وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون | قرآن كريم
أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون | قرآن كريم
علامات الاسلام : اليمان والعلم والعمل | حديث شريف
غبار العمل ولا زعفران البطالة | حكمة مأثورة
لولا الخبز لما صمنا ولا صلينا ولا أدينا الواجبات | الامام جعفر الصادق .
ربما يعرف العمل فقهيا على أنه يتكون من :-
1- الصلاة
2- الصوم
3- الزكاة
4- والاخلاص
ومن هنا يتساءل البعض قائلين : اذن أين العمل وهذه أفعال عبادات؟
وهذا البعض لايدري أن العبادة هي المحرك الاول للعمل بمعناه الانتاجي ؟ قيل لرسول “ص” هذا الرجل عابد يقضي نهاره بالعبادة؟ قال “ص” : ومن يكد على عياله ؟
قالوا : أخوه ؟ قال “ص” : فإن أخاه أعبد منه ؟
وجاء أحدهم الى رسول الله يستعطي ؟ فأعطاه ثلاثة دراهم وطلب منه أن يشتري حبلا بدرهم , وفأسا بدرهم , ويحتطب الحطب ويبيعه حتى يكف وجهه عن المسألة ؟ ففعل الرجل ووجد حلاوة العمل والانتاج ؟
وكان رسول الله “ص” اذا لقي عاملا قبل يده وقال إني أقبل اليد التي تعمل ؟
كل الانبياء كانوا يعملون : نزل الوحي على النبي داود فقال له : أن الله يقرئك السلام , ويقول : كل مافيك حسن ألا فيك عيب واحد؟ وارتفع الى السماء ؟ فظل داود يبكي على نفسه ؟
فنزل عليه جبرئيل قائلا : مالذي يبكيك يانبي الله ؟
قال ” ألم تخبرني : أن الله يخبرني عن عيب في ؟
قال : بلى ؟
قال : أريد أن أعرف عيبي ؟
قال جبرئيل : العلي العظيم يقرئك السلام يقول : عيبك أنك تأكل من بيت المال ؟
قال داود فما العمل ؟ فأنزل الله له تعلم صنعة الدروع , فأخذ يصنع الدروع ويبيعها ؟ قال تعالى :” وعلمناه صنعة لبوس لكم ”
والدعوة الى العمل في الاسلام هي ضد البطالة , وسنرى أن البطالة التي يعاني منها الرجال والنساء اليوم انما تمثل أزمة مفاهيم وأزمة ثقافة قبل أن تكون أزمة حكم وسوء ادارة دولة ؟
نعم نحن اليوم نعاني في العراق من بطالتين هما :-
1- بطالة شباب وخريجين من الرجال والنساء .
2- وبطالة دولة متمثلة في الحكومة ومجلس النواب ومجالس المحافظات ومؤسسات الدولة .
والمدن والمحافظات العراقية وبعد أكثر من ثماني سنوات على المرحلة الجديدة مازالت تخلو من المصانع والمعامل مثلما تخلو من المشاريع الزراعية الجدية , وكأنما هناك عملية صامتة لصناعة البطالة , مثلما هناك شكوى حكومية من تخمة الموظفين , وهذه التخمة بدون تطوير اداري هي بطالة مقنعة.
ومن مظاهر بطالة الدولة :-
1- ظاهرة وجود الكثير من أعضاء مجلس النواب خارج العراق تكشفهم مقابلاتهم الفضائية وهذه الظاهرة ليس لها مثيل في دول العالم ؟ فوجود هذا العدد من أعضاء مجلس النواب خارج العراق يدل على عدم قيامهم بعمل برلماني منتج وهذه بطالة مكشوفة.
2- ظاهرة عدم اكتمال نصاب مجلس النواب في اتخاذ قرارات وهذه الظاهرة متكررة مما يعني وجود نواب خارج إطار العمل الذي كلفوا به , واستثناء السفر الضروري لبعضهم لايمكن أن يشكل رقما يطير معه النصاب.
