استراتيجية البنك المركزي والتغيير لمنهج الإصلاح المصرفي

سمير النصيري 
أطلق البنك المركزي العراقي إستراتيجيته للسنوات 2016-2020 بالتزامن مع دعوات التغيير الجوهري والشامل الصادرة عن السيد رئيس مجلس الوزراء ومجلس النواب والكتل السياسية لتشكيل حكومة تكنوقراط جديدة أختلف الجميع بوجهات نظر مختلفة عن المواصفات والكفاءات للوزراء المرجويين . والذي يهمنا كمختصين بالشأن الاقتصادي والمصرفي هو ما هي الآليات والسياسات الجديدة التي يمكن ان يعتمدها البنك المركزي والمصارف الحكومية والخاصة والجهات ذات العلاقة فيما يخص الإصلاح المصرفي وفق منهج التغيير الجوهري المنشود للاقتصاد العراقي في المرحلة المقبلة والذي يشكل القطاع المصرفي الحلقة الأولى والأساسية فيه .
ان إستراتيجية البنك المركزي حددت ورسمت الطريق للإصلاح المصرفي وفقا ً للأهداف الرئيسية التالية :
دعم وتحقيق الاستقرار المالي .
تفعيل دور القطاع المصرفي والمؤسسات المالية.
تطوير البنية التنظيمية والهيكل التنظيمي تطوير رأس المال البشري .
تفعيل وتكامل العلاقات الداخلية والخارجية  وبما أن هذه الأهداف الإستراتيجية قد تم تحديد فترة تطبيقاتها الزمنية بخمسة سنوات لتحقيق 23 هدفا ً فرعيا ً أشتق منها يقوم على أساس تحقيق الاستقرار المالي ورسوخ النظام المالي وأعمام الشمول المالي والوصول إلى إصلاح مؤسسي وهيكلي للقطاع المصرفي في العراق . لكن من خلال تحليل آليات ونقاط العمل لتحقيق الأهداف أعلاه نلاحظ أن الإستراتيجية لم تحدد أولويات واضحة لتحقيق الإصلاح وبالتأكيد أن هذه الأوليات تم تشخيصها في ضوء التحديات التي يواجهها القطاع المصرفي بسبب الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة التي يعاني منها العراق حاليا ً للأسباب الذاتية والموضوعية المعروضة ولاداعي من أعادة ذكرها .
حيث يمكن تشخيص أولويات معاناة القطاع المصرفي والتي يتطلب من البنك المركزي العراقي والجهات الحكومية ذات العلاقة من رسم ووضع اليات وإجراءات معالجتها خلال عام 2016 وعدم الانتظار لخمسة سنوات مقبلة وهي كما يأتي :
إعادة ثقة المواطنين والزبائن بالقطاع المصرفي العراقي وبشكل خاص المصارف الأهلية .
العمل على زيادة نسبة الادخار في المصارف الى نسبة الاكتناز خارج المصارف حيث بلغت نسبة الادخار 23 % ونسبة الاكتناز 77 % .
استكمال المرتكزات الهيكلية والتقنية للرقابة الاستباقية .
تأسيس مؤسسات وإصدار قوانين ضمان الودائع والائتمانات .
مراجعة وتقييم نتائج أعمال المصارف وإعادة تصنيفها بواسطة شركات دولية معتمدة . وتحديد المصارف الضعيفة التي تحتاج الى تدخل البنك المركزي العراقي لإعادة نشاطها وحمايتها من الإفلاس . مساعدة ودعم المصارف التي تعرضت للضرر في المحافظات التي دخلها داعش . معالجة نافذة بيع العملة ومحاولة إيجاد بدائل بدلا ً عنها ومغادرتها كليا تعزيز مبادرات البنك المركزي في تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة وبما يساهم في تنشيط الدورة الاقتصادية وتنويع موارد الموازنة العامة لعام 2016 . إعادة النظر بالهيكل التنظيمي والفني والاداري للبنك المركزي العراقي والمصارف الحكومية والأهلية مع تأكيد مبادئ الحوكمة وتحديد تدخل المالكين في التنفيذ لذلك ولغرض إجراء التغيير الجوهري لمنهج الإصلاح المصرفي وفق ما ورد بالإستراتيجية وفق نظرة ثاقبة للأولويات والتحديات التي يعاني منها القطاع المصرفي العراقي نقترح تنفيذ وتطبيق الرؤى والأفكار التالية :
 أولا : قيام البنك المركزي بدراسة وتحليل الواقع الذي تعيشه المصارف الحكومية والأهلية من خلال مراجعة وتقييم وتصنيف هذه المصارف استناداً الى بياناتها المالية ونتائج إعمالها لعام 2015 واعتماد مؤشرات تقييمية واضحة ومستندة إلى قانون المصارف النافذ والمعايير الدولية .
Camels
و تكليف فريق عمل متخصص في التحليل المالي وتحديد معايير كفاءة الأداء للمصارف في جميع مجالات العمل المصرفي الإداري والمصرفي و الائتماني ويفضل ان يكون هذا الفريق دوليا ً مستقلا وحياديا اخذين بنظر الاعتبار نتائج نظام التقييم الأمريكي لعامي 2013 و2014.
