Blog

  • تجارتنا وثقافتنا بين “التمر هندي” و “فيلم هندي”

    لم يستطع “التمر هندي” المستورد ان يكون بديلا “للتمر العراقي” المعروف بجودته التاريخية رغم تقاعس وزارة الزراعة تجاه “النخلة” التي قال عنها رسول الله “ص” ((اكرموا عمتكم النخلة)).

    وقال عنها شاعر العراق بدر شاكر السياب:

    عيناك غابتا نخيل ساعة السحر…….؟

    ولكن “التمر هندي” كان حاضرا في موائد الفطور الرمضانية كشراب يتلذذه الكثيرون، ولهذا كانت تجارته رابحة، وكنا في التجارة منفتحين.

    أما في الثقافة مع ما يسمى “فيلم هندي” الذي تقدمه قناة الشرقية فكنا خاسرين.

    وخسارتنا في مثل هذا الانتاج فادحة للاسباب التالية:

    1- عدم وجود هدف ثقافي في هذا العمل.

    2- تعمد اغتيال الشخصية العراقية بنماذج ليس لها رصيد حقيقي وواقعي في عمق الاجتماع العراقي.

    3- طغيان ظاهرة الفراغ الثقافي من خلال شخصيات الفيلم لاسيما بين “الاب” و “الابن” و “والزوجة”.

    4- انتحال ادوار ومظاهر هندية من خلال:-

    أ‌- الملابس.

    ب‌- الاماكن.

    ت‌- الرقص الصاخب الذي لا يعبر عن حاجة اساسية يتطلبها الدور التمثيلي مثلا، سوى استفزاز عاطفي يميل الى المجون.

    ث‌- لغة هابطة لا تعبر عن مضمون لمشاعر انسانية يمكن احترامها فنيا.

    ج‌- تقليد يمسخ شخصية الممثل حتى وان كان معروفا مثل “اياد راضي”.

    ح‌- تقديم نماذج نسوية غير معروفة في الوسط الفني الذي نتحفظ على مسمياته الاصطلاحية فنيا لا لشيء إلا لملء الفراغ الذي لم يتخلص منه “الفيلم” الذي حشدت له امكانات مالية وبهرجة زائفة ابتعدت عن الروحية العراقية المتماسكة لتقدم نماذج من السخرية غير المحببة.

    وهذا اللون من الأداء الفاقد للهوية العراقية يجعل القائمين عليه والمساهمين فيه والمروجين له امام شبهة لا يمكنهم الخلاص منها مثلما يجعلهم في خطأ الممارسة على المستويات الآتية:-

    1- خطأ على المستوى الثقافي.

    2- خطأ على المستوى الاجتماعي.

    3- خطأ على المستوى الفني.

    4- خطأ على المستوى الوطني.

    وجميع هذه الأخطاء هي التي تستجمع صناعة الشبهة التي تتوزع على ردات فعل المشاهد، والضحية من وراء ذلك هم فئة الشباب الذين تغزو مخيلتهم آمال غير محققة افسدتها المشاريع السياسية الفاشلة، وتشوه سمعتهم مسميات سلوكية طارئة مثل:

    1- جماعة الايمو.

    2- جماعة البريكية.

    3- جماعة المثلية. 

    وهذه الجماعات على قلتها، ولكنها سرعان ما تتحول الى فيروس اجتماعي في العادات والتقاليد تهيأ له مناخات ملائمة امثال هذه الاعمال ” فيلم هندي” الذي تقدمه الشرقية، وبرنامج ” يلا شباب” الذي تقدمه البغدادية والذي ينحو منحى تغريبيا خطيرا في طريقة مخاطبة الشباب بلغة خطابية مائعة لا تنتمي لروح الاجتماع العراقي وباخراج مسرف في استعراض حركة فوضى الهرمونات والبغدادية في هذا تلتقي مع قناة الشرقية في برنامج “فري” وفي “فيلم هندي” وان كانت تفترق عن الشرقية في حسها الوطني من جهة تماسكها الإعلامي الذي تقف وراءه مجموعة من الإعلاميين.

    ان الوجه الثقافي لمثل هذه الأعمال هو الذي يقرر حالة الإبداع التي تمتاز بما يلي:

    1- اصالة فكرية.

    2- اصالة وطنية.

    3- افق عالمي.

    بينما نجد حالة التقليد بسطحيتها المملة حاضرة في مثل هذه الاعمال للاسباب التي ذكرناها آنفا.

    والتقليد في كل عمل هو مدعاة لما يلي:

    1- خواء ثقافي.

    2- تخلف اجتماعي.

    3- عجز عن مواكبة وفهم روح الاجتماع العراقي.

    4- هدر مالي غير مبرر.

    من هنا يأتي دور الثقافة والإعلام في مراقبة الانتاج والاداء ليس بقصد التحجيم وكبح الحريات، ولكن من خلال خلق فرص الابداع في الحاضنات التي تتولى رعاية الشباب في كل من:

    1- المدرسة.

    2- الجامعة.

    3- المنتديات الثقافية.

    4- دور الشباب والرعاية العلمية.

    5- الفرق الرياضية وتخصصاتها المختلفة.

    6- الفرق الكشفية.

    7- المناسبات الاجتماعية التي يجب ألا تغيب عنها الحاضنات.

    8- المناسبات الدينية التي تشكل حضورا كبيرا لاسيما للشباب.

    بهذا الوعي يمكننا تخفيف وطاة الغلو التغريبي تارة، وغير التغريبي تارة أخرى والذي يتخذ مسميات متعددة نتيجة الفوضى الثقافية التي لاتعرف اولويات الخطاب الثقافي، مثلما لا تعرف الارقام الثقافية المؤثرة، لانه لايوجد مرصد ثقافي يديره خبراء الفكر والثقافة، مثلما لايوجد مرصد سياسي يقف وراءه خبراء السياسة الذين تترشح اسماؤهم بانسيابية علمية حيادية بعيدا عن المحاصصة التي لم تنتج لنا خبراء حقيقيين في اللجان النيابية ولا في مفوضية حقوق الانسان او مفوضية الانتخابات.

    رئيس مركز الدراسات والبحوث الوطنية

  • مشكلة العنوسة!

    على الرغم من ان احصائيات التعداد العام للسكان في العراق تؤكد زيادة نسبة الأناث على الذكور بفارق ضئيل، ولكن المشكلة الحقيقية بدأت مع عام (1980) حيث الحرب العراقية الايرانية وما اعقبها من حروب متلاحقة وبصور شتى لم تهدأ الى يومنا المبارك هذا، وكان من اخطر نتائجها، ذلك الانفجار الحاد في عدد الاناث وهو انفجار لا تمثله الولادات الطبيعية، بل يكمن في نسبة الارامل الصاعدة بعد ان ابتعلت شهية السلاطين وتجار السياسة، مئات الآلاف من الرجال، فقد ذكرت المنظمات المعنية بحقوق المرأة، ان هناك قرابة مليوني سيدة يعشن حالة الترمل نصفهن في عمر الشباب! غير ان تلك السلسلة القاتمة من الحروب انجبت ظاهرة اجتماعية اخرى، لاتقل خطورة عن سابقتها، وهي تنامي اعداد العوانس بصورة لافتة للنظر، حيث يصل الرقم الى 3 ملايين في اقل التقديرات، وسبب ذلك بالدرجة الاساس، هو عزوف الشباب عن الزواج بحكم الظروف الصعبة التي احاطت بهم، فهناك العامل الاقتصادي، وهناك السفر الى  خارج العراق، بحثا عن فرصة عمل أو هربا من الملاحقات السياسية او الخدمة العسكرية، وهناك مشكلة السكن والمهور العالية… الخ! 

    ان مواجهة (العنوسة) ليس امر هيّنا، ولايأتي بضربة عصا سحرية، لانه يرتبط بجملة حلول جذرية تتعلق بالوضع الامني والمعيشي وتوفير السكن وفرص العمل، وتقتضي تعاونا فعالا بين مؤسسات الدولة المعنية، وبين المؤسسات الثقافية والاعلامية والدينية ومنظمات المجتمع المدني، على ان مثل هذا الحل، برغم كونه واقعيا وعلميا ومضمونا، وكلنه لن يتحقق إلا على عهد احفادنا او ابعد من ذلك، فكم عقدا من الزمن نحتاج لتوفير الامن والسكن والعمل؟ ثلاثة عقود مثلا أو اربعة؟! وعندها كم سيبلغ عدد العوانس، سبعة ملايين او ثمانية أو اكثر؟! 

    انطلاقا من (مواطنتي الصالحة) التي لم يتهمها أحد بالارهاب حتى الان رأيت ان أدلو بدلوي واقترح حلا بسيطا وسريعا ولايكلف جهدا، وذلك بان تقوم السلطة التنفيذية باصدار قانون ملزم يقضي بما يأتي: 1- كل من يتقدم الى التعيين عليه ان يرفق عقد الزواج مع المستمسكات المطلوبة 2- أي موظف بدرجة مدير او مدير عام يجب ان تكون بذمته زوجتان، وبخلاف ذلك يحال الى التقاعد، 3- يلزم عضو البرلمان والوزير ومن هو بدرجة وزير والسفير ان تكون على عهدته ثلاث زوجان، 4- إلزام من يتولى منصبا رئاسيا او وزارة سيادية وكذلك من يقود حزبا مشاركا في السلطة او في المعارضة، ان تكون بذمته اربع زوجات! 

    ملاحظة: في حالة اعتذار كبار السن عن الالتزام بتنفيذ هذا القانون، عليهم التخلي طوعيا عن مناصبهم، وعدم احراج الحكومة، وافساح المجال امام الشباب التكنوقراط  ليمارسوا دورهم بأعلى قدر من الطاقات الابداعية الخلاقة!

