Blog

  • ذكريات كهربائية!

    في عام 1997 دعاني احد الزملاء لحضور مؤتمر صحفي تقيمه وزارة الكهرباء، ولكي يحبب الحضور الى نفسي لمعرفته إنني أتحاشى المؤتمرات بسبب قناعتي، ان أي مسؤول يتحدث في المؤتمر، ينظر إلى الصحفيين على أنهم مجموعة من المستمعين يدونون في أوراقهم ما يود إملاءه عليهم من معلومات يجب تصديقها ولو بالعين الحمراء، ولهذا كنت افضل ملازمة البيت على (إغواء) المؤتمر وما يدره من هدايا مالية تستحق احتمال المسؤول !! فقد اخبرني أن الجلسة ستكون بعد الإفطار (كنا في الشهر الكريم)، وهي اقرب ما تكون الى أمسية رمضانية، منها إلى جلسة رسمية! 

    الحق استمتعت بلقاء العديد من زملائي الذين استمتعوا بأفضل أنواع الزلابية وتوابعها التي لم أذقها، فانا لا اشتهي في رمضان غير الشاي، وكنت افكر ان المشرفين لن يفوتهم ذلك، ولكن اعتقادي لم يكن في محله، ولو أنهم سقوني في تلك الليلة الباردة، قدحا من الشاي الساخن المهيل، كتبت أجمل ما يمكن بحق الكهرباء والوزير والسيد الرئيس، وهكذا وجدت ذهني شاردا بينما المدراء العامون يفيضون بالشرح عن الميكاواطات والمتوفر والحاجة والحصار والأرقام التي تدوخ الرأس.. وانتهت (المحاضرة) وأدركت في نهايتها أن لا مجال لأي تحسن او أمل في تجاوز محنة الكهرباء.

    حديث رسمي طالما سمعت وقرأت الكثير عنه، وكنت كلما تقدم الوقت وتضاعفت حاجتي الى كوب شاي، ازداد حقدا على مسؤولي المؤتمر، وعلى زميلي الذي ورطني ورطة لا احسد عليها، ثم بدأت اسئلة الزملاء تنهال، واغلبها تمت الإجابة عليها ضمنا، وكنت ما أزال منكفئا على ذاتي، اتابع الوقائع بضجر حين فاجاني احد المدراء (لم تسمع الاستاذ، وما اذا كان لديه استفسار او ملاحظة!) ويبدو ان شعري الابيض وحقيبتي الدبلوماسية وربطة العنق المستعارة، هي التي اوقعتهم في هذا الوهم، ومنحتني لقب (استاذ)، ولو كان الرجل يدرك درجة الحقد التي بلغتها وان الأستاذ لم يهيئ، ولم يتهيأ لأي سؤال، لما أحرجني بتلك الطريقة الأخلاقية المهذبة!! 

    تنحنحت مقلدا زملائي، وطرحت عليه سؤالا، لا ادري كيف خطر على بالي (إذا كان وضع الكهرباء على هذه الصورة المحزنة، فكيف لا تنقطع في أعياد الحزب القائد وميلاد السيد الرئيس حفظه الله ورعاه لمدة 3 او 4 ايام متواصلة؟!)، وافضت في شرح السؤال على الرغم من السلوك اللا اخلاقي السمج لأحد الزملاء وهو يغمز لي بعينه مرة، ويقوم بحركات مريبة مرة أخرى!

    اصفر قلبه من السؤال، وتكهرب الجو، ولعنت نفسي، فانا والله ما قصدت إحراج الرجل الذي تحدث طويلا من غير أن يقترب من سؤالي ـ وكان على حق ـ وفي وقت متأخر من تلك الليلة كتبت موضوعا أثار بعد نشره غضبا أدى الى حجب الهدايا المالية عن الجميع، تحدثت فيه عن الظلام الدامس المحيق بالمنطقة التي ينهض فيها مبنى وزارة الكهرباء، فيما كانت الوزارة هي صاحبة المبنى الوحيد الفارق بالضوء بعيدا عن اي ترشيد تطالب به المواطنين!! بالطبع تغير وضع المؤتمرات بعد 2003، لان الديمقراطية وحريات التعبير منحت الصحفي فرصة طرح اي سؤال من دون خوف،  مثلما منحت المسؤول حرية التصريح صباحا بمعلومة مهمة يتنكر لها مساء!!ملاحظة : اكتشفت بعد انتهاء المؤتمر أن الزميل الذي كان يعاكسني بطريقة مشبوهة، إنما كان يحاول تنبيهي إلى منعي من التمادي في طرح أسئلة قد تؤدي إلى التهلكة، بينما ظننت به سوءاً وبعض الظن إثم .. وأنا مدين له بتلك الغمزة الجميلة!! 

  • الفرق بيننا وبينهم صورة؟!

    يقول العقلاء إن أحداث التاريخ تتكرر مرتين, مرة كصورة مأساوية ومرة كمشهد هزلي يسخر من الصورة الأولى, بمعنى إنها تظهر في الأولى كمأساة وفي الثانية كملهاة, اما نحن فالصورة عندنا ثابتة لا تتغير حتى لو تكررت آلاف المرات, وهذه هي الحقيقة المرة, التي تعايشنا معها منذ قرون, 

    سنشاهد في هذه المقالة صورة مأساوية التقطت قبل نصف قرن تقريبا, لكنها تحولت اليوم إلى نصب تذكاري يستخف بالماضي, ويشهد على تحسن الأوضاع وتغيرها من حال إلى حال 

    ربما كان الشيخ القرني على حق حين وضع مقارنته الطريفة الظريفة بيننا وبين العالم المتقدم على مقياس نقطوي ساخر, فاستنتج من خلال مقارنته إن الفرق بين الغرب والعرب نقطة, ثم وجد المجال مفتوحا أمامه لإضفاء المزيد من المقارنات النقطوية الساخرة, فاكتشف إنهم يتفاخرون (بالمعارف) ونحن نتفاخر (بالمغارف), ويتفاهمون (بالحوار) ونتفاهم (بالخوار), يتصرفون وكأنهم شعب الله (المختار) اما نحن فشعب الله (المحتار), يصنعون أكبر (دبابة), ونحن نخشى من أصغر (ذبابة), المستقبل لأبنائهم (غناء) ولأبنائنا (عناء), يتواصلون (بالمحابرات) ونتواصل (بالمخابرات), عندهم المواطن (مزبوط) وعندنا (مربوط), حصل مواطنهم على (الحصانة) وقبعنا نحن في (الحضانة), يعيشون مع بعضهم البعض في (تحالف), ونعيش مع اقرب الناس إلينا في (تخالف). .

    وسنكتشف اليوم إن الفرق بيننا وبينهم صورة, نعم صورة واحدة فقط, صورة نادرة تعكس تداعيات التنافر العرقي العنصري في أمريكا قبل نصف قرن تقريبا, لطالبة سوداء تدعى (إليزابيث إيكفورد) التقطها لها المصور (هارل بريانت) عام 1957, اثناء دخولها مدرسة (ليتل روك Little Rock), ليسجل بتلك الصورة تاريخ التحاق أول طالبة أمريكية سوداء بإعدادية مركزية مخصصة للبيض في ولاية اركنساس.   