وتحديد المصارف التي تستمر بالعمل في القطاع المصرفي من عدمه ٍوالمصارف التي يقترح دمجها مع مصارف اخرى بهدف زيادة كفاءة عملها وتغيير إداراتها الحالية بإدارات متخصصة وكفوءة وتطوير عمل المصارف الجيدة والرصينة ومساعدتها على الاستمرار بالعمل ضمن القطاع المصرفي العراقي ضمن سياقاته السليمة والصحيحة باعتبار ان القطاع المصرفي هو الأساس في بناء الاقتصاد الوطني .
ثانيا : قيام البنك المركزي العراقي بالسيطرة الكاملة والإشراف على حركة العمل المصرفي في العراق من خلال التركيز على الرقابة الاستباقية الالكترونية المكتبية والميدانية وبشكل مبرمج ومخطط وتحديد المخالفات والهفوات والتجاوزات للإدارات التنفيذية المصرفية واتخاذ إجراءات تصحيحية وفي بعض الأحيان رادعة بعد اعطائهم الوقت اللازم والكافي للتصحيح والإصلاح .وتحمل المسؤولية القانونية لمجلس الإدارة والإدارة التنفيذية وبشكل محدد وواضح .
ثالثا – تطبيق قرار مجلس إدارة البنك المركزي العراقي بشأن ضوابط ترشيح أعضاء مجلس الدارة والموظفين القياديين في المصارف والتركيز على الكفاءة المهنية والنزاهة الوظيفية والسمعة الشخصية والتجارية والخبرات الاختصاصية . وتطبيق مبادئ الحوكمة و الفصل بين المالكين والإدارات التنفيذية وعدم السماح لهم بالتدخل مطلقا بالعمل التنفيذي ويمكن للمالكين اعتماد مستشارين مختصين في اعداد الخطط المصرفية وتحديد كفاءة الأداء ومتابعة تنفيذ ما يخططه المجلس وبأسلوب يتناسب مع الحرص على أموال المساهمين والزبائن.
رابعا – هيكلة المصارف الحكومية والعمل على خصخصتها وفقاً للمذكرة الموقعة مع البنك الدولي مع التركيز على مساهمتها مع بعض المصارف الرصينة في القطاع المصرفي الخاص وبنسبة لاتزيد عن 25 % على ان تدار هذه المصارف بعقلية اقتصاد السوق وتخضع لرقابة ديوان الرقابة و اتخاذ الخطوات المدروسة لتأسيس مصرف للتنمية والاستثمار تشارك براسماله الدولة بنسبة لا تزيد عن 25% وان يدار من قبل القطاع المصرفي الخاص وتتولى الدولة التوجيه والرقابة على ان تخضع حساباته لمراقبة وتدقيق ديوان الرقابة المالية  
خامسا :- قيام البنك المركزي العراق بإعادة النظر بسياسته الخاصة بالسيطرة على السياسة النقدية وبالتحديد الياتها ووسائلها المتعلقة بالمحافظة على سعر صرف الدينار العراقي مقابل العملات الأجنبية وهذا يتطلب دراسة موضوع مزاد وبيع العملة وقيام البنك بتأمين الدينار العراقي الى الوزارة المالية وامكانية قيام المالية بالدور والتعامل بالنقد الأجنبي .واتباع أسلوب الاعتمادات المستندية بدلا من الحوالات الخارجية المعتمدة حاليا حفاظا ً على سلامة التحويل الخارجي .
سادسا : تأسيس شركة ضمان الودائع وضمان الائتمانات بما يجعل البنك يساهم في الرقابة والمشاركة في ادارة ودرء المخاطر .
سابعا : تفعيل وتطوير مبادرة تشجيع وتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة ذات الجدوى الاقتصادية والتنموية وتحقيق هدف الحد من البطالة وبدون تعقيد للإجراءات النقدية وجعل عملية التنفيذ هي احدى معايير التقييم المعتمدة للمصارف لعام 2016
ثامنا : قيام البنك المركزي بتشكيل لجنة استشارية بالاشتراك مع رابطة المصارف والخبراء والمستشارين الاقتصاديين والمصرفيين من القطاع الخاص يقدم المشورة والخبرة لمجلس ادارة البنك ودوائره المختصة وقبل صناعة القرارات المهمة الخاصة بالسياسة النقدية ومدى تأثيرها على الوضع الاقتصادي تنفيذا لتوصيات المؤتمر المصرفي العراقي الثالث المنعقد في نهاية عام 2015 .تاسعا : قيام البنك المركزي بإعادة النظر بالهيكل الإداري والتنظيمي و الفني للبنك المركزي العراقي انسجاما مع إستراتيجيته ليشمل الإدارات وإعادة تأهيل وتوزيع الموظفين بشكل يتناسب مع الوضع الحالي للبنك والقطاع المصرفي والنظرة المستقبلية للسنوات 2016-2020

