدول المواجهة  “مصر والاردن  وسوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية” من اجل تدعيم المجهود الحربي وتعزيز قدراته الاقتصادية.

    *واذا اردنا ان نحصي عدد الافعال والاعمال الذي تعهد بها الحكام الذين تداولو السلطة في العراق بالدبابة او بغيرها من وسائل المكشوف او المستتر.. فاننا سنكتشف عجزنا التام من القيام بهذه المهمة العسيرة جدا وخصوصا تلك التي قبلت مسبوقة بحرف “السين” الملعون فقد بلغنا مصاف الدول العظمى بالكلام والشعارات الكاذبة! وصرنا نكتفي ذاتيا بالصناعة والانتاج النباتي والزراعي او صرنا نصدر العمالة الى الخارج والكفاءات العلمية! واستطعنا استصلاح الصحراء او مقاومة التصحر والملوحة وتمكنا من محو الأمية والقضاء على الامراض المتوطنة! وانهاء مشاكل البطالة والفساد والرشوة!

    نعم عشنا وما زلنا حياة “غش” و “كذب” فنمنا على زبد الوعود يداف في عسل الكلام فادمنا سماع “الافعال والاعمال” المؤجلة بحرف السين… حتى بات من السهل على اي مسؤول اطلاق عشرات بل مئات “السينات” دون ان يفكر ولو للحظة ان قيمة الانسان في لسان ، فان فسق، فسق وان كذب كذب، وان صدق صدق، لذلك فلا وصف اعظم من الوصف الذي وصف به الله نبيه العظيم محمد بن عبد الله “ص” (الصادق الامين) بهذا القدر من التفخيم والتعظيم يحتل الصدق مكانة التوصيف المتفرد لنبي المحبة والرحمة، وبعكس ذلك يوصف الكذاب مسيلمة بـ”الكذب” دليل زيف نهجة وبطلان مشروعه.

    ان من ينهض بعبء المسؤولية ، مدفوعا بالصدق والواقعية ، لا حاجة له بـ” السين ” فكل عمل او منجز  .. له زمن ينجز به ويكتمل اذا كان بالواقع والحقيقة موجودا وليس وهما من بنات افكار هذا او ذاك المسؤول خصوصا وان المنافسة الديمقراطية تحيل أحيانا من خلال المشهدية الاعلامية ذات الشأن في الديمقراطيات الى تشجيع الكذب والتزييف وليّ الحقائق بشكل خطير خصوصا عندما يتعلق الامر بالمس بالخصوم السياسيين او عندما يتعلق الامر بالانجازات التي يجري الحديث عنها امام الجمهور، ولكن هذه الاسفاف البنيوي في السياسة بات بديهية تجعل السياسة في ذهن المواطن البسيط امرا قذرا، يبيح  المحظورات ويجمل القبائح. 

    البعض من سياسيينا بات يحاول ان تكون اكاذيبه من النوع الكبير والمثير، تجسيدا لمقولة هتلر المشهورة:  “كلما كانت الكذبة اكبر، كلما ازداد ميل الجماهير لتصديقها”، وهنا نجد خطورة ذلك تبدو اكثر قدرة على التأثير المباشر و الفعال على سياق حركة المجتمع حول نفسه وحول الآخرين حتى بات الانسان يستنشق الكذب مع الهواء الملوث باطنان من اساليب الدجل والتلفيق والوعود الزائفة، محاطا بعشرات النشرات الإخبارية والخطب الرنانة والتصريحات الجوفاء والمعالجات والمقالات والاخبار المفبركة التي تمتلئ بالاحاجي والاشارات والالغاز والوعود واعداد غفيرة من “السينات” وعندما يعود المرء قليلا في الارشيف يطلع على اشياء تثير الكثير من الألم والحزن على ما وصلت اليه الصحافة والسياسة من الاسفاف والابتذال وعلى نحو يتعذر العثور  على مثيل له في كل تاريخ الكذب والتضليل في العالم، والمؤلم، ان احدا من اولئك الذين امتهنوا الكذب، لم يبدو عليه استيقاظ الضمير ليمارس دور الصحوة الاخلاقية فيعزف عما هو مساور فيه فيريح ويستريح.

