Blog

  • مستقبل الفدرالية

    في الخامس والعشرين من الشهر الماضي، ألقى الدكتور سالم الصفار، أستاذ علم الجينات الوراثية في جامعة مشيغان، محاضرة تحت عنوان (مستقبل الفدرالية في العراق)، وذلك على قاعة ابن رشد، حضرها جمهور غفير غص به المكان، نظرا لما يتحلى به الرجل من سمعة عالمية، وكونه شخصية علمية مرشحة لجائزة نوبل.

    استمرت المحاضرة قرابة 4 ساعات، انتهى معها الصفار الى جملة حقائق، حيث أشار ابتداء الى ان دستورية الفدرالية، والمطالبات التي بدأت وتيرتها تتصاعد في المحافظات العراقية لإقامة أقاليم، او دويلات صغيرة (على حد تعبيره) مرتبطة شكليا بالحكومة المركزية، سيقود بالضرورة الى نجاح هذه الدعوة، خاصة اذا ماحظيت بالتأييد الجماهيري، ومثل هذا التأييد غير مستبعد في ظل تردي الخدمات، والأسلوب البيروقراطي الذي يمارسه المركز تجاه الأطراف، وبذلك تصبح إقامة الاقاليم، حقا دستوريا لا مناص من تنفيذه، وأعرب عن قناعته الأكيدة، ان أقصى مدة زمنية لتنفيذ مشروع الاقاليم، لن تتعدى عام (2018)، ومن السابق لأوانه كما قال، التنبؤ بصيغة الاقاليم ونوعها، ثم تحدث بالتفصيل عن الواقع الاقتصادي لكل محافظة او إقليم، موضحا ان بعضها يعتمد على النفط او المعادن ومناجم الفوسفات، او على الثروة الزراعية او الحيوانية او المائية، وبعضها الآخر تعتمد على السياحة الطبيعية او الدينية او الاثارية… الخ، ولم تفته الإشارة الى ان كل إقليم سيكون له علمه الخاص ونشيده المحلي ومناهجه الدراسية وشبكات رعايته الاجتماعية ودوائره المستقلة وقوانينه ومعاهداته واتفاقياته وزعيمه ووزراؤه ورئيس وزرائه، ومن الطبيعي ان تقوم بين الاقاليم علاقات تجارية واقتصادية وثقافية واسعة، ومن الطبيعي كذلك ان عملية تنقل المواطنين بين الاقاليم ستخضع لبعض الإجراءات التنظيمية، وقد تتطور العلاقة لاحقا الى صيغة ايجابية، بحيث يستطيع المواطن ان يسافر من الحلة مثلا الى المثنى بهويته الشخصية من دون حاجة الى كفيل !.

    حين انتهت المحاضرة، شهدت القاعة الكثير من التعقيبات والتعليقات والأسئلة الساخنة على غرار [هل يعد الاقليم خطوة نحو الانفصال؟] وقد رد الدكتور بطريقة محايدة: [هذا يعتمد على نوايا الواقفين وراء المشروع، ومن الصعب التكهن بالنوايا]، وسأل احدهم: [ماذا يتوقع الدكتور لو ان حكومة المركز – بعد قيام الاقاليم – وافقت على إعطاء المحافظات مزيدا من الصلاحيات وقدمت لهم الخدمات المطلوبة، هل يتراجعون عن الاقليم ؟!] وبطريقته المحايدة رد عليه: [الأمر يتوقف على مدى ثقة حكومات الاقاليم بحكومة المركز ووعودها]، بدوري سألته سؤالا مهما يتعلق بلقمة الخبز: [أستاذ… الاقاليم جميعها تستند الى قاعدة اقتصادية، ماذا عن مستقبل بغداد وهي من غير قاعدة ولا نفط ولا معادن ولا ثروات، كيف تعيش؟] ويبدو ان سؤالي لم يكن متوقعا، فقد سكت الرجل وهو يتأمل الحالة، وكدت اقرأ دموعا في عينيه، وبعد لحظات من الصمت رد علي بطريقته المحايدة: [اعتقد ان الحل الأمثل هو شمول العاصمة برواتب شبكات الرعاية الاجتماعية في الاقاليم]، وصفقنا له طويلا فقد طمأننا ان بغداد سوف لن تموت من الجوع !!.

  • أهميةالفشل..!

    كلنا يتعلم على أسس ومبادئ نظرية ( الخطأ والصواب ) ،، فلولا الخطأ الذي هو الوجه الآخر للفشل ومحاولات تجاوزه بالصواب الذي هو وجه آخر للنجاح لما حدثت وتحدث عمليات التعلم على مجمل مفاصل الحياة برمتها ،، حتما ستكون هنالك فروق فردية بدرجات متفاوتة حسب طريقة وطبيعة تفكير كل شخص واختلافه  عن الآخر … يمتد هذا ليشمل حضارات وأمم وبلدان ودول كوكبنا عبر عمق تأريخه السحيق ،، تبعا لأنماط وطرائق التفكير الجمعي فيها وآليات واستراتيجيات نظامه السياسي وصواب قراراته وسعة استيعابه للمثيرات والاستجابات الحضارية و متغيرات صراع  القوى والإرادات المتبادلة مابين جميع الأطراف  ،، لذا يأتي إغفال أهمية الفشل بالاستفادة منه ومحاولات جعله طريقا سالكا للنجاح بسعي حسن التعلم ودقة تجاوز الخطأ ودراسة  مسببات الإخفاق وتحمل المحن وتقليل حجم الخسارات عنوانا حضاريا ناصعا مزهوا بوعي وثبات من أحسن الاستفادة من تجاربه وتجارب الآخرين ،، رغم من يدعي و يرى  في التجربة على أنها الاسم المستعار لأخطائنا .ما السبب – أذن – الذي دعا اليابان – في فترة ما – الى شراء بحوث علمية فاشلة من أمريكا وبمبالغ كبيرة ؟ ،، غير هاجس عدم تكرار أجراء أمثال تلك البحوث من قبل علماء يابانيين ومن باب كسب المال والوقت الذي يعد هو الآخر ثروة هائلة وسبيل انتصار علمي وتقني ؟!  وكم كان محقا ( توماس أديسون ) في خضم محاولاته اكتشاف نعمة الكهرباء – قبل ان تتحول الى تأفف ولعنة عندنا في العراق لأسباب تعرفونها جيدا – حين يقول كلما فشل في فحص معدن معين لا يحقق غرض ما يريد الوصول اليه : ( لقد نجحت ! ) وحين يسأل من قبل جماعته ( كيف ؟! ) يجيب بثقة عالم : ( لقد نجحت في عدم استخدام هذا المعدن مرة أخرى في تجاربي القادمة ).

    ****

    يبقى الربح الحقيقي على تنوع درجاته ( معنوية ومادية ) أكسير النجاح وبهاء الوجه المشرق الطافح بلذة الفوز،، كونه يمثل غاية من يفهم معنى الحياة بوجود الآخر عبر الإسهام في صناعتها واستمرارها من قبل الجميع ،، والأ لماذا يبقى الفشل أو الإخفاق يتكرر تحت ذريعة أننا في بداية طريق جديد لم نكن مؤهلين للسير عليه بالاتجاه الصحيح ،، بحجة حداثة ويفاعة عهد وعمر الديمقراطية – عندنا – وفقر وعينا بها بسبب أغطية ركام ما تركته حماقات الديكتاتورية ونواتج الحكم الشمولي من تركات ثقيلة ومعقدة لم تترجم أفعال تجاوزها – لان – بالتخطيط والدراسة والتحليل والتخلص من حالات الارتجال وردود الأفعال الآنية والفردية  بما يجري ويحدث في عالم اليوم من تواصل وتحاور وفهم مشارك يجب أن يقلل من حجم الاحتكام لتلك العوامل والغايات التي لم تعد تمتلك ما يكفيها من مبررات وحجج – يبدو أنها لا تقنع الأ أصحابها ومن يدور معهم في فلك تلك الغايات ….

