التصنيف: اقتصادي

  • حكومة الأغلبية أم حكومة الشراكة الوطنية..؟

    تبدو مخاضات العملية السياسية في العراق أنها تستهلك مبررات وجودها المحشور في نفق الاحتلال منذ أن قبل المدعون وليمة السيد بريمر مأخوذين بوهج المكان المسكون بسرقة حقوق الشعب العراقي ومصادرة حريته. كان المحتل عارفا بخفايا المكان ورمزيته، بينما كان المدعون مشغوفين بالمظهر والعناوين الجديدة التي تنتظرهم لذلك سهل على إدارة الاحتلال اصطيادهم ليصبحوا ممثلي زور على كل من:1- السيادة المصادرة 2- الوطنية غير المتحققة 3- الدستور الملغوم بالمخاطر الفاضحة وفي مقدمتها التقسيم من خلال إرساء ما يسمى بـ”المناطق المتنازع عليها” والتصويت على الدستور الذي أسس لولادة الديمقراطية الميتة بشهادة وفاة سميت “المحاصصة” 4- الانتخابات المخترقة بالتزوير الذي أصبح سهل المنال لأحزاب السلطة والصانعة للتعطيل من خلال بوسطة القائمة الانتخابية التي ترجمت بهلوانية الانتخابات منذ لحظة ولادتها برعاية الاحتلال الذي لم يكن سوى وصي على الفوضى. من جراء ذلك كله ظهر العرج والعوق في العمل السياسي لما بعد 2003 لذلك لم نشهد ولادة عملية سياسية حقيقية، ولم نشهد ظهور مشروع سياسي عراقي، حتى ان الاصوات الوطنية التي شخصت الخطأ مبكرا وحاولت التصحيح وجهت اليها التهم وامطرت بسيل من التحريض الذي وصل الى هدر الدم الذي سرب الى الحواشي التي اعدت للفتنة. والذين سخروا اعلام الحكومة والسلطة للترويج لمدعيات كل من :- 1- كتابة الدستور 2- اجراء الانتخابات 3- تأليف مفوضية الانتخابات 4- تشكيل حكومات سميت بمجلس الحكم ثم الحكومة المؤقتة ثم الحكومة الانتقالية ثم الحكومة التي تلتها والتي لم تكن دائمية الا بالاسم. 5- المصالحة الوطنية وحين انجلت الغبرة، ظهر ان تلك لم تكن سوى مدعيات فارغة لم تجلب للشعب العراقي سوى مزيد من المعاناة وضياع فرص البناء والتقدم. فلا الدستور الذي تفاخروا به هم متفقون عليه. ولا الانتخابات التي مدحوها اولا وجدوا انفسهم يطعنون بنزاهتها مما اضاع مصداقيتها ومصداقيتهم. ولا المفوضية التي بالغوا في امانتها ونزاهتها ثم عادوا ليطعنوا بها علنا ويحاكموها، وبذلك سجلت احزاب السلطة فشلا يمتد على كل مساحات العمل السياسي مصحوبا بفشل متفاقم النتائج على صعيد العمل الحزبي الخاص بكل واحد منهم. 

    والمصالحة الوطنية التي أهدرت من اجلها ملايين الدولارات من خلال زوار عمان ودمشق وبيروت والقاهرة ثم لندن والإمارات لم تتحول الى مشروع عمل تتواجد فيه الكفاءات والأرقام الوطنية التي لم تعد موجودة في أحزاب السلطة من كتلها الى حكوماتها التي لا يعرف بعض اعضائها تحرير امر إداري يكتسب احترام العاملين من الموظفين في مؤسسات الدولة. مثلما لا يعرف البعض منهم كيفية مواصلة تعليمه للحصول على الشهادة الجامعية وما فوقها دون ان يعرض نفسه للمساءلة القانونية اذ كيف يتسنى لمن هو عضو في مجلس النواب او الحكومة او مجالس المحافظات ان يسجل طالبا في الماجستير او الدكتوراه والسنة التحضيرية تتطلب حضورا يوميا. فهل ترك مثل هذا العضو حضور جلسات مجلس النواب ليحضر محاضرات السنة التحضيرية، وهذا تقصير في عمل وطني ائتمنه عليه الشعب. ام هل ظل مواظبا على حضور جلسات مجلس النواب واعمال لجانه ولم يحضر محاضرات السنة التحضيرية فكيف اجتازها وعبر الى سنة البحث التي تحتاج هي الاخرى جهدا مضنيا في المكتبة والتفرغ لكتابة الرسالة. نحن امام ظاهرة تسقيطية للافراد والاحزاب والحكومة والمشاريع الوطنية بسبب سلوك شخصي يسرق الدولة ويستغل المسؤولية للمنافع الشخصية والدول لا تبنى على هذا المستوى من التراجع من حسابات العقد الاجتماعي الذي يمنح الدولة قدرة وشرعية على اصدار القوانين ومنح الجنسية وشهادة الجنسية وجواز السفر ضمن السياقات الدولية المعمول بها لا كما ذهب البعض لإدخال الدولة في معمعة التكثير من اللغات في الوثائق الرسمية مما يحمل الدولة مزيدا من اعباء الكلفة المالية ومزيدا من الوقت في انجاز المعاملات التي تعمد الدول المتقدمة للتقليل منها واختصارها لصالح المواطن الذي يطمح الى الشعور بالدولة التي توفر له الراحة والضمان مثلما توفر له السيادة والاطمئنان. وغياب الرؤى التي تعطي الدولة وزنا في السياسة الدولية مثلما تعطيها قبولا ورضا داخليا ينعكس على زيادة انتاجية المواطن العراقي من خلال تعزيز التلاحم بين ابناء الوطن الواحد. 