    ظهرت إليزابيث في الصورة ثابتة الجنان, شامخة الرأس, وهي تشق طريقها بعزيمة ووقار وسط حشد من الطلاب والطالبات البيض, تجمعوا حولها, وانهالوا عليها بعبارات قاسية, وقذفوها بسيل من الشتائم والألفاظ النابية, لكنها لم تعبأ بهم, فصبرت وتحملت مضايقاتهم المتواصلة, وواصلت كفاحها حتى جاء اليوم الذي فازت فيه عليهم بتفوقها العلمي, وحققت فيه أعلى الدرجات في أصعب المقررات الدراسية, فكان العلم نصيرها ووسيلتها لتجاوز العقبات. 

    إليزابيث من مواليد 4/10/1941, وكان التحاقها بالمدرسة صباح يوم 4/9/1957, بمعنى إنها كانت دون السادسة عشرة من العمر عندما فضلت الخيار الصعب, وقررت الالتحاق بهذه المدرسة دون غيرها من المدارس المخصصة للسود, فدخلت تاريخ التحدي العنصري من بوابة (ليتل روك), وكانت هي الحافز الرئيس في تشجيع ثمانية من الطلاب السود للالتفاف حولها في حمل راية التحدي بوجه التوجهات العنصرية المتطرفة, فأصبح عددهم تسعة طلاب من البنين والبنات, أطلقوا على أنفسهم (ليتل روك ناين Little Rock Nine), ما اضطر إدارة المدرسة إلى الاستعانة بالشرطة المحلية من اجل توفير الحماية لإليزابيث وجماعتها..  

    وبعد انقضاء نصف قرن تقريبا, تحسنت الظروف, وانحسرت موجات التمييز العنصري تدريجيا, وانطوت صفحات مؤلمة من تاريخ الأرض الجديدة, وتحولت تلك الصورة التي التقطها (هارل) إلى نصب تذكاري يتوسط ساحة المدرسة, ويضم إليزابيث والطلاب السود الذين التحقوا بها, ورافقوها في مسيرة التحدي, وصار هذا النصب التذكاري هو الحد الفاصل لتحول ولاية اركنساس نحو التلاحم الإنساني الحميم بين كل الأعراق والألوان والمذاهب, فانصهرت الفوارق كلها في بوتقة الوطن والمواطنة, والتحمت في ظل التعايش السلمي بين أفراد الجنس البشري في أبهى صورها.   وشاءت الأقدار أن تكون إليزابيث في طليعة نجوم المجتمع الأمريكي الذين حلّوا ضيوفا على البيت الأبيض صباح يوم 20/1/2009, وشاءت الأقدار أن يجتمع شمل (التسعة), ونقصد بهم جماعة إليزابيث, الذين تخرجوا قبل نصف قرن, وهم (ثيلما مكوثرشيد), و(ميني جين براون), و(غلوريا راي), و(مارولتا وولز), و(جفرسون توماس), و(تيرنس روبرت), و(أرنست غرين), و(مليا باتيلو), وعلى رأسهم (إليزابيث إيكفورد), التي عملت بعد تخرجها في الصحافة الحربية, ثم تقاعدت, والمثير للعجب إن التسعة ظلوا على قيد الحياة, ولم يمت من هم أحد, وكأن القدر كان على موعد معهم ليزف لهم البشرى باندحار العنصرية, فوقفوا جميعهم في منصة الشرف ليشهدوا مراسيم تنصيب (باراك حسين أوباما), أول رئيس أمريكي من أصل أفريقي, من أب كيني مسلم, وأم أمريكية بيضاء من ولاية كنساس.   

    وقف التسعة (السود) بقلوب ناصعة البياض في هذا اليوم الذي ذابت فيه أقوى الحواجز العرقية, واقتلعت فيه جذور الولاءات الطائفية من الأرض التي اكتشفها كولومبس عام 1492, ولم يجد فيها وقتذاك غير تجمعات مبعثرة من قبائل الشروكي, والتاهو, والأباتشي, وهو أيضا العام الذي سقطت فيه غرناطة آخر معاقل ملوك الطوائف, ودخلت فيه المدن العربية في الشرق والغرب في نفق التخلف الحضاري المظلم, فشهدت أسوأ مراحل الانحطاط, ووقعت سواحل الخليج العربي بيد الغزاة البرتغاليين والهولنديين والأسبان والانجليز والفرنسيين, وصارت مقدراتها بيد السلطان (غازي ياووز سلطان سليم خان أول), وتعني: (السلطان الغازي القاطع البتار سليم خان الأول). .

    وبدأ العد التنازلي, وراحت علينا, ووقعنا بيد من لا يرحم, وتلونت عندنا صور التمييز الطبقي والعرقي والطائفي, ودخلت علينا اصطلاحات التعالي والبطر من نوافذها الفوقية, من مثل: الباشا, والآغا, والخديوي, والصدر الأعظم, واللاوند, والياور, والمهردار, والدفتردار, والسردار, والميرالاي, واليوزباشي, والسلحدار, والعلمدار, والبيرقدار, و(كومة حجار), وصرنا أساتذة في تكنولوجيا التفرقة, وعلم التشتت, ثم هبطنا إلى الدرك الأسفل في فلسفة التمزق والتشرذم, حتى جاء اليوم الذي صارت فيه (صناعة الموت) من الحرف (الجهادي) الرائجة, وظهرت علينا تصنيفات عرقية جديدة لم تكن موجودة في زمن (جناب مولانا سلطان غازي ياووز), فابتكرنا طبقة (البدون) في حوض الخليج العربي, وحرمناهم من ابسط الحقوق الإنسانية التي تتمتع بها قبائل الأمازون, وارتقت عندنا طبقة (وعاظ السلاطين), فشمخوا علينا بقصورهم الفخمة, وفتاواهم المؤازرة لجيوش الناتو, والمساندة لقرارات قوات التحالف, وتفاقمت حدة التناحر الطائفي بين (الشيعة والشيعة), وبين (السنة والسنة), بعدما تجاوزنا مرحلة التنافر (السني الشيعي), ولم نتفق حتى يومنا هذا على تحديد اليوم الأول من رمضان, ولم نتوصل إلى معرفة الموعد الصحيح لعيد الأضحى, وتراجعنا إلى العصور السحيقة, فتخندقنا في الخطوط الأمامية للمعارك التي دارت رحاها هنا قبل أكثر من ألف عام, وتبرعت الفضائيات العربية بنشر الفكر التكفيري, والفكر التطبيري, حتى ضاع الخيط والعصفور, ولم يعد وراؤنا وراء. 

    ولسنا مغالين إذا قلنا إننا تفوقنا على الشعوب كلها في فن التمييز العنصرية والطائفي والمناطقي والمذهبي والمهني, هذا (معيدي), وذاك (شروﮜـي), وهذا (صعيدي), وذاك (كعيبر), و(بدوي), و(حضري), وهؤلاء (سود) وأولئك (صفران), وهذا (بدون), وذاك (مو بدون), إلى نهاية السلسلة الصدئة الغائرة في أعماق مستنقعات التفكك.

    كتبت هذا الموضوع وكنت حائرا متوترا بسبب ما آلت إليه صورتنا, من السيئ إلى الأسوأ, في الوقت الذي كانت فيه إحدى الفضائيات العربية تتلقى سؤلا من احد المشاهدين, يسأل فيه سماحة الشيخ المبجل, ويقول له: أنا شاب مسلم ملتزم وجاءتني فرصة للسفر على طائرة تحلق فوق بلاد الكفار, فهل أنا في هذه الحالة مذنب ؟, فقال له الشيخ: عليك يا بني أن تتحدث مع الكابتن طيار, وتطلب منه أن يتجنب الطيران فوق بلاد الكفار, وإذا كان مضطرا فعليه أن يحاول الطيران فوق تجمعات المسلمين, وهذه طريقة سهلة فمآذن المساجد مرتفعة ويمكن أن تكون دليلا للطيران الشرعي الحلال. 

