“الحيف يدعو الى السيف”.. الإمام علي بن أبي طالب. تبرز قضية الشعب البحريني اليوم كظاهرة تختصر الصمت الدولي ممثلا بمجلس الأمن والأمانة العامة للأمم المتحدة والتي كشفت أوراقها القضية الفلسطينية عبر أكثر من ستين سنة من المماطلة والتجاذب المخيب للآمال.
ويقف التخاذل العربي في قضية حرية وإرادة الشعب البحريني اليوم استمرارا للتخاذل العربي في قضية فلسطين ومأساة شعبها المهجر قسرا والمضطهد علنا بالغطرسة الصهيونية التي احتضنت العقل الغربي وطوعت العقل القيادي الأميركي ليكون صديقا أبديا للصهيونية التي وجد فيها إشباعا لرغباته الطامحة للسيطرة والتي لم تشبعها الكنيسة المسيحية التي تعرف ان عيسى نبيا مبعوثا من جملة أنبياء يشكلون رسل السماء الى أهل الأرض.
وتقف قضية البحرين اليوم في جملة قضايا وأحداث المنطقة العربية والى جانبها القضية السورية ليكونا من القضايا التي تشكل امتحانا للعقل والوجدان العربي والعالمي، وليظهرا نوعا من السمسرة الاعلامية والسياسية التي تصادر الحقوق وتقفز على المنطق، وتختطف الحقائق في اسلوب يصنع الوهم ويزرع الشك ويجلب الظلام، ويتنكر للضوء في رابعة النهار، وهذه هي احد مدلهمات الخطوب التي عصفت بالبشرية وفرقتها بعد ان كان الناس امة واحدة.
والمثالان: البحريني والسوري هما من الأمثلة التي تختصر حيرة الناس وضياعهم في معرفة الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.
وسأركز في هذه الدراسة على المثال البحريني حتى استجمع خيوط المشكلة وما يقف وراءها وأمامها من خلفيات نوجزها كما يلي:
1- الخلفية المذهبية.
2- الخلفية الطائفية.
3- الخلفية العنصرية.
4- الخلفية السياسية.
وسأترك الحديث عن القضية السورية الى مناسبة أخرى برغم أنها اخطر القضايا التي تواجه العقل العربي والوجدان الإنساني والسياسة الدولية.
البحرين هي من الجزر الصغيرة في الخليج العربي الذي أميل أنا الى تسميته بالخليج الإسلامي، وقد نقلت هذا الرأي الى بعض مسؤولي الجمهورية الإيرانية الاسلامية في الثمانينات من القرن الماضي متوخيا في ذلك فك الالتباس حول التسمية وما تجره من صراعات لا طائل من ورائها وما تختزنه من حساسيات لا تنتمي الى الفكر الإسلامي وخياراته الإنسانية الحضارية ولا الى الفكر المتمدن ومرونته في القضايا المستعصية.
وكنت أقول لمن أتحدث معه من المسؤولين: ان سكان المنطقة الشرقية من الخليج هم من المسلمين الإيرانيين، وسكان المنطقة الغربية من الخليج هم من المسلمين العرب، ومن المنطقي لتلافي إشكالات التسمية ان تبادر الأطراف المعنية بالأمر الى الاتفاق على تسمية الخليج “بالخليج الإسلامي”.
وتسمية الخليج بالخليج الفارسي لم تكن من بنات أفكار المشرع الإسلامي، فلماذا تتحمل الجمهورية الإسلامية في إيران تبعات تسميات لا تنتمي الى عقيدة الإسلام.
علما بان الصفة الغالبة على الخليج في العصور القديمة هي تسميته تلحق بالعراق، والى ذلك أشار الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في خطبته الشهيرة في نهج البلاغة وهو يخاطب العرب قائلا: ولقد زاحتكم الأمم من القياصرة والأكاسرة عن بحر العراق وخضرة الآفاق”. ويقصد ببحر العراق هو الخليج لان امتداده ومجراه الطبيعي يتكون من شط العرب وشط العرب يتكون من دجلة والفرات وهذا تكوين طبيعي لا احد يناقش فيه.
فعندما تتحدث شخصية رسالية تاريخية تمتلك ناصية الوضوح العقائدي والفهم الكوني للأمور مثل الإمام علي بن أبي طالب باعتباره:
1- من اولي الامر.
2- ومن اهل الذكر.
3- ومن الراسخين في العلم.
فلا يعود هناك مجالا للتردد في قبول ما يطرحه لأنه ينطلق من الحق ويدعو للحق، وهو قرة عين الرسول “ص” والشاهد من نفسه “ويتلوه شاهد من نفسه” والمطهر من الرجس “إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا”، ومن أهل المودة التي يؤجر عليها المسلمون عندما يتواصلون مع النبي “ص” من خلالها “قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى”.