    وكم أحسب في قول أحد شعرائنا المعاصرين : ( في العالم المملوء بالأخطاء … مطالب وحدك أن لا تخطأ ) معنى بليغا ومدركا لأثر قيمة الاستفادة من أخطاء الآخرين.

  • المواطنة والكيانية … بمناسبة أجتماع الكيانات ؟

    العراق يحتاج المواطنة, ولا يحتاج الى الكيانية عندما تصبح بديلا عن المواطنة، أصبح التعاطي بالكيانية خلال سير العملية السياسية المتعثرة سببا من أسباب تعثرها، الكيانية من الكيان أو الكيانات, وهي حالة حزبية منطوية على شيء من خصوصية العنصرية ومشتركات الطائفية وفتات ألانا المتمحورة بعناوين الخصوصية في غياب الوعي المتصل بقنوات التنوير ذات البعد السماوي، بينما تمثل المواطنة حالة ألامتداد والتلاقي لتشكل خريطة الوطن بعيدا عن نتوءات التناشز والتمايز, وهذا ما نجحت به دول وتقدمت دول أخرى, عندما أصبح الرئيس عندهم مواطنا في الهرم ألاجتماعي، ونحن أذ ننتمي الى أمة كان نبيها يقول: وما محمد ألا أبن أمرأة من قريش كانت أمه تأكل القديد، وننتمي الى رسالة كان ألانبياء فيها يتعاملون بالمعدن ألانساني قبل كل شيء حتى كانوا أقرب شيء للناس “ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ألاسواق”.

    وكان أبراهيم “أمة في الناس” وكان مفهوم ألامة مثلما يختزن المعنى العقائدي من دون أحتقان وتطرف كذلك كان يختزن المعنى الحضوري والوجداني للناس سواء كانوا مجتمعين أو متفرقين من دون خلاف، فالقرأم الكريم أستعمل كلمة ألامة في معنى واحد على حيثيات متباينة, فقد أستعمل كلمة ألامة على النحو ألاتي:-

    1-  دلالة ألامة على كل الناس “كان الناس أمة واحدة”.

    2-  دلالة ألامة على مجموعة كبيرة من الناس كشعب مثلا “تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم”.

    3-  دلالة ألامة على مجموعة صغيرة من الناس “ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون” – القصص -23-.

    4-  ودلالتها على الفرد عندما يكون مستجمعا لشروط العمل الناجح مثل النبي أبراهيم “عليه السلام” .

    ونحن نريد من المواطنة الناجحة أن تكون كالفرد الناجح والجماعة الناجحة تصبح أمة في فعلها, وحتى نصل الى هذا المستوى لا بدّ لنا من أن نجعل للمواطنة حضورا, ولكي نجعل للمواطنة حضورا لا ينبغي أن نغيبها في ظل الكيانات ولا في ظل ألاشخاص الذين يستظلون في ظل الكيانات المصطنعة بالفذلكة السياسية غير الواقعية التي تحتشد في زحمة العواطف وتستدر الميول والرغبات بتدافع مشبوب بأفتعال سخونة الموقف الذي يعتاش على لهيب الخطاب بعيدا عن مصداق الحساب، أن الخطأ الفكري المركب على ظهر الحدث المرحل بنوايا وخطط بعيدة الغور في مصالح وأستراتيجيات لا تنتمي الى هوية الوطن حالما تنكشف عن زيف ألادعاء وأنقشاع سحب السماء التي لا تحمل مطرا بل رعدا لا يمطر!.

    أن الحضور الحقيقي للمواطنة هو ممارسة لاستحضار العلم بألانسان والعلم بالمكان والعلم بدوران الحدثان “وهما الليل والنهار” والعلم ببوصلة الكون والعلم بخالق البوصلة وتصريف شؤونها ومنها شؤون ألانسان الذي يكون مواطنا هنا ويكون مخلوقا هناك مثلما يكون عبدا مكلفا في حالة أخرى تكتسب القطعية والدوام في سؤال لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ألا أحصاها كتابه، أن المواطنة حالة فرح مستمرة مثلما هي حالة وعي دائمة وكينونة لا ينساها الوجود ولا يتنكر لها العقلاء، فلماذا نحن نغيب المواطنة بمصطلحات لا تمتلك حضورا عند بوصلة السماء ولا حضورا عند مفردة الوجود, ولا حضورا في التنظيم الذي ينفتح على معاني العدالة والمساواة والحرية والكرامة، أن العاقلة في تشريع السماء لها مفهوم تنظيمي وليس فقط نسبيا أو سببيا بدليل أنها لا تنطوي على الخؤلة ولا المصاهرة، فلماذا نعطي للكيانية المصطنعة دورا حاجبا وعازلا للمواطنة التي هي الحضور المعترف به شرعا وعقلا وتنظيما وتحقيقا وعلى كل المستويات؟.

    أن ثقافة المواطنة أصبحت عندنا مغيبة بفعل ألاحتماء وراء الكيانية الملتبسة بثياب ألاستبدال والتنكر، لنرجع الى ثقافة المواطنة, وهذا يتطلب منا أعادة كتابة الدستور الذي أعترف بالكيانية خطأ وغيب المواطنة قصرا ألا في عبارات هامشية تحتاج الى تأصيل أصطلاحي متوفر لدى أهل اللغة وخبرائها وأهل الفقاهة وخبرائها وأهل ألاجتماع وخبرائه وأهل القانون وخبرائه ولكن ليس الذين تطرحهم فضائيات اليوم المستعجلة بموهوم الخبر وسرعة البث وتحقيق السبق ولو على حساب الحقيقة.

  • الذين باركوا لمبارك

    وإن كان رجال البحر الذين أفنوا زهرة شبابهم على السفن العملاقة, والناقلات العابرة للمحيطات, وتخصصوا بارشادها إلى الموانئ العراقية عبر مسالك خور عبد الله, وعبر منعطفات شط العرب, وإن كانت خبراتهم الميدانية, ومهاراتهم الملاحية, تمتد لأكثر من ربع قرن أمضوها في مواجهة الرياح العاتية, والظروف القاسية, والأمواج المتلاطمة في عرض البحار المظلمة, فأنكم تعمدتم تهميشهم, ولم تسمعوا نداءاتهم, ولم تأخذوها على محمل الجد, عندما حذروكم مرارا وتكرارا من الآثار السلبية لميناء مبارك في هذه المنطقة الضيقة الواقعة في خاصرة أم قصر, وعلى النقيض, سارعتم للوقوف مع الكويت, وأعلنتم تأييدكم المطلق لمشاريعها البحرية الاستفزازية, التي ستقيمها فوق الممر الملاحي الوحيد, الذي تتنفس منه موانئنا المتقوقعة في الزاوية الشمالية الغربية من الأخوار الصغيرة الضحلة المختنقة المنكمشة, وكنتم أول من أرسل أحر التبريكات وأعمقها للقائمين على ميناء مبارك. 

