تجري الأحداث من حولنا بسرعة، يستثمرها من يعرف صناعتها. وها نحن عدنا مثلما كنا أطفالا او بدون معرفة: نختلف حول كروية الارض ونحسب ان الجبال جامدة. وحتى عندما قال لنا القرآن: “إنها تمر مر السحاب” لم نعمل تفكيرنا في الجاذبية ومصير الحركة الكونية
من لايعرف مصير الكون لا يكون شريكا في تحريك الاحداث حتى وان اخطأ النتائج ولكنه شارك في الفعل باتجاه المستقبل. وهذا النوع من التفكير “أي المشاركة في الفعل باتجاه المستقبل ” هو الذي يرسم سياسة المحاور الدولية اليوم.
فالقوم في الناتو اتفقوا على القاعدة التالية: ” لنا الطاقة وامن إسرائيل” ولكم مادون ذلك.
ومادون ذلك محكوم بإيقاع ماكر، وذلك الإيقاع الماكر هو: ” ترك خيار الحكم للسلفي الذي يحب “رقصة التنورة ” ويعشق مجالس الغيبوبة باسم الذكر ” وفي مصر شيء كثير من ذلك مما يجعل الإخوان المسلمين حيارى بين “رقصة التنورة وغيبوبتها” وبين انتحارية التكفيري الوهابي وجهاديته المفرغة من مفهوم الجهاد.
ولكن رغبة الوصول للحكم الذي حرموا منه لعقود طويلة جعلتهم ينزلوا على رغبة من يقول: ” لنا الطاقة وامن اسرائيل “.
ولذلك لم يعترض الاخوان المسلمون القادمون لحكم مصر على اتفاقية “كامب ديفيد”، وعدم الاعتراض هذا سرى بسرعة للتنظيمات المرتبطة بهم في الدول العربية والاسلامية ولاسيما الاجنحة العسكرية التي راح البعض منها يحنث بعهوده ومواثيقه السابقة وهو كمين اعد بمكر ومهارة سياسية لتوهين مصداقيتهم.
مثلما اعد كمين بالغ الخطورة في إيقاع تنظيم القاعدة في ممارسة هواية القتل في العراق حتى انهكت قوى تنظيم القاعدة وخسر اشهر قياداته في العراق مثلما خسر آماله في شعبية لم تتبلور ميدانيا رغم ما أغدق عليها من مال وتهويل إعلامي.
ثم استكمل الكمين في سورية حيث دار قتال شرس بين نظام يمتلك مبررات الدفاع الموضوعية محاطا بشعبية ترفع من رصيده القانوني رغم قساوة المعركة وآثارها على الشعب وبنيته التحتية التي دمرت بفعل رعونة وحماقة من زج في حرب مع الجيش السوري باسم الثورة والمعارضة التي فقدت مصداقيتها من الأيام الأولى التي كان يقف وراء تحريضها من عرف اعلاميا “بشاهد عيان” لم يتقن مهارة تقنيات التصوير للحدث الميداني مما اوقعه في الغش والادعاء فسقطت مصداقيته.
ثم تلاحقت ارقام فشل مصداقية المعارضة بوجود عناصر غير عراقية تنفذ عمليات تفجير ارهابية راح ضحيتها الآلاف من ابناء الشعب العراقي يقوم بها انتحاريون من الاردن مثل تفجير العيادات الشعبية في الحلة، وعمليات إرهابية أخرى القي القبض على منفذيها والمشتركين فيها وكانوا من السعودية وتونس ومصر وأفغانستان، واصبحت الصورة اكثر وضوحا وافتضاحا في سورية عندما قامت الجماعات المسلحة بحرق جثث القتلى من غير السوريين حتى لا تنكشف حقيقتهم وتتزيف دعاوى معارضتهم.
ثم كان الحدث الاعلامي القاتل للمعارضة السورية والذي لم يسلط عليه الاعلام ضوءا يستحق دلالاته وهو قيام القناة التلفزيونية الثانية الاسرائيلية ومراسلها “ايتان انغلي” باجراء مقابلة مع عنصر مسلح في ريف ادلب على الحدود السورية التركية وكان تصريح ذلك المسلح لمراسل القناة الاسرائيلية يتضمن خطأين قاتلين للمعارضة المسلحة السورية اولهما ان المراسل الاسرائيلي دخل الاراضي السورية من جهة تركيا اي بمساعدة من الحكومة التركية واستقبال من المعارضة السورية المسلحة وهذا خطأ ستراتيجي لا يغتفر عقائديا ووطنيا واخلاقيا، ثم يستكمل هذا الخطأ القاتل بقول ذلك المسلح: “إن شارون اذا صار ضد بشار الاسد فهو على الراس والعين”.