والقبائل العربية هي اول من سكن في جزيرة البحرين، وقبيلة بني تميم كانت من ابرزها، واحد قادة الفرس الذين دخلوا ارض البحرين تكلم معه حكيم من حكماء العرب وقد كان قد بلغ عتيا من العمر حتى انه كان يجلس في مهد معلق على أعواد لعدم استطاعته الوقوف او المشي “مما اثار استغراب ودهشة القائد الفارسي عندما كلمه هذا الشيخ العربي الطاعن في السن بكلام كله حكمة وبلاغة مما جعل القائد الفارسي يتراجع عن بطشه. وهذه الحادثة تذكرنا بلقاء الاسكندر المقدوني القائد الذي اجتاح العالم ولكنه تاثر بكلام لرجل عابد وحكيم التقاه في طريق سيره بجيشه العرمرم فلم يحفل ذلك العابد باصوات الجيش وكثرته وظل واقفا يصلي، فاثار دهشة الاسكندر المقدوني فقال له الاسكندر: يا هذا الم ترهبك هذه العساكر. قال: لماذا ترهبني وأنا في عبادة من هو اكبر من العساكر وقائدها. فاستحسن كلامه، فقال له أريد ان تصحبني: فقال له الرجل العابد: لي عليك شروط في صحبتي لك. قال: ما هي شروطك.
قال:
1- ان تمنع عني المرض.
2- وان تطرد عني الموت.
فقال الاسكندر: يا هذا لا اقدر على ذلك
فقال العابد : فإذن اتركني مع من هو اقدر منك وهو الله.
ومن أمثال العرب القديمة المثل المعروف: “كناقل التمر الى هجر” وهجر قرية في البحرين كانت عند العرب معروفة بكثرة زراعتها للنخيل وكثرة التمور فيها حتى عدوا من يجلب معه تمرا كهدية لا يكون لها قيمة واعتبار لكثرة التمور فيها.
فسكان البحرين من قديم الزمان هم من القبائل العربية وأخبارها متواترة لا تحتاج الى مزيد من البيان.
وهناك ظاهرة يغفلها بعض المتصيدين في الماء العكر، مفادها ان المدن عندما يزداد عمرانها وتكثر فيها التجارات والمنافع فان الاختلاط البشري يكون سنة اجتماعية، فتنزلها جماعات ويستقر بها أفراد من الجوار القريب والبعيد وهذا امر طبيعي خصوصا قبل ان تظهر أنظمة الدول والحكومات الحديثة ويظهر مشروع الجنسية والوثاق التي تشرعها الدول لمواطنيها والمقيمين فيها.
ونحن في العراق نعرف هذه الحركة الاجتماعية وآثارها وكيف كانت بعض العوائل العراقية تتنقل بين المدن في المنطقة ومنها إيران، وتركيا، والهند وباكستان والسعودية وأذربيجان وعاصمتها باكو والذين استوطنوا في العراق من سكان باكو يعرفون “بالبادكوبية” ونعرف جيدا كيف كانت بعض العوائل السعودية استقرت في مدينة البصرة منذ القدم وابيح لبعض العوائل السعودية تجارة واستثمارا في البصرة ايام الملك فيصل الأول وظلت الى نهاية عهد الملكية في العراق من عام 1958 ولازالت بعض البيوت معروفة في البصرة والتي تملكها عائلات سعودية.
هذه الحركة الطبيعية للاجتماع الإنساني في القرون التي سبقت عهدنا لم تكن تلاقي الفهم السليم عند من تأثروا بالأفكار المرحلة الى المنطقة العربية والإسلامية من اجل تمزيقها وإشاعة روح الفرقة والتمزق فيها ومن تلك الافكار التي لا جذور عقائدية فكرية حقيقية لها هي:
1- فكرة الطورانية التي ولدت في أحضان السلطنة العثمانية التي لم تستفد من خصوبة العقيدة الإسلامية وانشغلت بعناوين السلطة الزمنية، مما سهلت على الخصوم التاريخيين للعقيدة الإسلامية من بقايا اليهود المتطرفين والذين حرفوا التوراة وجعلوا من سفر التكوين لحزقيال لاسيما الجزء – 38- 39- هو ما يناغمون به بعض المسيحيين غير المرتبطين بالكنيسة بفرعيها الكاثوليكي والبروتستاني ارتباطا معرفيا، وإنما هم مجرد يحملون تسمية لا يعرفون معانيها وجذورها التاريخية وهؤلاء كانوا صيدا ثمينا لليهود المتطرفين الذين استقروا في المدن الغربية ومنها أمريكا التي سارعوا للانتقال لها مع بداية عهد الاستيطان الأوربي البريطاني في القارة الأميركية الجديدة، فكانت رحلة اليهود هذه الى أمريكا تشبه رحلتهم الى جزيرة العرب والسكن في المدين “يثرب” لعلمهم بان نبي آخر الزمان يبعث في هذه المنطقة فكانوا يطمعون للاستيلاء على عقول الناس واستباقهم الى مصادرة دور الرسالة الإيمانية الجديدة لصالح مصالحهم الشخصية وهو بقاؤهم متنفذين على الناس وتلك هي طريقتهم التي عرفوا بها تاريخيا، ولكن حكمة القيادة النبوية الإسلامية بشخصية النبي محمد “ص” وتسديد السماء تم تجاوز ذلك التحايل ومصادرة الأغراض اليهودية المتطرفة وفضح مكائدهم وإسقاط حججهم.