    ومن الانصاف حقا، ان نقول وبموضوعية، ان الكذب الذي نعيش اجواءه البائسة ، لا يصنعه السياسيون وخدمهم وحدهم، بل تشارك في عملية التصنيع وسائل الاعلام وبعض صحف الطارئين والماجورين والباحثين عن السحت الحرام، فهذا النوع من الصحافة التي لفظها الغرب والولايات المتحدة الاميركية بشكل خاص بعد ان اتفق على تسميتها “الصحافة الصفراء” و “صحافة لف السمك”، يغذي ماكنته المدمرة باكاذيب وفضائح وتلفيقات وفبركات مدفوعة الثمن ، فيتحول الاسود الى ابيض ، والابيض الى اسود!

    ولدينا الان صحف يومية بعضها تصدر في بغداد واخرى تصدر في عواصم اوربية، وتباع في بغداد، معلبة بالأكاذيب الرخيصة والتوصيفات المبتذلة .. وبالتوجهات الاعلامية الساعية الى تخريب اللحمة الوطنية والسلام الاجتماعي والتعايش الأخوي بين ابناء البلد الواحد، وتلك هي الغاية التي بذلت من اجلها السعودية طوال اكثر من 130 سنة اي منذ ظهور التحالف الوهابي السعودي الى الوقت الحاضر، الغالي والنادر ، دون جدوى حتى اتيحت الفرصة لها بعد الاحتلال الاميركي للعراق، فدخلت عليه الدعاية السعودية من كل حدب وصوب ، لاهم لها سوى تدبيج المقالات والكتابات باقلام مسمومة ونوايا مفضوحة، لا تقل تفاهة وبذاءة عن “الجزيرة” المنبر المصنع في تل أبيب والناطق باسم ال ثاني في دوحة “شمعون بيرز”!

    طبعا لابد من التأكيد هنا على حقيقة وهي ان لا طائل من وراء البحث عن علاقة ـ اية علاقةـ بين طبيعة نظام الحكم السياسي الحديث ومدى استخدامه، او حاجته الى تبني الكذب في تبرير سياساته، فالاكاذيب تبرر النهاية بعد نزع  “الرتوش” الايديولوجية بالواقعية السياسية، والواقعية السياسية قائمة في اغلب انظمة الحكم في العالم، لذلك فان من يعتقد بان الوصول الى الحقيقة سهل ويسير في عالم اليوم، هو بالتاكيد واهم ففي عالم اليوم، بات الوصول الى الحقيقة صعب جدا ومحفوف بالمخاطر الحقيقية حيث ضجيج الاكاذيب يصم الآذان ويعمي العيون، بعد ان وجدت لها منابر ضخمة جدا عبر ما وفرته ثورة التقنية والاتصالات من فضائيات ومواقع انترنيت تملأ ارجاء الدنيا والانباء والاشرطة والصور، مع تقنيات رهيبة في مجال التصنيع للاخبار والاحداث.

    وتكشف مجريات الاحداث في ليبيا، ان قطر عمدت منذ وقت مبكر الى بناء مدينة على الحدود الليبية التشادية مشابهة لمدينة بنغازي تلتها مدينة اخرى مشابهة لطرابلس، مع اعداد غفيرة من الكومبارس والممثلين مع استنساخ دقيق لكل تفاصيل المدنيين وكانت الصور تخرج من هاتين المدينتين الى العالم، ونفس الشيء عملته في وادي خالد بلبنان، حيث جرى استنساخ مدينتي حمص وحماة وجرى تزويدهما بكل التفاصيل المفيدة لعمليات التصوير والدبلجة وغيرها بادارة عقول متمرسة في مجال الدعاية ومتخصصة في فني الاقناع والترويج الذي هو علم قائم بذاته يستفيد من شكلانية الحقيقة دون مضامينها ويقوم بصناعة تجميلية وتقنية للشبهات حتى تصير بديلا عن الحقائق، وسرعان ما تتناقلها اذرع الاخطبوط الاعلامي لتنشرها في العالم كله، واحذر ان كنت ممن يحرصون على التدقيق والتحقق من أن تشك بمصداقية الاكذوبة، فقد تواجهك تهمة جاهزة لديهم تناسب وضعك وانتماءك السياسي او المذهبي او الايديلوجي. 

