(والنجم والشجر يسجدان) 6، الرحمن.
مقدمات ضرورية:-
1- الكون المتدين يحتاج مجتمعا متدينا.
2- والمجتمع المتدين يحتاج حكما متدينا.
3- والحكم المتدين يحتاج العلماء وأصحاب الكفاءة والخبرة.
لم يكن الكون ولا يزال متدينا، وربما يستغرب البعض او يفاجئ من هذا التعبير، ولكنه سيكتشف بعد أعمال العقل والتأمل ان هذه هي الحقيقة، فمن يعرفها قبل فوات الأوان فهو من الفائزين وتلك هي المتعة الحقيقية واللذة الخالدة في الدار الآخرة.
وأريد للمجتمع ان يكون متدينا فمنح العقل طريقا لذلك، ولكنه أي الإنسان لم يوفق لاستعمال العقل في النظر الى الكون وما يترتب على ذلك من علاقات انيطت بالإنسان مسؤولياتها، فاخذ بعضها وترك البعض الآخر فلم يكن البعض متدينا على رغم التفاوت في مفهوم التبعيض عدديا ورياضيا. واذكر هنا بسرعة بالنسب التي يتحدث عنها القرآن نتيجة تباين المواقف واختلاف الفهم قال تعالى: “ثلة من الأولين وقليل من الآخرين” فالأولون تعبير عن البداية البشرية وهي بداية دينية قال تعالى: “إني جاعل في الأرض خليفة” ..البقرة -30- والنسب استعملت لها ” الثلة ” و ” قليل ” وفي الروايات ان عدد صفوف المصلين يوم القيامة ” 120″ صفا منهم ” 80 ” صفا من المسلمين و ” 40 ” صفا من غير المسلمين، ويوم القيامة هو الذي قال عنه تعالى: “ربنا انك جامع الناس ليوم لاريب فيه ان الله لا يخلف الميعاد” – آل عمران – 9-
فالحياة بدأت بداية دينية بأمر الله تعالى، وتنتهي نهاية مختلف عليها دينيا مصداقا لقوله تعالى:” ياحسرة على العباد ما يأتيهم رسول إلا كانوا به يستهزئون ” ولكن اختلاف البعض من الناس حول النهاية لا يغير من كونها نهاية دينية وان شابها الاختلاف، فكل مظاهر الكون متحدة ومسخرة بأمر الله، وامر الله هو الذي يعكس المعنى الديني للحياة، ولكن هذا المعنى تخلف عنه الكثير من الناس، وهذه الدراسة تحمل مهمة معرفية بالتذكير بالمعاني التي تسرقها الغفلة، او يغيبها التدافع الذي تطغى عليه المصالح المادية، ومن واجب المهمة المعرفية ان تذكر بآيتين قرآنيتين هما القرينة المباشرة على ذلك المعنى، وستذكر بآيات أخرى كثيرة هي قرينة غير مباشرة على مفهوم الكون المتدين.
قال تعالى: “وإذ اخذ ربك من بني ادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم الست بربكم قالوا بلا شهدنا ان تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين”.
والآية الكريمة الأخرى: “قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا” الإسراء – 95.
وفي الآيتين تكمن حقيقة عرفها أولوا العلم وغابت معانيها عن كثير من الناس، والحقيقة تلك هي:-
1- ان المشهد الذي تم فيه اخذ العهد على الخلية وذراتها ومكوناتها وهي اصغر وأقوى شيء في جسم الإنسان هو مشهد ديني… فلماذا ينفر البعض من اسم الدين وخلاياه قد سبقته بالبيعة لله الذي شرع الدين قال تعالى: “شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ان اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه” وهل يستطيع الواحد منا ان يختلف ويتعاكس مع خلاياه وهو لا يملك ذلك. سؤال برسم الإنسانية المفكرة ونحن في بداية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين.