3- ظاهرة سفر رئيس الجمهورية لزيارة بعض الدول وقد تكرر امتداد تلك الزيارات لمدة أسبوع وهو خلاف الاعراف الدبلوماسية في مثل هذه الزيارات , فزيارات من هذا النوع تعبر عن بطالة دولة مقنعة , ولأن كل زيارات رؤساء الدول تتراوح بين يوم ويومين وأقصاها ثلاثة أيام , وما زاد عن ذلك فهو حالة استثنائية ولضرورات تقتضيها مصلحة البلاد ولم نر ذلك حاصلا في زيارات الرئاسة.
4- ظاهرة سفر أعضاء مجالس المحافظات في ايفادات مستمرة ومتناوبة , بينما نرى أوضاع المحافظات تعيش حالة من التردي في الخدمات والصحة والتعليم والامن , بل أن بعض مجالس المحافظات إخترع لنفسه ملهاة جديدة ألا وهي اللعب في الملاعب الخاصة وإنفاق ملايين الدنانير على ذلك بينما يتكدس بعض المواطنين في بيوت الصفيح , وبعضهم يتسول في الشوارع والبعض الاخر يبحث في القمامة.
5- ظاهرة تسرب الموظفين من الدوام , وهذه الظاهرة لم تنفع معها كل الاجراءات الروتينية لأن واضعيها هم ليسوا قدوة للموظفين , وحتى البطاقة الذكية لم تثمر نتائج مرجوة.
6- ظاهرة البطالة المقنعة في دوائر الدولة نتيجة التخمة الوظيفية مع عدم وجود مشاريع حقيقية , ووجود ادارات فاسدة مترهلة تعمل لإرضاء أحزاب السلطة والمتنفذين وليس لإنتاج عمل وظيفي حيوي.
7- وجود وزارات خلقت للبطالة وليس للعمل , ومما زاد الطين بلة عين لها أفراد لم يعرف عنهم جدهم ونشاطهم وأنما صعدوا للوزارة بترشيح قوائمهم.
هذه هي أهم ملامح البطالة في الدولة العراقية اليوم وهي أخطر البطالات لأنها تغري بالمزيد من إتلاف المال وهدر الطاقات وتعطيل الجهود.
أما بطالة الشباب والخريجين من نساء ورجال , فهذه تركة من أيام الثمانينيات عندما زجت البلاد في أتون حرب عبثية مع إيران ثم حرب عبثية أخرى مع المحيط الدولي وذلك من خلال إحتلال دولة الكويت التي كانت تعبر عن نزوة وصبيانية حكم استدرج لها حتى تكون كالشعرة التي قصمت ظهر البعير.
فتوقف الصناعة وموت الزراعة كانا المدخل المفتعل لصناعة البطالة في العراق , يضاف الى ذلك موروث من العادات والتقاليد العابرة للمبادئ بسبب التباين الفكري والاجتماعي , والمنتقلة بين المراحل نتيجة عدوى القابلية للتأثر والتأثير التي تتهرب من لحظة الانتباه وعمقها الى سطحية الرؤى ومحدودية الافكار وجمود التجارب التي تفضحها لذة الشهوات وهي تتسول عند أقدام السماسرة وتتطلع الى خصور وصدور الراقصات وبائعات الهوى.