    وهذا الغياب هو الذي جعل قائمة دولة القانون لم تحسن الخيار الدستوري عند ظهور نتائج الانتخابات عام 2010 فدخلت في مماطلة من اجل كرسي الحكم عبرت عن عدم خبرتها في الفقه الدستوري والفهم الوطني، وعملية ائتلافها مع اطراف اخرى من لون واحد عرف بالتحالف الوطني الذي ولد ضعيفا في سبيل الفوز بلقب القائمة الاكبر حتى يتسنى لها تشكيل الحكومة اوقعها في خطا سياسي كبير لازالت تعاني منه بل هو من اوصلها الى طريق مسدود اليوم وضيع عليها حتى فرصة تشكيل حكومة اغلبية كما صرح بذلك السيد نوري المالكي، ولو ان قائمة دولة القانون تركت الفرصة للقائمة العراقية لتشكيل الحكومة وفق السياق الدستوري لما استطاعت القائمة العراقية تحقيق الحصول على “163” صوتا في ذلك الظرف وبالتالي سيرجع التكليف لقائمة دولة القانون لتشكيل الحكومة ولما دخلنا في تلك المماحكة التي افسدت النفوس وادخلت البلاد في تشتت وضياع من نتائجه ما نحن فيه اليوم، ان الدعوة الى تشكيل حكومة اغلبية هي دعوة صحيحة لو ان العلاقة بين حزاب السلطة وكتلها حافظت على توازنها، ولكن والحال وصلت الى هذا التشرذم الذي لا يتفق على اصدارات القضاء، ولا يتوقف عند حدود المخاطر التي تهدد الوطن، وامثلتها اصبحت واضحة للعيان، فنحن بناء على ذلك مقبلون على عواصف سياسية لا يحمد عقباها، ومن هنا فقدت الشراكة مصداقيتها لوجود من يتحالف مع الإرهاب ضد الوطن ووجود من يبيع الوطن لأهوائه ورغباته التي عرفت بعض دول الجوار استثمارها، وعليه فلا حكومة الشراكة متحققة، ولا حكومة الأغلبية ممكنة من خلال هذا الطاقم الفاشل، ويبقى مفتاح الانتخابات بالقائمة الفردية سواء كان العراق دائرة واحدة وهو الأفضل او عدة دوائر بشرط خلوها من التزوير، حتى نحصل على كفاءات حقيقية من خلالها تبدأ عملية إعادة كتابة الدستور وتشكيل حكومة من خلال القائمة الأكثر فوزا بالانتخابات وهذه العملية هي الأخرى تحتاج الى مزيد من التروي والحكمة.

  • الديّة الشرعية.. والعرف العشائري

    كثر الحديث بشأن العرف العشائري في الدية الذي أصبح أي العرف العشائري هو البديل للدية الشرعية المقدرة في كتاب الله وسنة رسول الله “ص” حتى جاز لبعضهم أن يسموه “بالدية العشائرية” ويلاحظ أن الحديث يتشعب منطلقا من كمد وحزن وخسارة الضحية “المقتول” ولا سيما من جراء حوادث السير التي كثرت ومن جراء الخطأ في استعمال السلاح والأدوات الجارحة, ومع هذه الحوادث يقع كذلك القتل “العمد” وكل هذه الحوادث أصبحت تحسم بالحكم العشائري الذي يسمونه “العرف العشائري” ويسمونه “السانية العشائرية”.

    ومما أود التأكيد عليه هنا ونحن في بداية الحديث عن موضوع هام من مواضيع واهتمامات المجتمع العراقي الذي أصبح يؤثر في حياة ومستقبل الأولاد والأرامل الذين يتركهم القتيل لاسيما عندما يكون هو المعيل الوحيد للعائلة, أن هذه الإيقاعات تجري بحسن نية يتوخى القائمون عليها والمشاركون بها التوصل للصلح بين الطرفين الذين يهمهم امر “الدية” , ولكن كما سنرى ان هناك إجحافا بحق القتيل وذريته حيث اصبحت “الدية” لا تمثل الحكم الشرعي في مثل هذه الحوادث, وسنرى تفاصيل الحكم الشرعي في القصاص والديات والحدود والتعزيرات, حتى نضع في خدمة القراء والمتابعين شيئا من الثقافة القانونية بمعناها الشرعي في إطار حاجة الناس العصرية للتعامل مع حكم السماء. 

    ولقد سألني بعض رؤساء العشائر في مؤتمر عشائري عام 2004 ومنهم الشيخ حاتم نايف الجريان رحمه الله والشيخ ماجد عن صحة ما يقوم به رؤساء العشائر من تقدير الدية العشائرية بطلب من الناس في الوقائع والحوادث التي تتسبب في وفاة الأشخاص واغلبها تقع تحت عنوان “القتل غير العمد” الخطأ”.

    وقد اجبتهم في وقتها اذا اخذتم بنظر الاعتبار بيان الحكم الالهي في تقدير الدية التي سأذكرها مع بيان ما اعطي ولي الدم “ولي الأمر” من صلاحية اخذ كامل الدية او بعضا منها او العفو والتنازل عنها كليا برضاه فله ذلك لاسيما في القضايا التي تحدث للصبيان والاطفال الذين لم يتحملوا بعد مسؤولية عائلة.

    ثم قلت لهم ان اجريتم “السانية العشائرية” او العرف العشائري” بعنوان رضا ولي الأمر بعد تحديد نصاب الحكم الشرعي فلا اشكال في الأمر وعملكم صحيح ومبرا للذمة, أما اذا أجريتم ذلك على انه من تقديركم ورأيكم بناء على العرف العشائري دون ان تذكروا الحكم الشرعي ونصابه, فعملكم باطل وغير مقبول لأنكم بذلك تعطلون حكما من أحكام الله.  

    ونصاب الحكم الشرعي في كل من :

    1- القتل العمد:  مائة بعير من مسان الإبل, او مائتا بقرة, او مائتا حلة من برود اليمن, او ألف دينار شرعي, والدينار الشرعي ثلاثة أرباع مثقال الذهب ومثقال الذهب أربعة غرامات ونصف الى خمسة غرامات من الذهب, او عشرة آلاف درهم, وتستادى في سنة واحدة – شرائع الإسلام ج8 ص 273 – الشيخ ابي القاسم نجم الدين محمد بن الحسن الهذلي – المحقق الحلي –

    2-  دية شبه العمد: ثلاث وثلاثون بنتا لبون, وثلاث وثلاثون حقة واربع وثلاثون ثنية طروقة الفحل “البالغة” وتستادى في سنتين – شرائع الإسلام ج8 ص 274 –

    3- دية الخطأ: عشرون بنتا مخاض وعشرون ابنا لبونا, وثلاثون بنتا لبون, وثلاثون حقة, وتستادى في ثلاث سنين وهي على العاقلة ” أي العشيرة  – شرائع الإسلام ج8 ص 276 –

    ومن الضروري أن يعرف القراء أن القتل في الأحكام الفقهية التي استندت الى القران الكريم وقد اشرنا إليها في تسع آيات موزعة بين كل من سورة :

    1-  سورة البقرة

    2-  سورة النساء

    3-  سورة المائدة

    وكذلك استندت الى السنة النبوية التي ترجمت معاني القصاص والدية والحدود والتعزيرات ونصاب كل منها لان النص القرآني ذكر الحكم مجملا والسنة فصلته, كما في الصلاة, وكما في الصيام وفي الحج  والزكاة والخمس.