  • السياسي مثقفاً

    شكلت السلطة على مر العصور فيصلا حاسما في تحديد مصائر البشر. لن يختلف على ذلك اثنان، وهي في نهاية المطاف ليست سوى اداة إن احسن استخدامها اصبحت حال البشر مستقرة مزدهرة في شتى المناحي. وقد شهد التاريخ فترات معدودة، نعم الناس فيها بالاستقرار والازدهار، اما اذا اسيء استخدام تلك الاداة الخطرة، وهو ما حصل بنحو كبير، كانت احوال البشر بائسة وكارثية في الغالب فما السبب يا ترى واين مكمن المشكلة؟

    انتظمت الانساق السياسية وعبر التاريخ في مناهج ومدارس وقادتها نظريات واهواء شتى اصطرعت على ارض الواقع بنحو شديد الوطأة على الناس وخلفت من الدماء بحاراً و من الخرائب جبالا ، غير ان القانون الأزلي للحياة قانون الصيرورة، ظل كفيلا للحفاظ على النوع البشري من الزوال على الرغم مما اقترفته ايادي الطغاة من الحكام من مثل كاليغولا، نيرون، كسرى، موسوليني، هتلر، بينوشيت، شاويشيسكو، ستالين، صدام ، معمر ، والقائمة تطول.. وحين نحاول ان نتذكر اسماء حكام عادلين اتفق على وصفهم المؤرخون ، سنعاني الخيبة في قلة عددهم اذ لا يتجاوز الامر سوى النزر اليسير… 

    ويمكن الملاحظة بنحو عام ما للعقائد والاديان من دور فاعل لعبته في تعضيد واقامة الحكومات الشمولية اذ مثل اولئك الجبابرة الهيئة الارضية للالهة القاطنة هناك في الماوراء ترقب من عليائها طاعة الجماهير المغلوبة على امرها لاسيادها المخولين بمنح رخص العيش والحاكمين باوامر الالهة..

    وفيما بعد نافست الايديولوجيا بشتى تصانيفها سلفية كانت ام مستقبلية، العقائد المقدسة في الاستحواذ على كرسي السلطة المقدس، وتحكمت بنحو بالغ القسوة بالمصائر الانسانية وقادت قطعان البشر تحت يافطات براقة خادعة، الى مسالخ الحروب البالغة الاهوال.. وهكذا ظل مصير الانسان ريشة تقاذفتها رياح الصراعات المتلاطمة بين جزر طويل ومد حسير، حتى اهتدت البشرية اخيرا الى وضع القوانين المنظمة لنوع راق ومتطور من انواع الحكم الا وهو الحكومة الديمقراطية بمعناها الاكثر حداثة ، اذ صار الحاكم فيها محض موظف مكلف باداء خدمة عامة ولزمن محدود، تم اختياره سلفا بوساطة الانتخاب الحر الغير مقيد ما اتاح متنفسا راح يتسع نسبيا لمقدرة  الفعل الثقافي وتأثيره على مقدرة الفعل السياسي على نحو ايجابي داعم ومعاضد لتحقيق الغايات المتوخاة في خدمة الشعوب.

    ونحن اليوم على الصعيد العراقي، وبعد مضي ماينوف على العشر سنوات على إندحار دولة الاستبداد وشخوص العهد الديمقراطي بكل أمتيازاته المنفتحة، مازلنا نفتقد نضوج ملامح السياسي الثقافية بنحو مريع، فهل بين ساستنا من يتسم بذائقة نقدية أو حساسية ثقافية خاصة؟ من منهم على دراية ، ولو نسبية،  بمحمولات الابداع العراقي،  ولا أقول الأنساني، بشتى تصانيفه، شعرا ، سردا ، مسرحا، تشكيلا، سينما،  موسيقى؟ وهل من بينهم من قرأ نصا فلسفيا عربيا كان أم عالميا؟ بل ربما كان الاجدى بنا أن نعيد صياغة الأسئلة على النحو التالي: ما موقف ساستنا من منتجات الثقافة بنحو عام؟ ايحللونها أم هي، في حسباناتهم، محض أرجاس ورذائل، او هي في أفضل أحكامهم مضيعة للوقت ولغو ليس أكثر؟  

    بالطبع لست أتهم الجميع، فهناك بالتأكيد ثمة أستثناءات،  ولكن أيمكن أن نلحظهم من بين غيوم سود مدلهمة تمثلها حشود من ساسة جهلة؟! وأين هم من مفاصل القرار؟! وتلك، لعمري، طامتنا الكبرى…

  • مئوية تيتانيك في مقبرة الأطلسي1912 – 2012

    تنفرد (المستقبل العراقي) بنشر الملف الكامل لحيثيات غرق السفينة الأسطورية (تيتانيك), التي استقرت في الخامس عشر من نيسان من عام 1912, وراح ضحيتها (1517) من إجمالي ركابها الـ (2223), ويتناول الملف أهم الحقائق المتعلقة بهذه السفينة وآخر المستجدات المرتبطة بمئويتها الأولى صممت السفينة (تيتانيك) وفقا لتهيؤات نظرية (السفينة التي لا تَغرَق ولا تُحرَق), فجاء اسمها بهذه الصيغة كي يعكس المفهوم نفسه, ويتحدى ظلمات البحر وأعماقه السحيقة, متسلحا بعنجهية الورشات الهندسية المتباهية بآخر ما وصلته ترسانات صناعة السفن البريطانية في القرن الماضي, فجاءت حسابات الطفو, وتحديدات المسافات الفاصلة بين الجدران المانعة لتسرب المياه, متوافقة مع القناعات المتأرجحة في ذلك الزمن, والتي كانت تراهن على صمود قوة الطفو الاحتياطي بوجه البحار العاتية, وتراهن على ثباتها في الظروف الصعبة, التي قد تتعرض فيها عنابر السفينة إلى الامتلاء الكلي بالماء. فكانت إرادة الله أقوى من كل الحسابات الاحترازية, وأعنف من كل الإجراءات الاحتياطية.

     

    ففي أول رحلة لها في العاشر من نيسان من عام 1912 من ميناء لندن إلى نيويورك عبر المحيط الأطلسي, وبعد مرور أربعة أيام من مغادرتها اعترض طريقها جبل جليدي قبيل منتصف الليل, فغيرت مسارها, وانحرفت انحرافا حرجا تسبب في غرقها في اليوم الخامس من رحلتها (بعد منتصف الليل), وعلى وجه التحديد بعد ساعتين وأربعين دقيقة من لحظة تشقق سطحتها العلوية, فغرقت في الساعة الأولى من يوم 15/4/1912, وشاءت الأقدار أن تهبط إلى قاع المحيط, وتغرق في مياه حالكة الظلام, شديدة البرودة, على مرأى من عيون مصممها, الذي فشل في ضبط حسابات التغريق والطفو والمقاومة, ولم يكن مدركا لتداعيات الخصائص الفيزيائية, ومؤثراتها التي قد تطرأ على الفلزات المعدنية عندما تهبط معدلات الحرارة إلى ما دون الصفر المئوي بأكثر من ثلاثين درجة, فكان غرقها صدمة كبرى للجميع, ولم يكشف النقاب عن الأسباب الحقيقية للغرق حتى وقت قريب, وكان العالم كله يعتقد إنها ارتطمت بجبل جليدي جبار ففلقها نصفين, فابتلعها البحر. 

    خيول جنكيزخان تجر تيتانيك

    صممت (تيتانيك) من قبل كبير المهندسين (وليم ببري), بمساعدة المعماري (توماس أندروش), ورئيس قسم تصاميم السفن (الكسندر كارلايل), الذي انيطت به مهمة تنفيذ المنشآت العلوية للسفينة, وبوشر ببنائها في اليوم الأخير من شهر آذار من عام 1909 بتمويل من الأمريكي (جون بيربونت مورجان), وشركته الخاصة, وأطلقوا هيكلها إلى الماء في اليوم الأخير من شهر نيسان من عام 1911, وتم الانتهاء من التجهيز والتأثيث والتشطيب في اليوم الأخير من شهر آذار من عام 1912.

     بلغ طولها (269) مترا, وعرضها (28) مترا, وارتفاعها من سطح الماء إلى سطح السفينة (18) مترا, واكتملت معظم مراحل البناء في أحواض (هارلاند أند وولف) لبناء السفن في بلفاست, وجهزت بمحركين بخاريين, وتوربينين بخاريين, وبنحو (29) مرجلا بخاريا تستمد قوتها من (129) فرنا لحرق الفحم, لتمد السفينة بقوة حصانية هائلة, تقدر بنحو (51000) حصان, وهو الرقم الموازي لعدد الخيول الجامحة في جيش جنكيزخان في حروبه الاستباحية.

     

    كانت هذه الأحصنة تمنحها قدرات استثنائية للانطلاق بسرعات فائقة تصل في ذروتها إلى (23) عقدة, والعقدة هي وحدة بحرية لقياس السرعة, وتساوي ميل بحري واحد بالساعة, والميل البحري يساوي 1852 مترا.

    للسفينة أربع مداخن, بطول (19) مترا للمدخنة الواحدة, ثلاث من المداخن الأربعة مداخن حقيقية, اما المدخنة الرابعة فقد وضعت لإضفاء الإثارة على الشكل الخارجي للسفينة, التي تفوقت على مثيلاتها من حيث القدرة الاستيعابية على توفير السكن اللائق لحوالي (3547) راكبا بضمنهم طاقم السفينة, وتفوقت على مثيلاتها من حيث الفخامة والترف, وتميزت بطوابق الدرجة الأولى, التي احتوت على حوض للسباحة, وصالة رياضية, وملعب للتنس, وحمامات تركية, وأخرى كهربائية, وشرفات مخملية للراحة والاسترخاء. 

    كانت غرف الدرجة الأولى مزينة بزخارف خشبية, ومجهزة بأثاث فاخر, ووسائد من الحرير والديباج, وتخللت طوابق السفينة ثلاثة مصاعد كهربائية, ومحطة لاسلكية متشعبة الترددات بقدرات إرسال فائقة, مصممة لتلبية متطلبات الإبراق الفوري من وإلى اليابسة. 

    عندما فقد الفولاذ خصائصه الفلزية

    في تلك الليلة ترك ربانها برج القيادة, وأناط مسؤولية الملاحة والإبحار برئيس الضباط, الذي كان هو الآخر يحمل شهادة ربان, تؤهله مهنيا وأكاديميا ليحل محل الربان, كانت السفينة تقترب من ميناء نيويورك, فغادر ربانها موقعه في البرج, وهبط إلى الطوابق المزدحمة بركاب الدرجة الأولى, ليتفقد في جولته الروتينية أحوال الركاب وشؤونهم, ويشرف على تنفيذ واجبات الحفاوة والضيافة لكبار القوم.

     

    وقف رئيس الضباط في برج القيادة حائرا أمام هالة سوداء ظهرت فجأة في طريق السفينة, كانت عبارة عن جبل جليدي جبار يتقاطع مع خط سير السفينة, ويبعد عنها أقل من ثمانية أميال, فقرر توجيه الدفة إلى أقصى اليمين, بهدف تغيير مسار السفينة تلافيا للاصطدام بالجبل الجليدي, بيد ان هذا الانحراف المفاجئ كان هو الذي قادها إلى حتفها, فتعرض جسدها إلى إجهادات خارجية مضاعفة, ضغطت على جسد السفينة, فأسفرت عن حدوث شرخ عرضي في سطحها العلوي, ولم تمض بضع ثوان حتى تمزق بدنها, وتشقق سطحها العلوي, ما أدى إلى انشطارها نصفين, غرق النصف الأمامي في الحال, وصمد نصفها الخلفي سويعات يقاوم الغرق المحتوم, ثم مال بجمعه في البحر, ولحق بنصفه الغارق في غضون ساعتين ونصف الساعة تقريبا. 