ويكاد يكون هذا التصريح فضيحة سياسية للمعارضة المسلحة السورية لا توازيها بقية الفضائح التي مارستها هذه المعارضة والتي تمثلت في كل من:
1- الاعتداء على مقام السيدة زينب في ريف دمشق.
2- الاعتداء على مستشفى يعالج فقراء الناس في منطقة الديابية.
3- الاعتداء بالقتل والنهب على العراقيين المقيمين في سورية لعشرات السنين.
4- الاعتداء على سكان مخيم اليرموك من الفلسطينيين وذلك بالقتل والتهجير والنهب، ومما يزيد من حماقة المعارضة السورية في الخارج ويكشف غباءها ما صرح به جورج صبرا الذي عين اخيرا في مؤتمر الدوحة من قبل الأمريكيين رئيسا للمجلس الوطني السوري، حيث صرح جرج صبرا حول احداث مخيم اليرموك قائلا: ان معركتنا لتحرير دمشق واسقاط النظام تبدا من مخيم اليرموك.
ولم يكن هذا هو التصريح الوحيد لجورج صبرا وانما هناك من تصريحاته ولاسيما في الأيام الاخيرة ومن على قناة الميادين حيث قال: لم يضرب مسيحي واحد كف من قبل المعارضة السورية. وهذا كلام باطل تكذبه الأحداث الميدانية لا يجرؤ على التصريح به الا رجل مغفل.
فأين رجل الدين المسيحي الذي اختطف وقتل في حلب وأين القرية المسيحية التي تقع بالقرب من الحدود السورية اللبنانية والتي اختطف منها “200” مواطن سوري مسيحي، ثم اين صارت تفجيرات القصاع في دمشق والتي راح ضحيتها العشرات من المسيحيين والمسلمين ثم تفجيرت جرمانا التي يسكنها غالبية من المسيحيين هذا ناهيك عن التفجيرات التي طالت بعض الكنائس المسيحية في سورية، فهل يعقل ان يكون جورج صبرا لا يدري بكل ذلك. ام انه ممنوع عليه أن يتحدث الا بمثل هذا الكلام الذي يريده أصحاب قاعدة “لنا الطاقة وامن إسرائيل” ولكم مادون ذلك ايها السلفيون والإرهابيون المغرمون بكرسي الحكم ولو على جماجم الناس.
ومما يوازي تصريح جورج صبرا من على قناة الميادين الفضائية، ما نقلته الفضائيات عن تصريح “أحمد معاذ الخطيب” الذي عين هو الآخر رئيسا للائتلاف الوطني السوري في اجتماع الدوحة وذلك بسبب موقف الولايات المتحدة الامريكية من “جبهة النصرة” واعتبارها منظمة ارهابية وسأبيّن للقارئ والمتابع سبب الموقف الأميركي هذا، ولكن بعد أن استعرض ما صرح به احمد معاذ الخطيب وهو محسوب على تنظيم الإخوان المسلمين في سورية والذي قال في تصريحه في اجتماع مراكش لمؤتمر ما يسمى بأصدقاء الشعب السوري وهو عنوان مضلل يأتي على قاعدة ” لنا الطاقة وامن اسرائيل ولكم مادون ذلك ” حيث طلب احمد معاذ الخطيب بخجل واستحياء ورجاء متعثر بالخيبة الحقيقة المفارقة لهوية الوطن ودماء الناس من ضحايا تفجيرات جبهة النصرة، ومضمون طلب احمد معاذ الخطيب هو مراجعة امريكا قرارها في اعتبار جبهة النصرة من المنظمات الارهابية.
وحقا من يستمع لتصريحات جورج صبرا واحمد معاذ الخطيب يكتشف مقدار خبث ودهاء من جلب هؤلاء الى واجهة المعارضة التي لم تستبقي حقا وطنيا لاهل سورية الا وفرطت به، فالدعوات الصريحة للتدخل الاجنبي والارتماء في احضان خدمة المشروع التوراتي من امراء قطر والسعودية وحكومة اوردغان التي خدعوها بوعود براقة في اتفاقية الدوحة السرية والتي نشرنا تفاصيلها في صحيفة المستقبل العراقي وفي كل المواقع والمدونات التي تأخذ عنا.
ولكن اوردغان ووزير خارجيته احمد داود اوغلو صاحب نظرية “صفر مشاكل” والتي انقلبت الى ” صفر استقرار ” فراحوا يستعينوا بصواريخ “الباتريوت” المسماة بالقبة الحديدية والتي لم تفلح بصد صواريخ غزة على تواضعها فكيف بها اذا اختلطت الأوراق كما يريدها صاحب مقولة ” لنا الطاقة وامن اسرائيل ” اذا استوجبت الظروف انطلاق صواريخ حزب الله صاحب طائرة الاستطلاع ” ايوب ” التي اخترقت المجال الأمني الاسرائيلي وصورت مفاعل ديمونا الذري.