2- فكرة القومية العربية: التي طرحت مفروشة بشباك الغدر الصهيوني والاستشراق الاستعماري لإضعاف روح العقيدة الإسلامية الخاصة والإيمانية العامة التي تشمل النصارى وإحلال عقائد واهية سطحية وإغراء الشباب العربي بها وقد كانت السفارات الغربية ترعى هذه الحركات وتوفر لها مستلزمات النجاح والانتشار.
3- فكرة البعث العربي الاشتراكي: كانت من أفكار الغزو الغربي واختمار خبرته بعد ان رأى ضعف النتائج التي بدت من خلالها فكرة القومية محدودة، وجند لهذه الفكرة عناصر مختلطة من النصارى والمسلمين وركزوا هذه المرة على الشخصيات الهامشية التي تنتمي لطوائف تعاني خللا وإرباكا في رؤيتها الاسلامية.
فكان عفلق المدرس السوري المسيحي بالاسم هو خيار الجانب الفرنسي الشريك الاساسي في تمزيق هوية المنطقة العربية والاسلامية مستعينا بالجانب اليهودي المتوغل في القنوات المالية والمتحفز لاضعاف المسلمين وتمزيق بلادهم مما يتطابق مع تحقيق الاهداف الغربية في السيطرة على المنطقة العربية والاسلامية وهذا هو السر العميق الذي ظل مستعصيا على الفهم لدى عامة الناس في المنطقة العربية والاسلامية من تمادي الدعم الغربي والامريكي للكيان الصهيوني.
وكان خطاب عفلق عام 1948 في جامعة دمشق والذي قال فيه: اذا كان محمد كل العرب فليكن العرب كل محمد”، هو البداية الحقيقية للإشكالية المعرفية التي وقع ضحيتها الشباب العربي ولاسيما من الجانب الإسلامي والتي حصدت مزيدا من التراجع والخيبات وأحدثت مزيدا من التصدع في الجسم العربي والإسلامي، عندما اصبح الجهلة والمهوسون يتصدرون قيادة الانظمة الكارتونية الهشة المصنوعة بدهاء الغرب ودبلوماسيته منذ ما يقرب من “300” سنة استطاع ببطء وخبث إسقاط السلطنة العثمانية المتهرئة ليعتبرها من انجازاته وهي ليست كذلك فيخدع بها من يحملون الوجاهة بدون علم ومعرفة مثل الملقب بالشريف حسين الذي انتهى به الأمر منفيا في جزيرة قبرص يستجدي الاقتراض من السفارة البريطانية من اجل مصروفه اليومي فيذله كاتب السفارة البريطانية في قبرص اليهودي فيموت بنزف دماغي وينقل الى عمان ويدفن هناك.
ولم تكن هذه الحادثة عبرة للذين راهنوا على الدور الغربي البريطاني ثم الامريكي، فيموت بعده ابنه الملك فيصل الاول بظروف غامضة اتهمت به حاشية هندية من مرافقيه عندما كانت الهند تابعة للتاج البريطاني.
ثم يموت الملك غازي مخمورا بحادث سيارة هو الآخر يكتنفه الغموض ليصبح عبد الاله الدعي المدمن على الخمور وما تستصحبه من سلوك مجرد من الحشمة والوقار.
ثم يتهاوى ديكور الأنظمة الكارتونية التي نسيت ربها وظلمت شعوبها بكمين غربي يهودي ماكر لتحصد النتائج أمريكا وبريطانيا وفرنسا، فيسقط زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر والقذافي مسليمة العصر الكذاب في ليبيا، ويظل علي عبدالله صالح في اليمن محاصرا بين جراحه الجسدية وخيبته السلطوية عندما سمح للجيش السعودي الوهابي ان يضرب ابناء شعبه من الحوثيين الذين ينتمون الى مذهب الامام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب عليهما السلام.