    والسنة النبوية  الشريفة هي التي قسمت القتل الى:

    1-  القتل العمد : وفيه القصاص

    2-  القتل شبه العمد

    3-  القتل الخطأ

    وسأستعرض الآيات القرآنية الكريمة التي تحدثت عن القصاص واعتبرت ان حكم الله في مثل هذه الحوادث هو الذي يجب ان يطبق مصداقا للعدل بين الناس وترجمة للأمانة التي كلف بها الجميع.

      “يا أيها الذين امنوا كتب عليكم القصاص في القتل الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف واداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب اليم” – 178- البقرة.

    “ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون” – 179- البقرة .

    “إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات الى اهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا” – 58- النساء .

    “فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما” – 65- النساء .

    “إنا أنزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اراك الله ولا تكن للخائنين خصيما” – 105- النساء  “يا أيها الذين امنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون” – 8- المائدة .

    “إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا والربانيون واحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون ” – 44- المائدة.

    “وكتبنا عليهم فيها ان النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الظالمون” – 45- المائدة .

    “وليحكم أهل الأنجيل بما انزل الله فيه ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الفاسقون” – 47- المائدة .  

    وبعد ان اطلعنا على سياق الآيات القرآنية الكريمة والتي عرفنا من خلالها ان من لم بما انزل الله يكون تحت المعاني التالية من المخالفة :

    1- الكفر بحكم الله تعالى

    2- الفسق عن حكم الله تعالى

    3- الظلم للنفس وللناس نتيجة عدم تطبيق ما أمر الله به من أحكام.

    ثم عرفنا أن الحكم بغير ما أمر الله به ليس فقط في مسائل الحكم بمعنى “السلطة” وانما بكل شيء ينتمي الى الحكم بين الأفراد في المسائل التي تخص شؤون حياتهم مثل التعيينات والترقيات والمكافآت وتوزيع الضرائب وتوزيع الثروة, وتقسيم الحصص المائية في المزارعة وحصص العلف للدواجن والمواشي ثم في قضايا القضاء بما يضمن العدل بين الناس. ومن العدل الذي دعت اليه الآيات القرآنية هو العدل والحكم الصحيح في القصاص والديات والحدود والتعزيرات.

    وما يهمنا هنا هو الحكم الشرعي في موضوع دية القتل غير العمد “الخطأ” الذي يكثر في حوادث السير, وفي اطلاق الرصاص العشوائي في مناسبات الأفراح مثل الزواج, والمناسبات الوطنية وفوز الفريق الرياضي في الألعاب الدولية.

    وقد بينا نصاب دية القتل الخطأ وغير العمد وهو اغلب ما يقع اليوم وتكثر حوادثه.

    ولقد نقل لنا أكثر من طرف ممن تعرضوا لفقدان من يتصل بهم بالرحم من الأبناء والاباء والاخوة الى حوادث القتل الخطأ كحوادث السيارات والاطلاق العشوائي للرصاص او سوء استعمال الآلات الجارحة مثل كل من :

    1-  السيف

    2-  الخنجر

    3-  السكين

    4-  بقية الآلات الجارحة

    5-  سوء استخدام المواد السامة

    6-  سوء استخدام الأدوية 

    7-  الجراحة الطبية وأخطاؤها

    8-  قصف الطيران الحربي خطأ

    9-  القصف المدفعي خطأ

    وقد يلاحظ البعض ان نصاب الدية في الإسلام مبالغ فيه ويسبب للجاني حرجا وإرهاقا ماليا ، وهذا الرأي مردود للأسباب التالية: 

    1-  إن دية القتل الخطأ تدفعها العاقلة وليس الجاني

    2-  أنها لا تدفع فورا كما يحدث وإنما على ثلاث سنوات

    3-   أنها مخففة في نصاب الإبل ففيها كل من :

    ا‌- عشرون بنتا مخاض

    ب‌- عشرون ابنا لبونا

    ت‌- ثلاثون بنتا مخاض

    ث‌- ثلاثون حقة

    بينما في القتل العمد كامل عدد الإبل المائة بالغة, وتدفع من قبل الجاني, ولمدة سنة واحدة.

    ثم أن الشريعة الإسلامية في قانونها هذا تراعي أمرين هما:

    1-  تشديد العقوبة حتى لا يستهين بها الناس

    2-  ضمان مصدر مالي للأطفال والأولاد غير البالغين والأرامل التي يتركها رب العائلة “المقتول”.

    ولنا أن نعرف أن الدية في العرف العشائري وصلت في بعض الحالات إلى مستويات معيبة لا تتناسب مع كرامة الإنسان حيث بلغت بعض الديات  كما اخبرني من حضر وقائعها إلى حدود ” مليون ونصف مليون دينار عراقي وهو مبلغ زهيد لا يساوي قيمة تكاليف “مجلس الفاتحة”.

    وسبب هذا التدني في نصاب الدية العشائرية هو كل من :

    1- الأعراف العشائرية وهي في اغلبها لا تأخذ بعين الاعتبار نصاب الدية الشرعية في القانون الإسلامي “فقه القصاص والديات”.

    2-  غلبة المحسوبيات والمنسوبيات على مجالس حسم نصاب دية القتيل, وهذه المحسوبيات تتمثل في كل من:

    ا‌- حضور بعض السادة الذين ينتمون بالنسب إلى أهل البيت عليهم السلام ثم الى رسول الله “ص” عن طريق فاطمة الزهراء , ورغم ان رسول الله قد قال : “آتوني بأعمالكم وليس بأنسابكم” الا ان طغيان هذه الظاهرة في المسائل الاجتماعية تأخذ مدى يتجاوز الحدود الشرعية أحيانا حتى وصل الأمر ببعض الأسر الى أن لا تزوج بناتها لغير السيد في عرفهم وهو حرام من الناحية الشرعية الإسلامية حيث قال رسول الله “ص”: ” إذا جاءكم من ترتضون دينه فزوجوه” ب – حضور بعض رؤساء العشائر وتدخلهم في التنقيص من  “الدية” معتبرين ذلك من باب الوجاهة لهم  بين الحاضرين ولو على حساب حق من يرث “المقتول”.

