أهل الفكر يعانون من فئتين هما كل من :
1- أدعياء السياسة 2- وجهلاء القراء وفي العراق تتضاعف المعاناة لاتساع مساحة تواجد كل من الفئتين عبر كل من: 1- الأحزاب السياسية التي أصبحت عبارة عن دكاكين للارتزاق السياسي المحشو بالدجل والنفاق والتملق والتزلف والسمسرة قلت لأحدهم يوما وهو صاحب حزب مشارك في الحكومة : انك لم تؤلف حزبا وإنما فتحت دكانا . وكنت أتكلم بلغة توريتها واضحة. فقال لي: أردت يا دكتور وسيلة اعمل بها . قلت له: هذه الوسيلة لا تبرئ الذمة. قال شيئا أراد أن يمدحني به لن اذكره خشية بعض النفوس المريضة التي وجدت في فضاءات الانترنت مساحة لاستفراغ جهالتها الملوثة بالتصاغر والمحشورة بالقمامة التي لا تجعلها تميز بين الروائح الكريهة والانسام المنعشة. قلت له : نحن لا نريد الجميع أن يكونوا اختصاصيين وعلماء, ولكن نريد من يعمل في السياسة يعرف متى وكيف يجيب ومتى يسكت. فلاذ صاحبي بالصمت, ولم أره بعد ذلك. وهكذا أصبحت أحزابنا دكتاتوريات يمثلها الأمين العام, وإقطاعيات تمثلها المكاتب السياسية, وأتباع لا يعرفون من الحزب إلا العنوان, ولا ينشطون إلا بما درت عليه مصالحهم. 2- الفضائيات: التي تكاثرت كالفطر في المناطق الرطبة المظلمة, حتى بلغ عددها في العراق ما يقرب من أربعين فضائية, اغلبها ممولة من جهات مجهولة , مثلها مثل اغلب الأحزاب التي ترفض كشف مصادر تمويلها ولذلك تأخر صدور قانون الأحزاب, والفضائيات في العراق اليوم تعج بالفوضى في كل شيء , فلا خبرات حقيقية, ولا كفاءات مميزة, ولا برامج تلامس حاجة ومعاناة المواطن إلا ماندر ولا فكر يشكل حضورا جاذبا للمشاهد, ولا تضييفات تكشف عن حسن الاختيار, فضائياتنا أصبحت دكتاتوريات تحاصر حاجة الشباب الباحثين عن العمل , تسلخهم من عاداتهم وتقاليد مجتمعهم لتحشر بهم في أتون صخب الأستوديو وبريق الكاميرات والعدسات المحمولة التي أصبح البعض منها يمارس الارتزاق على أبواب بعض ضعاف النفوس من المسؤولين الذين أشاعوا ثقافة العمولة بكارت الموبايل ودفع أثمان وجبات الأكل وهي رشا مبطنة. 3- الصحف والمجلات: التي أصبحت من كثرتها وبؤس مادتها لا تجد من يقرأها ولاسيما صحافة الأحزاب التي تتكدس في مخازنهم, باستثناء بعض الصحف الجادة التي شقت طريقها إلى المثقف العراقي نتيجة ما تقدمه من فكر ودراسات وطنية. ويلاحظ أن فوضى الإصدار عمت الوزارات والمؤسسات التابعة لها مثلما تسابقت إلى ذلك مجالس المحافظات ودواوين المحافظات, بحيث أصبح الإصدار يعبر عن نهم وحب لاستعراض الشهرة وحب الظهور, فالوزير هو رئيس مجلس الإدارة وهو ليس من الباحثين ولا من المتخصصين في فن الكتابة, وكذلك المحافظ ورئيس مجلس المحافظة والمدير العام وأعضاء مجالس المحافظات الذين بلغ ببعضهم الحال إلى نسبة الإنفاق على بعض النشاطات إلى نفسه وشخصه دون أن ينسبها إلى مجلس المحافظة والمال هو من المال العام. 