    وأن رجال البحر, وعلى الرغم من مواصلتهم العمل البحري شمال الخليج العربي منذ عام 1975 وحتى يومنا هذا, ينامون في البحر, يسهرون على شواطئه, يستلقون على ضفافه, يقيمون هناك ليل نهار, حتى صار البحر بيتهم ومدرستهم وملعبهم, وسلتهم الغذائية التي لا تنضب, وملاذهم الآمن, ونافذتهم الوحيدة التي يطلون منها على بحار الله الواسعة, لكنكم تجاهلتم خبراتهم, وتجاهلتم اعتراضهم على المشاريع المينائية, التي ستقيمها الكويت عند مقتربات موانئنا, وكنتم أول من بارك لمبارك, ولم تلتفتوا إلى مستقبل العراق, الذي كان سيداً للبحار والمحيطات, والذي علَّم الناس ركوب البحر, وعلمهم صناعة السفن, وعلمهم مبادئ الملاحة والفلاحة, فتنازلتم عن حقوقنا في الاعتراض والاحتجاج في المحاكم الدولية, ولم تبدوا اهتماما برفع الشكاوى ضد الجهات التي صادقت على القرارات الجائرة, وصادرت حقوق العراق الشرعية في بسط نفوذه وسيادته على مياهه الإقليمية, وفي مقدمتها القرار (833), وكان صوتكم في إسكات رجال البحر أعلى من صوت الكويت في دفاعها المستميت عن مشاريعها التوسعية.

    تتصرفون دائما وكأنكم أقدم منهم في تشخيص المخاطر البحرية, أو كأنكم أكثر خبرة منهم في معرفة شعاب خور عبد الله, وأعماقه وخطوطه الملاحية, برغم أنكم لم تعملوا مثلهم في البحر, حتى أنكم لم تركبوا زوارق النزهة في الجداول الصغيرة, وربما لا تجيدون السباحة بالمرة, ومع ذلك تجاهلتم احتجاجات الوفود الفنية, التي أرسلتها وزارة النقل, وتجاهلتم أصوات المنظمات الشعبية العراقية, وتمسكتم بتطبيق أحكام القرار (833), فوفرتم للكويت الغطاء الشرعي والقانوني 

     للمضي قدما باتجاه فرض سيطرتها على ما تبقى من النقاط العميقة في خور عبد الله, وبالتالي حرماننا من الملاحة الحرة في مياهنا وممراتنا الملاحية.

    ألم تعلموا أن الكويت لم يكن لها أي موطئ قدم في هذه المنطقة قبل عام 2003, ولم تكن تتجاسر على مطاردة الصيادين العراقيين, ولم يسبق لها أن اعترضت مسارات السفن التجارية المتوجهة إلى أم قصر في العقد الماضي ؟.

    أولم تعلموا بعد أن خور عبد الله كان ومازال منذ عام 1919 يخضع للصيانة الملاحية من قبل سلطة الموانئ العراقية, التي سخرت جهودها الهندسية والبحرية والمالية, ووظفتها في تهذيب أعماق القنوات البحرية, وفي تغطية تكاليف تأثيثها بالفنارات والعوامات الملاحية, التي تستدل بها السفن القادمة إلينا ؟؟, ولم يكن للكويت أي دور يذكر هناك, وليس لديها أي منشآت مينائية أو عسكرية أو حتى سياحية, فجزيرة بوبيان تعد من اجدب الجزر الخليجية القاحلة, وأكثرها رخاوة, فهي عبارة عن تراكمات طينية قديمة, تجمعت في هذا البقعة من الأرض, وتكونت من الترسبات الطينية, التي حملتها التيارات المائية لمجرى الفرات القديم, تغطيها مياه المد بمعدل مرتين يوميا, ولا تصلح كواجهة مينائية من النواحي الفنية والهندسية والجيولوجية والملاحية, ومع ذلك كنتم أول من سارع إلى مباركة مبارك, وكأنكم لم تعلموا بعد أن سلطة الموانئ العراقية كانت ومازالت هي الجهة الوحيدة, التي تقوم بأعمال المسح الهيدروغرافي لخور عبد الله, وهي التي تشرف إشرافا مباشرا على إدامة إشاراته المرورية بالأنوار والعلامات الملاحية المعاصرة ؟؟, في حين لم يكن للكويت أي نشاط ملاحي هنا. ومع ذلك كنتم أول من سارع إلى مباركة مبارك, وأهملتم الدراسات التحليلية التي أكدت مواقف رجال البحر بعدم التفريط بحقوقنا.

    لا تزعلوا منا إذا قلنا لكم أن الكويتيين أنفسهم ابدوا بعض الاعتراضات على مشروع (مبارك), ومن نافلة القول نذكر أن عضو مجلس الأمة المتشدد (الدكتور وليد الطبطبائي) كان أول من اعترض على إقامة ميناء (مبارك) في هذا المكان بالذات, ونشر اعتراضه في الصحف الكويتية, وأدلى بتصريحاته تحت قبة مجلس الأمة, وتناقلتها الفضائيات الكويتية كلها, بيد أنكم كنتم كويتيين أكثر من الكويتيين أنفسهم, ولم نسمع منكم أي اعتراض, فلهجة التأييد والمؤازرة والدعم والمجاملات كانت من ضمن مفردات اللغة, التي لا تجيدون غيرها في تبرير أهداف المشاريع الكويتية, وكأنكم خلقتم لتدافعوا عنها.

    ولا تزعلوا منا إذا قلنا لكم أن البروفسور الاندونيسي (مختار كوسومو ادماتجا) كان أرحم منكم, وكان أكثر إنصافاً وعدلاً عندما وقف إلى جانب العراق, ورفض التوقيع على الخرائط الحدودية, التي قدمتها اللجنة المكلفة بالتمهيد لقرار (833), وسارع إلى تقديم استقالته إلى مجلس الأمن, ولم يرضخ لإرادة القوى الاستعلائية الغاشمة, ولم يذعن لمطالب الكويت, ولم ينصاع لتدخلات بطرس بطرس غالي, بل انه رفض الإغراءات المالية والمعنوية كلها, وعاد إلى اندونيسيا مرفوع الرأس, محافظا على سمعته وتاريخه العلمي والدبلوماسي, فهل أنتم أكثر فهما وإدراكا في علوم البحار والمحيطات من هذا الرجل الرائد في ترسيم الحدود الإرخبيلية بين البلدان المتشاطئة ؟؟.

    صدقوني إذا قلت لكم أن الله جل شأنه اختار العراق مهبطا للأنبياء, وملاذا للائمة, وقبة للعلم, ومنارة للهدى, وقلعة للإيمان, ودارا للحكمة, ولن يرحم الله من لم يصن حقوق العراق.  

  • غسيل ( أوتوماتيكي ) للأموال

    لا أدعي علما ولا أدنى معرفة بموضوع ( غسيل الأموال ) الذي راح يتردد كثيرا ويشاع – هذة الأيام – على آلسنة الصحافة ،، لكني عرفت – قبل مدة – بوجود مكتب لمكافحة غسيل الأموال في البنك المركزي العراقي يعمل ضمن قانون صدر في العام 2004 ليضطلع بمهمات وواجبات لاتقل أهمية عن باقي المؤسسات  الساعية – بدأب وتفان – من أجل استتباب الأمن ومقومات الحرص الوطني في الحفاظ على المال العام الذي يتعرض لعمليات فساد مخيفة تضاهي وتنافس  – للاسف – أعتى بلدان العالم المصابة بهذا الداء الفتاك ،، وفوق ذاك وجود معلومات مؤكدة عن قيام جهات وجماعات معينة بتمويل الإرهاب عبر عمليات هذا الغسيل النقدي القذر وهي تخادع وتنتخي – صلفا- بكل الوسائل الملتوية وصولا دنيئا لاهداف عدوانية سافرة بحق أبناء شعبنا الكريم وحقنا الشرعي بحلم العيش بأمان ورفاهية معقولة وراحة بال بعيدا عن كل هذا القيل والقال .

