إذا كنت لا تستحي فأفعل ما تشاء
حديث شريف
بعد أكثر من سنتين من الحرب الكونية على سورية, تتبلور النتائج في الميدان العراقي, هجمة مسعورة من التفجيرات والمفخخات التي أثبت العراق بأنه أكبر من أن تعيق مسيرته تلك المواقف العابثة بأمنه بأحلام الصغار من هواة “صراع الهويات” الذي يعتبر المؤسس التاريخي له “ابن تيمية ” الذي أطلق شعار “عليهم السيف المسلول” وذلك في كتابه “منهاج السنة النبوية” أذكر ذلك تقريرا لما هو مختزن في تاريخ أتخذ منه الإرهاب التكفيري منهجا دون سواه, حتى لم يعد للقرآن منهج السماء, ولا سنة رسول الله “ص” من أثر في حياة هؤلاء الذين أستعادوا جاهلية شق الصدور والبطون, وقطع الرؤوس بأية وسيلة تقع بأيديهم غير آبهين بمعاني الرحمة التي هي عنوان الإيمان الذي صاغه الاسلام هداية في النفس ومعرفة في العقل الذي لا يغادر القلب حتى يجعل منه حاضنة للمحبة والمودة التي منها يتغذى النسل وبه تستأنس الجينات في رحلة قوامها كيمياء الدم والهورمونات ليتوازن الأداء الحركي في مختلف شؤون الحياة.
بعد أن هزم الإرهابيون التكفيريون من مدينة القصير السورية فجر يوم 5|6|2013 من قبل القوات السورية التي ظلت متماسكة رغم الحرب الكونية, مما جعلها محورا للدراسات والابحاث التي تسلط الضوء على مثل هذه الحالات من التماسك غير المتوقع, والاداء الملفت للنظر ايجابيا ومن المؤسف وهذا ما يحدث كل مرة أنه لم تكن من بين تلك المراكز البحثية ولا الدراسات الإستراتيجية, مركزا عربيا, أو دراسة عربية وإنما كانت مركزا ودراسات تعود لمؤسسات غربية ولكنها غير سائرة في ركب الأنظمة الأوربية الأمريكية التي أصبحت يقال عنها صاحبة الديمقراطية التلفيقية أو المزيفة كما يحلو لوزير خارجية تركيا أحمد داود أوغلو أن يسميها ولو بصورة غير جادة بعد اندلاع التظاهرات المناهضة لاوردغان في ساحة “تقسيم” والتي ستكون هي وما تمخضت عنه عملية طرد العصابات المسلحة من مدينة القصير السورية والتي كانت تحظى بدعم علني غير محدود من رئيس حكومة تركيا مما جعلته يتخطى كل حدود الدبلوماسية والقانون الدولي, بل وكل حدود الأخلاقيات الإسلامية والشرائع السماوية عندما راح يبني مخيمات لجوء للسوريين قبل اندلاع الأحداث في سورية بأسبوعين, مما يجعل النوايا المبيتة تبطل مقولة الإعلام المحرض على الفتنة في سورية والعراق والذي راح يمارس عملية غسيل دماغ مبرمجة عبر ما يسمى “شاهد عيان” وعبر المتحدثين بأسم “التنسيقيات” وعبر ” skype” ومن يتخذ من الغرف المظلمة سبيلا لتشويه الحقائق.
أن كل الضجيج الإعلامي المضلل والمفتعل عبر أكثر من سنتين والذي عمل على قاعدة: “أكذب, أكذب, حتى يصدقك الناس” فكانت مصطلحات مثل: ” الثورة” و “الانتفاضة” و “المعارضة” و “الجيش الحر” و “لواء التوحيد” و “جبهة النصرة” وكتيبة الفاروق” و “جيش الراشدين” وكتيبة أحرار الشام” و “دولة العراق الإسلامية” و “أحفاد ثورة العشرين” و ” أحفاد الرسول” كل هذه العناوين وشعاراتها التي دفعت من أجلها مليارات البترول التي توظف من أجل وجاهة بهاليل العائلة السعودية التي تسعى لمصادرة الزمان والمكان من العصر الإسلامي المصنوع بعناية كونية تجعل من ثلاثي “الإنسان والزمان والمكان” وحدة مترابطة تختزن كينونة فعل التغيير على هدي ما سطر في اللوح المحفوظ والكتاب المنشور الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها, وهذه معرفة أصبحت لا تستحضرها ذاكرة الذين ولغوا في دماء وأموال وأعراض الناس.
وهذه مدينة القصير السورية التي تحررت من عصابات القتل والهوس التكفيري الذي يتساوى عنده “تهديم المسجد” و “تخريب الكنيسة” وتشويه المستشفى” و “والعبث بالمدرسة” هذا فضلا على الغارة على بيوت المواطنين ونهب محتوياتها وهدم معالمها.
أن أول ما يطالع نظر المراقب لمدينة القصير بعد تحريرها من أسر العصابات المسلحة ومرتزقتها من الشيشان والافغان والتونسيين والأتراك والليبيين والمصريين وكل من قرأ أفكار أبن تيمية على طريقة أمراء الجهالة العابثين بأفكار المغررين من الذين أصبحت العوائل التونسية التي زارت دمشق بحثا عن أبنائها المغررين للقتال الجهادي في سورية والذي من كثرة موبقاته وانحرافه عن المعاني السامية للجهاد الاسلامي جعلت أحد المفتين في السعودية يسارع للقول: بأن الحرب في سورية ليست جهادا؟
وربما ترتد هذه الفتوى على العائلة السعودية المالكة لأنها هي من جعلت التبرع للجهاد في سورية شعارا يطرح على المعتمرين والحجاج لبيت الله الحرام, وهي ممارسة شاذة وبدعة جديدة تضاف لبدع العائلة السعودية التي جعلت من التعليمات التكفيرية للوهابية التي كتبت من قبل من لم يكن ضليعا بالفقه والرواية جريا على طريقة أبن تيمية الذي أستعجل الفتوى قبل أن يكون مؤهلا لها مما جعله يخالف مذهب أهل السنة والجماعة في خمسة عشر موقعا, ومع ذلك أطلق عليه “شيخ الاسلام أبن تيمية” من هنا تبدأ المفارقة المعرفية التي يرفضها العقل والمنطق والمنهج السليم.