النفط والحليب من دين واحد..!

         د. مظهر محمد صالح 
التقيت في الأسابيع القليلة الماضية شخصية دبلوماسية رفيعة المستوى من بلاد مازالت ظلال أشجارها هي ستار السلام  والتقدم في جنوب الكرة الارضية. فجلس الرجل الى جانبي وازدحمت في رأسه خواطر ربما بدأها عن بلاده التي تنعم بالسعادة قائلاً:انه من المحزن الا نذوق شيئاً من السعادة نحن جنوب الأرض طالما شمال الأرض في حروب و لا نريد للشيطان ان يرحمنا في هذه الدنيا.ثم ضحك الرجل ضحكة باردة وقال لي انتم بلاد تنتج النفط الخام وهو مادة هايدروكاربونية(سوداء) تحتل نسبة من صادراتكم بنحو 97بالمئة ،ثم أردف ونحن ننتج حليب الأبقار  وهو مادة بروتينية (بيضاء)ونصدر مانسبته 70 بالمئة من احتياجات العالم من الحليب الجاف.قلت له اذن نحن كلانا من بلدين تنطبق عليهما نظرية إنتاج المواد الخام   في تفسير النمو والتقدم الاقتصادي.أجابني بلا تردد،نعم .فالحليب هو الغذاء الأول للإنسان منذ ولادته والذي به وحده  يترعرع بدنه وينمو جسمه ويشكل وحدة متكاملة للغذاء. أجبته مثلما ان الحليب الخام الأبيض أساس نشأة الإنسانية، فالزيت الخام الأسود الذي يصدره العراق إلى العالم هو أساس  الطاقة الحديثة ومحرك مهم لدواليب الصناعة  التي تسهم في سعادة الإنسان الذي يتغذى على حليب بلادكم .فضحكنا معا ضحكة  لاحت في عيني ضيفي من خلالها سيماء الكدر واطرق متفكراً مغتماً وهو ينال من صفاء نفسه ويتأسى على شجرة السلام في بلادي التي حاول الارهاب النيل من خيراتها وبركاتها .وأحسست عند ذاك ان يده اليسرى أخذت تتلمس بأسى راحته في يده اليمنى وتقبض عليها وربما لتقبض على أنامله الباردة وتمنحها حرارة ودفئاً بان العراق منتصر لامحالة. حدثني الرجل قبل ان يغادرني ان الجالية الوطنية العراقية في نيوزلاندا ،التي يبلغ تعدادها بنحو 35الف مواطن، يمثلون جميعهم بحق قوة أخلاقية ومشروع نجاح للأمة النيوزلاندية وهو نجاح في الوقت نفسه للأمة العراقية.فرحت كثيرا وقلت له انهم من اهل العراق وانهم مفخرة بلادي القاطنين في جنوب العالم وهم موضع اعتزازنا ومحبتنا.ودعتُ الرجل ،وانا أتطلع إلى مستقبل مزدهر للعراق وشعبه.ولكن صدمت قبل أيام  بسبب الدراسة التي نشرتها جامعة جورج واشنطن مؤخراً حول من هي أكثر دول العالم تطبيقاً للدين الإسلامي.اذ كان القياس هو مدى انعكاس القيم الدينية على سلوك الناس ومعاملاتهم ،وان أنموذج التقييم والقياس قد استمد من قول الرسول (ص):إنما الدين المعاملة …. وإنما بعثت لآتمم مكارم الأخلاق.فكانت النتيجة ان احتلت نيوزلاندا المرتبة الأولى في العالم من حيث الصدق والأمانة والإخلاص في التعاملات بين الناس وفي الواجبات والحقوق والتسامح والتراحم والإحسان والرفق والمودة والعلم والعمل .وللأسف جاءت البلدان النفطية جميعها في المراتب المتأخرة  في تلك الدراسة. هنا توقفت بعد ان ارتسمت على شفتي ابتسامة باهتة وأخذت اهرس يدي لأطمئن  نفسي بان النفط والحليب هما حقاً من دين واحد… ولكنهما يختلفان في اللون والطعم والرائحة والثمن….!!!.
(*) المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء العراقي

الهند.. تقدم تكنولوجي ونهضة واعدة

       د. نسرين اللحام
تتميز تجربة الهند التنموية بتناقضاتها الصارخة في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، حيث تقف مظاهر الثراء والتقدم التكنولوجي، جنبا إلي جنب مع مظاهر التخلف والفقر المدقع، فقد نجحت الهند في إنجاز تسع خطط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية من عام 1951 وحتى عام 2000، فضلا على نجاحها في خلق قطاع وطني لتكنولوجيا المعلومات، ويتسم المجال السياسي بالتسلط أكثر مما يتسم بالديمقراطية، مع نجاح الهند في بناء أكبر ديمقراطية حقيقية خارج العالم الغربي، وفي حال نجاحها في تحقيق رؤيتها لعام 2020، فإن الهند مرشحة لأن تكون النمر الآسيوي المقبل في القرن الحادي والعشرين.
 تتمثل الرؤية المستقبلية للهند 2030 في أن يكون شعب الهند بحلول عام  2020 أكثر عددا وأفضل تعليما وأكثر صحة وغني من أي وقت مضي في تاريخ الهند الطويل. وقد جاءت منهجية الرؤية في شكل سيناريو، يمكن إدراكه إذا حققت الدولة الاستخدام الأمثل لمواردها المتاحة البشرية والمؤسسية والتكنولوجيا… هل هذه الرؤية تكفل للهند نهضة اقتصادية وتنموية غير مسبوقة حول العالم؟
 أفضل الظن أن ذلك كذلك، فعلي صعيد الطاقة يتوقع أن تشهد الهند طفرة في قطاع الطاقة، وما يخص إدارة الأعمال والابتكار، ويتوقع تحسن مستويات معيشة 1.35 بليون مواطن هندي وارتفاع متوسط العمر المتوقع لهم.
أما في مجال الزراعة، فيتوقع أن تشهد الهند ثورة في الإنتاج الزراعي، مع تنوع أكبر في المحاصيل التجارية.
وعلى صعيد تكنولوجيا المعلومات، سوف تحظي الهند بلقب وادي سيليكون آسيا، وذلك لما سوف تشهده من تطورات كبيرة في مجال تكنولوجيا المعلومات، ودخولها مجالات عديدة، مثل التكنولوجيا الطبية، مع ما سيترتب على هذا التطور من فرص عمل أكثر من قطاع تكنولوجيا المعلومات.
يطرح نموذج الهند سؤالا هاما.. عن السياسات الإجمالية التى تصعد فيها الدول مراقي السلم الصناعي المتقدم، فبخصوص السياسات التى أوصت بها اللجنة من أجل تحقيق هذه الرؤية فهي: السلام والأمن والوحدة الوطنية، والأمن الغذائي من خلال توفير مزارع عالية  المستوي لضمان الغذاء، وتوفير فرص عمل في قطاع الزراعة، والصناعات القائمة على الموارد الزراعية، وتوفير فرص عمل للجميع بما ينعكس على القوة الشرائية في السوق. وعلى الرغم من تكامل الرؤية التى قام بإعدادها معهد التخطيط الهندي، فإن الرؤية الشعبية والمتداولة في الهند، هي الرؤية التى قام بإعدادها الرئيس الهندي السابق د. عبد الكلام وانتهت بإصداره الكتاب المشهور “الهند 2020: رؤية للالفية الثالثة”، والتى تقدم رؤية لجعل الهند من القوي الاقتصادية الأربع الكبري بحلول عام 2020، والتى ارتكرت على تطوير التكنولوجيا، ونقل الهند إلي مصاف الدول الرائدة في مجال التكنولوجيا، وتعتمد الرؤية على استغلال الميزات التنافسية التى تتمتع بها الهند، ومواردها الطبيعية، وقوة العمل الماهرة المتوفرة بهدف مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي في الهند وتحقيق رؤية نقل الهند إلي صفوف الدول المتقدمة بحلول عام 2020، وقد اعتمدت هذه الرؤية على العديد من منهجيات التنبؤ، مثل دلفي، والعصف الذهني وورش العمل.