    ج – حضور بعض الوجهاء الذين يجلبهم أهل القاتل “الجاني” في سبيل التدخل لدى اهل “المقتول” للتنقيص من نصاب “الدية”

    التي قلنا نتيجة هذه التدخلات تصبح أحيانا لا تساوي تكاليف مصروفات ونفقات مجلس الفاتحة، وبهذه المناسبة لابد من القول أن مجالس الفواتح عموما يلاحظ عليها ما يلي :

    1-  ميل البعض إلى الإسراف بدون مبرر

    2-  يطغى على اغلب مجالس الفواتح الاهتمام بالجوانب المادية والمظاهر الشخصية دون الحرص على الجوانب الشرعية وما ينعكس على روح المتوفي.

    3- لا يبدو في الكثير من مجالس الفواتح احترام خصوصية الموت والميت, فقراءة القران لا يستمع لها, وينشغل الحاضرون بأحاديث الدنيا بحيث لا يصغون الى ما يقرأ من القرآن.   4- تصرف فيها أموال كثيرة ربما تكون عائلة المتوفى بأمس الحاجة لها وهذا هو الإنفاق غير المحبب والمرفوض والذي قالت عنه الآية القرآنية المباركة:  ” والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما” ومن الملاحظات التي نقدمها في هذا السياق هو أن الله تعالى الذي فرض هذا النصاب من الدية هو اعرف بخصوصيتها وفوائدها وأسرارها منا لأنه الأعلم بمستقبل ما يتركه الضحية  “المقتول” من عائلة فيها الصغار والأولاد والشباب والبنات وما ينتظرهم من حوادث ومتطلبات, ومن هذا المعنى لا يجوز الاعتراض على نصاب الدية الشرعية بملاكها التام . ثم لماذا لا ننظر في عصرنا هذا ما تأخذه الدول من أموال كتعويض عن قتلاهم كما جرى في حادثة “لوكربي” حيث اجبروا النظام الليبي في وقتها “أيام معمر القذافي” من دفع تعويضات لضحايا طائرة لوكربي “عشرة ملايين دولا للشخص الواحد”, وكذلك لو تذكرنا التعويضات التي فرضت على العراق بعد حادثة غزو الكويت وكيف بالغوا فيها مما جعل العراق يئن تحت الفصل السابع إلى الآن مع فاتورة ديون طويلة ومكلفة.   وفي نفس الوقت إذا تذكرنا كيف كان الأمريكيون أيام الاحتلال يعوضون ضحاياهم من العراقيين كما جرى في ضحايا ابناء مدينة “المحمودية” والذين دفع الأمريكيون تعويضا مهينا لعوائلهم قدره “2000  دولار للشخص لواحد.   اذكر هذه الحوادث والوقائع المؤلمة عما جرى للعراقيين من عدم عدالة وسوء معاملة تخل بكرامة الإنسان الذي هو أكرم ما في الوجود عند الله تعالى . والخلاصة نوصي جميع إخواننا وعشائرنا ومن يشاركون في مجالس الديات أن  تذكروا حكم الله في مثل هذه الحالات وان لا يجتهدوا بآرائهم الخاصة فيقعوا في الإثم والمخالف , ونذكرهم بالقاعدة الفقهية: ” لا اجتهاد في مقابل النص”.

  • إعصار ساندي «العبر والدلالات»

    للطبيعة لغة سعت رسالات السماء جاهدة لبيان أهمية لغة الطبيعة في حياة الناس ، لم يكترث كثير من الناس بلغة الطبيعة , لأنهم لم يعرفوا ترجمتها قال تعالى :

    “ أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين” – 19- البقرة. 

    وكانت للأمم والشعوب القديمة عبر التاريخ تجارب قاسية مع لغة الطبيعة لم تدخل في الدراسات التاريخية والاجتماعية, ولم يدرس التطور الاجتماعي بناء على مؤثرات لغة الطبيعة, وإنما درس على مؤثرات عرضية لا تثبت امام ارهاصات العقل ومدركات الحس  والتجربة التي لا تجد في النهاية إلا مرجعية واحدة هي مرجعية السماء التي افتتحت بياناتها قائلة :

    “ الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وانزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وانتم تعلمون” – 22- البقرة .

    “ يا أيها الناس اتقوا ربكم ان زلزلة الساعة شيء عظيم” – 1- الحج .

    “ يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد” – 2- الحج .

    وزيادة في التوضيح للناس جميعا كان الخطاب الآتي :

    “ أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآية لأولي النهى” – 128- طه .

    “ يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين” – 104- الأنبياء .

    ثم كان البيان السماوي في غاية التفصيل والتوضيح قال تعالى :

    “ افأمنتم ان يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا “ – 68- الإسراء .

    “ أم آمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا” – 69- الإسراء . وما يجري في اعصار ساندي قريب مما تحدثت عنه الآية الكريمة, فالقصف بالريح العاتية التي تجاوزت سرعتها “120” كيلو متر بالساعة مع تصاعد امواج البحر الهائجة مما يهدد عشرات المدن الأمريكية بالغرق , ولقد تم إجلاء “400000” الف من سكان نيويورك لوحدها مما جعل باراك اوباما يلغي نشاطاته الانتخابية , وبلغت كلفة الاضرار إلى الآن “20 “ مليار دولار.

    وقال تعالى :

    “ وكذلك اخذ ربك إذا اخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه اليم شديد” – 102- هود .

    على أن الظلم اليوم يسود اغلب الانظمة مع تفاوت في النسب, ولكن المواقع الجغرافية من حيث قربها وبعدها من اماكن الضغط الجوي وتبدلاته هي التي تكون اقرب للتأثر, ولكن هذا لا يعني ان البقية غير معرضة لما تتعرض له المناطق التي هي اقرب لمؤثرات الضغط الجوي والتبدل المناخي .

    فالموقع الذي حدث فيه تسونامي الاول هو للعبرة, ومازالت دلالات بركان ايزلندا غير منعكسة على اعلام وثقافة البلدان والشعوب التي تعرضت للغيمة البركانية التي شلت كل طيران اوربا وتسببت بخسائر مالية كبيرة جدا .

    وهؤلاء جميعا ينطبق عليهم قوله تعالى :-

    “ وما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز” – 74- الحج .

    فعلى الرغم من كل ما يحدث من حولنا من لغة الطبيعة التي وصلت في بعض الحالات وبعض المناطق الى حالة الزمجرة المخيفة, ولكننا لازلنا نستمع الى التهديدات الإسرائيلية المدعومة بالغطرسة الامريكية التي تستقوي اليوم بالطائرات بدون طيار ومعها القوة النووية وهي وسيلة البطش البشرية التي لا تقدر بشيء تجاه بطش الطبيعة وقوتها المدمرة التي لا تبقي ولا تذر .