    شعرت حينها وكأن المتصل والشيخ يصفعاني على وجهي, ويسددان لي أقسى اللكمات, فقلت في نفسي: 

    بليت بأحمق فعجزت عنه  فكيف إذا بليت بأحمقين(لك عرب وين طنبورة وين), أيعقل إننا وصلنا إلى هذا المستوى من التردي ؟؟, أيعقل إننا تخلفنا عن الركب الحضاري بهذه الأساليب المقرفة المقززة ؟؟, أيعقل إن شغلنا الشاغل انصب في التباحث في المسائل التافهة, من دون أن نفكر بجد في يوم من الأيام بصيانة نسيجنا الاجتماعي, فنلم شملنا, ونرص صفوفنا أسوة ببقية الأمم. .

    المؤسف له إن صورتنا ظلت كما هي, ولم تتغير ملامحها منذ اليوم الذي تسلل فيه الحجاج الثقفي إلى مسجد الكوفة, إلى اليوم الذي ظهر فيه (مفرج الثقفي) من الكويت, وهو يرفع عقيرته بالصياح والنباح مطالبا جده الحجاج بالخروج من قاع جهنم, والعودة إلى العراق كي يذبح أهل العراق عن بكرة أبيهم من دون رحمة. . 

    لقد نجحت الشعوب في قارات أمريكا الشمالية والجنوبية واستراليا وأوربا في تجاوز أصعب الفوارق والعقبات الطبقية والعرقية والحدودية في غضون نصف قرن, فرسمت لمستقبلها أجمل الصور وأحلى اللقطات, ودأبنا نحن على استنساخ الصور القديمة البالية, وشتان بين من يفكر بالطريقة الحضارية الصحيحة المتحررة من أوحال الماضي البليد, وبين من يفكر بالطريقة التحريضية التنافرية التي زرعت الضغائن والفتن الطائفية من شمال الموصل إلى جنوب السودان ومن برقة وبريقة إلى سد مأرب. والله يستر من الجايات…

  • المجلات الحكومية هدر مالي غير منظور

    كثيرة هي مجالات الهدر المالي الحكومي , وكثيرة هي حاجتنا للمال في هذه المرحلة من البناء والنهوض بعد كبوة الحروب العبثية والحصار ومحنة الحصار الاقتصادي ثم الاحتلال وما زرعه من فوضى متعمدة  

    وقائمة الهدر المالي طويلة ومؤلمة لايصدق من يطلع عليها ان من يمارسها يمتلك ذرة من الوطنية  

    وبهذا السياق تحضرني قصة رواها لي من اثق به حيث قال لي : انه التقى رجل اعمال امريكي في الخارج فساله : هل من يحكم في العراق هم فعلا عراقيون يحبون وطنهم  

    يقول محدثي عرفت ان الرجل لديه مايريد ان يقوله , فقلت له لماذا 

    قال لي الامريكي رجل الاعمال : اتفقت في العام 2009 على توريد سكر الى العراق بسعر ” 300″ دولار للطن الواحد , وبعد مدة جاءني من يطلب مني ان نكتب العقد بسعر ” 600 ” دولار ويعطوني هم نفس السعر المثبت في العقد الاول   فرفضت هذا الطلب والغي العقد  

    اذكر هذه القصة ولها العشرات بل المئات من امثالها مورست وتمارس الى الان في نهب المال العام , والذي يمارس هذا النوع من خيانة الوطن لايهمه بعد ذلك كيف يكون الهدر المالي وما هي انواعه مادام الامر قائما على قاعدة ” كلنا في الهوى سوى ” او قاعدة :” الحرامي يرى كل الناس حرامية ”  

    والمجلات الحكومية هي من ابواب الهدر المالي وعناوينه غير المنظورة للاسباب الأتية :-

    1-  اصبحت لكل وزارة مجلة , بل مجلات اغلبها غير مقروء

    2-  اصبحت لكل محافظة مجلة حتى ان احد المحافظات اصدرت عالم 2011 مجلة باحدث الطباعة هي عبارة عن تصوير المحافظ حصرا في حالات متعددة وكاننا لازلنا في ثقافة الحزب الواحد والقائد الاوحد وفي تلك المحافظة يفترش الفقراء الطرقات والساحات العامة وتقاطعات الطرق وتسول الاطفال ظاهرة واضحة ولو توجه هذا الصرف المالي لمساعدة تلك الشرائح المعدمة لكان خيرا للوطن والمواطن

    3-  يقوم بعض مجالس المحافظات وبعض اعضائها بنشاط فردي مع ما يسمى بمنظمات المجتمع المدني وهي ليست كذلك فيصدرون مجلة تصور لقطات شخصية لهم ويعتبرها ذلك العضو من اشرافه وانفاقه الشخصي والامر ليس كذلك فالانفاق هو من مالية مجلس المحافظة .

    4-  تقوم الكثير من المديريات العامة في كل وزارة باصدار مجلة لايقراها الكثير من المنتسبين فضلا على عدم انعكاسها الايجابي لا اعلاميا ولا ثقافيا على الشارع العراقي

    5-  هذه الاصدارات من المجلات في عموم الوزارات تشكل ظاهرة الهدر المالي غير المنظور

    وظاهرة من هذا النوع تشكل تسربا للمال الحكومي تحت حجج وتبريرات غير مقنعة وهي ذات مردود فردي للوزير والمدير العام نتيجة الفشل العام الذي يخيم على نشاط اغلب الوزارات والمديريات العامة من حيث الانتاجية والتحول المؤسسي الذي قطعت فيه الدول المتقدمة شوطا كبيرا ولحقت بها بعض الدول التي نهضت مؤخرا .

    ومن مظاهر فشل هذه المجلات التي اصبحت بابا من ابواب الهدر المالي العام , هو اصرار الوزير والمدير العام على ان يكونوا هم رؤساء مجالس الادارة وهم ليسوا من الباحثين ولا من الكتاب ولايوجد لديهم الوقت الكافي للاشراف على المجلة التي يصدرونها وربما لا يرونها الا وقت صدورها  

    ان بقاء هذا السلوك التقليدي لبعثرة المال العام وهدره هو دليل على فشل واحباط مع تخبط من هم غير مؤهلين لتولي المسؤولية , ومع عدم وجود المحاسبة والمتابعة للحد من هذا الترهل , وهذا السلوك غير الحضاري الذي يتذرع بوسائل فاقدة للقدرة على الجودة والتطوير هو الذي يشيع الياس في نفوس الموظفين من الشباب ويقتل القدرة على الابداع , ويمنح الفاسدين مزيدا من فرص الفوضى والترهل الذي يؤسس لمشاريع وهمية غير حقيقية 

    ان المجلات الحكومية اغلبها تشكل هدرا للمال العام الذي نحن بامس الحاجة الى اعادة تدويره وتوجيه في بوصلة سد ثغرات الحاجات الحكومية الحقيقية وهي كثيرة والتي ينتظرها الناس بفارغ الصبر .

