لمن الحزن اليوم ؟.. أحمد صلاح كامل … وجدلية النصِّ الشعري
أشرف محمد قاسم
في ديوانه الأول ـ بعد مسيرة مع المسرح الشعري ـ يتساءل “أحمد صلاح كامل” ( لمن الحزن اليوم؟) ، وبكل ما يحمله التساؤلُ من أسىً ولوعةٍ يتوجه إلى قارئه،ليُعرِّي أمامنا ذواتَنا ويزيل الأقنعةَ،
مُصَوِّراً لحظاتِ ضعفِنا وهزائمنا وانكساراتنا وخنوعَنا مُتَّخِذاً من الواقع المؤلمِ مصدراً لإلهامه بكل ما يحمله هذا الواقع من صخبٍ وعُقَدٍ وتناقضاتٍ :
وكيف أخون براءةَ وجهي ؟
وأُرخي العقالَ على العينِ حتى أنامْ ؟
… إلى أيِّ شطرٍ
أُولِّيَ وجهي
وكل الجهاتِ ظلامْ ؟ ص 8
ـ يركز أحمد صلاح كامل في ديوانه على التقاطِ اللحظات الفاصلة سواء على المستوى الشخصي ، أو على المستوى الإنساني، تلك اللحظات المشحونة بالعنفوان بعيداً عن السبَحاتِ الوجدانية الخاوية التي لا تحمل ألَقَ اللحظةِ ، أو وهَجَ الموقف .
كما تتَّكئُ معظمُ نصوصه على ثيمةِ الانتماءِ إلى أديمِ تلك الأرضِ التي هي مرجعيَّتُه الأُولى في الحوارِ مع العالم المحيطِ ، وفي جدلية نصِّه الشعريِّ :
وطنٌ يفِرُّ مِن الخرائطِ
و الجرائدِ
و القصائدِ
و الكلامْ !
و يلوذُ في عينيكِ يأنَسُ فيهما
وطنٌ
يحُطُّ على فؤادِكِ عارِما
يستعمرُ الأشواقَ
يفردُ خيمةً لِلعشقِ
يسكر في دمائكِ بالحنينِ
ويحتمي بكِ مِن رياحِ الإنكسارْ ! ص15
ومن هنا تأتي نصوص أحمد صلاح كامل مُنفتحةً على الآخَر ، محتفظةً بهويتها وتفردها، بعيدةً عن التكرار لأَنها نتاجُ تجارب حية ،ومتجددة وثريَّة ، برؤىً جماليةٍ وفكرية تحمل الكثيرَ من الأحكام على الواقعِ المُتَصارع :
هل صادف وجهُكَ وقتاً أنسبَ من هذا
كي يتفيَّأَ ظِلُّكَ كلأََ القومِ
و عُشْبَ النومِ
و أنصابَ الأزلامْ ؟
لا الرعدُ يردُّ إليكَ صفاءَ الروحِ
ولا الصبَّارُ سيبكي فوق ضريحِ جوادِكَ
حين يموتْ
فاستغفرْ ربَّكَ ثم اتخذِ الآن قراراً
بالترحال عن الجسدِ المعجونِ بِحُزنِ قريشٍ
أو ذُبيان
استغفر ربَّكَ ثُم انسلخِ الآن
عن الأحلافِ المهزومةِ والمُنكفئةِ
قبل طلوعِ السيفِ على الأعناقْ !ص 54،53
كما يأتي التناصُّ متفاعلاً مع النصوصِ لا عالةً عليها، وكأنه يكتشف النصَّ القديمَ مِن جديد :
فاربأْ بِجوادِكَ حذَرَ الموتِ
على أطلالِ أُمَيَّةَ
إنَّ أُميَّةَ قد فرَّقَت الخمرَ على العُشَّاقِ
وخصَّتْ كأسَكَ بالزقُّومِ
انظرْ لشرابِكَ لم يتسنَّ
فما لِجوادِكَ والأشواقِ
وما لعيونِكَ عالقةٌ بسماءٍ
تمطرُ مطرَ السوْءِ ص 55
ـ كما أنَّ تعدد الدلالات في النصِّ سِمةٌ مميِّزةٌ، تعطي النصَّ قوةً ورحابةً وعُمقاً ، ناهيك عن غرام الشاعر بِرصد التفاصيل الدقيقة :
للشِعرِ ميراثُ التوجُّسِ والحريق
فَبِأيِّ فجرٍ
سوف تشرقُ في القِفارِ مدائني
وبأيِّ أنباءٍ تُفيقْ ؟ ص 49
تتسم لغةُ الديوان بالطزاجةِ والبكارةِ في محاولات من الشاعر لطرح رؤاه الخاصة من خلال إطارٍ لغويٍّ يتَّسِمُ بالكثيرِ من التفردِ والخصوصية دون تكلفٍ أو ادعاءٍ ،مع المحافظة على الإيقاع التفعيلي للنص :
لا تنكري لغةً
تُعيدُ ملامحي لملامحي
وتُذَكِّرُ الأزهارَ موسمَها
وتبعثُ في القلوبِ قيامةَ الإحساسِ
تكتبُ
في التواريخِ السعيدةِ مولدي
فُكِّي يدي ! ص 67
كما أن نصوصَ الديوان لا تسجِّلُ أحداثاً، بقدْر ما تسجِّل مواقفَ إنسانية دون مواربةٍ ، محتفظةً بجُذوةِ الشِعر متَّقِدَةً إلى آخِرِ مدىً للوجود بوعيٍ وإدراكٍ ومشاعرَ عميقةٍ لافتة :
لغةٌ تهَتَّكَ عِرضُها
وقصائدٌ ماتتْ بحدِّ الصوتِ
في وطنٍ بلا مأوىً
وشواهدي حلمٌ
ضريحْ
وجَعُ المسيحْ
حُزنُ المُخَيَّمِ
والأراملِ والحصارْ
وشواهدي
شمسٌ ستقتلُ طفلها البِكْرَ
النهارْ
نسِيَتْ أمومتَها
وهيَّأَت القوافلَ للفرارْ ! ص 48
وختاماً أعترف أنّ قراءتي هذه لم تُحِط بكل محاور الديوان ، ولكني آمل أن تكون مُدخلاً صغيراً لقراءاتٍ أُخرى أكثر شمولاً ، لأن أحمد صلاح كامل شاعرٌ مُبدعٌ جديرةٌ نصوصه بقراءاتٍ أكثر عمقاً .