     

    ظن الخبراء خطأً, ولعقود من الزمن, إنها غرقت بعد ارتطامها بالجبل الجليدي, على الرغم من انه كان يبعد عن موقع غرقها أكثر من خمسة أميال بحرية, وأثبتت التحقيقات المعاصرة إن جزيئات مادة الحديد الصلب, التي صنعوا منها ألواح البدن كانت اقل تماسكا في الأوساط المنجمدة, ولم تكن قادرة على تحمل الاجهادات الخارجية, والأوزان الثقيلة عند انخفاض حرارة الماء إلى اقل من 30 درجة تحت الصفر, بمعنى إنها كانت تتحرك في محيط مائي تجاوزت فيه درجة الحرارة الدرجة الحرجة, التي تقدر بعشر درجات تحت الصفر, ولا يعلم الخبراء آنذاك إن التغير المفاجئ في مسار السفينة كان هو السبب المباشر في توليد ما يسمى بإجهادات اللّي (الالتواء), ومع سوء حالة الجو وتحول الصفائح إلى كتل معدنية هشة, وقع الانهيار في تركيبة البدن العملاق, فانتشرت الشروخ بتعجيل مذهل, وبصوت مدوٍّ يسمى (صوت الرعد المعدني Metal Bang Sounds) نتيجة فقدان المادة لخصائصها الفيزياوية.  

    وبناء على ما تقدم فان الغرابة في حادث غرق هذه السفينة العملاقة ليس لكونها تمثل حادثة لغرق أضخم السفن بركابها, لكن الغرابة في إيجاد تفسير منطقي لحيثيات الحادث المروع, فقد كان الاعتقاد السائد يتلخص بارتطام السفينة بجبل جليدي, نتج عنه صوت رعدي قوي أدى إلى انشطارها, وتسبب في غرقها في أقل من ثلاث ساعات, بينما تبين مؤخرا, وبعد تحديد موقعها باستخدام معدات حديثة, وتقنيات الأقمار الصناعية, إن اقرب جبل من الجبال الجليدية كان يبعد عنها قرابة ثمانية أميال بحرية, بمعنى آخر: إن سبب الغرق صار لغزا علمياً, وما أن توصل الإنسان إلى صناعة مركبة آلية قادرة على الغوص إلى أعماق المحيط, وخاضعة للسيطرة عن بعد, وقادرة على التصوير والتقاط العينات, حتى استطاع الحصول على أجزاء مختارة من بدن السفينة, خضعت للتحليل والاختبار والفحص, فاتضح بما لا يقبل الشك إن أسباب الغرق لا علاقة لها بالجبل الجليدي, وان السبب الحقيقي يكمن في حدوث تغيرات فلزية مفاجئة في معدن الصفائح الفولاذية المكونة لبدن السفينة, أفقدتها متانتها في لحظات, وكان ذلك مصحوبا بقرقعة تضاهي قرقعة البراكين الهائجة.

    الفيلم المعجزة

    قبل أن ننهي حديثنا عن (تيتانيك) في مئويتها الأولى, لابد لنا من الإشارة إلى تحول قصتها إلى مادة سينمائية, أكثر من مرة, منذ غرقها عام 1912 وحتى يومنا هذا, كان آخرها الفيلم, الذي كتب قصته وأخرجه وشارك في إنتاجه (جيمس كاميرون), فاكتسح جوائز هوليوود كلها, وحقق أرقاما قياسية في الموارد المالية, واكتسب شهرة كبيرة عن جدارة واستحقاق. 

    تناول الفيلم كارثة غرقها في مقبرة الأطلسي, اما أبرز أبطاله فهم الممثل (ليوناردو ديكابريو): الذي مثل شخصية (جاك دوسن), والممثلة (كيت وينسليت): التي مثلت شخصية (روز ديويت بوكاترا), وهما من طبقات اجتماعية مختلفة, وقعوا في الحب على متن السفينة في رحلتها المأساوية. 

    حمل الفيلم الرقم القياسي لثاني أعلى فيلم حقق ربحا على الإطلاق, وتم ترشيحه لأربعة عشر جائزة أوسكار لعام 1997, ربح منها إحدى عشرة جائزة, من بينها جائزة أفضل فيلم, وقد قام بتأليف الموسيقى التصويرية الموسيقار (جيمس هورنر), وأدت ممثلة السوبرانو النرويجية (سيسيل) الأصوات البشرية المصاحبة للموسيقى, في حين أدت المغنية (سيلين ديون) الأغنية الختامية للفيلم. اما تكاليف الفيلم فقد تجاوزت تكاليف صناعة السفينة نفسها بكثير.

    معارض ورحلات في المئوية التيتانية

    ستظل (تيتانيك) تشغل الناس وتستقطب اهتماماتهم, على الرغم من مضي قرن من الزمان على غرقها في عرض البحر, فقد قامت شركة ألمانية بإحياء الذكرى المئوية لغرقها, فنظمت رحلات بحرية سياحية إلى موقع الغرق حيث يستقر حطامها في قاع المحيط, تستغرق الرحلة (12) يوماً, وتكلف (59680) دولارا للشخص الواحد, ففي اليوم الذي انطلقت فيه سفينة (تيتانيك) من مرفأ السواحل البريطانية, انطلق بعد قرن من الزمان, وفي الموعد نفسه السفينة (بالمورال) لتحاكي تلك الرحلة الأسطورية في التوقيتات الزمنية, وفي المسارات الملاحية, وربما حملت معها أحفاد الركاب الذين قضوا في تلك الرحلة, ومن المؤمل أن يفتتح هذا اليوم المعرض المئوي الأول للسفينة (تيتانيك) في مدينة واشنطن, ويضم نماذج مصغرة للسفينة, التي صنعت لتقهر الصعاب في عرض البحر, فقهرها البحر في جولتها الأولى, وتوجها بطلة لكل الكوارث البحرية على مدى القرن الماضي, ويضم المعرض مجموعة كبيرة من اللوحات والقطع التذكارية المتباينة الأحجام والأشكال, وأطرف ما في المعرض النموذج المصغر لسفينة تحاكي (تيتانيك) صنعها شخص بريطاني يدعى (تيم) من (147) ألف عود ثقاب, وأمضى في صناعتها نحو (3500) ساعة بمقياس رسم قدره (115:1). 

    خصصت بعض الفضائيات العالمية وقتها كله في الأسبوع الماضي لاستعراض وشرح قصة هذه السفينة, فعرضت على شاشات التلفاز, ولأول مرة, سلسلة من الأفلام الوثائقية, اما الحدث الأكبر فهو وجود نية حقيقية لإعادة بناء السفينة من جديد, وبنفس المواصفات والخصائص والميزات القديمة, ما يعني ان تكاليف إعادة بنائها في الوقت الحاضر قد تصل إلى أضعاف قيمتها الدفترية عام 1912, وستتحمل بريطانيا أعباء التكاليف كلها من اجل تخليد هذه السفينة, التي دخلت التاريخ من بوابة المحيط الأطلسي. 

    حقائق مذهلة وبيانات مثيرة

    في الأول من تموز 1985 تمكن فريق علمي بقيادة الدكتور (روبرت بولارد) من اكتشاف حطام السفينة تيتانيك تحت عمق (13000) قدم في جوف المحيط. 

    يتساوى طول (تيتانيك) مع طول بناية (الامباير ستيت) تقريبا, وتستهلك يوميا (825) طنا من الفحم, و(14000) غالون من الماء العذب, وحملت على ظهرها (900) طن من البضائع, والأمتعة الشخصية, والرزم البريدية, و(3560) سترة للنجاة, و(20) قاربا للنجاة, على الرغم من إنها صممت لتحمل (48) قاربا, لكنها اختزلت العدد لإفساح المجال للركاب لرؤية البحر بصورة أفضل.

    لم يكن على ظهرها قطط, كمظهر من مظاهر الحظ السعيد, وكسياق شائع في ذلك الزمان للسيطرة على القوارض. 

    لم يكن من المفترض أن يلتحق بها هذا العدد من المسافرين, بسبب الإضراب الذي أعلنه عمال المناجم وقتذاك, وكانت كميات الفحم غير كافية, ففكرت الشركة المالكة بتعطيل الرحلة, لكنها قررت إلغاء رحلات السفر على ظهر السفينتين (أوشانك), و(أدرياتك), وتحويل الفحم الموجود فيهما إلى التيتانيك, ثم الحقوا بها ركاب السفينتين المعطلتين, فشاءت الأقدار أن يجتمع الركاب كلهم على سفينة واحدة, ويتقاسموا مصير واحد. .كان من المفترض أن تكون صفاراتها مسموعة في محيط دائرة لا يزيد قطرها على (11) ميلا بحريا, أي في حدود دائرة تبلغ مساحتها (1257) كيلومترا تقريبا, وشاءت الصدف أن تكون هذه الرقعة المائية الكبير خالية من أية سفينة قبيل غرق (تيتانيك), فغرقت ولم يسمعها أحد. . .

     كانت أسعار التذاكر على متن التيتانيك, متفاوتة إلى حد بعيد, ومفصلة حسب التحديدات التالية: الدرجة الأولى (10,350) دولار, والدرجة الثانية (1,750) دولار, والدرجة الثالثة (30) دولار فقط. .

    اما اغرب الغرائب فهي النبوءة التي حملتها رواية كتبها الأديب البريطاني (مورغان روبرتسون) عام 1998 (بحوالي 14 سنة قبل غرق تيتانيك), والتي أطلق عليها اسم (العبث Futility), وتناول فيها قصة خيالية تدور أحداثها حول سفينة ركاب عملاقة, اسمها (تيتان Titan), ترتطم بجبل جليدي وتغرق في مياه المحيط الأطلسي في ليلة باردة من ليالي شهر ابريل (نيسان), وقال في روايته إنها صممت لتقاوم الغرق, لكنها ترنحت نحو الحضيض وتوارت تحت سطح الماء في ظروف غامضة. 