    أيام دراستنا الجامعية ومن خلال تخصصي في مجال علم النفس قرأنا وأطلعنا الى حد معين لما يسمى بـ(عمليات غسل الدماغ ) التي نحاول عبرها تغيير اتجاهات شريحة معينة في المجتمع نحو اتجاهات وقناعات أخرى مختلفة عما كانت موجودة لديها في ضوء بيانات وآجراءات وأساليب مقننة مسندة باختبارات تفرضها  طبيعة الهدف الذي نسعى اليه والغاية التي من أجلها أردنا تغيير اتجاه تلك الشريحة نحو موضوع معين أو سلعة أو حاجة أو قناعة أو رأي محدد اتجاه قضية ما ،، بينما تتصاعد الأمور بسبل وطرائق أخرى مختلفة – تماما -عما أوردنا ،، لتصل الى مهام ( خطرة !! ) ونيات ( مصيبة !!) تتعلق بصراعات دولية وارادات مصالح كبرى لا تخطر على تفكير أمثالنا من الطلبة الأبرياء ممن كانوا يحلمون ويقتنعون بوظائف بسيطة ،، عادية تريح البال بالعيش من مال الحلال !!!

    أغراني فضولي – هذه المرة – صوب محاولة معرفة عمليات غسيل الأموال وطبيعة الطرق المستخدمة فيها ،، كونها ظاهرة جديدة وافدة على قاموس حياتنا بعد مرحلة الاحتلال بكل مسمياته المتاحة ( تحرير – تحريق ) !!! وصولا الى أخر ما تريد الاقتناع به وتروج له هذه الجهة عن الاخرى ,, لم أجد ما يشفي غليل فضولي سوى معلومات أشرت ظهور هذة الظاهرة في حضن ماما امريكا للفترة (1920- 1930) حينما لجأت عصابات المافيا الى انشاء محال أوتوماتيكية لغسيل الملالبس ( لوندري ) لأخفاء الأموال التي تحصل ثم تمارس اخفاء أصلها وفصلها بضمها للمدخولات الناشئة عن تجارة المخدرات والدعارة والاسلحة والسطو وغيرها من اعمالها القذرة ،، من هنا قيل بان الارباح غير المشروعة قد تم غسلها لتصبح شرعية ،، أدخلتني هذة المعلومات وغيرها – مجددا – في دوامة محنة السماح لمثل هذة الظواهر ان تنمو وتعرش بيننا دون وضع حد لها بالأحتراز والتثقيف والتوعية لقطع الطريق عليها  خشية أن تترسخ وتصبح –  عندنا – كواقع حال ،، كما هو حال الفساد الذي أستشرى لحد نرى فيه المفسدين ينعمون ويتصرفون بزهو وتبختر ( عينك … عينك !!! ) .      

  • الذكرى الثانية لانعقاد مؤتمر النخب الفكرية العراقية

    أنما يخشى الله من عباده العلماء / قرأن كريم

    يرفع الله الذين أمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات / قرأن كريم

    في 4|10|2009 أنعقد المؤتمر الأول للنخب الفكرية العراقية بدعوة من وزارة الحوار الوطني , وكان تحديا فكريا وطنيا مناسبا لآظهار وجه العاصمة العراقية بغداد حاضنة للمفكرين والمثقفين العراقيين من مختلف اتجاهاتهم بعد غياب طويل عن مثل هذه ألاحتفالات المعرفية التي تليق ببغداد وبالعراق وبالمنطقة والعالم .

    ورغم اعتراضاتنا التي سجلناها أيام التحضير للدعوات , وأكدنا عليها أثناء انعقاد المؤتمر والتي كانت واضحة في تشخيص عدم جدية بوصلة الدعوات لآنتاج فكر علمي واحتضان ثقافة عراقية وطنية يمكن أن نتفاخر بها مع المنتديات العربية والإسلامية والعالمية .

    وكانت تلك الملاحظات التي نعيد تسجيلها هنا خدمة للثقافة العراقية تتلخص في :-

    1-  عدم دعوة من لايمتلكون المواصفات الحقيقية لآنتاج فكر معرفي حقيقي وواقعي من خلال ألإنتاج المنشور في أكثر من مطبوع.

    2-  أن لا يكون هناك تحيزا حزبيا أو مناطقيا أو طائفيا في منهاج الدعوات .

    3-  أن يكون المؤتمر معنيا بإنتاج فكر المصالحة الوطنية .

    4-  أن تحتضن الدولة هذا المؤتمر وتحرص على أستمراريته لما فيه من أثر طيب في أغناء الساحة الثقافية العراقية التي حرمت من هذه اللقاءات الثقافية ذات السقف العالي من المعرفة.

    ولكن الذي حدث بالرغم من الجهود التي بذلتها وزارة الحوار الوطني التي غيبت في الحكومة الجديدة وتحولت الى وزارة دولة لشؤون المصالحة الوطنية والتي شملها الترشيق الوزاري فأصبح وزيرها مستشارا لرئيس الوزراء .

    ومن المناسب في مثل استذكار الذكرى الثانية لانعقاد مؤتمر النخب الفكرية العراقية في فندق بغداد في قلب العاصمة العراقية التي أراد ألإرهاب أن يطفئ نورها بالتعاون من بعض دول الجوار التي لا تريد للعراق خيرا .

    من المناسب أن نسجل الملاحظات ألآتية قبل الحديث عن مضمون المواد الفكرية والثقافية التي طرحت في المؤتمر الذي أستمر لمدة ثلاثة أيام خصص يوم منها لزيارة شارع المتنبي

    1-  من المواقف الغريبة وغير المفهومة أن ينعقد مؤتمر فكري في بغداد يضم نخبا فكرية عراقية من الداخل والخارج حرصوا على الحضور وإنجاح هذه التظاهرة الحضارية وكانت أبحاثهم التي طبعتها وزارة الحوار الوطني شاهدا على حضور الصوت الفكري العراقي الحامل لهموم الوطن ولم يشهد ذلك المؤتمر حضور حكومي يسجل للحكومة حرصها على الثقافة العراقية الحاضن ألأول لفكر المصالحة التي تحتاجها الحكومة كضرورة مرحلية لصناعة المستقبل العراقي المتوحد بهوية الوطن .

    2-  ومن الغرابة بمكان أن نرى السيد رئيس الحكومة يحرص على حضور المؤتمرات العشائرية التي نقدر ونثمن حضورها ولكن ليس بالصورة التي أظهرت فيها , ولا يحرص السيد رئيس الحكومة على حضور مؤتمر فكري عراقي يضم النخب الفكرية العراقية المنتشرة في المشهد الثقافي المحلي وألاقليمي والعالمي والتي سجل البعض منها رقما يشار له في المحافل الثقافية الدولية .

    3-  والأكثر غرابة وهذا من حق القارئ والمتابع أن يعرفه أن السيد رئيس الحكومة يفوض من ينوب عنه لحضور المؤتمر ويبلغ المؤتمر بحضور شخصية أمنية في الساعة السابعة مساء للقاء مع أعضاء المؤتمر , ولا ندري ما هي مبررات حضور شخصية أمنية لمؤتمر فكري عراقي ؟ ولا أخفي السادة القراء والمتابعين والمثقفين أني عندما سمعت بحضور شخصية أمنية لم أحرص على حضور اللقاء وفضلت أن أحضر لقاءا في أحدى الفضائيات كانت أهميته تتناسب مع خط المؤتمر الفكري وأمتدادا له .

    4-  ومن الغريب وألاغرب الذي تكررت مشاهده في الساحة العراقية وعمليتها السياسية المركبة بمزاج ألاحتلال وطموحات الذين لايعرفون هوية الوطن والمواطن : أن تلك الشخصية ألأمنية المزعومة لم تحضر للقاء النخب الفكرية ؟

    5-  وتضاف الى سلسلة الغرائب التي رافقت انعقاد المؤتمر الفكري ألأول للنخب الفكرية العراقية : أن لاتقوم وزارة الثقافة بالمشاركة في ذلك المؤتمر ولم تكلف نفسها حتى بأضعف ألايمان من مجاملة لها مايبررها في العرف العراقي ألاجتماعي من زيارة مسؤول فيها للمؤتمر أو حضور رمزي يرفع العتب وهو الحد ألأدنى .