ومن هنا تكون اتفاقية “الأجواء المفتوحة” التي وقعت أخيرا في السعودية مع أمريكا هي بداية مرحلة جديدة من الغزو التوراتي الصهيوني للأرض والفكر في المنطقة العربية الإسلامية, هذا الفكر الذي يريد أن تصبح إيران عدوا يحسب له ألف حساب في سبيل بعثرة وحدة الأمة الإسلامية, بينما يريد هذا الفكر أن تصبح إسرائيل صديقة دونها كل الصداقات تحظى بسلام مفروض كمن يريد أن يصور النسر حمامة, والأسد غزالا, ناسيا أن الطبائع لا تتغير, وطبع اليهود الصهاينة مجبول على الحقد والكراهية وشعاره يقول: “أحذر عندما يكون جارك عربيا”؟
كذلك طبع الإرهابيين التكفيريين معجون باللؤم والاثم لذلك هم يحقدون على الجميع لأنهم مسكونون بالشك والريبة وسوء الظن بآلاخر.
أن مدينة مثل القصير التي تحكي حزنها ومأساتها بعد أن عشش فيها الارهاب التكفيري لمدة تزيد على السنة من الزمان كانت تحت سطوتهم بعد أن أفرغوها من أهلها من المدنيين إلا العدد القليل, هذه المدينة لو كانت تحت أيادي أمينة ونفوس رحيمة لوجدت فيها الحدائق الجميلة والساحات الخضر, والشوارع النظيفة, والمستشفيات التي تنتظر المرضى, والمدارس التي تحتضن الطلبة, والمنازل العامرة بالكهرباء والماء, والأثاث, والمساجد والكنائس التي تنتظر المؤمنين, ولكن مدينة القصير المحررة من عصابات الإرهاب التكفيري خلت من كل تلك المظاهر الحضارية واللمسات الإنسانية, مما يعني أن الذين حلوا فيها هم جراد منهوم بإبادة الخضرة, ووحوش مسكونة بالافتراس, وحيوانات لا تعرف النظام والنظافة والذوق البشري, فهل هذه هي النماذج التي تفتخر بها ما يسمى بالمعارضة السورية, وهل هذه هي بضاعة الثورة ومظاهر الإصلاح وهي تخلو من معاني الثورة ومن مفاهيم الإصلاح.
هل يحق لأحد ممن يحترم عقله, وينتمي الى عصره, فضلا على الانتماء لمبادئ السماء وهي جليلة, ومبادئ الفلسفة والعقائد وهي محترمة, أو مبادئ شرعة حقوق الإنسان وهي مقدرة, أن يظل سادرا على قبول تلك التسميات “المعارضة “و “الثورة” في الحدث السوري دون أن يراجع نفسه بعد انكشاف الواقع بما لا يقبل الشك.
وهل يحق لأحد من يحلو له الكتابة احترافا أو هواية, أن يظل رهين الخنادق والكهوف التي لاتنتمي للثقافة الإنسانية, ولا للمعرفة البشرية التي أجتهد فيها كبار المفكرين من أمثال المعلم أرسطو, والاستاذ محمد باقر الصدر فيلسوف القرن العشرين الذي جعل صغار النفوس تغار من هذا المصطلح الذي أستحقه محمد باقر الصدر بجدارة.
أن تحرير مدينة القصير السورية حمل عنوانا عصريا يتجاوز جغرافية سايكس بيكو, عندما شارك حزب الله اللبناني المهدد وجوديا من قبل الارهاب التكفيري مع الجيش السوري في دحر قوى الظلام التكفيري العابر للحدود بدون حاجات الشعوب, وهذه الظاهرة الخطأ لم تلحظ خطورتها وتداعياتها التي ظهرت قبل غزو سورية والعراق, وتوسعت مظاهرها الطائشة بعد غزو سورية واحتلال مدينة “القصير” من قبل فلول الشيشان والافغان وغيرهم كثر من أيتام أبن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب, لذلك يحلو للبعض أن يخطأ حزب الله اللبناني عندما ينظر بعين واحدة, ولو نظروا بعينين لما اتهموا حزب الله اللبناني ولا المبادئ العقائدية التي ينطلق منها, كذلك لما اتهموا إيران وهي تحرص على أن يكون همها هما إسلاميا, ولا اتهموا روسيا الاتحادية وهي تعيش معترك المحاور بعين الوجود أو اللا وجود التي يقدرها من يعانيها على قول الشاعر: “لايدرك الهم إلا من يكابده”.أن مدينة القصير المدمرة تحكي قصة معارضة مطعون في وطنيتها, مثلما تحكي قصة غزو عدواني لا يمتلك مشروعا إنسانيا, وتحكي قصة ثورة مفتعلة لا صحة لها, أنها تحكي قصة الخيانة والغدر عندما يلبسان ثوب المكر والخديعة لإيقاع أكبر عدد من الضحايا, ويتركان الفقر والحرمان والتخلف شراكا يتخبط بها من خدع بمكرهما.