    المصير المحتوم للسفن العابثة

    كانت الأقدار بالمرصاد لسفن البحر وسفن الفضاء, وكانت تتربص دائما بالمراكب والمركبات التي حملت أسماءً تتحدى بها الخالق القدير المقتدر

    وتتحدى قواه الكونية الجبارة

    وهكذا غرقت السفينة البحرية (تيتانيك Titanic) في رحلتها الأولى, لأن اسمها يتحدى الماء والغرق, ويتحدى النار واللهب

    وانفجرت سفينة الفضاء (تشالنجر Challenger) في رحلتها الأولى, لأن اسمها يتحدى نواميس السماء 

    عرب «تايتانيك» المنسيون: 92 لبنانياً ومصري

    في لائحة ركاب سفينة «تايتانيك» التي غرقت في مثل هذا اليوم من العام 1912، أسماء لعرب كانوا مسافرين على متنها. لكنهم منسيون في الاعماق وبالكاد ذكرهم العالم طوال 100 عام على اسوأ كارثة مدنية عرفتها البحار. ولا نجد ما يشير اليهم اضافة الى لائحة الضحايا الذين بلغوا 1500 ضحية من اصل 2200 راكب، سوى لقطة من فيلم «تايتانيك» لمخرجه الكندي جيمس كاميرون في 1997، وفيها نسمع «يلا يلا» تقولها أم بلهجة لبنانية وهي تستعجل ابنتها للفرار من السفينة حين بدأت تغرق. ويرد زوجها مهدئا من روعها: «بس بس خليني شوفلك» وهو مرتبك يقلب صفحات في ممر في الدرجة الثالثة من السفينة.

    كان الزوج المسكين يبحث في صفحات كتيّب يحتوي على بيانات السفينة عن مخرج في الممر ليعبر منه هاربا مع عائلته، وبعد هذه اللقطة التي دامت 6 ثوان فقط من الفيلم الهوليودي لم نعد نسمع أو نرى ما يذكرنا بعرب «تايتانيك»، فيما استمر العالم يتذكر ضحاياها الآخرين في كل مناسبة، وذروتها أول مئوية تمر على غرقها اليوم. 

    وأكثر من تعرض في لبنان للخسارة بغرق «تايتانيك» هي قرية كفرمشكي في البقاع الغربي التي خسرت وحدها 13 من أبنائها في الكارثة من اصل 59 ضحية وقتها. وقال رئيس بلدية كفرمشكي خليل السيقلي ان القرية التي لا يزيد سكانها الآن على 500 نسمة «ستقيم قداسا في كنيستها غداً عن أرواح قتلاها، وستقف دقيقة صمت إجلالا لهم» وفق تعبيره. كما ستقيم قرية حردين في الشمال اللبناني الشيء نفسه أيضا حيث قال رئيس بلديتها باخوس سركيس عساف ان 11 من ابنائها فقدوا اثناء الكارثة وهم يرددون ابياتا ارتجلها احدهم على شكل زجل عندما عرفوا ان الموت في طريقه اليهم بقولهم :«ابكي ونوحي يا حردين… عالشباب الغرقانين، غرق منك حدعشر شاب… بسن الخمسة وعشرين».

    وروت الكاتبة الأميركية السورية الأصل ليلى سلوم الياس نقلاً عن ناجين رؤوا ما حدث لذويهم في ما بعد، أن عددا من اللبنانيين تم قتلهم بالرصاص لعدم انصياعهم لأوامر حرس السفينة، وقالت إن السبب الرئيسي في مقتل أحدهم كان لأنه حاول الوصول الى قارب نجاة ليحتل مكانا فيه كان يسعى إليه آخر من ركاب الدرجة الأولى.

    على متن السفينة كان العشرات من المسافرين العرب، وهم 92 لبنانياً ومصري واحد ممن وردت اسماؤهم في اللائحة الرسمية للركاب الذين لا يوجد إلى الآن تصنيف لهم بحسب الجنسيات، حتى ولو في «إنسكلوبيديا تايتانيكا» وهي الأدق والأغنى بالمعلومات عن السفينة لأن بعض الأسماء تمت ترجمتها كما يبدو، فمن كان اسمه يوسف أصبح جوزف، وبطرس أصبح بيتر. أما عن «لبنانية» الركاب، فدليلها أنهم كانوا من سكان مدن وقرى موجودة في لبنان حاليا، وليس لأن وثائق سفرهم كانت لبنانية، انما عثمانية تشير الى أنهم من سوريا كمنطقة جغرافية تشمل سوريا ولبنان وفلسطين والأردن ذلك الوقت، لا سوريا الدولة الحالية.

    ولعل الدليل السياحي المصري حمد حسب الله الذي نجا من السفينة هو أشهر مسافر عربي في «تايتانيك» لانه كان برفقة أحد مشاهير اميركا الملياردير هنري سليبر هاربر وزوجته اللذين دعوا حسب الله ليرافقهما في الرحلة على «تايتانيك» واشترى له تذكرة بالدرجة الأولى. ونجا هاربر وميرا وحسب الله لأنهم كانوا أول من هرع الى موقع زوارق النجاة، والدليل أن المركب الذي أقلهم هو الرقم 3 من بين 20 زورقا كانت في السفينة، وكان من المفترض عدم السماح لهاربر ولحسب الله بركوبه، لأن الأوامر كانت بنجدة النساء والأطفال أولا.

    وحظ اللبنانيين مضى الى الأسوأ ذلك العام، فأول المتوفين من جميع من نجوا من كارثة «تايتانيك» البالغ عددهم 35 لبنانياً كانت الطفلة مريم نكد التي توفيت في 30 تموز 1912 بداء السحايا. بعدها بأقل من أسبوعين، أي في 12 آب ذلك العام، توفيت الثانية ممن نجوا: اللبنانية يوجينيا بعقليني.

  • السلب والإيجاب على سطح واحد في الربيع العربي !!

     الآن بات واضحا أكثر من أي وقت مضى، ان وقت الحصاد لما زرعته الولايات المتحدة الامريكية قد صار حقيقة واقعة، فالإصلاحات التي نادت بها وحاولت تكريسها حملها الربيع العربي على اجنحته ليحقق بها فتحا جديدا للسياسة الامريكية في المنطقة بكل امتدادتها وتأثيراتها وميادين فعلها واتجاهات مسارات عملها فالسجال الذي اججته واستمرار الجدل حولها وحول ضرورة احداث التغييرات اللازمة والمطلوبة … بدأ الآن يحبو بعد ان صار البديل قائما يتربع على كراسي السلطة مثيرا الكثير من الاسئلة ذات المغزى الحيوي لاستكمال صورة الوريث المهيأ لاستلام زمام الامور.. فوصول الاحزاب الاسلامية في تونس ومصر والكويت والمغرب يفتح الطريق واسعا لاحتمالات شبه مؤكدة في وصول الاحزاب الاسلامية للسلطة في سوريا والجزائر وموريتانيا الى جانب خضوع الاوضاع في السعودية وإمارات الخليج العربي.. لمقدمات تنبئ بنتائج منسجمة ومواكبة ومرادفة لما يحصل .. واذا ما اضيف الى ذلك العراق الذي كرست فيه امركيا دميقراطيتها واسست فيه صيرورتها ما ينبغي ان يكون كما هي تقول وتعلن تنفيذا لدوافع احتلاله، ولبنان السائر على مبدأ التوازن الدقيق بين المكونات المتعايشة بقانون تعادل القوى يكون الشرق الاوسط قد صار جديدا بانتظار صيرورته كبيرا عندما تلتحق بركب الربيع العربي ايران وتركيا وربما باكستان التي تعاني الآن من مخاض صعب. 

    لقد صارت ابواب البلدان العربية.. مفتوحة تماما لحكم الاحزاب الاسلامية ويعكس هذا توصل الولايات المتحدة الامريكية الى قناعة من ان كل المشاكل التي واجهت وتواجه المنطقة وبشكل خاص الصراع الفلسطيني الاسرائيلي يمكن حلها تحت العباءة والعمامة الاسلامية وليس ثمة حل يمكن أن يقنع الجبة الاسلامية غير ان تكون هي المفتاح وهي الوعاء وتجربة التعاون الاسلامي الامريكي في الجهاد ضد السوفيت في افغانستان تعبير دقيق عن ان هذا التعاون كان ومازال ضروريا لانجاز الكثير من المهمات وبهذا الصدد فان جريدة الغارديان البريطانية في عددها الصادر في الخامس والعشرين في تموز الماضي تشير وبوضوح الى اهمية الرجوع الى ذلك التعاون الذي اثمر هزيمة السوفيت، وعلى نفس النهج تحث صحيفة الكرستيان ساينس مونيتير الامريكية امريكا على تماشي جعل الاسلام الخندق الامامي في اي عملية صدام بين الحضارتين الغربية والاسلام.. فقد برهنت التجارب ان شيئا من ذلك كلف ويكلف الغرب بشكل عام وامريكا بشكل خاص من تضحيات جسيمة وقالت ان افضل الاساليب في الوصول الى حالة التفوق على الاسلام هو التعامل مع المسلمين .. وتوضح قائلة ان الاسلام واحد … بينما هناك اكثر من تيار للمسلمين واكثر من منهج.. 

    هكذا تغير الموقف السياسي  في منطقة الشرق الاوسط حيث اضحى التقارب بديلا عن الثنائي بين الاحزاب الاسلامية والولايات المتحدة الامريكية ويمكن تلمس ذلك من خلال عدة مؤشرات مهمة. 

    اولا: ان امريكا اتاحت الفرصة امام دول الاستبداد لتعيد انتاج مجتمعاتها انطلاقا من سلطة الثراء وتتوطن امنيا وايديولوجيا بقوة في بلدانها وارغام قوى التغيير على رؤية الواقع الذي اوجدوه بدلالة السلطة والخضوع لقيمها ومصالحها.

     ثانيا: العمل على فتح المزيد من مجالات غسيل السمعة للحكام والاستبداديين بحيث يمكن استخدامهم كشهود زور واوصياء ومندوبين عن مؤسسات وشركات بتعليب وتصدير الديمقراطية والحرية وبالمواصفات التي تقررها وصفات الموقف في ضوء تطورات الوضع السياسي والاقتصادي على الصعيد العالمي وصعيد المنطقة.

    ثالثا: الإكثار من قنابل التفجير الذكية في العلاقات بين دول الاستبداد المالي وخصوصا بين السعودية وقطر.. وذلك بايجاد الاحساس لدى السعودية بانها مغبونة بمساواتها مع قطر التي لاتشكل بالنسبة لها سوى اعلى 100، بل انها ترى الان الارجحية لقطر في الادارة بالنيابة لملفات ازمات الربيع العربي. 