    6-  ومن مسلسل الغرائب التي حفل بها ذلك المؤتمر الذي أرادوا له أن يشعر باليتم والحرمان من اليوم ألاول : أن لايقوم أتحاد الكتاب وألادباء العراقي بزيارة المؤتمر والتبرير الذي قد يقدمه البعض بعدم وجود دعوة لهم مقبول , ولكنه لايعفيهم عن مسؤوليتهم الثقافية والوطنية في مثل هذه المناسبات .

    7-  كذلك فأن الصحف العراقية والفضائيات لم يسجل لها حضور في ذلك المؤتمر الذي فرض عليه التعتيم بفعل تجاذبات المحاصصة التي لازالت سببا في كل العلل وألامراض التي تصيب المشروع السياسي الوطني العراقي .

    8-  وتبقى الدعوات التي منحت للبعض بدواعي حزبية ومجاملات ليس لها هوية ثقافية , هي من الصور التي خدشت مضمون ذلك المؤتمر الذي كان شمعة في ليل المنخفض الثقافي العراقي .

    9-  مثلما تبقى الورقة التي قدمت في المؤتمر وحسبت على الفكر وهي غريبة على مضمونة والتي كانت تتحدث عن دور المرجعية بأسلوب متواضع يختزن المجاملة والتملق ويخلو من المضامين الثقافية والفكرية ذات البعد السياسي مما أظهرت فقاعة اللون الحزبي السطحي المحدود الذي كان سببا وراء فشل العملية السياسية وإخفاقاتها المتكررة .

    هذه باختصار معاناة مؤتمر النخب الفكرية العراقية المنعقد في بغداد في 4|10 |2009 والتي ظلت ذكراه مرملة ميتمة تنتظر من ينتصر للفكر والثقافة العراقية بشخص رموزها الذين ألوا على أنفسهم أن يحملوا لواء المعرفة وأن قل المناصرون على طريقة : وأما الزبد فيذهب جفاء وأما ماينفع الناس فيمكث في ألارض .

  • مــن ســرق قــوت غيــــره

    كلما استرجعنا النصوص القانونية المنسية لمسلة جدنا (حمورابي) نصاب بالذهول والدهشة، وبخاصة في هذه المرحلة التاريخية القلقة، التي نحس فيها بالحاجة إلى الاحتكام إلى العقل والمنطق، والتسلح بهما لتجاوز العقبات الكثيرة، التي ولَّدتها خلافاتنا الداخلية المتجددة في عموم الأقطار العربية، والتي ينبغي أن نبحث لها عن الحلول الناجعة في ظل الدساتير والقواعد والسنن والشرائع السماوية السمحاء. بيد أن أصحاب النفوذ من ذوي العقول المتحجرة، والعاهات الدماغية المستديمة، والنفوس المريضة، عادوا في سلوكهم المنحرف إلى الوراء، ونبذ فريق منهم كتاب الله وراء ظهورهم، حتى استقرت بوصلتهم على شرائع الغاب، بما عرف عنها من جشع ولؤم وشراهة وأنانية ورعونة ووحشية، فالغاية عندهم تبرر الوسيلة، والسمكة الكبيرة تأكل السمكة الصغيرة، والبقاء للأقوى والأشرس والأعنف والأكثر فتكا وقسوة، والعمل السياسي يجري على قدم وساق بقاعدة (انصر أخاك ظالما أو مظلوما)، وربما سنكون بأفضل الأحوال لو عدنا إلى تطبيقات الأعراف والشرائع القديمة، التي ورثناها عن البابليين والسومريين والأكديين والكلدانيين والآشوريين، والذين أناروا الطريق للناس منذ انبثاق فجر السلالات البشرية في ربوع الميزوبوتاميا، فلو أخذنا (على سبيل المثال) شريعة جدنا (حمورابي)، التي ظهرت إلى الوجود في أواخر الألف الثاني قبل الميلاد، لوجدنا أنها تضمنت أحكاما عادلة ومنصفة، واستحقت أن تكون انصع المحطات الإنسانية، التي اهتمت بحقوق البشر عبر العصور القديمة وحتى يومنا هذا، وهي التي وضعت الأسس الأولى لمبادئ الحرية والمساواة بين أبناء الشعب من دون استثناء، وأنزلت اشد العقوبات بمن سرق قوت غيره ولم يقل سرقته، أو أكل طعام غيره ولم يقل أكلته، أو استخدم القوة المفرطة، واغتصبت يده ما ليس له، أو نظر نظرة رضا إلى مواطن الشر والظلم، أو بدل الوزن الكبير بالوزن الصغير، وتخطى حدود الأعراف والنظم، ونقض العهود والمواثيق. 

    تقول إحدى المواد التشريعية في مسلة (حمورابي): ((إذا حكم قاض في قضية، وأصدر حكمه، وكتبه، وتبين فيما بعد أن حكمه كان خاطئاً، وأنه هو المتسبب في ذلك الخطأ، فإنه يدفع ضعف الغرامة، التي فرضها في حكمه بمقدار (12) مرة، ويحرم من ممارسة عمله كقاض))، وربما ستصابون مثلي بالدهشة إذا علمتم أن قوانين (حمورابي) حققت قبل أربعة آلاف سنة تقدما هائلا في تحديد مسؤولية الدولة عن الأضرار، التي تصيب مواطنيها، فقد نصت المادة (23) على أن: ((من وقع ضحية السرقة في حالة عدم ضبط الجاني، ولم يستطع استرداد المسروقات، يعوض من قبل أهل المدينة والحاكم، الذي وقعت السرقة على أرضه))، ولعمري أن هذا النص وحده يعد انجازاً رائعاً ينطوي على قدر كبير من العدالة الاجتماعية، وجاء في نص المادة (250) الحكم التالي: ((إذا نطح ثور رجلاً ما وأماته، فان هذا الحادث لا يستوجب التعويض))، وتقول المادة (195): ((إذا ضرب ولد والده فعليهم أن يقطعوا يد الولد العاق لوالده)). بينما تناولت المواد (197) إلى (200) مواضيع القصاص والمساواة بين الناس، فالعين بالعين (عند حمورابي) والسن بالسن. .

    إذا كانت نصوص شريعة (حمورابي) الوثنية، البالية، العتيقة، الضاربة في عمق التاريخ القديم، أول من أكدت على حقوق الناس، وأول من أرست قواعد العدل والحرية والمساواة، ووفرت الحياة الكريمة لأبناء الرافدين ليدوم عزهم وقوتهم وانتصاراتهم، ووفرت لهم الأمن والأمان والاستقرار، وكانت هي الأطر التشريعية التي صانت صورة المجد والشموخ والرقي في بابل، وسومر، ولكش، ولارسا، وأور، وكيش، وأكد، وكارخينا، وهي التي أضاءت الوجه الحضاري المشرق في ربوع الميزوبوتاميا لقرون وقرون على مدى العصور الذهبية التليدة، وإذا كانت هذه هي سنن وشرائع أجدادنا عام 2011 قبل الميلاد، فما الذي يمنعنا من إنزال القصاص العادل بالفاسدين والمخربين والمجرمين والمزورين والمحتالين والغشاشين والمرتشين، من الذين طغوا في الأرض عام 2011 بعد الميلاد. . . .   

  • الشتاء قادم

    يتسم فصل الشتاء في اغلب بلدان العالم بجمالية خاصة في البلدان الحارة، وبالرغم من قسوته في البلدان التي تتعرض لهطول الثلوج، فله ذكرياته الجميلة إلا نحن فلنا معه قصص عجيبة.