    ان اعصار ساندي قد لا يدوم اكثر من يومين وقد تسبب بكل هذه الخسائر التي اصبحت دولة كبرى مثل امريكا حائرة لا تدري ماذا تفعل بمهجريها ومتضرريها وما هو المستقبل الذي ينتظر صناديق الضمان ودوائر الصحة , وماذا ستخلف بعد هذا الاعصار من مستجدات على مستوى الصحة النفسية وعلى مستوى ولادة اجيال جديدة من الجراثيم والفيروسات .

    ان اعصار ساندي ومن قبله كل من :

    1- اعصار تسونامي: الذي قتل ربع مليون انسان في لحظة واحدة

    2- بركان ايزلندا: الذي عطل رحلة الطيران الاوربي لأيام وراح المسافرون يفتشون عن وسائل اقل تطورا للسفر ولو امتد لأشهر لربما وصل الأمر بالناس لاستعانوا بوسائل بدائية وعندها لا يجدون في ذلك من غضاضة .

    ومن اعصار ساندي الذي يضرب شواطئ امريكا الشرقية الى ما سبقه من الاعاصير المدمرة التي وقفت التكنولوجية المعاصرة عاجزة امامه حيث ظهر لنا أن اكثر المتأثرين بذلك هو “الانترنيت” وما يرتبط به من تكنولوجيا تؤثر في مراكز صناعة الذرة والطيران ولاسيما الطائرات بدون طيار التي اصبحت بعض الدول تستعين بها لفرض جبروتها على الآخرين .هل لنا ونحن نعيش تحت وطأة الاعاصير التي هي بعض لغة الطبيعة وهي سلاح من أسلحة الطبيعة المسخرة لإرادة ربانية لازال الكثير من الناس سادرا بغفلته تحركه الطبلة وتدغدغ مخيلته شهوات مبتذلة عند سيقان وخصور وشفاه تنتظر الذبول والفناء الذي لا مفر منه .

    فإلى متى يبقى شعرنا لما هو فان ويبقى انشدادنا لما هو زائل, ويبقى هتافنا لما هو مضلل وغير صادق, ويبقى تصفيقنا على مدرجات لا تقوى على مواجهة قصف رعد, ولا قادرة على مواجهة موج غامر من الماء الذي يأتيها على غير موعد لا توقفه صفارة حكم المباراة ولا صيحات النادل في بارات لا تدري ماذا يحل بها ؟, ولا غنج الملاهي البائعة لابتذال الإباحية على الطريقة الغجرية المطرودة من رحمة الغفران بإصرارها على العصـيان في غواية الطائش من بني الإنسان ؟

    وهكذا يظل اعصار ساندي عبرة لنا جميعا لأن الكرة الأرضية هي بيتنا الذي اختاره لنا من خلقنا ونحن اليه راجعون , فهل يظل بعد ذلك عـــــندنا في العراق من يدافع بدون علم عن البارات والملاهي وهي الغواية المستمرة لتخدير العقل وتدمير الحضارة ؟.

  • مشكلة الرأي في المنطقة «العراق مثالاً»

    نعيش في العراق وفي المنطقة العربية مشكلة صناعة الرأي وهي من المشاكل المزمنة والمستعصية لطبيعة مولدات الثقافة التي تتصل بالعقيدة.

    والعقيدة لم تدرس عالميا بسياقات موضوعية ومازالت رهن المصالح والأهواء.

    ولكن ما غطى على ثغرات الثقافة في بعض جهات العالم وأطرافه هو الابتعاد عن الجانب العقائدي وتجنب الغوص فيه, والانشغال بالجانبين المادي والدنيوي والسعي لإصلاحه مما اكتسب رضا ظاهرا برغم وجود عيوب كبيرة وخطيرة ظن البعض بل الأكثرية أنهم غير معنيين بتلك الثغرات التي درجت ثقافة السلطة الزمنية أينما وجدت على التغاضي عنها ولم تدخلها في حساباتها فربحت هدنة زمنية , ولم تربح الحاضر المؤجل ولا المستقبل المنتظر.

    وذلك لخسارتها مفهوم العقيدة ببوصلة السماء التي لا يمكن معرفيا تجاوزها في إطار مدركات العقل التي تظل حاضرة حضور الحياة في مرحلتيها – الأولى والثانية – الدنيا – والآخرة –.

    ومن هذا المنطلق والمفهوم لا يمكن إلغاء “العقيدة” في وجدان الإنسان وتفكيره, ولكن يمكن تحويرها وتشويهها وهذا ما حدث قديما ويحدث الآن, ومقولة: “اجعل الآلهة إلها واحدا” هي من بناة العقول التي طغى عليها التراكم الوجودي المنشغل بالحس المادي المنفعل بالظواهر وغير الملتفت للبواطن التي تشكل مركزية مرجعية للإدراكات العقلية التي تقرأ الكون قراءة لا تنفك عن اللقاء الوجودي عبر مفهوم : الضوء والظلام, ومفهوم السعادة والشقاء, والحياة والموت.

    والذين رجعوا إلى ما ربط على قلوبهم من وضوح المشهد الوجودي الزاخر بالحيوية التي تشتهيها مدركات العقول كان حالهم هكذا “وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا شططا “ – 14- الكهف .

    فكان الرأي عند هؤلاء منسجماً مع مدركات العقل لذلك سجلوا موقفا تاريخيا عقائديا حقيقيا وصادقا, ودفعوا ضريبة قاسية من جراء ثباتهم على رأيهم .

    ومن الذين انتصروا لمدركات العقل في صناعة الرأي كل من :

    1- النبي الرسول نوح: “ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم “ – 76- الأنبياء –

    2-  إبراهيم النبي الرسول مؤسس مناسك الحج :” ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين “ – 51- الأنبياء –

    3-  النبي لوط :” ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث انهم كانوا قوم سوء فاسقين “ – 74- الأنبياء –

    4-  موسى النبي الرسول “ وهل أتاك حديث موسى “ – 9- طه- “ وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى “ 13- طه – “ ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون “ -43- القصص –

    5-  السحرة الذين آمنوا بالحق وأصبحوا من ضحايا الرأي “ فألقى السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى “ – 70- طه –

    6-  داود وابنه سليمان وهما من الأنبياء “ وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين “ – 78- الأنبياء –

    7-  بلقيس ملكة سبأ التي انتصرت لمدركات العقل السليم “ رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين “ -44- النمل –

    8-  النبي محمد خاتم الأنبياء والمرسلين مؤسس مشروع الرأي النهائي “ قل يا أيها الكافرون * لا اعبد ما تعبدون * لكم دينكم ولي دين * -1- 2- 6- الكافرون – “ لقد رأى من آيات ربه الكبرى “ – 18- النجم – “ لتنذر قوما ما انذر آباؤهم فهم غافلون “ – 6- يس – “ والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير “ – 31- فاطر – “ قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد “ – 46- سبا-  

    ومن هنا أصبح الرأي مبنيا على الملاحظة والتجربة التي تشكل مفردة مهمة تستقبلها المدركات العقلية فتضعها في البناء الفكري ليتكامل مشروع صناعة الرأي آخذا بنظر الاعتبار كل العوامل التي تسهم في تشكيل المشهد المرئي والمحسوس والمدرك .