    ان فرح السعودية بما يحصل وترحيبها بالدور البسيط الذي اضطلعت به قياسا للدور القطري، ينطلق من كونها اصبحت خارج اطار مرمى الربيع العربي..  فعمليات الملاحقة والتعسف الذي تمارسه ضد شعبها ، ظلت طوال الوقت بعيدة عن الانظار.. كما ان دورها في استخدام “درع الجزيرة” لقمع الثورة في البحرين لم يستأثر باهتمام بل حتى ولامتابعة الماكنة الدعائية والاعلامية التي رافقت الربيع العربي.. غير ان السعودية تجد نفسها مستهدفة بشكل غير مباشرة عندما تفضل امريكا التعاطي مع الاخوان المسلمين وتماطل او تمتنع احيانا من التعامل مع السلفيين الذين يحضون بدعم واسناد وتأييد السعودية، ومن ينشئ نوعا من عدم الراحة لما يجري الآن في مصر.. وعندما حاولت السعودية دس أنفها في تطورات الموقف من خلال إقراض مصر لتمكينها من التغلب على ازمتها الاقتصادية جاء الرد المصري رافضا التدخل السعودي في الشأن الداخلي للمتغيرات الجارية في مصر.. وعاد القرار المصري التاريخي ليؤكد أن موقف مصر الديني لن يتقرر الا في ضوء ما يقرره الازهر الشريف بعيدا من المؤثرات والتأثيرات السياسية. 

    ان ارتداء قطر والسعودية ودول خليجية اخرى رداء الاسلمة لم ينطل على  التقوى الفاعلة في المنطقة العربية، من هنا جاءت التحذيرات من الدور الذي تضطلع به هذه الدول على صعيد موجة التغيير في الانظمة فهذه الدول استطاعت تجبير عمليات التغيير لحسابها فبدلا من ان يكون البديل افضل، جاء البديل وفق المواصفات التي حاولت وتحاول قطر والسعودية واخرون في الخليج ان يكون متوافقا مع مسارات الجهد في ترتيب الاوضاع في الشرق الاوسط.

    إن أهداف أميركا في الشرق الاوسط تتحدد الآن بالنقاط التالية: 

    اولا : المحافظة على استمرار تدفق النفط وان لا يكون احد مصادرها استفحال الازمات الاقتصادية والمالية. 

    ثانيا: تطبيع العلاقات العربية الاسرائيلية .

    ثالثا: تكريس الهيمنة والسيطرة الامريكية .

    رابعا: اقامة اتحاد كونفدرالي بين المشرق العربي وعزل دول شمال افريقا باقامة اتحاد كونفدرالي بينهم، وانهاء وجود جامعة الدول العربية ومنظومة الامن القومي العربي وفق مشروع بريجنسكي مستشار الامن القومي الامريكي الاسبق. 

    ومن وجهة نظر الستراتيجيين الامريكيين ان هذه الاهداف لا يمكن تطبيقها الا في حالة استلام الاخوان المسلمين السلطات الحكومية واقامة أنظمة تتبنى الاسلمة وفقا لقواعد واسس التحالف والتفاهم بنيهم.. وهكذا كسب الاخوان المسلمون الجولة الاولى وبدؤوا حكومتهم الاولى في تونس وقريبا في مصر بعد ان استلموا الصولجان في المغرب لكن هل انتهت معاركهم السياسية….؟ وهل زالت عقود من التهميش والتغييب لهم والتنكيل بالعقلية الاخوانية؟ وهل ثمة اعداء جدد للاخوان بعد ان زالت الانظمة السابقة او في طريقها للزوال.

     في قراءة سريعة يبدو ان الاخوان قد بدؤوا فعلا بمعركة حقيقية، طرفاها اسلام متحضر ويعني من وجهة نظر الاخوان القبول بنظام مدني يحقق الديمقراطية والمجتمع المدني مقابل اسلام متخلف لا يؤمن بذلك ويؤمن بالخلافة وقيود ولاية السلطان والحاكم المستبد. 

    بيد انهم في ذات الوقت يجدون انفسهم الان امام معضلة فهم صاروا يصارعون عدوا جديدا يتجسد بـ”السلفيين” الذين يرفعون شعارات الاسلام التي حكم عليها الاخوان بـ” التخلف”. ان علة ما يجري الان من تناقضات محيرة يكمن اولا وقبل كل شيء في الفهم الخاطئ للاسلام من قبل الغرب بشكل وامريكا بشكل خاص، فعندما يطرح الاسلام كعدو حضاري فان ركائز ها الطرح تعتمد على ماتجسده حركات وتيارات اسلامية في الشكل والمظهر نمت وترعرعت ومارست ادوارا وادت وظائف ونهضت بجهود لا علاقة لها بالاسلام الحقيقي الذي جسدته المذاهب الخمس وعبرت عنه مراكز اشعاع هذه المذاهب في النجف الاشرف والازهر الشريف وغيرهما في العالم الاسلامي والواقع يشير وبوضوح الى ان وجود هذه التايرات والحركات الداعية للتطرف والعنف والغاء الاخر وعدم الاعتراف له لم يكن بعيدا عن بلورة ودعم وتنشئة الغرب لها فالحركة الوهابية والبهائية لم تنشأ اعتباطا او لقائيا بل ان الادلة والبراهين المؤكدة تشير وبوضوح لايقبل اللبس او الغموض وقوف المخابرات البريطانية خلف ظهورهما والبعض يضيف الى ذلك المخابرات اليهودية التابعة للوكالة الدولية اليهودية وباشراف من وايزمان شخصيا. 

    لقد استلمت الكثير من الحركات الاسلامية مواقع متقدمة واساسية في مجالات صنع القرار السياسي والاقصادي والثقافي والاجتماعي في الدول التي شهدت مخاضات الربيع العربي.. بيد ان ايا من هذه الحركات لم يقدم الدليل على انه يمتلك المشروع او البرنامج العملي الواضح لمعالجة الكثير من مشاكل وازمات واشكاليات وتداعيات الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الدول التي تفجر فيها الربيع العربي.. ففي مصر مازالت الحركات الاسلامية تتخبط في محاولات مثيرة للسخرية ، فتارة هي مع التطبيع الاسرائيلي المصري، وتارة اخرى هي ضد هذا التطبيع تارة هي مع استمرار العلاقات مع الولايات المتحدة الامريكية وتارة اخرى هي ضدها وهكذا هو التردد واالضياع والبلبلة السمة الاكثر وضوحا في تصرفات حركات الاسلمة ، والانكى من ذلك ان وحدة التصرف والموقف والتوجه والرؤية اضحت الان على المستوى العربي والاسلامي في عدم، بعد ان اتضحت تناقضات الموقف بين التنظميات الاسلامية وما حصل بين القرضاوي والامارات العربية المتحدة وبين الإخوان في مصر ورجال الدين في السعودية من السلفيين الجهاديين. 

    ان تحديد الموقف الامريكي حيال المنطقة وما يتقضيه الحال على مستوى حل ومعالجة مشاكلها وفي المقدمة منها انهاء الصراع الفلسطيني الاسرائيلي على اساس مشروع الدولتين ومساعدة شعوبهما للأخذ باسباب التطور والتقدم ومعالجة مشاكل الفقر والتخلف والتباين في مستوى الرفاهية والرخاء بينها وبين شعوب الغرب والولايات المتحدة الامريكية يستلزم الاجابة اولا على سؤال يتعلق بالموقف الامريكي في موضوعة صدام الحضارات فكلما تقدم فان هذا الصدام يعني صداما مع كافة الدول الشرق الاوسط اوسطية وبالتالي فان الاحتواء الامريكي لهذه الدول يصبح ضروريا واسرائيل هي اداة الاحتواء المفضلة وفي هذه الحالة فان الاسلمة تفقد مبررات وجودها في ظل الحماية الاكيدة للمصالح الامريكية في المنطقة عبر التواجد المكثف والمقنن للقوات الامريكية فيها واذا اضفنا الى ذلك ماتوصل اليه التيار الواقعي الامريكي من ان الاسلام لا يمكنه في المدى المنظور ان يشكل خطرا حقيقيا على المصالح الاميركية بشكل خاص والمصالح الغربية بشكل عام نقف أمام حقيقة متكاملة لايمكن تجاهلها، تلك هي ان الولايات المتحدة الامريكية اضحت الآن اكثر استعدادا لإنهاء ظاهرة الاسلمة المنحرفة والمتطرفة من خلال الدفع بها الى مستوى السلطة بعد كانت في مأمن مما يترتب على المواجهة المباشرة مع الشعوب من خلال السلطة، ما تفرزه من ظواهر  ومظاهر قهر واحباط واضطهاد وتعسف. 

    لقد ظل الاسلام المتطرف او المنجرف طوال اكثر من 130 سنة قابعا خلف الكواليس والغرف المظلمة والاقبية العميقة وحتى اولئك الذين تمكنوا من الوصول الى السلطة عبر التحالف السعودي- الوهابي.. واجهوا حراجة الجمع بين الممكن والطموح ،بين المتحقق والمتوقع فابتعد الكثير من الوهابيين من مراكز القرار السعودي وتحول البعض منهم الى معارضين بل واعداء للحكم السعودي باعتباره كان ومازال عاجزا من الوصول الى مايريدونه ويسعون اليه.. ومن هنا يجد المسعى القطري في تبني التيار الوهابي الجديد صداه على مستوى المتطرفين الوهابيين في السعودية غير ذلك مع الانشطارات والانشقاقات التي حصلت على مستوى تنظيمات الاخوان المسلمين وظهور السلفيين الجهاديين والسلفيين الوهابيين والسلفيين الاصوليين وغيرهم. 

    ولم يؤد كل ذلك وغيره الى إحداث القناعة الكافية بامكانية توقع زوال هذا النمط من الانحراف المؤذي ان لم تتورط التنظيمات المتطرفة بعملية السلطة وماتتطلبه من جهود واجتهادات ورؤى توفق بين الممكن والطموح وهذا ما ليس في امكان هذا التيار تحقيقه والدليل ان ما يحصل الان من تخبط وعشوائية تعبر خير تعبير عن افتقار تنظيمات الاسلحة لاسس وقواعد الانتقال السلس والصحيح، من دور المعارض الى دور الحاكم، من دور المحرض على التمرد، وقيادة عمليات الارهاب من قتل وقتل جماعي وعمليات اغتيال وجرائم منظمة، الى دور الحاكم المسيطر والمنظم والعامل على فرض الأمن واحترام القانون. 