او اذا انطلقت الصواريخ الإيرانية، او اذا استعمل صاروخ ” اسكندر ” المرعب الذي اصبح بحوزة الجيش السوري.
ان القرار الامريكي باعتبار جبهة النصرة تنظيما ارهابيا ينطوي على مضامين في الصراع على المنطقة والعالم لايفقهها من دخل سرادقات الحكم بدون مؤهلات، ومن اريد له ان يكون معارضا بالمقاولة والمساومة، وليس بالمقاومة والممانعة وهم بقية السيف.
ومن تلك المضامين:-
1- اعطاء شهادة تزكية واعتراف لبقية اطراف المعارضة المسلحة السورية
2- وبناء على ذلك ثم الاعتراف بالائتلاف الوطني السوري.
3- اعطاء اشارة الى ثأر أمريكي دفين تجاه جبهة النصرة لانها بالاصل تابعة لتنظيم دولة العراق الاسلامية الوهابية، وهذا الثأر يطال كل من تسبب بخسار او اذى للجانب الامريكي حيث كان الامريكيون في العراق يتابعون من كل من اعتدى على امريكي ويتركون من اعتدى على العراقيين ولو كان على مرأى ومسمع منهم وهذا ماعرفه العراقيون في احداث مثلث الموت في اللطيفية وجرف الصخر وحرف دجلة المتصل بالفلوجة. ومن هنا ينصب جام غضبهم على ايران من ايام احتجاز الرهائن في السفارة الامريكية بطهران وحادثة طبس، ثم غضبهم على حزب الله في لبنان من ايام تفجير مقر المارينز الامريكي وتهديدهم المباشر للامن الاسرائيلي.
4- اشاعة الخوف والرعب في صفوف الاحزاب والكتل وانظمة الحكم في المنطقة حتى لاتفكر في عدم الانصياع للارادة الأمريكية التي انتقلت من قاعدة اعطاء الضوء ” للقبيلة والحزب ” الى قاعدة جديدة اليوم هي استبدال القبيلة والحزب ” بالسلفي والوهابي التكفيري ” الذي يتظاهر بتطبيق الشريعة وهم لا يملكون مقومات تلبية حاجات الناس التي تنطلق من مقولة:” قبل ان تتفلسف يجب ان تعيش ” وقد سبق هذه المقولة تاسيس فكري عقائدي للامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام يقول فيه: “لولا الخبز لما صمنا ولا صلينا ولا ادينا الواجبات” وهو سبق فكري لمقولة الديالكتيك وصراع الطبقات بمفهومه المادي.
فمصر التي انتخبت محمد مرسي الإخواني ثم انقسمت عليه تجد نفسها اليوم تئن تحت وطأة الفقر والعوز تحاصرها الديون والحاجة لتوفير خبز الناس الذي لاينفع معه مواعيد صندوق النقد الدولي ولا منح السعودية وقطر التي يراد لها ان تدير شؤون مصر كما تريد هذه الانظمة لاكما يريد الشعب المصري.
ثم ان السباق الهامشي بين تركيا ومصر حول من يفوز ” رقصة المولوي التركية ” ام رقصة التنورة المصرية ” وكلاهما امتداد لفسلفة الصوفية واسترخائها التنويمي الذي لم يفق من غيبوبته منذ ان دعا ابن عربي لسكرة الروح واعقبها الخيام بسكرة الجمال التي حلقت مع قصائد سعدي الشيرازي:
الا يا ايها الساقي…… ادر كـأسا وناولها.
فلا الساقي توقف ولا المتناول افاق حتى غزتنا امم عرفت أخطاءنا قبل ان نعرفها واكتشفت ثرواتنا قبل ان نكتشفها فأصبحت مالكة لرقبة الانتاج والتصدير واصبحنا نتفرج ونكتفي بفتات ما تعطيه لنا شركاتهم ونقنع بما يقوله لنا خبراؤهم، حتى لا نصحو الا على مقولة من قال “انا رب الشويهة والبعير” وسباق الهجن من شواهد العجز البدوي تجاه سباق الفضاء ومنظومة الصواريخ العابرة للقارات، وأساليب الحرب الناعمة التي تدهمنا اليوم جولاتها على قاعدة:” الطاقة لنا وامن اسرائيل” ولكم حكم السلفية والوهابية ” وهو عقاب لهذه الأمة التي ضحكت من جهلها الأمم.
