((والنجم والشجر يسجدان)) الرحمن -6.
سيكون الجزء الثاني من هذه الدراسة سياحة معرفية في آفاق الآيات القرآنية التي من خلالها تكتمل صورة الكون المتدين، وأنا أدرك جيدا ان حديثا من هذا النوع والمستوى سيشكل على البعض استيعابه وذلك للأسباب التالية:-
1- إننا نعيش في منخفض ثقافي اثر على مستوى التفكير عند غالبية الناس.
2- إننا نعيش منخفضا سياسيا اخرجنا من صناعة التاريخ مما جعل احد الشعراء يقول: –
يا امة ضحكت من جهلها الأمم
ومن هذه الثغرة الثقافية والسياسية امتد لسان البعض من الشعراء ممن ابتلوا بلبوس المنخفض الثقافي والسياسي الى التجاوز على مفهوم التدين مأخوذين بما لدى الامم الاخرى من نجاحات محدودة اغرتهم باستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير.
فأوصى احدهم عند مماته ان توزع امواله بالتساوي بين الذكور والإناث إمعانا في المشاكسة التي درج عليها مع أنظمة الحكم معتقدا ان هذه مثل تلك، وكان هذا هو الجواهري الذي لم يفارق احتساء الخمر حتى رحيله الذي فرض عليه أشياء كثيرة من دنيا التدين سيظل نادما على عدم التعايش معها “ورفعنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد”. وسيتحقق مصداق قوله تعالى “سنفرغ لكم أيها الثقلان -31- فبأي آلاء ربكما تكذبان” -32- الرحمن، وستظل الموسيقى الروحية لهذه الآية وكلماتها المصاغة من عسجد البحور اللغوية وفصاحتها التي عبر عنها الإمام علي بن ابي طالب عندما قال: “نحن أفصح وانصح وأصبح” وبذلك وضع الأسس الحضارية لثقافة الفصاحة التي لا تكتفي بحيازة السبق اللغوي وإنما لابد لها من قاعدة أخلاقية عبر عنها الإمام “بالنصح” وهي النصيحة لعموم الناس “حب لأخيك ما تحب لنفسك” ثم يأتي الذوق الجمالي من خلال الوسامة وانعكاساتها النفسية في عالم الشكل والمظهر والتشكيل المتناسق الذي يستجمع جمالية المحيا بلغة روحية بعيدة عن الإسفاف الذي يستحضر الفساد الحيواني مغلوبا بنهم الشهوة التي تستغل غياب الحضور العقلي الشاهد المناسب للتواصل مع مفهوم الكون المتدين.
وعلى ذكر الشعراء الذين امتطوا صهوة الشعر دون الأخذ بثلاثية الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، فضاعوا وضيعوا ومنهم نزار قباني الذي استباح المرأة بدكتاتورية القصيدة عندما قال:
لم يبق نهد اسمر أو ابيض
إلا ومـــرت فوقه عرباتي
ولأنه لم يكن متمكنا من ناصية “النصح والنصيحة” وقع في إشكاليات فكرية وعقائدية كثيرة منها قوله:
وجراح الحسين بعض جراحي
وهذه مفارقة لا تغتفرها له الضرورة الشعرية، وادعاء لا مبرر له في حضرة “الإمام الشهيد الحسين” الذي قال فيه رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى ان هو إلا وحي يوحى”: “حسين مني وأنا من حسين”، وقال “ص” الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة” وقال “ص” الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا”، فعندما يتصدى رسول الله “ص” الى