واليوم عندما يطالب شعب البحرين بحريته التي صادرتها عائلة آل خليفة التي نسيت انها لم تصل الى الحكم لولا اصوات البحرينيين من أتباع مدرسة أهل البيت الذين تبلغ نسبتهم في البحرين 81|0 من السكان، وهذه النسبة الكبيرة والتي تتحدى في معناها الإحصائي كل أوهام وشراهة السلطة التي عملت بنصائح العائلة المالكة السعودية التي تتفاخر باضطهاد اتباع مدرسة أهل البيت في القطيف والمنطقة الشرقية من السعودية وهي منطقة البترول السعودي جغرافيا، فقامت عائلة آل خليفة وملكها الصغير باستقدام المجنسين من المناطق المعروفة بتطرفها وحقدها على أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام فمنحت ظلما وزورا الجنسية البحرينية لما يزيد على “مئة ألف” مجنس من جنسيات اسيوية وعربية حتى بلغ بهم الهوس والحماقة انهم منحوا فدائي صدام حسين صاحب مجزرة الكويت وتشتيت المال العربي والكرامة العربية، منحوهم الجنسية البحرينية ليغيروا ديموغراغية السكان في البحرين. وعندما رفض احرار البحرين هذه الترفات غير القانونية وطالبوا بحقوقهم المسلوبة والمصادرة واجهتهم قوات امن العائلة المالكة مع قوات ما يسمى بدرع الجزيرة التي لم نر لها دورا في الوقوف ولو اعلاميا على ضفاف خليج العقبة المنتهك من قبل الغطرسة الصهيونية التي وصلت الى البحر الاحمر بجوار السعودية والتي لم تكتفي بذلك وانما ارسلت رسالة على جناح صقر عربي الى مخنثي حكام السعودية لتقول لهم اغزوكم في قعر داركم بطيوركم التي تربونها لاصطياد الحباري.
واليوم عندما يقتل احرار البحرين، وتفتت جمجمة الشهيد احمد بالقرب من ميدان اللؤلؤة، وتهدم ساحة اللؤلؤة مثلما تهدم المساجد وتحرق المصاحف وتعتقل النساء وتعذب الاطفال ويدخل درع الجزيرة ليستقوي على العزل من ابناء الشعب البحريني امام مراى ومسمع العالم كله وتسكت الفضائيات التي اختلقت الحيل واستجمعت كل وسائل التضليل ضد الشعب السوري ودولته بينما نراها تصمت عما يجري من انتهاكات في البحرين، ونرة انظمة الحكم المتهرئ في الخليج ولاسيما امارة الرجل الذي انقلب على والده والذي تتربع قاعدة السيلية الامريكية على ارض قطر العربية كاكبر قاعدة في الخليج.
فعندما نرى هذا الرجل العاق لوالده يسخر المال القطري لخدمة المارب الصهيونية، ويتعاون من العثماني الجديد اوردغان التركي الذي لم يستطع اخذ حق شهداء سفينة الحرية الاتراك من همجية الصهاينة والذي سخر نفسه حاملا لدرع الصواريخ الاوربية الامريكية في سبيل حماية اسرائيل من الصواريخ الايرانية المحتملة، والملك السعودي الوهابي عبدالله الذي يصب جام غضبه على العراق وشعب العراق وسكان المنطقة الشرقية واهل البحرين والذي لازال يمنع على المراة السعودية قيادة السيارة، ويكبت حريات اتباع مدرسة اهل البيت في القطيف والمنطقة الشرقية، والذي يضع المال السعودي والذي هو ملك الشعب السعودي وديعة بيد المصارف اليهودية في امريكا والدول الاوربية حتى ينال عطفهم رغم الذل الذي تتعامل به معهم جماعة الهرمجدون صاحبة النشيد الصهيوني المبشرة زورا بتوحد المسيحيين في الديانة اليهودية عبر برنامج “المرمون الجدد” وهم القادمون للرئاسة الأميركية قبل انكفائها وصمت العالم هو بهذا السبب، والتخاذل العربي هو بذلك المؤشر الطائفي الوهابي الذي رمى بكل وسائله ورساميله في الخانة الصهيونية ضنا منه ان ذلك يجعله ينتصر على مدرسة اهل البيت وهيهات يتحقق لهم ذلك.
هذه هي باختصار دواعي ودوافع الصمت الدولي الخاضع للإرادة الأميركية وقيادتها التي أصبحت توراتية الباطن ظاهرية الديمقراطية المزيفة، وحقيقة التخاذل العربي المنضوي تحت مشاريع الصهيونية لمحاربة المد الثوري الحقيقي الخافق في شرايين الأمة من خلال التأسيس الإيماني الصحيح لمدرسة اهل البيت عليهم السلام.