    إن الإسقاطات التي تسربت إلى عملية صناعة الرأي من خلال كل من :-

    1-  عدم اعتماد الصدق والإخلاص في الرؤية

    2- تغليب المصالح الشخصية والفئوية

    3-  الابتعاد عن قواعد البرهان في استخلاص المعرفة والميل إلى المشاغبة والجدل مع تغليب الخطابة المسهبة بالشك والريبة

    4-  التهرب من أصل العقيدة ومرجعيتها ذات الحضور الكوني المقدر لله بمفهوم “ ذلك الدين القيم “

    ونتيجة لهذا الخلل البنيوي الذي أصاب صناعة الرأي وجدنا التشويش الحاصل على ذهنية الجمهور في المفاهيم التالية :-

    1-  مفهوم الدين والدولة

    2-  مفهوم الدين والسياسة

    3-  مفهوم المرأة والرجل

    4-  مفهوم الحقوق والحريات

    5-  مفهوم الفن والإبداع

    6- مفهوم الرياضة والكمالات الجسدية

    7-  مفهوم اللذة والمتعة 

    ومن هذا الالتباس في المفاهيم الكبرى تمدد الالتباس والتشويش إلى كل من :-

    1-  الوطنية والخيانة

    2-  الوطنية والقومية

    3-  الفدرالية والكونفدرالية والوحدة والسيادة

    4-  المقاومة والممانعة

    5-  الثورة والتغيير والإصلاح

    6-  الجهاد والإرهاب

    7-  الصديق والعدو

    ومن جراء ذلك التشويش أصبحنا لا نفرق بين الصديق والعدو وهو خلاصة التدمير المتعمد لمشروع صناعة الرأي, ولذلك نجد الانقسام في البرلمان والحكومة والأحزاب , بينما لا نجد هذا الانقسام في صفوف القاعدة الشعبية المغيبة, ومن هنا نجد التفجيرات الإرهابية تجتاح العراق والمنطقة مصحوبة بخطأ التبريرات, ونجد الفشل السياسي مصحوبا بانقسام الرأي مثلما نجد الفساد يجد فرصته بسوء الرأي الذي جعل الدولة يتيمة من الرعاية العقلية .

  • التنمية وملفات الفساد وفساد بعض ملفات الفساد

    في البدء لابد من القول : لا تنمية مع الفساد

    ولا خلاص من الفساد مع وجود بعض فساد ملفات الفساد  

    وهذا التمحل يجعلنا نستذكر قول الشاعر:

    بليت بأعور فازداد همي

                 فكيف إذا بليت بأعورين  

    والأعور الأول  هو ملفات الفساد , والأعور الثاني هو فساد بعض ملفات الفساد  

    والمثل الذي ينطبق علينا هنا هو وجود ظاهرة “حاميها حراميها” 

    والمعضلة هنا : من اختار هذا “ الحامي “ “ الحرامي “  

    هل هي صناديق الانتخاب  

    أم مكاتب الأحزاب  

     أم رؤساء الكتل  

    أم الجهات النافذة الأخرى  وهي على الشكل الآتي :

    1-  الحكومة

    2-  مجلس النواب

    3-  مجالس المحافظات والإقليم برئاسته وحكومته ومجلس نوابه

    4- الهيئات المستقلة

    هذه الحواضن أصبحت جاذبة للفساد وغير طاردة للفساد وللأسباب التالية :

    1-  سكوتها عن التزوير بل محاولة تشريع قانون يعفي المزورين

    2-  دفاعها عن الفاسدين من خلال تغطيتهم وفتح منافذ لهم للتسرب الى حقول الاستثمار مثل شركات , مقاولات , تعهدات , خطابات ضمان وصيرفة وعمولة . 

    3-  ونتيجة لذلك السكوت المريب , والدفاع غير البريء أصبح العراق مطوقا بشرنقة من العملاء تجوب دوائر الدولة. ومؤسساتها تفتح لها الحواجز والسيطرات بهويات تحمل لهيب الخطورة والامتياز المعزز بالسطوة التي تجعلها تدخل أي مكان تريد وتصل الى أي جهة ممنوع الوصل إليها .

    4-  وأصحاب الامتيازات هؤلاء أصبحوا أسماء مخيفة لا يقوى الوزير على رد طلبها, ويستقبلها وكيل الوزير بخضوع تام ويتلقى المدير العام تعليماتها طمعا بالرضا وعدم العقوبة  وينفذ المحافظ ما تريد, ويتبارى أعضاء مجالس المحافظات لاستقبالها , وأعضاء مجلس النواب لصحبتها في الزيارات خارج العراق, ولذلك كثرت مشاهد الاستضافات الفضائية للبعض من هؤلاء من خارج العراق حتى أصبحت عمان بؤرة انطلاق تتصل بالإمارات والسعودية والقاهرة ولندن وطهران ولا ننسى بعض الولايات الأمريكية فالبعد هنا ليس مشكلة لمن يمتلك “ الايفون 4 , 5 “ مع السيولة النقدية الجارية في كل البنوك والمصارف التي يتوزعها الإقليم والعالم, فأحد أبالسة البورصة والسمسرة الجديدة الذي يعمل من خلف موقع رئاسي سجلت له المكالمة التالية على الموبايل يقول فيها: “يقولون عندي مليارات من الدولارات  والله ما عندي غير مئة مليون دولار ؟! . 

    ونقل احد الذين كان مقربا من إحدى الرئاسات وابعد عنها قوله:

    “ان احد المقربين من موقع رئاسي والذي يمثله في بعض المناسبات قوله: أنا مفتاح الرئاسة الفلانية فكل ما تريدون لا يتحقق إلا من خلالي وعن طريقي” ولذلك تكدست عنده طلبات السماسرة والمقاولين والمستثمرين والميسورين من أصحاب الحاجات الملحة حتى عرف بالكذاب الأشر.  