نحو خطوات تنموية متزامنة في ظروف الحرب

         ابراهيم المشهداني 
    
ترمي الحكومة العراقية بكل ثقلها في طرد القوى الإرهابية وحلفائها من الأراضي العراقية وتوظف لهذا الغرض معظم مواردها المالية والبشرية في تحقيق النصر في مواجهة سياسة الأرض المحروقة التي تتبعها قوى الإرهاب من خلال اتخاذها المدن ميدانا باستخدام سكانها دروعا بشرية مما ينتج عنها ليس فقط تدمير الإنسان وإنما أيضا تدمير البنى التحتية التي تشمل المؤسسات الحكومية الإدارية والاقتصادية والخدمية والثقافية ناهيك عن توقف حركة الاقتصاد وتعطيل ديناميكيته .وعلى الرغم من خطورة ما يجري فلا يمكن للدولة ان تستسلم لبواعث الحرب ومقتضياتها بل لابد ان تكون إستراتيجية الحرب مترابطة بإستراتيجية التنمية خاصة وان اغلب المحافظات يسودها الاستقرار ..
صحيح ان حركة الاقتصاد في معظم جزئياته تختلف بشكل كبير في ظروف الحرب عنها في ظروف الاستقرار الأمني فليس واقعيا إن يكون انجذاب الاستثمار للعمل والبلاد في حالة حرب لان هدف المستثمر الأجنبي وحتى الوطني هو تحقيق أقصى الإرباح ايا كانت النوايا المفترضة ولكن دراسة الواقع الاقتصادي دراسة تحليلية واقعية في اللحظة التاريخية الملموسة من قبل الاقتصاديين والمختصين في الشأن الاقتصادي يمكن ان تتوصل الى حلول لتحريك الاقتصاد الانطلاق من الخطط التنموية التي وضعتها رغم التحديات التي تجابهها ، ومنها على سبيل المثال الخطة الخماسية للأعوام 2013— 2017التي بنيت على فرضيات عدة ومنها خطة متوازنة مدعومة بقوة جذب أقطاب قطاعية ومكانية للنموالممنهج المعتمد على تغيير هوية الاقتصاد العراقي من اقتصاد ريعي الى اقتصاد انتاجي وعلى المدى البعيد وإرساء بيئة تمكينية بإتباع أسلوب حوكمة رشيدة وشفافة كبداية للدخول لمرحلة التنمية المستدامة واعتبار التشارك بين القطاعين العام والخاص من المفاعيل الأساسية في التنمية المستدامة واعتبار النمو المولد لفرص العمل فقرة أساسية في منهجية الاقتصاد من اجل التصدي للبطالة والفقر الذي وصلت نسبته الى أرقام قياسية لأتقل عن 35% اذا أخذنا بالاعتبار وصول نسبة النازحين الى ما يقارب 3 ملايين نازح . وان كان من الصعب الخوض في تفاصيل الخطة الخمسية في مقالة قصيرة ولكن من الممكن الإشارة الى الخطوط العامة في المنهاج الحكومي خلال الحرب ولكن بعد الحرب سيكون لكل حادث حديث ومنها :
•أثبتت التجارب العالمية وخاصة تجربة الحرب العالمي الثانية ان الدولة تلعب دورا أساسيا في إعادة أعمار البنى التحتية التي دمرتها الحرب بالإضافة الاستثمارات الخاصة محلية او أجنبية ويتعين في هذه الحال الابتعاد عن التشبث بالإيديولوجية التي تحاول إطراف دولية فرضها بدون اللجوء الى التحليل العقلاني لواقع الاقتصاد ومن هذا المنطلق يتوجب إعادة تأهيل الشركات الحكومية وتفعيل دورها في زيادة الإنتاج .
•الاهتمام بالقطاعات السلعية في القطاعين العام والخاص ورسم الخرائط المناسبة لزيادة دورها في الإنتاج المحلي الإجمالي وهذا لا يمنع من اعطاء اهتمام خاص بقطاع النفط والتخلي عن المبالغات في حجم الإنتاج من اجل الإبقاء على ريعية الاقتصاد وتحويل الايرادات النفطية الى تنمية القطاعات السلعية تحقيقا للتوازن في الاقتصاد وإعادة النظر في عقود التراخيص اخذا بنظر الاعتبار التغيرات التي تطرأ على أسواق النفط واشتراطاتها .
•العمل على التكامل بين القطاع الزراعي والقطاع الصناعي سبيلا لتنمية الصناعة التحويلية وسد الطلب المحلي من انتاج هذين القطاعات والانتقال التدريجي من البطاقة التموينية من خلال إنتاج متطلباتها في خطة منهجية تمول من تخصيصات البطاقة التموينية وصولا الى إلغاء البطاقة .
•وهذه التوجهات تشترط الياء اهتمام خاص بالإدارة الكفوءة عن طريق اختيار العناصر المهنية والكفوءة ذات الخبرات العالية بعيدا عن التوازنات الطائفية الاثنية التي جرت البلاد إلى تعاظم الفساد ونهب الموارد المالية وخلق طبقة طفيلية نهابة ووضعت البلاد في نهاية قائمة البلدان النزيهة .