2- ان الاية الثانية من سورة الاسراء برقم -95- تطرح قضية خطيرة هي الاخرى من القضايا التي لم يتم التركيز عليها وفهم مضامينها من الذين رفضوا الدين بسطحية ومحدودية فكرية وعلمية لا يحسدون عليها، فالآية تتحدث عن الحتمية مابين السماء والارض، ولقد اصبح الحديث عن الحتمة مستساغا فلسفيا لاسيما عند ظهور الفلسفات المادية التي كان للفلسفة الماركسية خطابا استهوى بعض الناس من الذين لايعرفون الحواضن الدينية بمنطلقاتها العلمية واعمدتها الفكرية التي لا ينال منها التشويش الا صمودا واشراقا لمستقبل ينتظر الحاضنة الدينية انتظار الام لوليدها.
والكون المتدين أطروحة تفكير معاصرة تسعى لبلورة رؤية علمية استقرائية عن مظاهر الكون وما مبثوث فيه من مظاهر التدين بمعناها الاصطلاحي الذي عرفه الناس ولكن اعترضت تلك المعرفة حوادث الدنيا ومشاغلها، وكان للهوها ولعبها اثرا واضحا في الغفلة التي تهيمن على العقول فتحجب إدراكها، وتتغلغل في القلوب فتصنع اقفالها، قال تعالى:” افلا يتدبرون القران ام على قلوب أقفالها”.
ان في الكون المتدين: اجابة حاسمة تقف حائلا دون تمادي من دعوا الى فصل الدين عن الدولة، ومن اعجبوا بالمقولات التي تزين لهم فكرة الحرية دون معرفة شروطها مما جعلهم من اعداء الحرية الباطنيين وحقيقة كل شيء باطنه، فمن لا يفهم الكون لا يفهم الحرية بمداها المشترك بين الكائنات، ومن لا يفهم حركة الكائنات لا يفهم حركة الوجود، ومن لا يفهم حركة الوجود لا يفهم المسافة بين الحال والمحال، ومن لا يعرف الحال والمحال لا يعرف الزمان والمكان وما بينهما، ومن لا يعرف مابينهما لا يعرف الانسان، ومن لا يعرف الانسان لا يعرف الله، ومن لا يعرف الله لا يهتدي لشيء، ومن لا يهتدي لشيء لا يؤخذ برأيه.
ومن حق القارئ والمتابع ان ارسم له صورة لمظاهر الكون المتدين كما رسمتها آيات القرآن خطاب السماء لأهل الأرض وخاتمة رسالات السماء الذي قال عنه تعالى: “وبالحق نزلناه وبالحق نزل”، وقال تعالى:” ان هذا القرآن يدعو للتي هي اقوم ” والكون المتدين كتابه القران الكريم وقبل ان أقدم للقارئ ذكر الايات القرآنية التي تثبت ذلك أحب ان اعطيه مقدمات هي الأخرى ضرورية لتقريب الصورة، وهذه المقدمات هي تجارب وإحصائيات قام بها مجموعة من الباحثين من مختلف الاختصاصات، ويمكن ان أوجزها على الشكل الآتي:
1- في الولايات المتحدة الأميركية قام الدكتور احمد القاضي أستاذ طب القلب ورئيس مجلس إدارة معهد الطب للتعليم والبحوث في اميركا بإجراء تجربة على الذين يعانون التوتر العصبي من مسلمين وغير مسلمين وجعلهم يستمعون للقرآن الكريم فانخفضت نسبة التوتر عندهم الى نسبة 79|0 والتوتر العصبي عند الانسان ينقص المناعة، وهذا يعني ان سماع قراءة القران يقوي من المناعة عند الانسان، وهذه النتيجة تتطابق مع بحثنا عن الكون المتدين وتعطيه مصداقية تدعمها التجارب العلمية، كما انه اجريت ذات يوم تجربة على مجموعة من النباتات من نفس الفصيلة وعرضت لظروف مناخية متساوية ولكن وضعت مجموعة منها بالقرب من تسجيل لقراءة القران الكريم، ولم يضعوا ذلك عند مجموعة اخرى، وفي نهاية التجربة التي امتدت لعدة اسابيع وجدوا ان المجموعة التي قرئ عندها القران نمت بشكل اسرع من المجموعة التي لم يوضع جنبها تسجيل قراءة القران . وهذا دليل اخر على صحة قولنا واصطلاحنا عن الكون المتدين .