بيان ما للحسين من مقام تتبخر كل بحور الشعر، وتتراجع كل الكلمات حياء وادبا أمام كلمات القرآن دستور الكون المتدين وأمام كلمات النبي محمد بن عبد الله “ص” الذي كان قاب قوسين أو أدنى من مقام العرش حتى كان اول رائد للفضاء يجوب آفاق الكون المتدين تتعاطف معه سحب السماء وتحتفل به نجوم المجرات وتشهد له كواكب الأفلاك المسخرة الطائعة لتراتبية الكون المتدين قال تعالى: “وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون” الجاثية – 13. وقال تعالى: “وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين” الدخان -38- ومن الثغرات الفكرية التي سقط بها نزار قباني قوله: “وشعري لبلادي رفضته او باركته السماء”، وأطروحة الكون المتدين تريد تسليط الاضواء على تلك التخرصات والالتواءات الفكرية التي غربت وشرقت وزرعت لها بذورا من فسائل غير مثمرة في بعض النفوس. ومن هنا تبدأ السياحة المعرفية والروحية لاستحضار المتعة بمعناها العقلي والروحي والنفسي عندما ترتسم لنا صورة الكون المتدين كما ترسمها ريشة السماء وهي خير الراسمين قال تعالى: “ثم استوى الى السماء وهي دخان فقال لها وللارض اتيا طوعا او كرها قالتا أتينا طائعين” فصلت – 11. وإمام هذا المشهد تتساقط حجج وتخرصات الذين استكبروا في أنفسهم زورا وبهتانا وقالوا: إنما يهلكنا الدهر. وعصوا ربهم ورفضوا دعوة الأنبياء والرسل عليهم السلام واستسلموا لأهوائهم ناسين ضآلة حجمهم تجاه السماء ومجراتها ونجومها التي يعبر عنها علم الفضاء المعاصر” بالسوبر نوفا “والتي تزيد أحجامها كثيرا حجم الشمس، والشمس نجم يزيد على حجم كوكب الأرض بمليون مرة. وهؤلاء الذين لا يؤمنون بخالق السماوات والأرض هم من لا يؤمنون بالكون المتدين بدون دليل، وهم لا يعرفون معنى الرياح الشمسية ولهيبها مثلما لا يعرفون ان درجة حرارة الشمس هي بمعدل “15” مليون درجة مئوية. وهم لا يقدرون على فهم حركة إعصار تسونامي… مثلما لا يعرفون حركة بركان ايزيلندا الذي عطل ملاحة الطيران الاوربي والعالمي لعدة أسابيع مما جعل شركات الطيران تخسر مليارات الدولارات بسبب حادث مناخي واحد. وتلك هي واحدة من مفردات لغة الكون المتدين التي نحتاج إلى دراستها والتأمل فيها واستخلاص العبر وآفاق العمل المستقبلي الذي سنجد بعد أعمال العقل ومنطقه العلمي: ان هناك معادلة طردية لانتشار مناخات الإيمان مع اتساق حركة المظاهر الكونية لصالح البشرية وتنميتها التي تبذل اليوم بعض الدول كثيرا من المال وتقوم بالكثير من المشاريع التي تظل ناقصة الجودة وغير قادرة على استجلاب قناعة المظاهر الكونية المسخرة بقوانين الخلق والإيجاد ولأسبابها ومسبباتها التي عرفت ظواهرها وخفيت عن الناس بواطنها وأسرارها قال تعالى: “قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين” فصلت – 9. وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها اقواتها في اربعة ايام سواء للسائلين” فصلت – 10.