    ويظل السؤال العالق .. ترى هل تستحق الاهداف التي تتوخاها امريكا من الربيع العربي احراق تنظيمات الاسلمة في اتون نيران السلطة في زمن اللا استقرار واللا امن في الوسط العربي والاسلامي..؟! 

    من وجهة نظر الستراتيجية الامريكية الجديدة.. فإن مستقبل وجودها ودوام استمرار مصالحها يتطلب ذلك.. فالمتغيرات التي حصلت وستحصل تتطلب نموذجا مختلفا تماما عن النماذج التي عرفت. خلال العقود الماضية وبضمنها العقد الاول من الالفية الثالثة ، المطلوب اآان المزيد من الدميقراطية في ظل وجود قوى لها تمثيل حقيقي في الاوساط الشعبية قادرة على التفاعل مع عملية صنع الرأي العام وبمحورية ديناميكية نشطة، لها دور مهم اضطلعت به ، وهذا ما سنتناوله في موضوع لاحق.      

  • توزيع عائدات النفط على الشعب

    لست ممن يشكّون لحظة بحرص السيد(مقتدى الصدر) على ان يكون المواطن العراقي بصورة طموح ترضي(الله والمرجعيات).ويأتي عدم شكّي من معطيات كثيرة ظهرت في الآونة الاخيرة تحديدا؛ لعل في المقدمة منها حرص الرجل على ابعاد العناصر الطفيلية التي اندست بين صفوف(التيار) ومن ثم اعتماده على الكفاءات الانسانية والعلمية؛ وهو ما يظهر جليا في نخب(الهيئة السياسية) وما تتمتع به من حسّ متصل بهموم المواطن؛ والجهد الذي يبذله اعضاء( تيار الاحرار) من اجل يكون الغد افضل من الأمس (ويأتي هذا على العكس من بعض – واقول بعض – الأحزاب الاسلاموية التي وضعت حواجز كونكريتية- وانسانية – بينها وبين الناس؛ ان لم نقل صارت مناطق خضرا داخل انفسهم نفسها)!!

    اعود الى السيد(الصدر) ومطالبته بتوزيع الفائض من واردات النفط على المواطنين؛ وهي دعوة مشكورة ونبيلة؛ لأن السيد لم يحدّد اذا كان المواطنون شيعة – سنة – مسيحيين – الخ ؛ وانما طالب بتوزيعها على عموم أبناء العراق؛ وبحسب الانباء المتواردة من (قبة البرلمان) فإن هذا المقترح هو قيد الدراسة أو التصويت.

    لكن – المفروض – ان يناقش البرلمان الخطوات التي يجب ان تسبق هذه الخطوة؛ وفي المقدمة منها: كيفية السيطرة على السوق المحلية من قبل الحكومة؛ وتفعيل دور(الشرطة الاقتصادية) التي ستحد من التهاب الاسعار عند اية زيادة حتى ولو كانت «ملاليم»!

    لأن من دون هذه الرقابة الصارمة ؛ ومن دون اجبار المضاربين بقوت البسطاء على وضع التسعيرات على مختلف المواد التي تدخل في الاستهلاك اليومي؛ ستأتي المطالبة بـ(زيادة الدخل) او(اعطاء المعونات) او(توزيع العائدات) بردة فعل أقل ما يقال عنها: كارثية.

    وخير برهان على ذلك (رواتب الموظفين) فلو كان هذا المرتّب الذي يتقاضاه الموظف الان في زمن(الاسعار السابقة للتغيير) لكان الانسان العراقي في بحبوحة وعيش رغيد؛ ولم يختلف حاله عن حال(بشر الخليج) او بشر الدول التي تحترم مواطنيها؛ لأن الرواتب الان من(ربع مليون وصاعد) لكن اسعار الخضار والمواد التموينية قد التهمت – وبشراهة نارية- كل هذا المنجز الرواتبي؛ وكأنّ التجار يغنّون امام احلامنا بالرفاهية( صاعد صاعد وعلى عناد كل حاقد)!!.

    المقترح المقتدائي؛ جميل وكبير وهو حلم بالنسبة للكثيرين منا ومن الاجيال ايضا؛ فثمة دول نفطية حين يأتي الطفل الى الحياة؛ مباشرة يوضع رصيد باسمه في البنك؛ وفي كل شهر يضاف اليه ما يضاف من العائدات او المكرمات؛ حتى اذا ما كبر واراد ان يدخل الحياة او يباشر العمل؛ وجد ما يعينه ومن دون ان يضطر- كحال شبابنا – الى التصارع على (ترفك لايت) او يكون جل الطموح الحصول على(عربانة)!!

    فعّلوا دور الرقابة قبل ان تفعلوا المقترح؛ وإلا كأنك «يا بو زيد ما غزيت»!!

  • الربيع العراقي!!

    لا يكاد فصل الربيع يمرّ على العراق إلا مرور البخلاء، فهو أيام معدودات يصعب التعرف عليها، واعتقد ان اطلاق تسمية (الفصل) كبيرة عليه، وانا بخلاف كثيرين، لا احب (الربيع العراقي) ولم أتعاطف معه، وليس في ذاكرتي صور مشرقة عنه، فمع قدومه كل عام، اعاني من الحساسية والربو والعطاس، ولكن معاناتي الاكبر هي مع طقسه المتقلب، ففي ساعات الصباح الاولى يكون الجو لطيفا منعشا، وشيئا فشيئا تبدأ درجات الحرارة بالارتفاع، حتى يتحول النهار قبيل الظهر وعند الظهر والعصر الى صيف مقرف، ثم يعود الى الاعتدال بعد الغروب، ومع الاقتراب من منتصف الليل تنخفض درجات الحرارة وتقترب في اغلب الاحيان من اجواء الشتاء، ولهذا لا ادري كيف أتعامل معه، وأي ملابس تصلح له!؟ 

    قبل ثلاثة اسابيع على ما اظن، وانا في ظل (الربيع العراقي)، ذهبت الى سريري قرابة الحادية عشرة ليلا، وسحبت اللحاف فوق جسدي، وعلى عادتي اليومية حين أذهب الى الفراش، أعود الى رشدي واستغفر الله من ذنوبي النهارية التي لا تحصى ثم اقرأ الشهادة والفاتحة والمعوذتين والإخلاص والكرسي، ولا اكاد انتهي منها حتى اكون قد استسلمت للنوم، ولكنني في تلك الليلة اعدت هذا الطقس الليلي المعتاد عشر مرات من غير جدوى، الى ان اكتشفت علة أرقي، فقد ظهر ان الجو حار ولا يحتمل الغطاء، ولهذا تخلصت منه، وفعلا استغرقت في النوم فورا، ويبدو ان الجو قد تغير بعد ساعة او ساعتين، واصبح باردا، وربما شديد البرودة، لأن الاحلام الفوضوية الكثيرة التي داهمتني، لا يمكن إلا ان تكون احلام انسان نائم في جو بارد من غير لحاف!! 

    على الرغم من تعاقب الأحلام في تلك الليلة بدون انقطاع، ولكن لم يعلق في ذهني الا آخرها، حيث رأيت نفسي عاطلا عن العمل، فتقدمت الى مؤسسة إعلامية تابعة للحكومة، وعرضت على لجنة المقابلة 6 آلاف (نموذج) من كتاباتي الصحفية نالت إعجابهم الكبير، حتى ان رئيس اللجنة ـ وكان على قدر عظيم من الادب الرفيع والتواضع الجم ـ قال لي بالحرف الواحد (المفروض يا أستاذ ان تكون مكاني.. على اية حال نحن نتشرف بقبولك)، وشكرته بالطبع جزيل الشكر على عبارته الكريمة، ولكن النتيجة التي تسلمتها بعد أسبوع قضت بعدم الموافقة على طلبي، لكوني عملت مع أبواق الأنظمة المقبورة منذ عام 1964، ولم اشأ الاعتراض او التذكير، ان 98% من العاملين في هذه المؤسسة كانوا يعملون في الاجهزة الاعلامية للأنظمة المقبورة، وذلك حفاظا على نفسي من القيل والقال ودوخة الراس!! 

    وهكذا يمضي الحلم ويقودني الى ردة فعل غاضبة جعلتني أتقدم الى مؤسسة اعلامية تابعة لدولة العراق الإسلامية، ورحبوا بي اجمل ترحيب، غير انهم ما ان اطلعوا على بضعة الاف مادة صحفية نشرتها منذ 2003، حتى اكفهرت وجوههم، وقالوا لي بالحرف الواحد (انت اذن عميل وتتعاون مع الاحتلال)، وامروا بذبحي على الطريقة الاسلامية!!

    حين سمعت العقوبة، اصفرّ وجهي، وسرت رعشة قوية في جسدي، وحاولت الهرب الا ان قدميّ لم تتحركا من مكانهما، وكنت كلما مرت لحظة جديدة ازدادُ خوفا وارتعاشا بحيث استيقظت من النوم وانا (اختض مثل السعفة) كما يقولون، وفي الحال دسست جسمي تحت اللحاف وشعرت بالدفء، ونمت (نومة) عميقة خالية من الأحلام!! 

  • الخصيبي الذي أعاد للأرض خصوبتها

    لا يختلف اثنان إن العم “أبو صلاح”, ونعني به (الأستاذ الكبير والمربي الفاضل: ياسين صالح العبود), ابلغ منا كلنا وأكثر دقة وفصاحة عندما يتحدث عن تاريخ البلد الخصيب (أبو الخصيب), وأوسع منا معرفة عندما يتكلم عن رجاله وبساتينه وجداوله ومدارسه ومساجده وتقسيماته الإدارية, بيد انه لم يستطع في الفصل التاسع أن يواكب كل المسارات المتشعبة التي قطعتها قوافل الإبداع الطويلة, وما حققته تلك القوافل من انجازات باهرة سجلها أبناء (أبو الخصيب) في سجلات المجد والتألق, وعلى وجه التحديد في المسارات العلمية الميدانية, البعيدة عن البيئة التي عاش فيها العم (أبو صلاح). لقد تكلمنا قبل مدة عن العالم الجيولوجي المتميز (فاروق بن عبد العزيز القاسم), وسنتكلم في مقالة قادمة عن الخبير الجيولوجي اللامع (قاسم بن محمد العبد الوهاب), ونتكلم اليوم عن الخصيبي (نوري عبد القادر حسن الحبيب البياتي), الذي تفوق على أقرانه ببحوثه الحقلية والمختبرية, فنجح في تطوير أحدث أنواع الأسمدة الزراعية, التي كان لها الدور الفاعل في حقبة الثمانيات من القرن الماضي. 