قال تعالى :” فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوات وإتبعوا الشهوات ” ؟
والعادات والتقاليد العابرة للمبادئ مازالت لها أرض خصبة في المجتمع الذي يتصف بما يلي :-
1- إحتقار المرأة : فما زالت هناك ترسبات تجعل الكثير من الرجال بل وحتى النساء الأمهات تنظر الى المولود الذكر بأفضل ما تنظر به الى المولود الانثى ومن هنا تنشأ المفارقة السلوكية والثقافية , ورغم كل الجهود الفكرية والاخلاقية التي بذلها الاسلام لإلغاء معادلة التمييز بدون حق , ألا أن النفوس المريضة والعقول المحدودة ظلت أسيرة التخلف ولم تغادر أسرها وأقبيتها الى حيث فضاء الحرية الذي صنعه الاسلام للرجل والمرأة في رحلة تكامل من خلال أدوار الحياة وتنظيمها , ألا إن ذلك التنظيم أسيئ فهمه من قبل العقول المحدودة قال تعالى :” فأستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض ” – ال عمران – 195-
2- فالمرأة لها عملها مثلما للرجل عمله وربما تكون بعض النساء متفوقات على كثير من الرجال في العمل سواء كان عباديا بالاصطلاح الفقهي , أو إنتاجيا بالاصطلاح الاقتصادي قال تعالى :” فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يامريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله أن الله يرزق من يشاء بغير حساب – أل عمران – 37-
جاءت إحدى النساء في زمن النبي فقالت له : يارسول الله أني امرأة صانع ” أي عندها مهنة صناعية ” فأنفق على زوجي ؟
قال “ص” : نعم أنفقي ؟ حدث هذا في المدينة ؟
بينما نرى اليوم مازال بعض الناس ينظر الى عمل المرأة بريبة ويحاصرها بالشبهة ؟ … وهي نظرة متخلفة لاتنتمي للاسلام ولا الى روح العصر الذي نحن فيه ؟ أما الفارق في الارث والذي يذهب البعض الى الاعتراض عليه وإعتراضهم ناشئ من عدم معرفتهم بالتنظيم الاجتماعي الذي يدعو له الاسلام دون التفريط بحقوق المرأة التي كان رسول الله يوصي بها ويحذر من التهاون في حقها ؟ فالاسلام حمل الرجل أعباء مالية كثيرة وبسبب ذلك أرتفعت حصته من الارث , والمرأة في الاسلام ريحانة ولذلك خفف الكثير من الاعباء عنها حتى الرضاعة للولد أوجبها على الرجل من حيث الكلفة المادية لها , والاسلام جعل من المرأة ملكة حقيقية في بيتها وأوجد لها هيبة وأحتراما قلما نجد له مثيل في تجارب ألامم والشعوب.
3- مازالت هناك نظرة دونية لبعض الاعمال في مجتمعنا وهذا من أسباب شيوع البطالة لدينا , وربما تأتي هذه النظرة حتى من بعض الرؤى الفقهية التي تبتعد عن روح ألاسلام ونظرته للعمل , فبعض الفتاوى الفقهية ربما تجعل بعض المهن والحرف مكروهة أو أن من يمارسها لاتقبل شهادته وهذا أمر في غاية الغرابة ! فلماذا لاتقبل شهادة الحائك مثلا وهو عمل شريف ومهنة كانت يوما لبعض أنبياء الله قال تعالى :” وعلمناه صنعة لبوس لكم ” والحكاية عن نبي الله داود عليه السلام.
4- وهناك حكاية تنقل عن لقمان الحكيم الذي كان معاصرا للنبي داود حيث يقول لقمان دخلت على داود فوجدته يعمل عملا لم أراه من قبل فهممت أن أسأله عنه ولكني فضلت الصمت والانتظار حتى ينتهي من عمله , فلما انتهى داود من عمله قام ولبس الذي كان يحوكه وقال نعم الدرع للحرب، فعلم لقمان أن هذا درعا فقال كلمته التي ظلت مضربا للامثال :-” الصمت حكمة وقليل فاعله “.
وفي العصر العباسي مر رجل على رجل ينزح كنيف وهو يردد البيت الشعري :-
أعفف نفسي عن أمور كثيرة ؟
يقول الرجل رجعت الى صاحب هذا البيت الشعري وقلت له : ياهذا عمن تعفف نفسك وأنت فيما أنت فيه من تنظيف المراحيض؟
يقول نظر لي الرجل باستغراب وقال : ياهذا أني أعفف نفسي عن سؤوال الآخرين! يقول فاستحسنت جوابه ومضيت.
وكان نبي الله يوسف عليه السلام قد طلب من فرعون مصر أن يشتغل محاسبا عند فرعون ولم يستنكف من ذلك قال تعالى :” قال أجعلني على خزائن الارض إني حفيظ عليم ” – يوسف – 55- بينما نرى اليوم البعض منا عندما يعين في وظيفة كبيرة يعمل جاهدا على أن يظل العمر كله في مثل تلك الوظيفة ولايقبل بعدها بوظيفة أقل مرتبة وهذه من مظاهر التخلف الذي يسهم في صناعة البطالة.