فالطاقة هي مصدر القوة، ونحن نسينا الخطاب القرآني صاحب السبق في ذلك النداء عندما قال: “واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ” واذا بنا نحول القوة الى الى سهام نوجهها الى صدورنا، يقتل بعضنا بعضا، نستحل الأعراض، وندمر الممتلكات، ونقتل المستقبل، ونعيش في كهوف الماضي لا نحرص الا على لحى طويلة سائبة ونلوك شعارات خالية من المضامين، لا تشبع جائعا وعندنا جياع كثر ولا تستر فقيرا محتاجا وعندنا منهم الكثير ولاترحم يتيما ولا تحشم ارملة ولا توقر شيخا وهم الغالبية عندنا، ولا تحترم مسجدا ولا دورا للعبادة وبذلك قطعت علاقتها بالسماء، وارتبطت باهل الارض من دعاة ” الطاقة لنا ” لأنهم عرفوا اي اولئك الدول سر الغلبة وذاقوا طعم النصر، وعرفوا من هو الخطر عليهم ومن هو الذي لايشكل خطرا عليهم فمدوا له يد الدهاء وموائد الاغراء.
وخططوا للذي يشكل عليهم خطرا بالاقصاء والمحاصرة والتشويه واستعملوا سياسة التشهير والتسقيط، وحصروا كل ذلك بمن هو مع منهج ” الانتظار ” الذي يختزن وعي التاريخ وفلسفة الكون كما فسره اينشتاين في مفهوم ” الكون الأحدب” ونظرية السفر في الزمان، ونظرية انبساط الوقت، وهي مفاهيم ورؤى تنتمي لعالم الكون المتدين ” وما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحيه الا امم امثالكم ” والتي يختصرها الخطاب القرآني المتكرر عبر سور المسبحات ” يسبح لله ما في السماوات وما في الارض “.
والذين غابوا عن هذه المفاهيم هم الذين أصبحوا اليوم سفراء لصاحب قاعدة ” الطاقة لنا ” منهم انظمة حكم ذليلة، ومنهم احزاب ضيعت بوصلة المسير، ومنهم جماعات هوى اصبحوا صرعى غوايات طائشة وبرامج بائسة وشعارات يائسة يتساوى في ذلك العلماني المتخم بالمادة والمتدين الذي لايملك من الدين الا قشرته فكان منهم الذي يقول: ” الشريعة قشرة والطريقة لب ” ومنهم من يقول ان محمدا “ص” هو ابن عبد المطلب وليس بن عبدالله. ومنهم من يقول: لا يوجد اقتصاد في الاسلام، ومنهم من انكر سورة الفيل ومنهم من سخر من الجنة، ومنهم من نسب القرآن الى غير عصره، ومنهم من عظم اللذة واتخذ من المتعة المادية الجسدية بديلا عن متع الروح، فاجتمع كل هؤلاء ليشكلوا طابورا يؤتمر بأوامر صاحب قاعدة ” الطاقة لنا ” وهو الذي جعل من حرب العراق مفتاحا لحروب الطاقة التي اعقبها حروب مايسمى بالربيع العربي والتي ترجمتها احداث سورية، حيث حان اشتباك المحاور الدولية التي اقتربت من ساعة الصفر، ولذلك بدا كل منهم يشحذ قواه ويهيا وسائله ويحرك اساطيله فهذه الصين للمرة الاولى تبحث عن الوصول الى البر والى شرق المتوسط وهذه روسيا الاتحادية تسارع بوارجها وسفنها الحربية الى موانئ طرطوس والاذقية وهذه ايران تحذر تركيا من صواريخ باتريوت، وهذه امريكا تعين وزيرا جديدا لخارجيتها وهو من منظري سياسة الحلول السلمية وهو ” جون كيري ” وقبل ذلك اقالت الجنرال بترايوس مدير ” السي اي اي ” الامريكية بأسباب ليست هي من اخلاقيات من يهنئ الزواج المثلي ويشجعه.
ان فقه السياسة الدولية يحتاج الى معرفة تفصيلية بمفاهيم العمل السياسي الذي يمتلك القدرة على فهم العالم من خلال فهم الكون واحداثه المسيرة بمرجعية واحدة ” كل إلينا راجعون” و”وان عدتم عدنا” و ” لخلق السماوات والارض اكبر من خلق الناس”.
ويبقى حيرة الناس مما يجري حولهم هذه الايام هو عدم معرفتهم بخيارات الدول الكبرى التي عرفت خياراتها في الامساك بالطاقة وامن اسرائيل وترك الحكم المحلي هذه المرة للسلفيين والوهابين حتى لاتستقر المنطقة، مثلما اعطوها في سايكس بيكو الأولى إلى حكم القبيلة والحزب فظلت المنطقة تغلي بالصراعات ولم تجن إلا التخلف.
رئيس مركز الدراسات والأبحاث الوطنية
ALITAMIMI5@yahoo.com