    ان عودة الثقة بين الحكومة ومؤسساتها وبين الشارع العراقي كثير الانتقاد والملاحظة التي تصل الى حد القطيعة احيانا لايتم الا عبر تلافي الهدر في هذا الجانب وفي الجوانب الاخرى  وهي كثيرة منها :-

    1- فوضى الانفاق على الاليات والعجلات ومنها الاكثار من سيارات رباعية الدفع , ومنها فوضى توزيع السيارات الحكومية بغير ضوابط حقيقية .

    2-  فوضى شراء معدات التقنية الحديثة مثل :-

    ا‌-     الكومبيوترات

    ب‌-  اللابتوبات

    ت‌- الاي باد

    ث‌-  السبلتات بمختلف احجامها

    ج‌- اجهزة التصوير الطبي : سونار , رنين مغناطيسي , سكانر , ايكو , اشعة اكس ري

    ح‌- الاجهزة المختبرية بكل انواعها

    3-  فوضى الايفادات والهدر المالي والتسرب الوظيفي من جراء ذلك وهذه تحتاج الى دراسة خاصة .

  • لا يستقيلون

    يسوق عضو البرلمان حجته على نزاهة القضاء العراقي وسلامة إجراءاته وسهره على حقوق الموطن بالقول انه لا احد في هذا الجهاز احتج واستقال من منصبه وفضح التأثيرات والضغوط والتدخلات في عمله.. وبذا.. وبعدم وجود مستقيل تتأكد استقلالية القضاء ونزاهته وكفاءته.. وليهنأ العراقي فلن تحجز حريته لأكثر من ثلاثة أيام أن شملته الشبهة, ريثما يكتمل التحقيق.. وإلا فان رئيس الجمهورية كفيله بعدم حجزه ليوم آخر… وان ما يقال عن مضاعفة الثلاثة أيام ووثوبها إلى أسابيع وشهور وسنين هي دعايات مغرضة, ومن اختلاق (الطابور الخامس.. وأعداء الحزب والثورة.. ومن خسروا مكاسبهم وامتيازاتهم ..وكل المتطيرين من العدالة والديمقراطية) ولا من مات وقتل في زنزانته وان ثبتت براءته من وقت طويل.. فعدم وجود مستقيل في القضاء براءة عظمى للقضاء وشهادة له على استقلاله وكفاءته, وعلى حظ العراقي بهذا القضاء.

    الأكثر عددا واكبر حجما من القضاء هو جهاز الدولة, من وزراء ومدراء عامين ورؤساء مؤسسات.. ومدراء وعناوين مهمة أخرى.. في هذا الحشد, وباستثناء الدكتور عادل عبد المهدي (نائب رئيس الجمهورية) والدكتور عبد الباسط تركي (وزير حقوق الإنسان).. أو هذا ما تحتفظ به الذاكرة, فان أحدا لم يقدم استقالته, بعد أن يعتذر لشعبه ويتأسف لأنه السبب في نسيان موقوف في مركز الشرطة ليوم كامل.. أو لانه أهمل المشروع الإروائي الفلاني لأسابيع, أو لأنه انحاز وحابى قريبه ومنحه وظيفة وقدمه على سواه… هذا لم يحدث.. وبما يعني نظافة الجهاز الحكومي المطلقة.. لا مستقيل لا خطأ ولا فساد ولا أدنى تقصير.. وما الصخب في أرجاء المعمورة عن الفساد العراقي إلا مؤامرة كبرى وعلى مستوى المعمورة.. تستهدف تجربة طاهرة ورائدة ونموذجية.. تكشف وتفضح عيوب الديمقراطية واللبرالية وحقوق الإنسان في أمريكا والنمسا وبريطانيا.. وعدم لحاقها بالنموذج العراقي.

    لا مستقيل ولا استقالات في العراق.. عراق المواطنة بلا استقالات للمسؤولين…هذه حالة نادرة وغير مسبوقة ومع مفارقة السمعة بوجود اكبر فساد.. وتفرض على المختصين دراستها واستنباط دروسها لفائدة السياسة والسياسيين ,ثم لكسب الثواب ..والشهادة بان التقاة المتدينين هم الأجدر بمعالجة أزمات العصر ومتاعب البشر، وإقامة الصداقة بين الذئب والحمل.

    ان العراقي لا يسخر ولا يتهكم .. بل يبكي وينتحب.. ويبدو ان اللصوص المنتصرين عندنا هم الذين عناهم الإمام بتعاضدهم وتكاتفهم.. إزاء حق يتشتت ويتفرق أتباعه.

    يمكن تصور من يخطر له أن يستقيل مفكرا بخسارة ثروة وباب واسع للامتيازات والمتع …قد يمهل نفسه حتى العودة من سفرته المغرية القادمة ..او حتى انجاز مشروعه الذي يستحيل انجازه خارج منصبه …ولهذا يتراجع غد الاستقالة باستمرار, ومجنون من (يرفس نعمة الله) ويقدم استقالة ويتخلى عن دنيا لم يحصل على أذيالها اكبر محظوظي الأرض  …وربما اعتذر الزاهد عن زهده إزاء مباهجها وعطاياها.

    وليأت المتصوف الزاهد ويمتحن نفسه.. فالمنصب منحة وهبة وحظوة بلا مقابل, جنة بلا عبادة ..منصب بلا عمل, ولا من يسأل عن انجاز.. فلماذا التفكير بالاستقالة؟

    التأمل والتمعن بالصورة يثير الفزع.. ولا معترض للمنكر.. وأتباع الباطل متماسكون, ومازال المتجهون إلى أماكن (عباداتهم) فرادى.. بلا لغة مفهومة.

  • فضيحة مضاجعة الوداع

    تعقيبا على ما ورد في المقالة التي كتبها الأستاذ محمود نافع تحت عمود (ويبقى الأمل), المنشورة على الصفحة الخامسة في جريدة الجمهورية (المصرية) يوم الخميس 19 ابريل (نيسان) 2012, واستكمالا لما ورد في البرنامج التلفزيوني (مصر اليوم) الذي يقدمه الأستاذ (توفيق عكاشة) على قناة (الفراعين), نستعرض هنا هذه الفضيحة المخجلة التي تناقلتها الصحافة الأجنبية قبل العربية.

    بات من المؤكد إننا نعيش اليوم في زمن غريب عجيب بامتياز, زمن صار فيه الدين عرفا, والعرف دينا, وصار فيه المنكر معروفا, والمعروف منكرا, زمن ضاعت فيه الأعراف والأصول والمبادئ والقيم النبيلة, ودخلت فيه بعض البرلمانات العربية في حظائر الخوار, وتنكرت لقواعد الحوار القائم على الأسس الإنسانية السليمة, حتى جاء اليوم الذي ظهر فيه علينا رجل معتوه وسط مجلس الشعب المصري, وهو يطالب أعضاء المجلس بضم أصواتهم إلى صوته, ومؤازرته في الضغط على المجلس للعمل بأحكام (الشريعة) وإصدار قانون يبيح للرجل ممارسة الجنس مع زوجته بعد موتها, ولمدة ست ساعات, بمعنى إن العضو البرلماني المتدين جدا (جدا) يريد إعادة الحق إلى نصابه, عن طريق السماح للرجل بمضاجعة جنازة زوجته, مضاجعة حميمة قبل دفنها, وكأنه يريد أن يقول للناس في مصر, وخارج مصر, إن مشاكل العالم العربي انتهت, وان العقبة الوحيدة التي تقف أمامنا الآن تكمن في إصدار قانون خاص يشرعن (نكاح الموتى) بين أبناء الجنس البشري, على اعتبار إن أغبى الحيوانات, وأكثرها انحطاطا لم تفكر في يوم من الأيام, ولم يخطر على بالها أن تمارس الجنس مع الحيوانات النافقة, فترفعت بفطرتها عن مستوى هذه العقول المتعفنة في مزابل التخلف. .