    الشتاء عندنا معناه ان نغوص بأوحال الطين ونخوض في المياه الآسنة فتتعطل حركتنا بل نفسيتنا وتتلوث ملابس الصغار قبل الكبار وتنشغل مناطق بكاملها بمعالجة طفح المجاري الذي يجعل الناس تكره المطر وهو مصدر الخير والعطاء وإلهام الشعراء بأجمل القصائد وتفرح به الأشجار والعصافير والطيور والكائنات كافة، إلا نحن فنشعر بالحزن والكآبة.

    ومنذ سنوات ونحن نراقب ونتابع خطوات أمانة بغداد لانجاز مشاريع إستراتيجية للصرف الصحي لم تدخل الخدمة حتى الآن مع حركة واسعة وتجميل مناطق بكاملها وإكساء شوارعها، ولكن الأمر المهم يتمثل باستعدادات الدوائر البلدية لاستقبال هذا الفصل والتخفيف من معاناة المواطنين، وصحيح ان عمال الصيانة ينتشرون في كل مكان لكن الصحيح أيضا استمرار ظاهرة نبش وتنظيف المنهولات الجانبية المتوفرة مع إصرار على أبقاء النفايات بمكان مجاور أو دفعه تحت حركة المركبات ومع أول زخة مطر تغلق كل المنافذ وتضيع كل الجهود ونبدأ نتحدث عن فيضانات والاستعانة بمركبات حوضية لشفط المياه من الشوارع.

    نحلم بشوارع نظيفة وحدائق جميلة نتجول فيها تحت زخات المطر نكتب أو نقرأ الشعر وندبج المقالات في مدح أمين بغداد والإشادة بالمواطن الذي يلتزم بشروط النظافة ويحترم التعليمات ونرسل برقية شكر لمجالس المحافظات والبلديات ووزارتي البيئة والصحة ومنظمات المجتمع المدني في دورها التاريخي في مساندة جهود الأمانة لكي تكون بغداد هي الأجمل والأنظف قولا وواقعا وليست شعارات وأمنيات، ولا نريد بعد اليوم ان نكرر توظيف بعض الأمثال الشعبية لتعميق الإشارة والدلالة لأن المتصيدين لحرية التعبير يبحثون بين السطور وتدفعهم نفوسهم المريضة بإشغال المسؤولين وتحريضهم لقمع حرية التعبير والأكثر أسى ان هؤلاء محسوبون على الصحافة والصحافيين وليس على عمال التنظيف وصيانة المنهولات….! نسال الله ان يوفر للأخيار تطهير البلاد من كل هؤلاء الأشرار لننعم بشتاء نظيف من النفايات والمياه القذرة والنفوس الضعيفة.

  • البطالة .. حاضنة التخلف والجريمة!

    وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون | قرآن كريم

    أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون | قرآن كريم

    علامات الاسلام : اليمان والعلم والعمل | حديث شريف

    غبار العمل ولا زعفران البطالة | حكمة مأثورة

    لولا الخبز لما صمنا ولا صلينا ولا أدينا الواجبات | الامام جعفر الصادق .

    ربما يعرف العمل فقهيا على أنه يتكون من :-

    1-  الصلاة

    2-  الصوم

    3-  الزكاة

    4-  والاخلاص

    ومن هنا يتساءل البعض قائلين : اذن أين العمل وهذه أفعال عبادات؟

    وهذا البعض لايدري أن العبادة هي المحرك الاول للعمل بمعناه الانتاجي ؟ قيل لرسول “ص” هذا الرجل عابد يقضي نهاره بالعبادة؟ قال “ص” : ومن يكد على عياله ؟

    قالوا : أخوه ؟ قال “ص” : فإن أخاه أعبد منه ؟

    وجاء أحدهم الى رسول الله يستعطي ؟ فأعطاه ثلاثة دراهم وطلب منه أن يشتري حبلا بدرهم , وفأسا بدرهم , ويحتطب الحطب ويبيعه حتى يكف وجهه عن المسألة ؟ ففعل الرجل ووجد حلاوة العمل والانتاج ؟

     وكان رسول الله “ص” اذا لقي عاملا قبل يده وقال إني أقبل اليد التي تعمل ؟

    كل الانبياء كانوا يعملون : نزل الوحي على النبي داود فقال له : أن الله يقرئك السلام , ويقول : كل مافيك حسن ألا فيك عيب واحد؟ وارتفع الى السماء ؟ فظل داود يبكي على نفسه ؟

    فنزل عليه جبرئيل قائلا : مالذي يبكيك يانبي الله ؟

    قال ” ألم تخبرني : أن الله يخبرني عن عيب في ؟

    قال : بلى ؟

     قال : أريد أن أعرف عيبي ؟

     قال جبرئيل : العلي العظيم يقرئك السلام يقول : عيبك أنك تأكل من بيت المال ؟

    قال داود فما العمل ؟ فأنزل الله له تعلم صنعة الدروع , فأخذ يصنع الدروع ويبيعها ؟ قال تعالى :” وعلمناه صنعة لبوس لكم ”

    والدعوة الى العمل في الاسلام هي ضد البطالة , وسنرى أن البطالة التي يعاني منها الرجال والنساء اليوم انما تمثل أزمة مفاهيم وأزمة ثقافة قبل أن تكون أزمة حكم وسوء ادارة دولة ؟

    نعم نحن اليوم نعاني في العراق من بطالتين هما :-

    1-  بطالة شباب وخريجين من الرجال والنساء .

    2-  وبطالة دولة متمثلة في الحكومة ومجلس النواب ومجالس المحافظات ومؤسسات الدولة .

    والمدن والمحافظات العراقية وبعد أكثر من ثماني سنوات على المرحلة الجديدة مازالت تخلو من المصانع والمعامل مثلما تخلو من المشاريع الزراعية الجدية , وكأنما هناك عملية صامتة لصناعة البطالة , مثلما هناك شكوى حكومية من تخمة الموظفين , وهذه التخمة بدون تطوير اداري هي بطالة مقنعة.

    ومن مظاهر بطالة الدولة :-

    1-  ظاهرة وجود الكثير من أعضاء مجلس النواب خارج العراق تكشفهم مقابلاتهم الفضائية  وهذه الظاهرة ليس لها مثيل في دول العالم ؟ فوجود هذا العدد من أعضاء مجلس النواب خارج العراق يدل على عدم قيامهم بعمل برلماني منتج وهذه بطالة مكشوفة.

    2-  ظاهرة عدم اكتمال نصاب مجلس النواب في اتخاذ قرارات وهذه الظاهرة متكررة مما يعني وجود نواب خارج إطار العمل الذي كلفوا به , واستثناء السفر الضروري لبعضهم لايمكن أن يشكل رقما يطير معه النصاب.

    3-  ظاهرة سفر رئيس الجمهورية لزيارة بعض الدول وقد تكرر امتداد تلك الزيارات لمدة أسبوع وهو خلاف الاعراف الدبلوماسية في مثل هذه الزيارات , فزيارات من هذا النوع تعبر عن بطالة دولة مقنعة , ولأن كل زيارات رؤساء الدول تتراوح بين يوم ويومين وأقصاها ثلاثة أيام , وما زاد عن ذلك فهو حالة استثنائية ولضرورات تقتضيها مصلحة البلاد ولم نر ذلك حاصلا في زيارات الرئاسة.