     ولد الدكتور (نوري عبد القادر) عام 1935 في بستان من بساتين (أبو الخصيب) بالبصرة, من عائلة امتهنت الفلاحة والملاحة, وتعلم قراءة القرآن في كتاتيبها, ثم التحق بالابتدائية في سن السابعة, وأنهى تعليمه الابتدائي بتفوق ليلتحق بالمتوسطة, ثم انتقل إلى الثانوية المركزية بالعشار, واستطاع أن يجتاز امتحانات البكالوريا بأعلى المعدلات, وكان شغوفا بمواد الفيزياء والكيمياء والرياضيات, فاستحق القبول في كلية الطب, لكنه تركها وتوجه إلى كلية الزراعة, بعد أن فشل في التأقلم مع كوابيس علم التشريح, فلم تصمد طبيعته الرقيقة المسالمة أمام تحديات التشريح والجراحة, فاختار كلية الزراعة بجامعة بغداد لأنه وجد فيها الملاذ الطبيعي الذي ينتمي إليه, حيث الماء والخضراء, وربما الوجه الحسن, وتخرج فيها بتفوق عام 1959, ثم واصل دراساته العليا خارج العراق, فنال الماجستير في الحقليات عام 1965 من جامعة نبراسكا بولاية كاليفورنيا, ونال الدكتوراه عام 1968 في الجامعة نفسها في تحليل التجارب الزراعية, عاد بعدها إلى بغداد ليعمل في معهد البحوث والمشاريع الاروائية رافضا كل المغريات التي عرضت عليه للعمل في المراكز العلمية الامريكية.   كان المختبر بيته وصومعته وعالمه الخاص, الذي أمضى فيه أجمل أوقاته, فانصرف إلى التجارب الميدانية, وسجل سلسلة من النجاحات المتواصلة في هذا المضمار, كان لها الأثر الكبير في إنعاش المشاريع الزراعية في الريف العراقي الجميل, بيد انه لم يستمر طويلا, فقد جاء رفضه المتكرر لكل الانتماءات الحزبية ليضع المعوقات في طريقه, فأقصته التقلبات السياسية من عمله الميداني, ورمته الأقدار خارج مختبراته, وأجبرته على الالتحاق بالهيئة التدريسية لكلية الزراعة بجامعة بغداد, لكنه عاد ثانية ليسجل المزيد من الانجازات العلمية الرائعة, نذكر منها مشاركته في تأليف كتاب (خصوبة التربة والأسمدة) مع اثنين من عمالقة الكلية, ونعني بهم: (أ. د. عبد اللطيف العيثاوي, والأستاذ الدكتور حسن يوسف الدليمي), ووقع عليه الاختيار ضمن العلماء الذين اختارتهم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي للإشراف على مشاريع الخطة الخمسية لتطوير الزراعة في العراق, وقام بزيارات عديدة للمعاهد والمراكز الزراعية في ألمانيا وهولندا, وكان من خيرة رؤساء الأقسام, الذين تعاقبوا على رئاسة قسم التربة في الكلية, واستمر في رئاسة القسم حتى وافته المنية في السابع من حزيران عام 1990, وشيعته جامعة بغداد في موكب مهيب إلى مثواه الأخير في مقبرة الكرخ. 

     يعود للدكتور (نوري عبد القادر) الفضل الكبير في تطوير سماد (البتموس Peat Moss) المستخرج من صنف من نباتات (الموس), التي تتألف من أكثر من (300) صنفا, لها القدرة على تعديل نسبة الأكسدة في التربة, وإمدادها بالمواد الحمضية على حساب المواد القلوية, وللبتموس خاصية فريدة على امتصاص الماء, وتعزيز خصوبة التربة.   انكب الدكتور نوري على دراسة وتطوير هذا النوع من السماد الطبيعي, فنجح في إعادة تصنيعه وتغليفه بعبوات وقوالب وأقراص صغيرة وكبيرة لحساب شركة الرافدين بالتعاون مع مديرها الخصيبي (السيد حازم النقيب), فلقيت رواجا كبيرا في الحقول العراقية والخليجية, وكانت أحد الأسباب المباشرة, التي أسهمت في تحقيق أعلى معدلات الإنتاج, بسبب فاعليتها الملموسة في تنشيط خصوبة التربة. .  تعرف نوري في كاليفورنيا على فتاة تركمانية (سفيم يوسف اكسوي), كانت تدرس الاقتصاد المنزلي, فتزوجها, وكانت خير عون له في حياته. أنجبت له ثلاث بنات, الكبرى (سمارة) تخرجت في جامعة بغداد قسم الهندسة المدنية, والوسطى (رويدة) تخرجت في الجامعة الامريكية قسم الهندسة الالكترونية, والصغرى (زينة) تخرجت في الجامعة نفسها قسم الهندسة الكيماوية. كان أبوه (عبد القادر حسن الحبيب) مديرا لشرطة (أبو الخصيب), وعمه (بهجت حسن) مديرا لإحدى مكاتب خطوط الشحن البحري في شط العرب, وهو أيضا صاحب شركة (Soft Ocean Lines). .كان يحب القراءة, ويعشق العمل في المختبرات, وكان يجيد العزف على آلة العود, حتى برع في العزف, واستطاع أن يؤلف مجموعة من القطع الموسيقية, ويشارك في الاحتفالات الشعبية العربية, نذكر منها الحفل التضامني, الذي أقامه في أمريكا المركز العربي الفلسطيني عام 1967 بعد النكسة. .كان رحمه الله مربيا فاضلا, متحررا من القيود الاجتماعية المتحجرة, يميل إلى مساعدة الناس جميعا من دون أن يفرق بين هذا وذاك, وكان من الوطنيين المعروفين بولائهم المطلق للعراق وشعبه, كرّس حياته العملية كلها في خدمة المشاريع الزراعية بين النهرين من دون أن يفكر بالنواحي الربحية والنفعية, لم يكن انتهازيا, ولا وصوليا, بل كان إنسانا جادا مثابرا, مخلصا لوطنه, بارا بأسرته, محبا لزوجته, شديد الاهتمام ببناته. ارتبط بصداقة حميمة مع الوزير الكويتي (السيد أحمد النقيب), ووزير الزراعة العراقي (حسن فهمي), والأساتذة جليل القرة غولي, وفاخر الركابي, وكمال عبد الأئمة, وغازي عبد الرحيم, والدكتور علي التميمي, والدكتور عبد الله العاني, والدكتور عزيز العبيدي, والدكتور ناجي عبد القادر. .كانت حياته أشيه بحياة طلاب الدراسات العليا, فقد عرفه الناس بملابسه العادية كسائر الطلاب والتلاميذ, حتى بات من الصعب التفريق بينه وبين عامة الناس, فالتواضع هو العلامة الفارقة في مظهر هذا الرجل, ولئن كان هناك امتياز, فهو امتياز في درجته العلمية, وفي قدراته الذهنية المتجددة, وفي كفاءته التدريسية الفذة. .ختاما نقول إن السيرة العامة لأبناء هذا البلد الخصيب تحتاج إلى تضافر الجهود الجماعية في سبيل كتابة الصفحات المشرقة المشرفة, التي ينبغي أن تُطرز فيها أعمالهم الجليلة, وأياديهم البيضاء, وجهودهم المتواصلة, وان ما كتبه العم (أبو صلاح) عنهم لم يكن كافيا لتغطية انجازات رجال العلم والقلم, ولم يكن كافيا لذكر فضائلهم والإشادة بهم, ولعل النية تتجه بتوفيق الله إلى تأليف كتاب شامل يتناول كل المسارات التي قطعتها قوافل أبناء البلد الخصيب في الاتجاهات المتشعبة.

  • الأخطاء الحزبية في السياسة العراقية.. الأحزاب الكردية مثالا

    كثيرة هي اخطاء الأحزاب العراقية بحق الدولة والشعب في العراق, وانا هنا ابحث هذا الموضوع الحساس من زاوية فكرية بعيدا عن التعصب والعنصرية والتي كثيرا ما تمارس في الحياة السياسية فتشوه الحقائق, وتبتعد عن الحاجة الوطنية في تشخيص مفردات العمل السياسي الذي يجمع ولا يفرق .وعذري للقارئ الكريم ان حديثا من هذا المستوى لايسلم من مزاجية البعض, مثلما لايسلم من اثارة النعرات التي تدخل الضغينة وتستحضر العداوة, وتتخلى عن موائد الثقافة لتستجدي فتات الجهالة وهي كثيرة.واخطاء الأحزاب العراقية تراوحت بين اخطر مظاهر السياسة والثقافة, والتي يمكن اختصارها على الشكل الاتي:1-  العوق الثقافي 2-  التبعية السياسية. ويمكن استثناء حزب الدعوة الاسلامية في مرحلة التأسيس من العوق الثقافي لان مؤسسه فيلسوفا تسلق قمم العالمية من خلال انجازه نظرية التوالد الذاتي في تفسير المعرفة البشرية فاصبح المتربع على عرش الريادة المعرفية بعد ارسطو, ثم هو من صنع زادا ثقافيا منفتحا على الاخر من خلال كل من:1-  كتاب فلسفتنا 2-  كتاب اقتصادنا3-  البنك الاربوي في الاسلام 4-  الأسس المنطقية للاستقراء. وهي موسوعات فكرية قدمت للشباب العراقي, وللشباب في العالمين العربي والاسلامي ثقافة انسانية غير متقوقعة في الاطار الطائفي, مثلما قدمت للفكر العالمي اضافة لاينكرها العلماء والمحققون والفلاسفة و”نظرية التوالد الذاتي في تفسير المعرفة البشرية مثالا على ذلك”.بينما لانجد لدى الاحزاب العراقية الاخرى من شيوعية, وقومية, ومسميات تختلط فيها اليسارية والعلمانية, وتفرعات اتخذت من العنوان الوطني شعارا لم تعطه حقه, مما جعل الرأي العام الشعبي العراقي يتخذ موقفا سلبيا من العمل الحزبي بكل مسمياته وانتماءاته.واذا غادرنا الجانب الفكري الذي عرفنا من هو المستثنى فيه فإننا في الجانب السياسي سوف لانجد احدا من الاحزاب العراقية مستثنى من الاخطاء والسلبيات والتي توزعت مابين الاتي:1- اخطاء الممارسة والاداء وتشمل الجميع 2-  اخطاء فكرية ويمثلها كل من الحزب الشيوعي وحزب البعث “على انه لم يكن حزب البعث حاملا لخطاب فكري”.3-  اخطاء في الاستراتيجيا والاهداف تشمل كل من الاداء الفكري والسياسي يمثلها كل من الحزبين الكرديين العراقيين”.ولهذا سنركز حديثنا على اخطاء الاحزاب الكردية التي جرت العراق هذه الايام ومن خلال ممثليها الرئيسين وفي مقدمتهم السيد مسعود البرزاني الى مزيد من التشنج لاسيما وانه جاء بعد انعقاد مؤتمر القمة العربية في العراق, وما يترتب على الاحزاب العراقية من تبعات وطنية تنتصر للعراق لا للأشخاص وهذا مما لم يحدث, بل رأينا اصرار لدى البعض على اثارة الزوابع السياسية والعواصف الفئوية والتي يوجد لها من يتربص الفرص لإبعاد العراق عن تحقيق وحدته الوطنية واستكمال مسيرة استتباب الامن ومعها مسيرة الاعمار والبناء المتعثرة.. 