الواقع النقدي العربي يسري في أوصاله الجمود

        حوار/ قاسم وداي الربيعي 
خيرة مباركي ..تونسيّة – جزائريّة ( من أب جزائري ) أستاذة حاصلة على الإجازة في اللغة والآداب العربية ..فنّانة تشكيليّة وناقدة .. النّقد الأدبي والتشكيلي.. ولها محاولات في الشّعر ..  فهي تكتب الشعر لكن بحذر شديد وسط أجواء متخمة بالشعراء ’ والحديث عنها يعني حديث يشمل كل هذه المجالات فهي تشكيلية مميزة ولها حضورها وهي ناقدة نشطة وقفت كثيرا عند العديد من الشعراء العرب فهي مميزة بأسلوبها الجميل الذي جعلها محط أنظار الكثير التقت معها المستقبل العراقي في حوار تناول أنشطتها وبداياتها وما تحاول الوصول إلية.. كانت البداية حيث الطفولة وأحلام الشباب وما كانت تروم الوصول إلية
_ البداية والمشروع الشعري 
انطلاقتي الفنّيّة التّشكيليّة حين أحسست برابط خفي وانجذاب للخطوط والألوان ..دخلت عالم الفن التشكيلي ومنه خضت العديد من المسابقات وتحصّلت على العديد من الجوائز الوطنيّة ..ثم كانت انطلاقتي مع المعارض رغم صغر سنّي وكنت في مرحلة الثانوية ..وترسّخ اهتمامي بالفن التشكيلي ضمن الأنشطة الجامعية وأحرزت على أوسمة شجعتني للمضي ولكنها السياسة .. جعلتني أختار الابتعاد لمدة طويلة ..أمّا الشعر والأدب فهو عشقي ولكن أقرأ ولا اكتب ..فقط بعض التجارب باللغة الإنجليزية .. ليقين بداخلي يراودني دوما أن الكتابة مسؤولية : إما أن تُبدع فتتفرّدَ أو تترك .. وهذا اليقين ترسّخ بفضل تجربتي مع تدريس عيون الأدب والشّعر وتلك العوالم التي يحلق فيها المبدع المتفرد ..لتكون تجربة النقد الأقرب إلى عقلي ووجداني ..حين أرتحل مع المتنبّي في فيافيه ومع ألشابي في فراديسه ودرويش في منافية ..والسّياب في غربته … حينئذ أدرك أنّي كيان يعانق مجاهيل الفن ويستعذب عنت البحث والتّقصّي ..
_كيف ترين الواقع النّقدي العربي الآن وسط هذا الزحام من النقاد والنقد
ما نلحظه في الواقع النّقدي العربي اليوم مشهدا باهتا يسري في أوصاله الجمود ويسطو عليه الفتور ..حثيثا متمهّلا ..لا يصل إلى مستوى حركة الأدب والشّعر ومراحل تطورهما رغم الحاجة الماسّة للنّقد والتّحليل والتّقويم كفاعل في تقوية الأدب وتطوير مناعته ..وهذا بيّن من خلال الكمّية الهائلة من الأدباء والشّعراء وأعمالهم الإبداعيّة مقابل النّتاج النّقديّ الشّحيح …هذا إلى جانب الافتقار إلى النّقد الأكاديمي الواعي بخفايا المُنتَج النّصّي ومجاهيله وبميول النّفس الشاعرة وبحركية الواقع إلى جانب قيم العبارة وثابت الأسلوب ..وفي غياب كل ذلك تعيش السّاحة الأدبيّة فوضى نقديّة ..بين نقد حرفي تكون فيه العملية النقدية مجرد إعادة لمعاني النص وبين نقد آلي يكون فيه صاحبه متأثّرا بالمناهج الغربيّة الوافدة أو التراثيّة الرافدة في كل ذلك يتحوّل الناقد إلى صدى صوت غيره وجهاز ناطق بمصطلحاته لتكون بمثابة التّسجيل الآلي الذي يخرج عن آليات النّص ليوشّحه بتواشيح مستعلية وكلام فوقانيّ لا يخدم النص الأصل …
_الرّسم أم النقّد شاغلك الأول؟ ومن تجدينه القريب إلى نفسكِ
الرسم عندي هو ذلك الشريان الذي يصل النبض ببقية الأعضاء حتى أحيا …هو واحتي الخصبة التي ألتجئ إليها لحظة الشعور بالحاجة إلى التنفيس عما يثقل الخاطر ..و البوابة التي تحملني إلى كل العوالم .. أما النقد فالممارسة وطبيعة عملي واختصاصي في الأدب تجعله من أهم اهتماماتي ..لذلك فكلاهما يشغل تفكيري وكلاهما موصول بالآخر في علاقة جدلية .. فأنا ألج بالرسم إلى عوالم لا متناهية وأستفيد منه في النقد وهذه الرؤى النقدية البعيدة وتحليقي في أكوان النص توسع أفق الانفتاح على فضاءات اللوحة ..وتجعلني أكثر سلاسة مع المادة اللونية والقماش .. وأهمّية كل منهما تولد أثناء لحظة شعورية تفرض ميلاد العمل التشكيلي أو النقدي .. وهذه اللحظة هي القادح في ميلاد العمل الفني .. كلاهما اللوحة والنص نتاج تأثر بملابسات وظروف خارجية إن كان للوحة أو النص الأصلي للمنتج النقدي ..لأن العمل النقدي وليد حالة انفعالية في مواجهة النص المقروء الذي يثيرنا فنتجه إليه بالدرس _ لمن ترسم ولمن تكتب المباركي وهذا الشعب العربي يضج بالموت والخراب ؟ ترى لمنْ الخطاب سيدتي