ولقد عمل النبي موسى عليه السلام أجيرا عند النبي شعيب عليه السلام قال تعالى :” قال أني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين ” – القصص – 37-
وعمل نوح نجارا قال تعالى :” ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال أن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون ” – يهود – 38-
وعمل رسول الله “ص” في التجارة , وتجارته في أموال خديجة معروفة .
والعمل والحركة في الاسلام هي الاساس , فالعمل بمعنى الانتاج هو الاساس للانفاق على العائلة , مثلما هو الاساس للمال الذي يشكل أحد أركان الجهاد الذي يكون إما جهادا بالنفس وإما جهادا بالمال قال تعالى :” لايستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما ” – 95- النساء – وقال تعالى :” الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم …” – النساء – 34- والانفاق لايأتي بدون عمل , والانفاق يحتاج الى المال , والمال لايحصل إلا بالعمل , فالعمل هو أساس الحياة من خلاله يتم مايلي :-
1- تكامل العائلة وسد احتياجاتها قال تعالى :” وليستعفف الذين لم يجدوا نكاحا حتى يغنهم الله من فضله ” وقال تعالى :” والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لاتكلف نفس غلا وسعها لاتضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك …” – البقرة – 233-
2- نمو العلاقات بين المجتمع بما يخدم تطور الاجتماع الانساني ” ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ” فالتدافع الايجابي هو سنة الاجتماع وعليه قوام الحياة.
3- والتجارب الفردية والجمعية لاتنمو وتتطور إلا من خلال العمل والمثل المعروف ” من لايعمل لايخطئ “.
4- ومن خلال العمل تتكشف الطاقات وتعرف الكفاءات.
5- وبالعمل تتطور العلوم والمعارف وعلى هذا الاساس قال تعالى :” وتلك الايام نداولها بين الناس ” وشرط المداولة هو مايلي :-
أ- الهدف في الحياة , فالهدف يركز العمل وينظمه.
ب- التخطيط , فالعمل بدون تخطيط يصبح فوضى.
ت- الجدية , والعمل بدون جدية لايعطي ثماره.
ث- الاستمرارية : والعمل بدون استمرارية يصاب بالتوقف والتوقف هو الموت.
والامم والشعوب التي تقدمت وظفرت بأسباب النجاح هي التي عملت بهذه الشروط.
والبطالة لايتحقق معها شيء من تلك الشروط ولذلك يدخل المجتمع المصاب بالبطالة في ركود وجمود وهو الموت البطيء.
والبطالة هي حاضنة التخلف والجريمة , فالعاطل عن العمل لايتمكن من شراء الكتب والمجلات والصحف , مثلما لايتمكن من مواصلة حتى التعليم المسائي , وهذا الامر يجعل منه منعزلا عن حركة الثقافة وحركة المجتمع وهذه الظاهرة تؤدي تدريجيا الى ظهور حالة التخلف والتي تنعكس على المجتمع بالمزيد من التأخر ولا تتوقف الحالة عند هذا المستوى وإنما تتعداها الى سلوكيات ارتدادية , فنتيجة الحاجة التي تضغط على العاطلين عن العمل في سن الشباب تدفعهم تلك الحاجة لإشباع رغباتهم بمزاولة الانحراف عن خط الاستقامة , فيبدأون بممارسة مايلي :-
1- الغش
2- الكذب
3- السرقة
4- الاختطاف وهذا ما يعاني منه المجتمع اليوم فقد ظهر على بعض العاطلين عن العمل الميل لممارسة أعمال السرقة والخطف.
5- القتل : والذي يكون سببه الحاجة للمال والهدف هو الميسورين.
والذي يساعد على كل هذه ألاعمال هو الضعف الامني ” من أمن العقاب أساء الادب ” وكذلك غياب القانون أو ضعف تطبيقاته , ونحن اليوم في العراق نعاني من هذا الثالوث : البطالة , والضعف الامني , والضعف القضائي , وكل بلد يعاني من ذلك ليس أمامه إلا الاستنفار الوطني العام فهل نحن فاعلون ذلك ؟