    4-  ظاهرة سفر أعضاء مجالس المحافظات في ايفادات مستمرة ومتناوبة , بينما نرى أوضاع المحافظات تعيش حالة من التردي في الخدمات والصحة والتعليم والامن , بل أن بعض مجالس المحافظات إخترع لنفسه ملهاة جديدة ألا وهي اللعب في الملاعب الخاصة وإنفاق ملايين الدنانير على ذلك بينما يتكدس بعض المواطنين في بيوت الصفيح , وبعضهم يتسول في الشوارع والبعض الاخر يبحث في القمامة.

    5-  ظاهرة تسرب الموظفين من الدوام , وهذه الظاهرة لم تنفع معها كل الاجراءات الروتينية لأن واضعيها هم ليسوا قدوة للموظفين , وحتى البطاقة الذكية لم تثمر نتائج مرجوة.

    6-  ظاهرة البطالة المقنعة في دوائر الدولة نتيجة التخمة الوظيفية مع عدم وجود مشاريع حقيقية , ووجود ادارات فاسدة مترهلة تعمل لإرضاء أحزاب السلطة والمتنفذين وليس لإنتاج عمل وظيفي حيوي.

    7-  وجود وزارات خلقت للبطالة وليس للعمل , ومما زاد الطين بلة عين لها أفراد لم يعرف عنهم جدهم ونشاطهم وأنما صعدوا للوزارة بترشيح قوائمهم.

    هذه هي أهم ملامح البطالة في الدولة العراقية اليوم وهي أخطر البطالات لأنها تغري بالمزيد من إتلاف المال وهدر الطاقات وتعطيل الجهود.

    أما بطالة الشباب والخريجين من نساء ورجال , فهذه تركة من أيام الثمانينيات عندما زجت البلاد في أتون حرب عبثية مع إيران ثم حرب عبثية أخرى مع المحيط الدولي وذلك من خلال إحتلال دولة الكويت التي كانت تعبر عن نزوة وصبيانية حكم استدرج لها حتى تكون كالشعرة التي قصمت ظهر البعير.

    فتوقف الصناعة وموت الزراعة كانا المدخل المفتعل لصناعة البطالة في العراق , يضاف الى ذلك موروث من العادات والتقاليد العابرة للمبادئ بسبب التباين الفكري والاجتماعي , والمنتقلة بين المراحل نتيجة عدوى القابلية للتأثر والتأثير التي تتهرب من لحظة الانتباه وعمقها الى سطحية الرؤى ومحدودية الافكار وجمود التجارب التي تفضحها لذة الشهوات وهي تتسول عند أقدام السماسرة وتتطلع الى خصور وصدور الراقصات وبائعات الهوى.

    قال تعالى :” فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوات وإتبعوا الشهوات ” ؟

    والعادات والتقاليد العابرة للمبادئ مازالت لها أرض خصبة في المجتمع الذي يتصف بما يلي :-

    1-  إحتقار المرأة : فما زالت هناك ترسبات تجعل الكثير من الرجال بل وحتى النساء الأمهات تنظر الى المولود الذكر بأفضل ما تنظر به الى المولود الانثى ومن هنا تنشأ المفارقة السلوكية والثقافية , ورغم كل الجهود الفكرية والاخلاقية التي بذلها الاسلام لإلغاء معادلة التمييز بدون حق , ألا أن النفوس المريضة والعقول المحدودة ظلت أسيرة التخلف ولم تغادر أسرها وأقبيتها الى حيث فضاء الحرية الذي صنعه الاسلام للرجل والمرأة في رحلة تكامل من خلال أدوار الحياة وتنظيمها , ألا إن ذلك التنظيم أسيئ فهمه من قبل العقول المحدودة قال تعالى :” فأستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض ” – ال عمران – 195-

    2- فالمرأة لها عملها مثلما للرجل عمله وربما تكون بعض النساء متفوقات على كثير من الرجال في العمل سواء كان عباديا بالاصطلاح الفقهي , أو إنتاجيا بالاصطلاح الاقتصادي قال تعالى :” فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يامريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله أن الله يرزق من يشاء بغير حساب – أل عمران – 37-

    جاءت إحدى النساء في زمن النبي فقالت له : يارسول الله أني امرأة صانع ” أي عندها مهنة صناعية ” فأنفق على زوجي ؟

    قال “ص” : نعم أنفقي ؟ حدث هذا في المدينة ؟

    بينما نرى اليوم مازال بعض الناس ينظر الى عمل المرأة بريبة ويحاصرها بالشبهة ؟ … وهي نظرة متخلفة لاتنتمي للاسلام ولا الى روح العصر الذي نحن فيه ؟ أما الفارق في الارث والذي يذهب البعض الى الاعتراض عليه وإعتراضهم ناشئ من عدم معرفتهم بالتنظيم الاجتماعي الذي يدعو له الاسلام دون التفريط بحقوق المرأة التي كان رسول الله يوصي بها ويحذر من التهاون في حقها ؟ فالاسلام حمل الرجل أعباء مالية كثيرة وبسبب ذلك أرتفعت حصته من الارث , والمرأة في الاسلام ريحانة ولذلك خفف الكثير من الاعباء عنها حتى الرضاعة للولد أوجبها على الرجل من حيث الكلفة المادية لها , والاسلام جعل من المرأة ملكة حقيقية في بيتها وأوجد لها هيبة وأحتراما قلما نجد له مثيل في تجارب ألامم والشعوب.

    3-  مازالت هناك نظرة دونية لبعض الاعمال في مجتمعنا وهذا من أسباب شيوع البطالة لدينا , وربما تأتي هذه النظرة حتى من بعض الرؤى الفقهية التي تبتعد عن روح ألاسلام ونظرته للعمل , فبعض الفتاوى الفقهية ربما تجعل بعض المهن والحرف مكروهة أو أن من يمارسها لاتقبل شهادته وهذا أمر في غاية الغرابة ! فلماذا لاتقبل شهادة الحائك مثلا وهو عمل شريف ومهنة كانت يوما لبعض أنبياء الله قال تعالى :” وعلمناه صنعة لبوس لكم ” والحكاية عن نبي الله داود عليه السلام.

    4- وهناك حكاية تنقل عن لقمان الحكيم الذي كان معاصرا للنبي داود حيث يقول لقمان دخلت على داود فوجدته يعمل عملا لم أراه من قبل فهممت أن أسأله عنه ولكني فضلت الصمت والانتظار حتى ينتهي من عمله , فلما انتهى داود من عمله قام ولبس الذي كان يحوكه وقال نعم الدرع للحرب، فعلم لقمان أن هذا درعا فقال كلمته التي ظلت مضربا للامثال :-” الصمت حكمة وقليل فاعله “.

    وفي العصر العباسي مر رجل على رجل ينزح كنيف وهو يردد البيت الشعري :-

     أعفف نفسي عن أمور كثيرة ؟

    يقول الرجل رجعت الى صاحب هذا البيت الشعري وقلت له : ياهذا عمن تعفف نفسك وأنت فيما أنت فيه من تنظيف المراحيض؟

    يقول نظر لي الرجل باستغراب وقال : ياهذا أني أعفف نفسي عن سؤوال الآخرين! يقول فاستحسنت جوابه ومضيت.

    وكان نبي الله يوسف عليه السلام قد طلب من فرعون مصر أن يشتغل محاسبا عند فرعون ولم يستنكف من ذلك قال تعالى :” قال أجعلني على خزائن الارض إني حفيظ عليم ” – يوسف – 55- بينما نرى اليوم البعض منا عندما يعين في وظيفة كبيرة يعمل جاهدا على أن يظل العمر كله في مثل تلك الوظيفة ولايقبل بعدها بوظيفة أقل مرتبة وهذه من مظاهر التخلف الذي يسهم في صناعة البطالة.