    ويمكن اجمال اخطاء الاحزاب الكردية العراقية بما يلي:1- استثمار علاقتهم بالمسؤولين الامريكيين لمصالح خاصة بهم دون مصلحة الوطن العراقي واتضحت هذه الامور من خلال كتابة الدستور الذي وضعت فيه عقبات تعوق جمع الشمل الوطني مثل:ا‌-  المناطق المتنازع عليها وتثبيتها في الدستور وهو خطأ سياسي ودستوري بالغ الخطورة.ب‌- جعل نصيب ثلاث محافظات القدرة على تعطيل ماتريده بقية المحافظات وهو امر غير ديمقراطي وغير قانوني وتعسف واضح لتفتيت الارادة الوطنية.ت‌- اعطاء المحافظات والاقاليم حق فتح مكاتب في السفارات العراقية والقصد من ذلك معروف وهو امر يدعو للفوضى وضعف الدولة الفدرالية.ث‌- اعطاء حق المحافظات والاقاليم في اصدار عملة ورقية بلغتها وهو امر غريب على منهج الفدراليات العالمية.ج‌- اعطاء حق الاقاليم اصدار جوازات سفر بلغتها وهو امر غير متعارف عليه في الفدراليات ويراد من خلاله اضعاف المركز الفدرالي للدولة.ح‌- اعطاء حق المحافظات والاقاليم استعمال لغاتها الخاصة في التعليم ومع احترامنا لكل اللغات وحق ابنائها تعلم لغتهم الام الا انه وبالطريقة التي كتبت في الدستور يراد منها خلط الاوراق التربوية وتعجيز الدولة الفدرالية..خ‌- عدم الحرص على تطبيق الدستور في موضوع البيشمركة وفي موضوع السفر بين المحافظات والاقاليم حيث عاملوا ابناء المحافظات وكأنهم اجانب وفرضوا عليهم “الكفالة وتحديد الاقامة” وهو امر يرفضه الدستور ولا تقره الاعراف الفدرالية.د‌- تشبثهم بأخذ حصة 17/0 من الموازنة العامة هو ابتزاز سياسي غير مقبول ومخالف للدستور.ذ‌- اصرارهم على وجود ممثل لاقليم كردستان في بغداد تصرف لايقره الدستور وليس له تفسير سياسي سوى روح الانفصال غير المبرر.ر‌- استحواذهم على واردات المنافذ الحدودية وعدم تحويلها للمالية المركزية الفدرالية تصرف يخالف حق الشعب العراقي في ماليته العامة ويخالف الاعراف الفدرالية المعروفة.ولقد برزت اخطاء مثيرة للشك ومعطلة للوحدة الوطنية ومخالفة للسيادة العراقية من خلال مواقف السيد البرزاني الاخيرة في كل من:1- احتضانه لمؤتمر اكراد سورية في اربيل2- استقباله كل من سمير جعجع ووليد جنبلاط والمعارض السوري برهان غليون في اربيل دون علم وموافقة الحكومة الفدرالية هو خرق للسيادة الوطنية وتدخل في الشؤون الخارجية وصلاحياتها حصرا واضحة في الدستور.3- اصراره على عدم تسليم شخصية سياسية عراقية مطلوبة للقضاء العراقي وغض النظر عن سفره خارج العراق بطريقة تسيئ للحكومة الفدرالية.4- قيامه بايقاف تصدير النفط من اقليم كردستان بطريقة فردية لاتنتمي لروح الشراكة الوطنية الفدرالية.5- تهريب النفط العراقي من منفذ حاج عمران الحدودي بطريقة غير شرعية مضرة بالاقتصاد العراقي.6- سماحه لتواجد اسرائيلي عبر صحيفة “اسرائيل كرد” التي يشرف عليها داود التركي الكردي7- وجود الموساد الاسرائيلي في كل من عينكاوه وسره رش وسمسرتهم بالدواء معروفة.8- غض الطرف عن وجود حزب العمال الكردي التركي في الاراضي العراقية مما اعطى المبرر لتركيا باجتياح الاراضي العراقية بصورة مستمرة.9- الاصرار على الايحاء بان اكراد العراق يريدون الانفصال وهو عمل ينطوي على الكثير من النوايا المبطنة التي لاتصلح للشراكة الوطنية بمصاديقها العملية. 10- محاولة رمي الحكومة المركزية ورئيسها بالعجز والفشل وبالتطرف والاقصاء في حين ان السيد مسعود البرزاني ومن معه من القيادات الكردية في الحزبين هم من يعملون في وضح النهار على عزل الاقليم عن الدولة الفدرالية فلايوجد اي تواصل في التربية والصحة والزراعة وبقية الحقول الاساسية والمهمة في بناء الدولة الفدرالية, وما سعيهم الدؤوب على فتح قنصليات وممثليات اجنبية في الاقليم وقيامهم بفتح ممثليات لهم في اكثر من دولة مما يعززروح الانفصال, واصرارهم على استعمال الاصطلاحات الانفصالية مثل كردستان العراق وليس شمال العراق, وصحافة كردستان وليس الصحافة العراقية وحكومة كردستان وليس الحكومة الفدرالية وقيامهم بالسفر واللقاءات الدبلوماسية بعيدا عن التشاور مع الحكومة الفدرالية واصرارهم على عقد التراخيص مع الشركات الاجنبية دون علم علم الحكومة الفدرالية, كل ذلك هو من اخطاء الاحزاب الكردية التي تمادت كثيرا في استغلال الظروف المرتبكة التي يمر بها العراق نتيجة الاحتلال والارهاب والمحاصصة ومضاعفاتها المعروفة.

  • و.. رقم للقسوة

    سياسيونا, وكما يبدو, يحبون اكل الثريد, ولكن بدم بعضهم البعض… وكأنهم يلهثون لتسجيل الرقم القياسي في القسوة مع الارقام المعروفة الاخرى… وقد يخرقون كل الحدود والاعتبارات الاصولية والقانونية والانسانية, وتمحى من ذاكرتهم مواقف حميمة واصيلة وشجاعة.. وفي لحظة يضع على وجهه قناع التنك. بل وقد لا يضعه ويتجلى عن نذالة خالصة.

    يقول انه تفاجأ بالقرار القاسي بحقه, وتساءل مذهولا ان كان قد شاركه سنوات الشقاء وصقيع الغربة حقا.. ام انها في المخيلة ومجرد اوهام؟؟

    والقسوة ليس فقط بين الفرقاء المختلفين، بل بين الفريق الواحد والطرف الواحد …. وبما يوحي بقناعات وحقائق بالغة الخطورة ويصعب توصيفها وتسميتها .. وان ما يطفو على السطح ان هناك واقعا غير مرئي ومفاهيم غير منطوقة وعلاقات غير سوية وتواطؤات تثير الذعر وغير مسبوقة في دهاليز السياسة … حيث يدخر السياسي ما يشهره بوجه الآخر اذا اختلف معه… أي ان هناك تغاض وسكوتا عن جرائم ومفاسد وان شملت ارواح العراقيين واموالهم وثرواتهم العامة.. تواطؤ وتغاض وسكوت وان ازهقت ارواح وظلم بشر..

    القسوة عرض لحالة… فرجل السياسة والدولة يتمتع بالجدارة بقدر سعة قلبه وتفكيره.. بقدر حريته ونزاهة اجراءاته… بقدر وقوفه ضد نفسه وهواه وطبعه المنحاز, بقدر التزامه وتقديره للثابت والدائم والمبدئي, على العابر والزائف وان حقق رغباته وميوله ومصالحه الشخصية.. بل يعنيه رأي وحكم التاريخ, ورضى السماء على كل ما يأتي به المعوج والباطل….

    شكوى احدهم مثل سابقه من انه ضحية غدر شريكه في الكفاح, لا لشيء إلا لأنه كان امينا لعمله ولما ادعاه ورفعه من شعارات في خدمة الفقراء ولتجسيد ما امضى كل عمره في التمني ان تتاح الفرصة ليرى البشر النعيم الذي يقوم في الارض بدولة العدل والانصاف وتصالح الذئب والحمل والتقاء الناس, على الاقل في مشتركهم الانساني… ولكنه كف عن مواصلة الشكوى عندما استشرت وتفشت التهديدات كل طرف للآخر بكشف المستور وفضح الجرائم والمفاسد … واستمرت وتواصلت وتصاعدت مسلسلات التهديد والفضح وباتت وكأنها ممارسه اعتيادية وروتينية وبلا اي حرج .. ولا يبدو ان السياسي لينتبه الى  انه انما يدين نفسه ويجرمها, ويتبرع بالاعتراف انه مدلس ومداهن ومتواطئ وخائن لشعبه ووطنه لأنه لزم الصمت على القتل والسرقة والفساد… وكأن السياسي قد عاد لطبعه المبتذل والرخيص والسوقي..بل.. و.. الداعر… فهو مشهد تلك الممتهنات تقديم المتعة وهن يتلاسن ويتفاضحن وتكشف الواحدة للاخرى مقدار وساختها.. وانهن لا يجدن حرجا في بذاءة الفاظهن وحقارة ممارساتهن.. فتلك حياتهن.. وان السياسيين انما يكشفون عن جواهرهم وطباعهم إذ يتبارون في التهديد والفضح والكشف.. وان كان الامر يتعلق بمصير شعب كامل…هذه المشاهد غير مسبوقة في السياسة وبين مبتدئيها ومدعيها ولكنها باتت طبيعية في العراق.. ولذا فما يبدو قسوة وكسر عظم هو في اذهان بعض من التقطوا وحملوا من (اماكنهم) الى السياسة والسلطة هو في غاية الطبيعية.. وقد يعني لهم الاثارة والبراعة والحنكة وليس الاعتراف بالجرم والعار…