قال تعالى: “والله انزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ان في ذلك لآية لقوم يسمعون” النحل – 65. ثم تتوالى ذكر الخيرات والبركات على البشرية من خلال مفهوم الكون المتدين الذي تشخر فيه كل الموجودات للفائدة البشرية قال تعالى “وان لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين” النحل – 66- وقال تعالى: “ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ان في ذلك لاية لقوم يعقلون ” – 67- النحل – ثم تتجلى صور التسخير الالهي لمفردات الكون المتدين والنموذج هنا ستكون النحلة قال تعالى ” واوحى ربك الى النحل ان اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون -68- ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف الوانه فيه شفاء للناس ان في ذلك لاية لقوم يتفكرون – 69- النحل،هذه صورة واضحة وجلية من صور الكون المتدين متمثلا في النحل الذي اصبح مشمولا بالوحي، وكل موجود يأتمر بامر الوحي ويطيعه انما يمارس عملا دينيا بمستوى تكوينه واستعداده البيولوجي، والذي يجمع بين تدين الإنسان وتدين بقية المخلوقات في الأرض او في السماوات هو فعل الطاعة لله تعالى وان اختلفت صوره، وإلقاء نظرة تأملية على مجمل أفعال العبادة التي يمارسها الإنسان المتدين مثل:
1- الصلاة
2- الصوم
3- الحج
4- الزكاة
5- الجهاد
فهذه تختلف من حيث الصورة الخارجية في الأداء مثلما تختلف حتى في المضمون، ولكنها تتحد في محور واحد هو الامتثال لأمر الله سبحانه وتعالى، فمن يؤدي تلك الأفعال والواجبات نقول عنه انه “متدين” فالتدين مفهوم للعبادة وهو تعبير عن الحالات الآتية:
1- الطاعة
2- الاخلاص
3- المحبة
4- الانسجام
وعندما تتصاعد درجة العبادة لتصبح سلوكا يحيط بكل أقطار النفس التي يعلو منها التوهج فنحصل على ما يلي:
1 – الصبر
3- الشوق
4- اليقين
5- الفرح
ومظاهر العبادة هذه خاصة بالموجود البشري، والذي يصل الى هذه الدرجات يكون قد حصل على اعلى مراتب التدين التي هي دون مرتبة المعصوم، فالتدين مفهوم واسع، يشمل كل من ادى التكاليف العبادية من صلاة وصوم وحج وزكاة، وان كان الناس يختلفون في درجة الاداء، وهذه هي خصوصية العبادة عند البشر.
اما التدين عند الكائنات الأخرى مما في الأرض من:-
1- حيوان: فيكون عن طريق الوحي والتسخير وأمثلته كثيرة منها:-
أ- النحل: وقد اشرنا الى ذلك بالآية – 68- من سورة النحل التي حددت الاماكن التي تتخذها بيوتا وهي:-
1- الجبال
2- الشجر
3- العرائش مثل الكروم
ب- هدهد سليمان عليه السلام قال تعالى: “وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد ام كان من الغائبين”النمل – 20.
ت- الجن: الذي سخر لسليمان عليه السلام قال تعالى “وحشر لسليمان جنوده من الجن والانس والطير فهم يوزعون ” – 17-
ث- عصا موسى التي سخرت بامر الله لترهب فرعون وسحرته قال تعالى:” وان الق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى اقبل ولا تخف انك من الآمنين ” – القصص – 31- وقال تعالى ” فالقى عصاه فاذا هي ثعبان مبين” – الشعراء – 32-
ج- نار ابراهيم عليه السلام التي تحولت بامر الله بردا وسلاما على ابراهيم قال تعالى ” قلنا يانار كوني بردا وسلاما على ابراهيم” – الانبياء – 69- فالنار التي من طبيعتها الاحراق ولا تعرف غير ذلك، ولكن امر الله جعلها على غير طبيعتها في تلك اللحظة، ومن هنا جاز لنا تسمية هذه الظاهرة بالتدين.
ح- ريح سليمان عليه السلام قال تعالى “ولسليمان الريح عاصفة تجري بامره الى الارض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين ” – الانبياء – 81- والعواصف واثارها قديما وحديثا وهي معلومة اخبارها، واليوم يعاني مناخ البشرية من موجات عاتية من الرياح القوية التي تصنع العواصف المدمرة مثل اعصار تسونامي الذي قتل ربع مليون من البشر في لحظات، فالرياح عندما تستجيب لامر الله فان هذه الاستجابة فعل من افعال التدين في مفهوم الدين.
خ- حوت يونس ” ذي النون ” قال تعالى ” وذا النون اذ ذهب مغاضبا فظن ان لن نقدر عليه فنادى في الظلمات ان لااله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين ” الأنبياء – 87-
د- ناقة صالح
ذ- كبش إسماعيل
ر- غراب قابيل
ز- وفي الروايات المؤكدة من تاريخ الرسالة الاسلامية وهجرة رسول الله “ص” من مكة الى المدينة ودخوله هو وصاحبه ابو بكر الصديق “رض” في غار النور وكيف جعل الله العنكبوت تبني بيتا على فوهة الغار وتأتي حماة تبني عشا بسرعة وتضع بيضا حتى تجعل المشركين من قريش لا يصدقون ان في الغار بشرا بعد كل هذه المظاهر. وهذه من اصدق مصاديق الكون المتدين عندما تتعاون اطرافه المختلفة في الخلق والتوجه والنوع والفصيلة واللغة على امر بتوجيه وتسخير من الله فان ذلك السلوك لا يمكن بعد ذلك الا ان يسمى سلوكا متدينا بمفهوم التدين البشري مع الفوارق في طرق الاداء وقد قلنا ان الفوارق بين عبادة وعبادة كالصلاة والصوم لا تخرجها عن مفهوم وحدة التدين ومفهومه.