خيرة مباركي فنانة ولكن أكثر من ذلك إنسانة وما ترسمه أو تكتبه وليد هذه الثنائية ..أنا جزء من هذا الوطن وقد يكون وعيي كفنانة شاعرة بوطأة الواقع وبأن هذا الوطن عظيم ولكنه سقط من عليائه ، وهذا هو الوجع الأكثر ..قد لا يؤلمك وضع من تعود العيش تحت الوصاية بقدر ما يحز في نفسك من كان شامخا سامقا ويخر مغشيا عليه .. خيرة جزء من هذا الوطن ، من نسله ، موصولة بآهاته وأحزانه .. بآماله وتطلعاته هي تنتظر الفجر وترنو إلى الصباح ككل عربي ..لهذا تراها في لوحاتها أو كتاباتها تارة حزينة أو غاضبة .. وتارة عاشقة أو متبرمة من عشقها كلٌّ موصول بذلك الإنسان الكامن فيها ..والمحرك الأساسي للعملية الإبداعية هو الوعي أولا والشعور والإحساس ثانيا ..ليأتي بعدهما الخيال ..ولو عدنا إلى أعمالي الفنية التشكيلية خاصة سنجد ترجمة لكل ما يقع ويحدث مثل لوحات : الوطن .. على جدار الدم ..انتفاضة السّكين ..طفولة تائهة في المجهول ..سِفْر الخروج …شتاء الغلابة …الخ وأحيانا تكون اللوحة معبرة عن أكثر من موضوع وكل ينظر إليها بمنظاره وحالته الشعورية ووعيه بالواقع مثل لوحة “عيون تعزف الموعد “ التي تصور حالة ترقُّب مجهولة .. قد يكون ترقبا وجوديا يفصح عن رفض للواقع و رنوّ لانجلاء الغيوم 
_ كيف كانت المباركي تحاكي المرأة العربية في تجربتها الشعرية وفي الرسم ؟
من المعلوم أن المرأة العربية كان لها ولا يزال رصيدا ثقافيّا وفكريّا في جميع الأصعدة ..ولنا أمثلة كثيرة من كل الأقطار العربيّة حيث تربّعت العديد من العربيات على عرش الإبداع شأنها شأن الرّجل ..بل كان لهنّ دورا كبيرا في التغيير والنّهوض بالثقافة والأدب العربيين ..مثل نازك الملائكة وتميّزها في الشعر ومساهمتها الفعّالة في تطوير القصيدة العربيّة وفدوى طوقان وإصداراتها المتميّزة وعنبره سلاّم ألخالدي الكاتبة والمترجمة الروائية وهي أول من ترجم العمل الشهير “الإلياذة “ إلى العربيّة وغيرهنّ كثيرات ممن كان لهنّ الأثر البالغ في إثبات فاعليّة المرأة العربيّة ..من المؤكد أفتخر بهنّ وأعتبرهنّ القدوة لي في الفعل ونفي الجمود الذي طغى على المرأة العربية لعقود .. ولكن قناعتي شيء آخر .. لا أريد أن أكون إلا “أنا “ .. لي كياني الخاص والمستقل وأعمل وأنشئ صرحي كما أنشأت غيري صروحهنّ .. وإذا أردت أن أعرف تجربة شخص فلأنّي لا أريد أن أكرّرها أو أكون نسخة منها .. نريد أن تكون لنا أيضا صفحة من صفحات التّاريخ فيكون سبيلنا لمن بعدنا كسبيل من كان قبلنا فينا كما قال الجاحظ ..
_ أحيانا الفن صراخ الشّعوب هل لديك معارض عربيّة وعالميّة أم تونس هي وحدها من تسمع صراخك ؟
الفن فعلا صراخ الشّعوب ..والفنّان هو تلك القناة التي توصل الصوت ليعبّر عن نفسه أو محيطه .. بمعنى هو الكفيل لينقل معاناة الشعوب ويعبّر عنها .. قد نشكل ذلك في العمل الفنّي ولكن هذا العمل يتجاوز بؤرة الواقع الضيقة لينفتح على أبعاد إنسانيّة مطلقة ويصبح صراخ شعبٍ دويّا يثير كل الشعوب ويحرك نوازعها ..لذلك فالفن ينبغي أن يمتد صداه إلى كل الأقطار ولا يتقيّد بمكان أو زمان .. ولعله إيماني القويّ بضرورة الانفتاح على كل الأقطار العربيّة وغيرها حتى يرى المولود الإبداعي النورَ ..وتمرر الرّسالة إلى الجميع … فيكتشف الآخر صراخنا ويعي به ونحن نحتاج فعلا إلى مثل هذه المبادرات الثقافيّة حتى نتبادل التّجارب والخبرات ونتعلّم أكثر ويكون لنا فرصة أكبر للتّغيير والنهوض بالثقافة والمثقف .. لهذا أفكر في إقامة معارض خارج تونس.