    لقد وصلت الوقاحة في هذا الزمن إلى مخالفة قوله تعالى في محكم كتابه: ((ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهم حتى يطهّرن فإذا تطهّرن فأتوهنَّ من حيث أمركم الله إنَّ الله يحب التوابين ويحب المتطهرين)) صدق الله العظيم. .

    فإذا كان الاعتزال من الأمور الواجبة في المحيض, فما بالك بالجثة الهامدة المتفسخة نسيجيا, المتحللة عضويا, وأيهما أكثر نجاسة من الآخر, هل هو دم الحيض, أم التحلل الجسدي ؟؟. .

    http://www.youtube.com/watch?v=R7pTtY0ZDhA

    ألا يفترض برئيس مجلس الشعب أن يأمر بطرد هذا النائب المتفسخ ذهنيا, ويحرمه من دخول قاعة البرلمان ؟؟. إلا يفترض به أن يحيله إلى مستشفى الأمراض العقلية كي يغسلوا دماغه من تلك الأفكار الملوثة العالقة في تلافيف مخه ؟. 

    ثم ظهر علينا الشيخ (عبد الباري الزمزمي) ليؤكد على صحة ما ذهب إليه النائب المصاب بالشلل الدماغي, فأجاز تمتع الزوج بزوجته جنسيا بعد مماتها, واصدر بيانا بهذا الخصوص تحت عنوان (الحلال المنبوذ), وقال في هذا الشأن: (إن موت المرأة لا يقطع علاقتها بزوجها), ونشر بيانه هذا على الرابطة التالية:

    http://hespress.com/permalink/31459.htm

    كنا ومازلنا نأمل أن لا ينشغل نوابنا وفقهاؤنا بالأمور التافهة, التي تجلب لنا العار, وتحرجنا أمام الشعوب والأمم الأخرى, فالله سبحانه وتعالى عندما خلق الإنسان, خلقه روحا وعقلا وجسدا, وجعل علاقات الناس مع بعضهم البعض متوهجة بالمشاعر والأحاسيس, فإن غابت الروح عن الجسد, وفارقته تماما, انقطعت صلة المتوفى بالحياة الدنيا, وانتقلت روحه إلى العالم الآخر, وصار جسده جثة هامدة لا روح فيها ولا مشاعر. .  

    ختاما لا يسعنا إلا أن نقول لذلك النائب المجنون ونظيره الشيخ الزمزمي المتهتك: إن إكرام الميت دفنه وليس مضاجعته, وان الذي يدور في أذهانكم هو الشذوذ بعينه, والانحراف بعينه, ويتعدى كل الأفعال الشنيعة, والأعمال الدنيئة التي تعكس همجية النفوس الشيطانية المريضة, وتعكس خسة الرغبات التي تشمئز منها الكلاب والقطط والضباع والخنازير. . .

  • المتعلم التلفازي

      يكفي أن نعرف بوجود أكثر من مليار ونصف المليار جهاز تلفزيون- من مختلف المناشئ والماركات- قيد الاقتناء والتناول والاستعمال اليومي في مختلف بلدان العالم،، لكي نتأكد-مجددا- من حجم تأثير هذا الغول السحري الذي اجتاح بيوتنا وعقولنا قبل وبعد عصر ازدهار(الستلايت) وتسمية عصرنا الحالي،، بعصر السموات المفتوحة،، وزمننا الراهن،، بزمن التنزه بين المحطات الفضائية. 

    لا يمكن إغفال ما يقدمه التلفزيون من معلومات ومتع وأشياء أخرى حتى أضحى واحدا من أهم أفراد الأسرة الذي لا يمكن الاستغناء عنه كما هو عند أغلب العوائل العراقية بسبب توالي وتراكم الظروف الاستثنائية المستديمة والمستدامة- كما يحلو للمحللين السياسيين وأعضاء منظمات المجتمع المدني استخدام الكلمة الأخيرة (مستدامة) بدلا من (مستديمة)- التي جعلت من التلفزيون السلوى الوحيدة في حياتنا،، منذ أيام الحروب والحصارات حتى زمن تحقيق حلمنا المستحيل بشراء عصا سحرية تنهي-عندنا- أزمة الكهرباء!!

      ولعل ما يقدمه هذا الجهاز المهم والخطير في نشر وسائل المعرفة لا يقف عند حدود تدفق المعلومات والأخبار وأسعار النفط والبورصة وأحوال السوق والرياضة التي أخذت تنافس أخبار أعتى السياسيين في العالم بتصدرها النشرات الإخبارية في كبريات تلك الوسائل التي تقوم بتوجيه وتغيير الكثير من القيم والعادات والسلوكيات والاتجاهات التربوية والنفسية ورسم وتحويل مسارات العلاقات الاجتماعية وتضفي عليها مختلف الأمور (غريبة- عجيبة) ربما لم تكن تعرفها هذه الشعوب والأمم أو تلك،، قبل دخول عصر التلفزيون وملاحقات تطوراته المذهلة التي لم تحول العالم -برمته- إلى (قرية الكترونية صغيرة) فقط،، بل جعلته فرعا في شارع،، أو زقاقا ضيقا في حي شعبي قديم! 

    كل ذلك…. ونواتج ومحصلات ما تقدمه وسائل الإعلام- التلفزيون بالتحديد،، ومن يدانيه في هذا الواجب والمهمة الاتصالية- لا ترتقي إلى جوهر الثقافة وروح المعرفة عبر (مشغلات) أجهزة الوعي الحقيقي ومنبهات النقد الراقي ومساند التواصل الطبيعي والمتكافئ مع مجريات الحياة وعمومية مدياتها،، دون الإبقاء والاعتماد على بساطة وسطحية المعلومات التي تناسب ذلك (المتعلم التلفازي) الجاهز في تلقي واستقبال وامتصاص أية فكرة أو معلومة كما تمتص (الاسفنجة) أي سائل يصادفها،، وتكمن خطورة ذلك النوع من المتعلمين في قوة وعناد دوافعهم ودفاعتهم أمام أية معلومات وأفكار لا تتفق مع ما تلقوه من دوائر معارف تلك الوسائل والأجهزة التي تعمل وفق مقتضيات ومصالح  دولها الكبرى القادرة على تصدير أفكارها ومعتقداتها بأية وسيلة كانت،، ليس حصرا على وسائل الأعلام،، بل في عموم وسائل ومتعلقات التربية والتعليم وكل ما يخص الثقافة.!

    ويكفي أن نعلم أن (ماما أمريكا) كانت قد اشترت 80 % من إنتاج العالم من الورق خلال العقدين الماضيين لمنع دول العالم الثالث من الحصول على فرص تطوير مطبوعاتها ومناهجها الدراسية- على ذمة ما ورد في مداخلة للكاتبة والمترجمة والناشرة (عايدة مطرجي أدريس) في معرض الكتاب العراقي عام/1998،، لكي نعرف يا جماعة الخير (أدينا من رجلينا)!!

  • وحشة بغداد.. بين التصحر السياسي والثقافي

    بارزاني والهاشمي في تركيا وعلاوي في السليمانية، والبعض في عمان، وقليل البعض في القاهرة ولندن مع شتات مغمور في الخليج. 