وعندما نتوغل في السياحة الروحية لتتبع مظاهر التدين في خريطة الكون ومفرداته في السماوات والأرض فأننا هنا لابد لنا من ان نستمع الى خطاب السماء المرجع الوحيد لسلوك وافعال الكائنات قال تعالى:” الم تر ان الله يسجد له من في السماوات ومن في الارض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فماله من مكرم ان الله يفعل مايشاء ” – الحج – 18-
فالسجود هو عمل من أعمال التدين وهو القاسم المشترك بين الموجودات جميعها في السماوات والأرض، وفي هذه الآية الكريمة اختصرت لنا كل الخلائق والموجودات التي تشترك في فعل السجود وهي:-
1- من في السماوات: وهي المجرات، والثقوب السوداء، والنجوم بمختلف أعمارها:
ا- الزرقاء وهي النجوم الفتية
ب- الحمراء وهي النجوم الكهلة
ت- البيضاء وهي النجوم في مرحلة الشيخوخة
ث- الشهب
ج- النيازك
ح- السحب والغيوم
خ- الرياح بأنواعها “طرائق الريح وسكائك الهواء” بتعبير الإمام علي بن ابي طالب عليه السلام.
2- ومن في الأرض: والذي في الأرض هو:-
ا- الجبال
ب- البحار
ت- الانهار
ث- البحيرات
ج- النباتات بمختلف أنواعها
ح- الأشجار بمختلف أنواعها
خ- الحيوانات وقد عبرت عنها الآية بالدواب وهي: زواحف ومن يمشي على بطنه، ومن يمشي على رجلين، ومن يمشي على أربع، ومن يطير بجناحيه.
3- الشمس
4- القمر
5- النجوم
6- وكثير من الناس، ويلاحظ هنا استعملت الآية الكريمة اصطلاح الناس ولم تستعمل اصطلاح المسلمين ولا اصطلاح المؤمنين توجيها الى الافق الذي تدعو له الآيات القرآنية وهو أفق إنساني حضاري تشترك به البشرية اجمع في سياق من العدالة والمساواة والحكمة في القصد.
7- فالتدين حالة منفتحة على جميع الخلائق والموجودات مثلما هو منفتح على جميع الناس على طريقة الخطاب الإلهي “ولا تبخسوا الناس أشياءهم” وقوله تعالى ” وتلك الأيام نداولها بين الناس”.
هذه هي باختصار بعض مظاهر التدين في الكون، وجدنا منها ما هو باسم السماوات كلها عندما أتت طائعة لله تعالى، ومنها ما هو خاص بالأرض كلها كوكب “والأرض وضعها للأنام”.
فإذا كانت السماوات بعظمتها وهيبتها تأتي طائعة لله، فما بال البعض من الناس يتأخر عن هذه المبادرة.
ما قيمة الواحد منا تجاه تعقيدات الخلق مما هو مبثوث في السماوات من مجرات ونجوم وكواكب وافلاكها التي لا تعد ولا تحصى، والتي لازالت مسافاتها مجهولة لعلماء الفضاء رغم كل التقدم الذي حصل في علوم الفضاء.
الم يقل الله سبحانه وتعالى ” لخلق السماوات والأرض اكبر من خلق الناس”.
ثم الم يقل الإمام علي عليه السلام: مسكين ابن ادم تؤذيه البقة وتقتله الشهقة وتنتنه العرقة.
ان مفهوم الكون المتدين يستحق منا أعمال النظر والفكر لأنه من شؤون الإنسانية المفكرة.