2- وقام الباحث الاستاذ طارق السويدان بعمل احصائية حول بعض الكلمات التي تمثل معان مهمة في حياة الناس ولاسيما المسلمين منهم وكانت احصائيته تكشف عن ظاهرة التساوي التي تعبر عن سر الاعجاز القراني، مثلما تعبر عن ظاهرة اعجازات اخرى سنبينها كما يلي:-
1- ذكرت كلمة الدنيا في القران 115 مرة وذكرت كلمة الاخرة 115 مرة .
2- ذكرت كلمة الملائكة “88” مرة وذكرت كلمة الشياطين “88” مرة
3- ذكرت كلمة الناس ” 50″ مرة وذكرت كلمة الانبياء “50” مرة
4- ذكرت كلمة صلاح ” 50″ مرة وكلمة فساد “50” مرة
5- ذكرت كلمة ابليس “11” مرة وكلمة الاستعاذة من ابليس ” 11″ مرة .
6- ذكرت كلمة المسلمين ” 41″ وكلمة الجهاد ” 41″ ومعلوم ان الجهاد خوطب به المسلمون، مثلما ان الانبياء بعثوا للناس، ومثلما ان الشياطين هم عكس الملائكة، كلمة الدنيا هي مقابل الاخرة .
7- ذكرت كلمة الزكاة ” 88″ مرة وكلمة البركة ” 88″ مرة ومعلوم ان الزكاة من اسباب البركة .
8- ذكرت كلمة محمد:”4″ مرات وكلمة الشريعة “4” ومحمد “ص” هو صاحب الشريعة التي تتبع من الله لمجتمع متدين في كون متدين .
9- ذكرت كلمة امراة ” 24″ مرة وذكرت كلمة رجل ” 24″ مرة وهذا من عجائب القران الذي يساوي بين الرجل والمرأة حتى في عدد المرات التي يذكرهم فيها في القرآن.
10- ذكرت كلمة الحياة ” 145″ مرة وذكرت كلمة الموت ” 145″ مرة.
11- ذكرت كلمة الصالحات “167” مرة وكلمة السيئات ” 167″ مرة.
12- وذكرت كلمة اليسر “36” مرة بينما ذكرت كلمة العسر “12” مرة وهذا سر من أسرار الهدي الإلهي الذي جعل اليسر أكثر من العسر بثلاث مرات. “يريد بكم اليسر ولايريد بكم العسر”.
13- ذكر كلمة الأبرار “6” مرات وكلمة “الفجار” 3″ مرات وهذا يعني ان الله تعالى يريد الأبرار ولا يريد الفجار.
14- ذكرت كلمة الجهر “16” وكلمة العلانية “16” مرة.
15- ذكرت كلمة المحبة “83” مرة وكلمة الطاعة “83” مرة، وهذا يتطابق مع مفهوم ان الله يحب الطاعة لأنها تقرب الإنسان من الكون المتدين.
16- ذكرت كلمة الهدى “79” وكلمة الرحمة ” 79″ مرة لان الهدى يدخل الإنسان في رحمة الله، ويجعله صديقا للكون المتدين.
17- ذكرت كلمة السلام “50” مرة وكلمة الطيبات ” 50″ مرة، لان السلام يصنع الطيبة والطيبة تصنع السلام، وهذه ضد حالة الإرهاب التي ينشرها البعض في المجتمع وهي ظاهرة يرفضها الكون المتدين والمجتمع المتدين والحكم المتدين.
18- ذكرت كلمة الشدة “102” مرة وكلمة الصبر ” 102 ” مرة والصبر يراد في الشدائد ” اصبروا وصابروا ورابطوا”.
19- وذكرت كلمة المصير ” 75″ مرة وكلمة الشكر “75” مرة.
20- وذكرت كلمة الجزاء ” 117 ” مرة وكلمة المغفرة ” 234″ مرة وهذا يعني ان مغفرة الله معدة اكثر من نسبة الجزاء وهو المحاسبة.
ومن اعجاز القرآن الذي يعبر عن اطروحة الكون المتدين ما يلي:-
1- ذكرت الصلاة خمس مرات في القرآن الكريم والفروض اليومية خمسة فروض.
2- ذكرت الشهور “12” مرة في القران الكريم والسنة ” 12″ شهرا.
3- ذكر اليوم ” 365 ” مرة في القران الكريم وعدد ايام السنة “365” يوما .