    أما بعض الفضائيات التي تبث لجمهور العراق المغدور به سياسيا وثقافيا فقد عشقت الغربة وأدمنت الرحيل عن الوطن في مفارقة غريبة كمن ينام وأطرافه في بيته ورأسه عند الجيران.

    ومع ارتفاع أسباب عدم العودة الى حضن الوطن وصدر بغداد الحنون والعطوف ام الرئاسة وربيبة المجد التي قال عنها المثل التركي:” لا مدينة كبغداد”.

    وقال عنها الشاعر العباسي: ” عيون المها بين الرصافة والجسر”.

    وقال عنها الجواهري: “ام البساتين ودجلة الخير”

    وقال عنها مصطفى جمال الدين: 

    بغداد ما اشتبكت عليك الاعصر

    الا ذوت ووريق عمرك اخضر

    وحشة بغداد بسبب التصحر الثقافي واضحة المعالم لمن يعرف خصائص ثقافة الشعوب المستمدة من تاريخها ومن عصارة فكرها العقائدي وفلسفتها التي جعلت ابن ميمون اليهودي يغترف من حكمة بغداد وشلالها الفكري فيكون واحدا من تيار فلاسفة التوحيد وهكذا كان للنصارى حضورا في بيت الحكمة وترجمة الدواوين بعيد عن مفاهيم التفرقة التي يكون حضورها دليلا على التصحر الثقافي، ولان بغداد ولدت مثقفة لذلك أخذت من: “المنصور، وعلي بن يقطين صاحب أئمة أهل البيت، ومن راهب الدير “ثم رضعت من فكر وفقه جعفر بن محمد الصادق الذي تلقفه الإمام أبو حنيفة النعمان”. 

    ذلك الثراء الفكري المعرفي الثقافي لتاريخ بغداد يواجه اليوم بتصحر في النفوس والنصوص يتنكر لمنصة نصب الحرية ” لجواد سليم ويلهو عن زحف الملايين الشعبية في الزيارات الدينية التي ترعرعت على مقولات عصية على النسيان والتسويف مثل: من عرف دينه عرف ربه  ومن عرف نفسه عرف ربه ودينه.

    فترويح النفس اليوم يتلاعب به الطارئون على ثقافة بغداد من ضحايا التصحر الثقافي من الذين يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ” ولذلك وجدت المواخير من هؤلاء صيدا بائرا تحتج به ويحتجون بها باسم “الحرية الشخصية” التي لم تكن يوما مشرعة للدعارة التي تكلف الشرطة الكثير من وجع الرأس وهدر الوقت والمال ومعها خلخلة الأمن واخطرها تمزيق المجتمع.

    والتصحر الثقافي هو الذي افسد معاني الفن وجعله مختطفا في هز الأرداف وبهرجة الفساتين والصراخ الماجن، وتدليك عواطف المراهقين بتدليس الكلمات والمعاني والمفاهيم والوعود الكاذبة التي ضيعت وتضيع الكثير من صرعى الغواية الذين تمردوا على طقوس العائلة، مثلما تمردوا على الكتاب والمدرسة والجامعة واصبحوا من فرط اميتهم يستجدون ثقافة الرقص والغناء وهو خمرة تصنع الطيش والتصحر الروحي والهوس الجسدي الذي يرمي بهم على ابواب ” ادول العرب ” الاسم المفتعل لاقتناص الشباب الذي لم يتحرر من عبودية الجسد وفتنة الشهوات البضاعة المتاجر بها يهوديا عبر التاريخ حتى اصبحوا من امهر الصناع المحترفين والتي من خلالها دخلوا حواضر المدن التي تعاني من تصحر ثقافي، ومثلما كانت ” القاهرة وتونس ومراكش وبيروت واسطنبول وبغداد محطتهم، أصبح الخليج هدفهم وقد نجحوا وما مهرجانات دبي السينمائية إلا دليل على ذلك التصحر الثقافي الذي يسعى لتشكيل حزام تخريبي في روح وثقافة الأمة وما التهافت والخواء الذي نراه في تعليقات المدونات والإذاعات والفضائيات من قبل بعض القراء والمستمعين والمشاهدين، يضاف لهم تصريحات الكثير من النواب والسياسيين، وبعض المحللين إلا تعبير عن التصحر الثقافي.

    اما في ما يتعلق بالتصحر السياسي الذي اصبح من عيوب الاحزاب والكتل السياسية واغلب المشتغلين في الحقول السياسية ومنها الدولة والحكومة فهو وراء كل مصائبنا وفشلنا السياسي، الذي منح الدول الكبرى ومحاورها سهولة التلاعب في ساحتنا، بل وجد من يساعده على هذا التلاعب من داخلنا، وهناك من يعتبر وجود الأجنبي ليس تلاعبا وانما هو بناء ضروريا حتى اصبح ينطبق علينا قول الشاعر:-

    ادهى المصائب في الدنيا وأعظمها

     عقل يرى الشيء مقلوبا ومعكوسا

    ومن مظاهر التصحر السياسي الذي يحاصر بغداد ويخلق لها الوحشة، هو وجود رئيس جمهورية العراق في كثير من الأحيان يقيم في السليمانية، مثلما ثبت لعلماء لغة الجسد وعلم الإشارات بان السيد مسعود بارزاني لا يحب بغداد ويمتعض منها.

    ولذلك نرى الرجل يتحاشى زيارة بغداد ويبعث مندوبين عنه، بينما نراه يسرع لزيارة واشنطن وباريس وبعض المدن الاوربية، واغربها زيارته الاخيرة لتركيا وتركيا تقصف الاكراد في شمال العراق الذي يصر هو وحزبه على تسميته “كردستان العراق”.

    ويصرح من هناك بعدم موافقة أمريكا على بيع العراق طائرات الفانتوم لأنه في تصريح سابق اعتبرها ضد البيشمركة.

    ولقائه المتعمد مع طارق الهاشمي المدان من قبل القضاء العراقي باعتراف كمال حسين وكيل وزارة الداخلية العراقية وهو من حزب مسعود بارزاني مما ينفي ادعاء من يقول: ان القرار ضد الهاشمي سياسي.

    والتصحر السياسي هو الذي جعل رئيس القائمة العراقية يزور طالباني في السليمانية وليس في بغداد.

    والتصحر السياسي هو الذي جعل بعض النواب يطالبون بادراج الخلافات بين الكتل العراقية في مؤتمر القمة العربية اسوة بالقضية السورية والبحرينية.

    والتصحر السياسي هو الذي جعل البعض يستعجل المطالبة بالاقاليم على طريقة الانفصال والتفكك الذي ينصب البعض شراكه للعراق الفدرالي، علما ان مجالس المحافظات لم يكتمل بناؤها بعد ولم تنضج تجربتها نتيجة المحاصصة التي افسدت كل شيئ.

    والتصحر السياسي هو الذي جعل البعض يستعجل تصريحات غير مدروسة نتيجة احتمال اغلاق مضيق هرمز.

    والتصحر السياسي هو الذي اطلق التصريحات غير المتوازنة تجاه احداث سورية بحيث جاءت تصريحات البعض تخدم اسرائيل التي اعتبرت اسقاط نظام سورية وهي تعني تقسيمها نصر لاسرائيل.