    ان صناعة الاكاذيب عريقة جدا في الدعاية الغربية بشكل عام والدعاية الاسرائيلية بشكل خاص وقد سمى  “جور فيدال ” عصر الاكاذيب  بـ”العصر الذهبي” وهو عنوان كتابه الذي يفضح فيه اربع اكاذيب كبرى غيرت مجرى التاريخ البشري في منتصف القرن العشرين وهي:

    1 ـ اكذوبة بيرل هاربر 

    2 ـ اكذوبة هيروشيما 

    3 ـ اكذوبة محرقة اليهود

    4 ـ اكذوبة الحرب الباردة 

    وفي مقالة طريفة لـ”نعومي كلاين” اشارة فاضحة الى ان 80 % من متابعي قنوات امبراطورية “ميردوخ” كانوا يعتقدون ان لدى صدام اسلحة دمار شامل، قبل ان يسمعوا اعترافات باول على القنوات لفضائية  الاميركية وهو يبدي اسفه امام الشعب الاميركي لنقله اكاذيب لمجلس الامن لفقتها المخابرات الاميركية التي كانت ضالعة في فبركة الكذبة بالتعاون مع نظام صدام حسين لإخافة ايران ومنعها من “احتمال” التوغل في العراق في اية لحظة بعد توقف القتال وظهور حالات ضعف في البنية الدفاعية للعراق، بيد ان المخابرات الاميركية خضعت للضغوط الاسرائيلية التي كانت تجند فكرة تدمير العراق كعراق وليس المقصود نظام صدام حسين الذي حيد الدفاع العراقي وابطل قدراته في منع اميركا من احتلال العراق على امل ان يكون ثمن كل ذلك الابقاء على نظامه او حياته ان اولئك الذين يبرعون اليوم في ايجاد اساليب جديدة ويبتدعون طرقا غير معروفة، في الخطاب الاعلامي، يدركون الان قيمة الافكار التي جسدها، ليوشتراوس  “1899 ـ 1973” الذي درس عقودا طويلة في جامعة شيكاغو وبعض ممن يتولى الآن المسؤولية في أنظمة عربية استبدادية وخصوصا في قطر من هم من تلاميذه ويبذل الآن نقاده محاولات جادة لفحص تساوق فكر ليوشتراوس مع تبرير الكذب وواضح ان هذا الرجل الذي عرف بما لديه من قدرة فائقة في مجال الكذب والمراوغة الكاذبة، كان واحدا من بين القلائل من  اليهود الذين تركوا بصماتهم الواضحة في احتلال الكذب هذه المكانة “العالية” في كل المفاهيم الاعلامية والصحفية ومن الممتع حقا قراءة مقالة: “ليوشتراوي وعالم المخابرات”  بقلم ” غاري شميت” و ” ابرام شولسكي ” فالاخير كان طالبا عند شتراوس في سينيات شيكاغو والمقالة تؤسس علاقة مباشرة بين فكر شتراوس وبين نظرية المخابرات فعندما لا يكون بالامكان تكذيب عدوك فلا مانع من ان تكذب، وبذلك فقد شرعن عملية الكذب واعطيت مسوغا  “اخلاقيا”  هي ان ترد على الكذب بكذب.

    ان ما يهمنا الان اكثر من اي شيء اخر ، هو ان نكون صادقين مع الاخر .. بحيث لا نقول الا ما نؤمن به فعلا لا لمجرد التسويق والمماطلة والخداع والتزييف، ان انجازا بحجم العصفور افضل من “الانجاز ” بحجم الفيل غير حقيقي.