4- وذكرت كلمة بحر “32” مرة في القرآن الكريم وبما ان نسبة الماء على وجه الارض اكثر من 70|0 فان نسبة تكرار كلمة البحر = 71|011
5- وذكرت كلمة الأرض ” 13″ مرة في القرآن الكريم أي بنسبة = 28|088 ومعلوم ان نسبة اليابسة تقرب من ثلاثين بالمئة كما هو معروف جغرافيا.
6- وهناك مخطط بياني يمثل الإعجاز القرآني المعبر عن الكون المتدين وفي هذا المخطط الذي يمثل أرقام السور القرآنية وعدد آياتها وبعد رسم هذا المخطط يظهر لنا ” اسم الله “كتابه”.
وفي هذه الدراسة “الكون المتدين كانت لنا سياحة روحية ونزهة معرفية قدر استطاعتنا المحدودة وإمكاناتنا المتواضعة في بعض أجواء ومناخات الآيات القرآنية التالية:-
1- سورة البقرة المباركة عبر الايات: 74، 117، 255
2- سورة المائدة: الآية 31
3- سورة الأنعام: الآية 59، 99
4- سورة الأعراف: الآية،11،34، 57،، 181،176
5- سورة الحج: الآية 5
6- سورة النمل: الآية: 75، 88
7- سورة الانبياء: الآية 32، 105
8- سورة الإسراء: الآية: 14، 36، 58
9- سورة مريم: الآية 40
10- سورة النحل: الآية: 49، 79
11- سورة هود 6، 44
12- سورة القصص: 5، 68
13- سورة المؤمنون: 52
14- سورة النور: 25
15- سورة الفرقان: الاية 54
16- سورة فصلت: الآية 47
17- سورة الزمر: الاية: 18، 68،
18- سورة الروم: الاية 22
19- سورة سبا: الاية: 46
20- سورة فاطر: 11- 41
21- سورة الاحزاب: الاية 72
22- سورة: التين، 1
23- سورة: الضحى: الاية: 1
24- سورة الليل: الاية 1
25- سورة الشمس: الاية: 1
26- سورة القمر: الاية 1
27- سورة الغاشية: الاية 18
28- سورة الفجر: الاية 1
29- سورة الاعلى: الاية 1
30- سورة البروج: الاية 1
31- سورة الانشقاق: الاية: 1
32- سورة الانفطار: الاية 1
33- سورة التكوير: الاية 1
34- سورة الطارق: الاية: 1
35- سورة النازعات: الاية 37
36- سورة النبا: الاية: 7
37- سورة المرسلات: الاية: 8
38- سورة القيامة: الاية: 8
39- سورة الزلزال: الاية 1
40- سورة الحاقة: الاية: 6-
41- سورة الرحمن: الاية: 6
42- سورة النجم: الاية: 1
43- سورة القدر: الاية: 4
44- سورة القارعة: الاية: 5
45- سورة الفيل: الاية: 3-4
46- سورة الفلق: الاية: 1
هذه بعض السور القرآنية التي تحمل دلالات ومعاني الكون المتدين ولم نذكرها بالتسلسل القرآني، لاننا اردنا للقارئ ان يلم بأسمائها ومواقع الآيات فيها، وسنشرح في الجزء الثاني ان شاء الله موارد ومفاهيم الكون المتدين من خلال الآيات القرآنية المباركة التي ركزت على تلك المفاهيم التي تريد مجتمعا متدينا خاليا من القهر والقلق والاضطرابات النفسية حتى يتوجه للإنتاج والعمل، ولم تعد وسائل الترفيه عنده كما هي اليوم مضيعة للوقت والجهد والمال والنفس التي تظل تتشظى على هموم مصطنعة لا تجد حلا في سياسة السلطة الزمنية واحزابها ولا في مهرجانات الصخب التي تحرض الهرمونات بغير حيوية وتستثير اللذة باصطناع المتعة غير الحقيقية.
الكون المتدين مفهوم يصنع المتعة بدون ندم ويستشعر اللذة بدون وخز للضمير، ويوفر التوازن في الأسرة والمجتمع والدولة – يتبع الجزء الثاني ان شاء الله.