    والتصحر السياسي هو الذي لا يعرف ماذا يقول عما يسمى بالربيع العربي لانه لم يتبين طريقة صناعته وخلفيات المحركين له باتجاه مصالحهم التي ظهرت جلية في البترول الليبي مثلما ظهرت جلية بالفرح الإسرائيلي.

    والتصحر السياسي هو الذي لم يعرف كيف ومتى تولد المحاور الاقليمية والدولية وما هو موقع العراق منها، ولذلك فهو يعادي ايران على طول الخط وهذه امية سياسية قاتلة، ويرتمي في احضان تركيا الاوردغانية الملغومة بالسحر الصهيوني مثلما يرتمي في احضان الارهاب الوهابي والسعودية وقطر وبعض إمارات الخليج، ونتيجة هذا الارتماء الفاقد للوعي السياسي فهو ينتقد المالكي على زيارته لإيران التي تفرضها ضرورات الحكم والمصالح المشتركة والتي منها وجود خمسة آلاف زائر إيراني يوميا الى العرق يدفع كل واحد منهم “40” دولارا للحكومة العراقية.

    هذا هو نموذج من التصحر الثقافي والسياسي الذي يخلق وحشة بغداد ويفسد التحالفات السياسية ويغرق الحكم بالمزيد من المشاكل وجزء من تلك المشاكل أخطاء أحزاب السلطة.

  • وهب الأمير!

    لا يحدثنا تاريخ الجزيرة العربية وتجمعاتها القبلية، عن وجود حكومة بالمعنى المتعارف عليه اليوم، بل كان لديهم مجلس يضم ممثلين عن أثرياء ووجهاء وزعماء القبائل، يتدبر أمور الناس العامة، وربما كان هذا من حسن حظهم، لأنهم لم يدوخوا رؤوسهم بلغاوي الفدرالية والمحاصصة والشراكة، وإلا لتخاصموا وتشاتموا باسم الديمقراطية وحرية التعبير!

    ما يعنيني هنا هو لقب (الأمير)، احد العناوين القيادية في مجتمع الجزيرة، حيث كان هذا العنوان منصبا (اعتباريا)، ويشير إلى أن حامله من علية القوم واصلائهم نسبا وأوفرهم مالا وأكثرهم كرما وأشجعهم قولا وفعلا، وان يكون ماله وحلاله مما ورثه عن أسرته، أو جمعه بعرق جبينه، ولم يأت عن طريق الغصب أو السرقة أو الفساد المالي!!

    وكان الأمير ينفق من دنانيره الخاصة على المحتاجين، وقد يشتري بها ألسنة الشعراء، وعلى وفق هذه المواصفات، كان معن بن زائدة (احلم العرب) أميرا، على الرغم من انه في المفهوم الحداثوي للسياسة، يعد إنسانا مصابا بلوثة ديمقراطية، لكونه ـ ان صدقت الرواية ـ تلقى شتائم رخيصة من أعرابي حافي القدمين، وبدلا من طعنه بالرفض، او إصدار رئاسي بفصل رقبته عن جسده، ودفن جثته في اقرب مقبرة جماعية، كان يقول لحاشيته بعد كل شتيمة (أعطوه ألف دينار) حتى تمكن أخيرا من (قطع لسانه) كما يقول البلاغيون، أي حوّله من شتّام هجاء سليط اللسان، إلى مداح يلهج بأفضال الأمير ويتغنى بسجاياه الحميدة!! 

    ظل الأمير على هذه المواصفات، يهب من خالص ماله وإبله وخيوله وبساتينه حتى قامت دولة بني أمية في الشام، حيث تغيرت هوية الأمير بصورة جذرية، فلم يعد هذا اللقب معنويا، بل أصبح وظيفة مادية لها ثلاث دلالات، الأولى: انها مركز كبير من مراكز السلطة التنفيذية، والثانية: ان يكون صاحبها من افراد الاسرة الحاكمة بالنسب او الولاء، والثالثة: ان الامير بات لا يهب ولا يصرف ولا يعطي ولا يكرم من جيبه او ماله الخاص، وإنما من (بيت مال المسلمين)، او من (الخزينة المركزية) لاحقا، بعد أن تغير الاسم من البيت الى الخزينة، ولهذا قالت العرب قولتها المشهورة  (وهب الأمير مالا يملك) في إشارة ذكية واضحة المعنى والدلالة!

    الغريب في الامر حقا، ان هذه الوظيفة منذ ولادتها في العصر الأموي، لم يجر اي تعديل او تغيير عليها في العصور اللاحقة.. والى يومنا المبارك هذا!! 

    تنويه(1): من باب المصادفة اللافتة للنظر، إن من يتصرف بأموال الدولة على هواه، ومن يقود خلية إرهابية تذبح الناس، كلاهما يحمل لقب أمير.. لذا يرجى اخذ الحيطة والحذر من أمراء الدولة وأمراء الإرهاب، على حد سواء!! 

    تنويه(2): أمراء الإرهاب في طريقهم إلى الانقراض، أما أمراء الدولة فإنهم آخذون بالتكاثر وكأنهم من فصيلة الأرانب!!

     

  • فـشــل الـسـلـطــان فـي الامـتـحـــان !!

    كانت سوريا أصعب الامتحانات التي خاضها السلطان الطيب أردوغان في أكاديمية الشرق الأوسط المعروفة بتناقضاتها الموروثة والمكتسبة, والتي اختارها السلطان لنيل شهادة الدكتاتورية الإمبراطورية في المراحل التمهيدية اللازمة للعودة بعقارب الزمن إلى عصر الباب العالي في الأستانة. 

    ظن السلطان إن الكنافة الدمشقية هي الأسهل في الازدراء والهضم, وان أدواره المزدوجة, التي جمعت بين العلمانية والتطرف الديني, وبين الولاء لسدنة النظام العالمي الموحد, واسترداد نفوذ الدولة العثمانية في البلدان العربية كافة, هي المؤهلات, التي ستمنحه صفة العضوية في مجالس الاتحاد الأوربي, فاخذ على عاتقة مهمة التصدي للمشاريع الروسية المتقاطعة مع المشاريع الامريكية, وكان كريما مع الغرب في تحويل (أنقرة) إلى (قنطرة) تعبر فوقها التطلعات الأوربية والأمريكية, فارتكبت تركيا في زمنه خمس هفوات فقدت على أثرها سيطرتها على زمام الأمور, ووقعت في مواقف لا تحسد عليها. 

     

    الهفوة الأولى ارتكبتها تركيا عندما انضمت إلى فريق الأقطار العربية المناوئة لسوريا, وارتباطها بصداقات حميمة مع الأقطار العربية المتحزبة دينيا, والمتجلببة بجلباب الدين, ما أدى إلى اكتساب كوادر حزب العدالة والتنمية شحنات دينية, منحتهم بعض خصال التطرف في دولة علمانية منفتحة على أوربا, وكانت النتيجة تمرد حزب العدالة على أحكام الدستور العلماني, حتى صار هدفا لانتقادات الأحزاب المناوئة. 

     

    والهفوة الثانية ارتكبتها بدفاعها المستميت عن الأقليات التركمانية في سوريا والعراق وإيران وأذربيجان, ومصادرتها لحقوق القوميات الكردية والعلوية, ما أدى إلى تحريك جذوة الانتفاضات المعادية للتطرف العرقي المتناقض مع سلوكها المزدوج, فتذبذبت في مواقفها بين التظاهر في الوقوف مع القوميات المسحوقة في الأقطار المجاورة لها, وبين تعمدها سحق القوميات المستوطنة في هضبة الأناضول. 