           

  • فوائد انقطاع الكهرباء

    الكلام في الوقت الحاضر-على الأقل- بخصوص تحقيق (معجزة) توفير الكهرباء في بلاد النهرين والشعر والنخل ولعنة النفط بجميع مشتقاته، لا يعدو سوى مضيعة للوقت، بل هباء وهواء في شبك وشباك الساسة والمسؤولين من أولياء أمور هذا الشعب الذي لم يزل ينظر لحكومته من ثقب باب الحسرة والتحسر على ما مر من سنوات، لم يتحقق فيه غير تجفيف أجنحة أحلامه و(شرها) على حبال الأماني وتثبيتها بـ(قراصات)الانتظار، أو(سلفنتها) وتغليفها وتعليبها وحفظها في مستودعات التبريرات ومخازن الآمال ورفوف الوعود وحملها برافعات الاختلافات وسحبها بأشرطة و(قوايش) الأزمات تلو الأزمات،، لتبقى أمورنا وأحوالنا تراوح مكانها، ان لم يكن بعضها قد عاد الى الوراء ومنها الكهرباء، لكن الآمال تبقى تعلل ما في النفس بأن تهمس أو (تدردم): (ما أضيق العيش لو لا فسحة الأمل)، أو بترديد تلك العبارة المرنمة التي نسمعها كثيرا على ألسنة أخوتنا المصريين: (نام يا خويه نام…. بكره يحلها ألف حلال)، ولأن النوم واحد من أهم وابرز الدفاعات النفسية وعمليات التعويض الذهني وحالات التخلص من الضيق والإفلاس ووجع الرأس من جملة الهموم والمشاكل التي قد يعيشها الانسان طوال النهار-ربما- منذ زمن (بابا آدم) و(ماما حواء) مرورا بما حصل ما بين الأخوة الاعداء (قابيل وهابيل) حتى خذلان أحلام (توماس أديسون) بسبب شحة كهربائنا الوطنية و(منية) أصحاب المولدات الأهلية،، ويضاف فوق كل ذلك تقنيات (تفتيت) أعصاب وحياة الناس بأخبار السياسة وشؤون الاقتصاد والمال،، وكل مل يتعلق بالقيل والقال.!! 

    ما أريد الوصول اليه عبر كل ما ورد، فثمة فوائد- ولو جزئية- أظنها تفيد في ان تضاف الى قوائم وملفات مسوغات وتبرير القائمين والقيمين لنقص المناعة الحاصل في شرايين أسلاك ساعات القطع المبرمج والغير مبرمج، ،وحرص كل من (يسهر) على راحة توفير ما يمكن توفيره من(نعمة) الكهرباء، ممن يصر اصرارا… ويلح إلحاحا من قبل أعلى المستويات الحكومية ممن تتشدد من قوة قبضتها لترسيخ مبدأ العدالة الكهربائية عبر توزيع متساوٍ-كأسنان المشط- لجميع أبناء الشعب بلا استثناء، بأن يطلعوا على دراسة اميركية حديثة جدا قام بها برفيسور يدعى (جوشوا جولي) في أحد مستشفيات النساء في كلية الطب/جامعة(هارفرد)،، توصلت الى ان النوم ليلا في الاضاءة يقضي على نسبة كبيرة من الهرمون الذي يسبب نقصه في جسم الانسان الى ضعف المناعة وهو ما يهدد للإصابة بالسرطان (كفاكم الله شره)،، وتحذر الدراسة من مخاطر الإضاءة الليلية الداخلية كونها تقضي على (خمسين بالمئة) من نسبة ذلك الهرمون المعروف بـ(الميلاتونين) الذي يفرزه الجسم ليلا من الغدة الصنوبرية التي تقع وسط المخ، ومن معلومات ما درست عند تخصصي في (علم النفس) إن هذه الغدة كان قد أكشفها العلماء العرب- منذ زمن- وأسموها بالغدة (تحت المهاد) فيما تسمى علميا الآن (هايبوثلموس) ما يهم أن البرفيسور(جولي) يوصي بضرورة عدم التعرض لاي ضوء مهما كان باهتا خلال فترات النوم،،كونه يقصر من عمر الهرمون، وهذ اما يعرضنا لموت محقق،، (هو أحنا ناقصين موت) يا جماعة الخير.!!