بكم بيعت هذه الأرض؟

رانيا الجوري
بكم بيعت هذه الأرض؟
بعشر معاهدات مسروقة
انسلت بتكاسل
ابطئت في ارتمائها
أقبية الرعب المتعفنة.
أين يزرع الحديد فيها؟
في أحشاء الأطفال والرضع.
متى يتسلق النور كتلة الحقد هذه؟
عندما يرقص الربيع
في عين السلام
الطحلبية.

لـم نكن نعرف شيئاً

اسماعيل خضر
لم نكن نعرف شيئاً عن الكوابيس
إلا بعد أن رحلنا عن ديارنا
و صائد الاحلام 
يرقد تحت شجرة كاميليا
كنت أجهل بأن الاقنعة تسقط بسهولة
ادركت ذلك الآن
بعد الغزوة الأخيرة في شنكال
نحن هنا عابرون 
تتطاير الدخان من جهةٍ منكوبة
تقيأت الحرب علينا 
بعد وجبتها الدسمة من أجسادنا

سؤال العمق ورعب الزمن

      هيثم حسين 
 
يكاد البحث عن العمق يحتلّ صدارة الاهتمام لدى معظم المشتغلين في ميادين الأدب والفكر ومختلف الفنون السمعية والبصرية. يردّد البعض من الناس، وحتّى البعض من المتخصّصين في مجالات نقدية وفنّيّة، ما يقال عن أعمال معيّنة من أنّها مميّزة وجميلة لكنّها تفتقر إلى العمق، وقد يكون الاستدراك لإثبات المعرفة والقدرة على التمييز بين الأعمال وتقييمها بطريقة نقديّة، لكن ذاك الاستدراك الخالي من المعنى والهمّ والتدقيق والوعي نفسه أحياناً قد يتحوّل إلى معضلة لدى الآخر الذي يشكّ في قدراته وفنّه ونفسه.
لا يتعلق مفهوم العمق بهوس أو سؤال، وقد يتحوّل إلى معضلة حين يصرّ المرء على إقحامه في أعماله، وكأنّه مفهوم ملموس يمكن القبض عليه، أو دسّه بطريقة ما في المتون، ولربّما يكون من الأجدى أن تقوم آثار التجارب الحياتيّة والقراءات المتراكمة بإظهار نفسها بطريقة بسيطة من دون أيّ تكلّف، لأنّ السعي إلى التكلف يؤدي إلى النقيض، وقد يدفع الساعي إليه إلى فخاخ اليأس ومستنقعات الشكّ، فيفقد ثقته بنفسه وأعماله، ويضيع في مهبّ البحث عن وهم قد يودي به.
في قصّة له بعنوان “هوس العمق” يحكي الألماني باتريك زوسكيند كيف أن أوهام المرء قد تصور له العالم قبيحاً، خالياً من المعاني، عارياً في مواجهة ضياعه وقلقه وبحثه المحموم عن ذاته، وقد تغدو إشارات بسيطة منعطفات مهمة في حياته، فيذعن بعدها لنداء الهزيمة في روحه، ويقع في فخ اليأس والقلق والحيرة والضياع، ويغيب عن زمنه ومكانه، ويضيع في متاهته القاتلة التي تطبق عليه عبر تلك المشاعر السلبية التي تسكنه وتقوده. يصور صاحب رواية “العطر” الشهيرة مشاهد من حياة فنانة شابة يتغير مسارها من فنانة مقبلة على الحياة، منشغلة بعملها الفني، مبدعة، مميزة، إلى أخرى مهووسة بأقاويل الآخرين عنها، وفقدانها ثقتها بنفسها، ووقوعها بين براثن اليأس والخذلان، وارتهانها بسلطة الشك التي هيمنت عليها، وذلك كله بعد أن أبدى أحد النقاد رأياً في تجربتها وأعمالها في معرضها بالقول إنها لافتة، لكنها تفتقر إلى العمق. وذاك ما دفع الفنانة إلى الوقوع في مرحلة خطرة، فقدت كل شيء في بحثها عن العمق الذي أصبح وسواسها القهري وأدّى بها إلى الانتحار. سؤال العمق يستحضر سؤالاً آخر هو سؤال الزمن، إذ يشار عادة إلى أنّ الأعمال العميقة وحدها هي التي يكتب لها الصمود والخلود، ولكن ألا يكون الزمن نفسه نقطة هوس للكثير من الفلاسفة والمفكّرين والأدباء؟ ولعل تعبير القديس أوغسطين عن الزمن يلخّص جزءاً من الفهم الإشكاليّ للزمن أو”عدم فهمه”، وهو الذي يقول بما معناه إنّه يعرف ما هو الزمن إن لم يسأله أحد عنه، ولكن إذا ما سأله أحد عنه فإنّه لا يعرف كيف يفسّره. ربّما كذلك العمق، يعرف الأديب ما هو حين لا يسأله أحد عنه، وحين يُسأل عنه فإنّه يجهل كيف يعبّر عنه بكلمات أو صور.. وربّما ذاك هو أحد مفاتيح العمق والسرّ المفضي إليه.