    ولقد عمل النبي موسى عليه السلام أجيرا عند النبي شعيب عليه السلام قال تعالى :” قال أني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين ” – القصص – 37-

    وعمل نوح نجارا قال تعالى :” ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال أن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون ” – يهود – 38-

    وعمل رسول الله “ص” في التجارة , وتجارته في أموال خديجة معروفة .

    والعمل والحركة في الاسلام هي الاساس , فالعمل بمعنى الانتاج هو الاساس للانفاق على العائلة , مثلما هو الاساس للمال الذي يشكل أحد أركان الجهاد الذي يكون إما جهادا بالنفس وإما جهادا بالمال قال تعالى :” لايستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما ” – 95- النساء – وقال تعالى :” الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم …” – النساء – 34- والانفاق لايأتي بدون عمل , والانفاق يحتاج الى المال , والمال لايحصل إلا بالعمل , فالعمل هو أساس الحياة من خلاله يتم مايلي :-

    1-  تكامل العائلة وسد احتياجاتها قال تعالى :” وليستعفف الذين لم يجدوا نكاحا حتى يغنهم الله من فضله ” وقال تعالى :” والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لاتكلف نفس غلا وسعها لاتضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك …” – البقرة – 233-

    2-  نمو العلاقات بين المجتمع بما يخدم تطور الاجتماع الانساني ” ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ” فالتدافع الايجابي هو سنة الاجتماع وعليه قوام الحياة.

    3-  والتجارب الفردية والجمعية لاتنمو وتتطور إلا من خلال العمل والمثل المعروف ” من لايعمل لايخطئ “.

    4-  ومن خلال العمل تتكشف الطاقات وتعرف الكفاءات.

    5-  وبالعمل تتطور العلوم والمعارف وعلى هذا الاساس قال تعالى :” وتلك الايام نداولها بين الناس ” وشرط المداولة هو مايلي :-

    أ‌-     الهدف في الحياة , فالهدف يركز العمل وينظمه.

    ب‌-           التخطيط , فالعمل بدون تخطيط يصبح فوضى.

    ت‌-           الجدية , والعمل بدون جدية لايعطي ثماره.

    ث‌-           الاستمرارية : والعمل بدون استمرارية يصاب بالتوقف والتوقف هو الموت.

    والامم والشعوب التي تقدمت وظفرت بأسباب النجاح هي التي عملت بهذه الشروط.

    والبطالة لايتحقق معها شيء من تلك الشروط ولذلك يدخل المجتمع المصاب بالبطالة في ركود وجمود وهو الموت البطيء.

    والبطالة هي حاضنة التخلف والجريمة , فالعاطل عن العمل لايتمكن من شراء الكتب والمجلات والصحف , مثلما لايتمكن من مواصلة حتى التعليم المسائي , وهذا الامر يجعل منه منعزلا عن حركة الثقافة وحركة المجتمع وهذه الظاهرة تؤدي تدريجيا الى ظهور حالة التخلف والتي تنعكس على المجتمع بالمزيد من التأخر ولا تتوقف الحالة عند هذا المستوى وإنما تتعداها الى سلوكيات ارتدادية , فنتيجة الحاجة التي تضغط على العاطلين عن العمل في سن الشباب تدفعهم تلك الحاجة لإشباع رغباتهم بمزاولة الانحراف عن خط الاستقامة , فيبدأون بممارسة مايلي :-

    1- الغش

    2-  الكذب

    3-  السرقة

    4-  الاختطاف وهذا ما يعاني منه المجتمع اليوم فقد ظهر على بعض العاطلين عن العمل الميل لممارسة أعمال السرقة والخطف.

    5-  القتل : والذي يكون سببه الحاجة للمال والهدف هو الميسورين.

    والذي يساعد على كل هذه ألاعمال هو الضعف الامني ” من أمن العقاب أساء الادب ” وكذلك غياب القانون أو ضعف تطبيقاته , ونحن اليوم في العراق نعاني من هذا الثالوث : البطالة , والضعف الامني , والضعف القضائي , وكل بلد يعاني من ذلك ليس أمامه إلا الاستنفار الوطني العام فهل نحن فاعلون ذلك ؟

  • رجل الحكومة !!

    انقطعت عن ارتياد المقهى منذ سنتين تقريبا، ولزمت بيتي متفرغا للعبادة والاستغفار، ولم اغفل في كل صلاة عن دعوة الله سبحانه وتعالى ان يهدي المسؤولين ويحنن قلبهم، علهم يلتفتون ولو بنصف عين الى المتقاعدين الذين ستكون لهم وقفة قاسية معهم يوم القيامة حيث لا ينفع مال ولا سلطان ولا أفراد حماية!.

    قبل أسبوعين قررت الذهاب الى المقهى ولقاء أصدقائي الذين اشتقت إليهم من دون التفريط بطقوس عبادتي، وكنت سعيدا لأن (الشلة) موجودة بأكملها، وكان الأصدقاء أكثر سعادة بعودتي، ولأن المكان ذو صفة عامة، فقد كانت ترتاده على الدوام وجوه غريبة أو جديدة، ولعل أطرف تلك الوجوه التي انضمت الى شلتنا وعرّفني الأصدقاء إليها، شاب مرح خفيف الظل كثير الأسئلة والاعتراضات وقد أدركت من أول جلسة معه، إنه شخصية غريبة الى حد ما، فهو لا يتابع ما تبثه الفضائيات أو تنشره الصحف من أحداث وأخبار، ومع ذلك يدافع عن الحكومة أكثر مما تدافع هي عن نفسها، وقد أخبرني أحد الأصدقاء همسا وهو يضحك (ان شلتنا تدعوه رجل الحكومة غير المناسب) لأن الحكومة على حد تعبيره، تقرّ أحيانا بأخطائها، وتعد الناس بتجاوزها، أما هو فيرفض حتى الاعتراف بأخطائها ويحاول تبريرها بمئة وسيلة وحيلة !.

    في اليوم الثاني وأنا جالس مع الشلة، وكان حديثنا حول النائب صباح الساعدي وملابسات قضيته. حضر رجل الحكومة وأستمع الى نهاية الحوار، وثناء بعضنا على شخصية الساعدي – ولم يكن على علم بالشكوى ومذكرة إلقاء القبض – ولذلك تحدث طويلا عن النائب وكيف وقف ضد النظام الدكتاتوري السابق، وكيف تعرض للأذى. وكيف تعاون مع الحكومة وساعدها في الكشف عن ملفات الفساد والمفسدين، ثم تمنى لو ان أعضاء البرلمان جميعهم تحلوا بشجاعة هذا النائب المستقل، وباختصار قال كلاما جميلا بحقه لو أراد الساعدي ان يقول عن نفسه قبل الانتخابات لعجز عن ذلك، حتى إذا انتهى فاجأه أحد الحضور بأن هناك دعوى قضائية من رئيس الحكومة مرفوعة ضد الساعدي، وهناك مذكرة إلقاء قبض بحقه.. وفي الحال، ومن دون تردد قال رجل الحكومة: أنا واثق ان تهمة النائب تمت على وفق المادة (4) وكنت أتوقع ذلك، فالمعلومات المتوفرة عندي، وهي مؤكدة، ان الساعدي كان يعمل سرا مع فدائيي صدام، وظهر أخيرا انه مشمول باجتثاث البعث، واغلب الظن ان له علاقة خفية بتفجيرات كربلاء !.

    استمعنا إليه بصمت، ولو لم نكن على دراية تامة بشخصيته الغريبة، لأخذنا الشك الى حد اليقين، ان الساعدي ان لم يكن زعيم دولة العراق الاسلامية، فهو أمير بارز من أمراء القاعدة، ولذلك لم نعلق على كلامه، ولم نعترض، وكتمنا ضحكات مؤجلة، فالحذر واجب أمام رجال الحكومة، حتى لو كانوا من أقرب الأصدقاء !!.