4- الإذاعات: هي الأخرى تكاثرت بشكل غير مخطط وغير منظم بدون توفير الكادر المتخصص وبدون رسم خطة للنشر الإذاعي على مستوى البلاد وعلى مستوى المحافظات وحاجاتها وخصوصية كل منها بما لا يجعلها تغرد على موال خاص فتنعدم اللحمة الوطنية وتذوب الهوية الوطنية نتيجة مراهقة إعلامية وجهل سياسي وفقر ثقافي, فأصبحت الإجازات تمنح بطريقة لا تنم عن خطة ومشروع وطني إعلامي, فمن كان سمسارا لبيع السيارات أصبح يملك إذاعة يتحكم من خلالها بحاجة بعض الفتيات وبعض الشباب للعمل, ومن كان معمما لا يزال في بداية تحصيله الدراسي امتلك أجهزة إذاعية وبعضهم فضائية وتربع على عرش إصدار الأوامر والمباهاة بالعناوين والتحدث بما هب ودب مما يختلط فيه بواعث الطائفية والمجد الشخصي, وتبقى تلك الإذاعات رصيدا ودعاية شخصية لصاحبها وليس للوطن, مع مادة لا ترتقي إلى مستوى ثقافة العصر, حتى أصبحت المناسبات الدينية فرصة للضياع الثقافي واختلاط الأوراق مابين القصيدة الشعبية غير الهادفة والخطاب الذي يختزن السفسطة والحديث الممل, ومرة أخرى مع مجهولة التمويل الذي ترك الفقراء في بيوت الصفيح وراح يتفاخر بما هو ليس فخرا. 5- المجالس الثقافية: هي الأخرى لم تسلم من نهم ومراهقة أدعياء الثقافة من طالبي الجاه والوجاهة الذين تصوروا المجالس الثقافية مجرد توفر صالونات البيوت الكبيرة وتحضير الشاي والقهوة والإعلان الأسبوعي او الشهري عن موعد المجلس الثقافي غير آبهين بمضمون المجالس الثقافية من حيث القدرة الحقيقية على العطاء الفكري والثقافي في مختلف الاختصاصات وهذا يتطلب حضور من هم فعلا أرقاما حقيقية يشار لهم البنان في الإنتاج الثقافي حتى يعطوا للحاضرين مادة ثقافية تزيد من وعيهم وتقربهم من آفاق الفهم الحضاري لحاجات الوطن والمواطن والعالم, ونتيجة لذلك تعرضت انتخابات هيئات المجالس الثقافية إلى انتكاسة تمثيلية بسبب بعدها عن الواقع الثقافي ومن يمثله , وقبل ذلك تعرضت المجالس الثقافية إلى اندساس بعض الأميين الذين دفعتهم حماقاتهم إلى فتح مجلس ثقافي حتى أصبح الأمر اقرب إلى النكتة.
هذه هي آثار المحور الأول وهم أدعياء السياسية, أما المحور الثاني الذي يعانيه أهل الفكر فهم: “جهلاء القراء ” وهؤلاء ينتشرون اليوم نتيجة الحرية التي وفرها فضاء الانترنيت وسهولة الوصول بأسماء مستعارة تعبر عن فقدان الشجاعة والثقة بالنفس, فتراهم يستغلون هذه الفرص التي تركت لرقابة الضمير كما تعلن عن ذلك المدونات, ولكن أصحاب المدونات فاتهم أننا اليوم في مجتمع يحتضر خصوصا في العراق, وهذا الاحتضار نتيجة انعدام منظومة القيم, ونتيجة ارتباك مستوى الفهم إلى درجات خطيرة بسبب زلزال الجهل الذي خيم على كل شيء فضاعت مفاهيم : الحرية , والعدالة , والحقوق , والمسؤولية , والأخلاق , والعلم والمعرفة , والأدب , والحشمة والحياء , والنخوة والمروءة, والالتزام والارادة والشجاعة , والجدية والحيوية , والانتاج والعمل , والايمان , ولذلك نجد في باب التعليقات المشرعة بعنوان حرية الرأي مما لا ينتسب إلى الرأي المستخلص من عمق الضمير المتفاعل مع الوجود والكون بحيوية الفهم والحكمة من خلال العقل, ولانعدام كل ذلك نجد : المرتد المفلس من نعمة الإيمان يتقيا سفاهة مثلما نجد قصير النظر الذي يقترب من الخطر دون أن يعرف, ونجد المشحون بأحقاد الطائفية , والمختزن لآثام العنصرية, وقبل ذلك وبعد ذلك نجد ظلمات الجهل تخيم على نفوس وعقول تعاني من الانفصام فتخبط خبط عشواء فتحرك القلم لينزف رعافا يلوث مساحات المدونات التي يدب عليها, وتلك هي المعاناة الحقيقية لأهل الفكر الذين يظل لسان حالهم يقول كما قال الشاعر: بليت باعور فازداد همي فكيف إذا بليت باعورين