«نجمة النمر الأبيض» رواية تعري الكائن العربي

تتحدث الرواية الأولى “نجمة النمر الأبيض”، للكاتب محمد هيبي عن الهم الفلسطيني من منظور شخصي وجمعي، من النكبة وما تلاها من نكبات وحكايات توالدت منها، كما يظهر ذلك من خلال تجربة محمد الأعفم، بطل الرواية الذي تسكنه المنارة ويحملها جيلا بعد جيل، وهو يتسلح بالأمل ويحلم بالعودة إلى المنارة التي شُرد منها آباؤه وأجداده قبل ولادته.
“نجمة النمر الأبيض” هي رواية النكبة كما ترسخت في تجارب جيل ما بعد النكبة وفي ذاكرته التي يقاتل من أجل حفظها وتحميلها للأجيال الفلسطينيّة القادمة لتعيش الحلم إلى أن يصبح الحلم حقيقة.
وقد جاء في تذييل الرواية، الصادرة على لسان الباحث إبراهيم طه من جامعة حيفا “لعلّي لا أعرف لماذا وثبت إلى ذهني قصّة زعبلاوي لنجيب محفوظ حين قرأت الرواية الأولى للدكتور محمد هيبي، نجمة النّمر الأبيض. الراوي في قصّة محفوظ يوقف حياته للبحث عن زعبلاوي، وهكذا يبدو محمد الأعفم في بحثه عن المنارة. السعي إليها يتحقق بالكتابة بلغة الروح والجسد والحلم والأمل والوعد. وهل يسعى الأعفم، وهيبي من ورائه، إلى المنارة أم هو يسعى للسعي؟ هل هو مغرم بالنهاية أم بالطريق على نحو ما فعله محفوظ؟ والبحث لا يستمر إلا إذا كان هناك أمل. والأمل يسطع في نور المنارة والنّمر الأبيض”.
ويتابع تحليله “ورغم هذا، حين تتعذر السكنى في الجغرافيا تسكن الجغرافيا في الأعفم مثلما يسكن زعبلاوي في الراوي بنفس القدر بالضّبط. وسكنى الجغرافيا في النّفس هو الطريق إلى سكنى النفس في الجغرافيا. ولأن الحقيقة تبدأ من الحلم، والحلم وعي، يصر الأعفم على أن يقيم المنارة في وعيه، في ذاكرته، حتى تُبنى وتتشكل فوق التراب. الآن أعرفك لماذا وثبت رائعة محفوظ إلى الذاكرة وأنا أقرأ رواية الهيبي!”.أما بسام فرنجية، أستاذ اللغة العربية وآدابها في كلية كليرمونت مكينا، كاليفورنيا، فقد ذيل الرواية بقوله “نجمة النمر الأبيض رواية نضالية بامتياز، تعرّي الانهزامية الفلسطينية والعربية. وهي صرخة للنّهوض من واقع الاستسلام، تكشف عن عمق المأساة والخديعة التي تعرضت لهما فلسطين وشعبها؛ غدر الأعداء والأشقاء”.
ويتساءل محمد هيبي “هل من إنسان عربي حر في هذه الصحراء المتهالكة من المحيط إلى الخليج، قادر على أن يسير على طريق المنارة؟ إنها رواية الهمّ الفلسطيني والضياع والذل الكبير، والإفلاس العربي والفلسطيني والعجز والخيانة”.لعل ذلك، كما تقدم، ما دفع ببطل الرواية، محمد الأعفم، إلى أن يتسلح بالأمل ويحلم بالعودة إلى منارته التي ترسخت في ذاكرته ليعيش الحلم إلى أن يصبح الحلم حقيقة.

المصرف العقاري: التقديم على القروض فاق خطة التسليف

         بغداد / المستقبل العراقي
كشفت ادارة المصرف العقاري، أمس الاثنين، عن تعليمات جديدة لضمان جدية المقترضين بتنفيذ التزاماتهم، وفيما اشارت الى تسلمها اكثر من عشرة آلاف طلب للقروض، اكدت ان التقديم فاق خطة التسليف التي تم اعدادها.
وقال مدير عام المصرف العقاري خضير عباس ان «مجلس الوزراء اصدر عدة تعليمات بشأن اقراض المواطنين من اجل زيادة الضمانات للتأكد من جدية المقترض بتنفيذ التزاماته»، مبيناً ان «المصرف تسلم عشرة آلاف ومئة طلب للحصول على قرض»، مبينا أن «هذه الطلبات تحتاج الى عشرين الف عملية كشف و50 الف ساعة تدقيق ما يتطلب وقتاً كبيراً لاكمال المعاملات وبعدها سيتم استئناف القرض».
ونقلت وكالة «المدى برس» عن عباس قوله، ان «المصرف اضاف شرطين هما اجازة البناء والكفيل للحصول على القرض بسبب كثرة المتقدمين ولزيادة الفلترة الخاصة بالمتقدمين»، مشيراً الى ان « المصرف حدد قرضه بـ20 مليون للناحية و30 مليون للقضاء و40 مليون لمركز المحافظة وهذه المبالغ تخضع لتقدير التسجيل العقاري».
 من جانبها، قالت مدير قسم الائتمان سهير عبد الحميد ان «العدد الهائل من المتقدمين فاق الخطة التسليفية، مما اضطرنا الى ايقاف الاستمارة الالكترونية الا في محافظات الديوانية وكركوك وبابل»، مبينة ان «ادارة المصرف تحاول تخصيص مبالغ اخرى لتلبية حاجة المواطنين للحصول على وحدات سكنية».
وأضافت عبد الحميد ان «خطة المصرف العقاري تتمثل بتوفير قروض قيمتها 834 مليار دينار وبعد استقطاع حصة الانبار ونينوى بعد تحرير المحافظتين فاصبح المبلغ 612 مليار دينار من ضمنها حاجة المشاريع الاستثمارية»، مطالبة بـ «زيادة الدعم للمصرف العقاري وصندوق الاسكان لتلبية حاجة المواطن لتذليل كافة العقبات في تأمين القروض».وكان مصدر في المصرف العقاري كشف أن إدارة المصرف قررت ايقاف معاملات منح القروض للمواطنين حتى إشعار آخر، فيما عزا السبب إلى «عدم وجود السيولة النقدية».