    والهفوة الثانية ارتكبتها عندما خضعت لإرادة القيادة المركزية لحلف شمال الأطلسي, التي أمرتها بالوقوف بوجه القوة الروسية المتنامية, وطلبت منها الوقوف بوجه القوة الإيرانية, فتطوعت تركيا لنصب الدرع الصاروخي الأطلسي فوق قمم جبال (أرارات) في تحد واضح للروس, ما اضطر (موسكو) للوقوف بحزم مع سوريا ضد تركيا. 

     

    الهفوة الرابعة ارتكبتها عندما تدخلت في الشأن الداخلي للعراق وسوريا, فأرسلت قواتها البرية والجوية لمطاردة الحركات الكردية التركية المتمردة, واستمرت في عمليات المطاردة حتى بعد لجوء عناصر تلك الحركات إلى جبال العراق, فتوغلت بقواتها, واستخدمت الأسلحة الثقيلة في قصف القرى والقصبات العراقية, ثم قامت بتنظيم فلول المعارضة السورية, وكانت هي الحاضنة الأولى لولادة (مجلس اسطنبول), الذي عرف فيما بعد بالمجلس الوطني السوري, وهي الحاضنة التي تبنت تدريب ما يسمى بالجيش السوري الحر, وهي التي تبنت تسليح هذا الجيش من ترسانتها العسكرية, في الوقت الذي واصلت فيه مطاردة الخلايا المسلحة لحزب العمال الكردي في الكهوف والوديان, داخل الأراضي التركية وخارجها, وهي التي سعت لزعزعة التوازنات القومية في سوريا, تمهيدا لتقسيمها وتجزئتها بموجب الخارطة العرقية والطائفية, التي رسمها الصهيوني المتطرف (برنارد لويس), ففقدت مصداقيتها, وفشلت فشلا ذريعا في ابسط الدروس والحصص الدراسية, عندما اختارت الوقوف مع تشكيلات حلف شمال الأطلسي, وعندما انساقت وراء المخططات الامريكية, ومنحت البنتاغون في (أنجرليك) أكبر القواعد العسكرية, في محاولة بائسة منها للحصول على الموافقات الأوربية, التي تسمح لها باكتساب عضوية الاتحاد الأوربي, التي لن تنالها مهما قدمت من تضحيات, ومهما قدمت من قرابين في معابد فرسان مالطا. 

    أما الهفوة الخامسة التي ارتكبها السلطان فكانت عندما أشاد بالثورة الليبية, وأشار في الوقت نفسه إلى إن بريطانيا وفرنسا تدخلتا عسكريا لأسباب تجارية بحتة, فعارض تدخل الناتو في الشمال الإفريقي من اجل حماية المصالح التركية هناك, فكان متناقضا مع نفسه إلى حد كبير. 

    رقص أردوغان على الحبال الخمسة في آن واحد, الحبل الأمريكي, والحبل الأوربي, والحبل العلماني, والحبل الطائفي, والحبل الكردي, فتشابكت الحبال مع بعضها البعض, والتفت حول عنق الأناضول, ثم حاول الرقص عليها بالتناوب ففقد توازنه, ولم يعد قادرا على تحقيق حلم الرجل المريض, الذي أعلنوا وفاته رسميا في الخطوط الأمامية للحرب العالمية الأولى, وسلموا طربوشه إلى مصطفى كمال أتاتورك. 

  • لنساعد «الأمانة» فالشوارع حضارة

     كنت – قبل الاحتلال – كثير السفر؛ للمتعة أو للمشاركة الأدبية في هذا المهرجان او ذاك؛ وربما يذكر الادباء بأننا كنا نتحايل على ضريبة السفر التي كانت تفرضها الحكومة والبالغة 400 الف دينار عراقي عداً ونقداً؛ فنتفق مع اصدقائنا في المنظمات والاتحادات الثقافية في بلدان الجوار؛ على ارسال «دعوة « ومن ثمّ «تشتغل الواسطات» لتمريرها من لجنة ايفادات وزارة الثقافة .

    وكنت؛ ما أن أنزل المطار؛ حتى يتهافت عليّ اصحاب سيارات الأجرة؛ باعتباري «نازل من الطائرة العراقية» وهو ما يعني بالنسبة لهم أجرة دسمة؛ لأنّ العراقي وفي شديد ازماته المادية؛ يبقى ذلك الانسان المشهور بالكرم وسماحة الجيب (وبودي هنا ان اتقدّم بالعرفان والشكر للنواب العراقيين وللساسة الجدد؛ ولا انسى مقاولي المنطقة الخضراء ورجال الحمايات؛ لأنهم حافظوا لنا على هذه الصورة؛ بعد ان شوّهها المواطنون المهجّرون ومطاردو العنف الطائفي ومرضى الاسلحة المنضبة؛ والذين لا ينتمون – قطعا- الى عراقنا الديمقراطي)

    كانت واحدة من متعي انني افتح نافذة التاكسي وأملأ رئتيّ بهواء خال من «التقارير» واروح احدّق بالحدائق التي تحيط بجانبي الطريق؛ وبالخضرة التي تفتح النفس وتطيّب الخواطر؛ وتمتد هذه المتعة حتى دخولك المدينة؛ فالشوارع نظيفة؛ وجزراتها الوسطية ملآى بالازهار المنوّعة؛ مما يعطيك انطباعا عن طبيعة الناس هنا؛ وعن ثقافتهم.. ووعيهم؛ فالشوارع حضارة.

    مرّة قلت لنفسي؛ لماذا لا احاول ان اكتشف جمال عاصمتي بغداد؛ وان انظر الى شوارعها وجزراتها الوسطية؛ والى حدائقها بنفس العين ولذّة الاكتشاف التي امنحها للمدن الاخرى؛ ولا اريد ان اعكّر نهاركم بالنتيجة التي تعرفونها اصلا!!

    واذا كان «النظام السابق» نظاما لم يهتم الا بحدائق الرئيس؛ وكان أمين بغداد أو أمين العاصمة «رفيقا « مخلصا «للحزب والثورة» ولقصور رئيسه؛ فما بال أمناؤنا في العراق الجديد؛ والذين من المفروض ان يكون اخلاصهم -أولا وأخيرا- لضمائرهم ولمشروعهم «الشوارعي» البعيد عن الدكتاتورية واعتبار المواطن من مكملات «الإحصاء السكاني» ليس إلا .

    في منطقة الكرادة– داخل؛ وهي من المناطق التجارية المهمة؛ وتفوقت اسواقها «بضائعيا» على اسواق المنصور وبغداد الجديدة؛ تجد حركة الناس وخصوصا في الآماسي؛ ضاجة بالمتبضعين وبعضهم من جنسيات تقول لك طبيعة الملابس واللغة من اين هم؛ لكن ما الذي نراه في شارع الكرادة الرئيس؟

    خصصت أمانة بغداد حاويات ضخمة للنفايات ووضعتها في افرع جانبية لتحافظ على نظافة الشارع العام؛ لكن قلة الوعي والتكاسل في نقل النفايات اليها؛ سحبها من مكانها المخبوء الى.. الواجهة؛ وبدى الفائض يتدندل من جوانبها 

    ؛ تماما كما تتدندل الازهار من المزهريات الملوّنة في شوارع ومدن البلدان التي كنا نزورها!! لنتذكر إننا حين نساعد الامانة.. نساعد وعينا الجمالي؛ وليس «عمّال الزبالة»..