    لهذه الأسباب خيم الفساد على الدولة والحكومة ومؤسساتها ولم تعد تنفع لجان المراقبة والنزاهة في مجلس النواب لأنها مخترقة ولم تنفع لجان أخرى لأنها تعاني من نفس العلل والأمراض, ولم تعد هيئة النزاهة إكمال مهمتها لوصول الداء إليها, ولم يعد القضاء قادرا على إتمام رسالته لوجود نفس الأعراض التي أصيبت بها بقية الجهات والهيئات والمؤسسات, وهناك معضلة للفساد مستعصية بحكم الحالة الأمنية وخصوصيتها ومن يمثلها ظل يرتع كما يريد ويصطاد من يريد من غنائم السرقة للمال العام سواء بالمشتريات التي لا تلاحقها إلا العين السحرية وهي غير موجودة عند البشر وتظل خائنة الأعين وما تخفي الصدور ليس باستطاعة القدرات البشرية المحدودة .

    إن عيونا لا تشبع من النظر لما حرم الله , وبطونا أدمنت أكل السحت لما تجد وتطلب مالا تجد وأصبحت من أهل القرار لا يؤتمن منها مال ولا عرض ولا دم يحلله الزائف من الشعار.  

    وان أيادي تطاولت وامتدت إلى مالا يجوز وهي لا تفرق بين الفتى والفتاة والعجوز, وتتخذ من فنادق بغداد ذات الخمس نجوم مأوى لها في آخر الليل حيث تقتنص الخلوات في البارات والملاهي المليئة بالحسناوات, هذه الأيادي لا يمكن ان تكون وصية على امن الناس لأنها تعمل على بوصلة الوسواس الخناس, وتهجر كل شيء في سبيل الإيناس, ولا تبالي أن أصاب البلد الخراب والإفلاس, فمدخراتها أصبحت في الخارج تعد بالأكداس . 

    لهذا فالتنمية في العراق متوقفة, ومشاريعها مؤجلة إلى أن يتخلص العراق من الفاسدين ومن ملفات الفساد ومن فساد بعض ملفات الفساد, ومن رقابة المفسدين, ومن خطب الذين اكتنزوا من وراء الفساد ووصلوا إلى ما وصلوا إليه من خنادق الفساد واعتلوا ظهر ما يقفون عليه بمستلزمات الفساد, وحجوا واعتمروا بطرق الفساد, وانتخبوا بمال الفساد, واستوزروا بعمولة الفساد, واستثمروا بربا الفساد, وتوضأوا بماء الفساد وتيمموا بتراب الفساد, وحلفوا بلغة الفساد واقسموا بنية الفساد وتعاهدوا على ولاية الفساد واخلصوا لائمة الفساد , واتبعوا رؤساء الفساد .

    هؤلاء جميعا لا يرتجى منهم حصاد لغلة تطعم العباد, وإنما يخشى منهم عواصف الرماد وهلاك العباد  وفضيحة الأوغاد

    فهم همزة الشيطان ووسوسة إبليس ورنة الخلخال في عسعسة الليل وجنة الظلام, وهواجس النفس التي لا تعرف الحلال والحرام كتلك الغانية اللعوب التي تقول: لا اشغل نفسي بالحلال والحرام, لأنها أصبحت كفاقد الشيء لا يعطيه.  

    او كناقر على الطبلة بين الطرشان , وموقد الشمعة بين العميان هذا حال المصلحين في وسط المفسدين والذين ران على قلوبهم فهم يعمهون, أو كالذين “سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون * ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم *”.

    ولنا من قدرة الله الفرج وعلينا بذل الإخلاص والطاعة فهي مفتاح تغير الجماعة.

  • سيكولوجية «التهمة والتشهير» في الاجتماع والسياسة العراقية

    تعيش الأطراف السياسية العراقية, ولاسيما أحزاب السلطة ومنذ تشكيل الحكومة بعد الانتخابات الأخيرة وتحديدا لعام 2010 تقاذفا للتهم وتبادلا للتشهير الذي يصل الى حد التسقيط, مما جعل المواطن العراقي يعيش في حيرة مما يجري بين الأحزاب والسياسيين, ومما زاد الطين بله تسابق الفضائيات والصحف لاحتضان ونشر غسيل التهم والتشهير من خلال الاستضافات التي ينقصها الاختيار الأفضل, ومن خلال نشر وترديد التهم والتشهير على أنها مقولات ومواقف جديرة بالمتابعة وهي ليست كذلك, وهذا المشهد الذي مضت عليه سنوات وتحديدا بعد 2003 أدى الى انخفاض منسوب النضج السياسي في العراق , ونتيجة لذلك نحاول وباختصار إلقاء الضوء على الخلفية السيكولوجية لهذه الظاهرة .

    تستقر في قعر الاجتماع العراقي ثنائية سلوكية غير محببة أخلاقيا ومرفوضة شرعا وتلك الثنائية هي :-

    1 – التهمة

    2- التشهير

    وللتهمة ترسب اجتماعي قديم في العراق ترجع أصولها الى الاختلافات في المواقف والرؤى وعلى رأسها: الاختلافات العقائدية التي كانت سببا للاختلافات السياسية التي تشظت الى سلطات زمنية تختزن الشك والريبة فيما بينها, ومن هنا أصبحت “ الملل والنحل “ موضع اهتمام المحققين والدارسين عبر تاريخ العراق وعاصمته بغداد المدينة الرئاسية لمدة خمسة قرون والتي لم تنصفها السياسة بفريق السلطة الزمنية بمقدار ما أنصفتها الثقافة بحوارات العقول الكبيرة التي بسطت هيمنتها في علم الفقه وعلم الكلام وجعلت من حواضر الكوفة والبصرة ينابيع وروافد لمائدة بغداد الثقافية التي ازدهرت بتلاميذ جعفر بن محمد الصادق حيث كان أبو حنيفة يستمع لصبي ابن ثماني سنوات هو موسى بن جعفر الكاظم ليأخذ منه مفردات علم البيئة ليقول: لو لم احصل إلا على هذا لاكتفيت ؟

    وفي الوقت الذي كان علي بن موسى الرضا تعقد له مجالس الحوار بأمر من المأمون , ليطأطئ  العلماء رؤوسهم قائلين: صدقت يا ابن رسول الله , كان في الجانب الآخر فريق يتحرق غيضا, فينشغل بصناعة التهمة, مما جعل والد بوران زوج المأمون يقول للمأمون في معرض سؤاله عما يريد من مكافأة لما صنع له من نثر اللؤلؤ والذهب على رأسه ليلة زفاف المأمون: أحفظ لي قلبك؟ اي من التهم والتحريض و التشهير الذي انتشر حسدا بين أعوان السلطة ووصلت تداعياته الى الكتاتيب وغرف الدرس التي لم ينضبط جميع طلابها بأخلاقية العلماء والحفاظ على أمانة العلم .

    ومن هنا رأينا كلما أوغلت السلطة الزمنية بالشدة والتنكيل كلما زاد المناوئون وكثر المتزلفون والمنافقون, وارتفع منسوب التهمة والتشهير تحريضا للحكام وتسقيطا للآخر سياسيا وعلميا .

    وظلت التهمة منذ العصر البابلي القديم المشحون بالاستقطاب والغزوات والأسر  “ أسرى اورشليم “ مرورا بالعصر الأموي ذي الهوية التمردية بالعصيان على الشرعية, والعصر العباسي الحافل بسيكولوجية الشك والريبة التي من جرائها يتهم الإمام أبو حنيفة بالموالاة للإمام جعفر بن محمد الصادق .

    ولم تفارق التهمة سلاطين بني عثمان, بل ازدادت وانتشرت في مكاتب الولاة والولايات, وكانت حصة بغداد منها كبيرة لمكانة بغداد التاريخية في نفوس الأتراك الذين يقول مثلهم الشعبي المعروف “ لا مدينة كبغداد “ .

    ان الحسد والغيرة يقفان وراء التهمة, وروح التشفي والانتقام تقف وراء التحريض والتشهير, وهذه جميعها تعشش اليوم في مكاتب الأحزاب التي لم تعرف جغرافية الاجتماع وطقوسه ولا مناخات السياسة وتقلباتها .

    فالاجتماع العراقي على مستوى الفرد والجماعة, وعلى مستوى الأسرة والمدرسة والجامعة والحوزة والمؤسسات الحكومية مستباح بالغيبة والنميمة المؤسسين للتهمة والمصدرين للتحريض والتشهير والراعيين للتشفي والانتقام, والحزبي والسياسي ورجل السلطة ورجل الحوزة والجامعة هم إفراز طبيعي لحاضنة اجتماعية تختزن في يومياتها التي تتوزع على العلاقات كل من :-

    1-  الغيبة

    2-  النميمة

    3-  التهمة

    4-  التشهير

    5-  التسقيط

    6-  التشفي

    7-  الانتقام

    وهذه أمراض سلوكية تقف ورائها نفوس مريضة تتخذ من شعارات الدين , والديمقراطية غطاء, وبذلك يتساوى العلماني مع المتدين, والليبرالي المادي مع الثيوقراطي .

    وعلى قاعدة “ فاقد الشيء لا يعطيه “ لذلك لا يمكن لأحزاب السلطة من عرب وأكراد وتركمان ووجودات عراقية أخرى, بالطريقة التي ظهرت فيها وبالآلية التي تمخضت عنها الانتخابات المطعون في مصداقية مفوضيتها من قبل أحزاب السلطة قبل غيرهم, والمشكوك في عذرية صندوقها الانتخابي وطلاسم المعلوماتية المسخرة بأيادي أجنبية غير حريصة على امن واستقرار العراق

    فان التراشق بالتهم بين أحزاب السلطة, وشيوع التشهير وسيلة للتسقيط , لم يكن وليد الخصومة السياسية اليوم, وإنما هو ترسب قديم واختزان لا شعوري استوطن ذاكرة البعض ممن حرموا من نعمة الدين الصحيح “ وهو “ الدين القيم “ و “ الدين المهيمن “ وحرموا من نعمة الأخلاق المظهر الحقيقي للتمدن والتحضر والوسيلة المثالية للتنمية البشرية في كل مجالاتها .

    وهذا التراشق بالتهم لم يتوقف عند أحزاب السلطة ومحازبي الكتل السياسية, لأنه موجود قبل ذلك في الأسواق وبين أرباب المهن وتجد له سوقا رائجة فيما يسمى بالأحياء الصناعية “ محال تصليح السيارات وبيع أدواتها الاحتياطية “ وهي مصادر تلوث البيئة العراقية ليس بمخلفات قطع الحديد والمعادن البالية وما يعلق بها من فضلات زيوت محروقة وتسرب بنزين ونفط, وإنما هي مصدر ملوث للأخلاق لاسيما للأحداث من صغار السن الذين يتسربون من المدارس الى هذه الأماكن باكرا مما يجعلهم صيدا رخيصا لأصحاب الشذوذ, مثلما أصبح حقل التعليقات في المدونات يعج بنفايات الكلام الذي لا يعرف أصحابه غير التراشق بالتهم والإكثار من التشهير والتسقيط باستعمال الألفاظ الطائفية التي لا تجد لها رصيدا عند أئمة المدارس الفقهية وأصحاب المذاهب .

    وهذا السيل من الانحدار التعبيري يتساوى فيه الجميع , والاستثناء قليل ونادر , وللتخلص من ثقافة التهمة والتحريض والتشهير نحتاج الى مشروع إحياء القيم , وهذا لا يتم الا بيقظة الضمير ؟

  • السـلاح أم الطعـام والسكــن « العـراق مثــالاً»

    دراسـة استدلالية 

    المقدمة :

    كثر الحديث عن صفقة الأسلحة التي عقدها السيد نوري المالكي رئيس الحكومة العراقية مع كل من  :-

     1- روسيا الاتحادية بقيمة ما يزيد على “ 4” مليارات دولار

    2-   جمهورية التشيك بقيمة “ مليار دولار”

    3-   وإذا أضفنا لها صفقة السلاح مع أمريكا بقيمة “ 12 “ مليار دولار

    يكون مجموع المبالغ المالية التي سوف تدفع لمشتريات السلاح “ 17 “ مليار دولار .

    ومن المعلوم أن هذه المبالغ لن تدفع فورا ولكن الخزينة العراقية بشخص وزارة المالية هي من تقوم بالدفع والتحويل للوزارات المعنية حسب أصول الصرف .

    ومن هنا تثار اعتراضات وهي محقة , ومفاد تلك الاعتراضات هو :-

     1-  هل نحن بحاجة لكل هذا السلاح.

    2- هل تمكنا من تغطية حاجة المواطن العراقي ونقلناه من حالة الفقر والعوز الى حالة الاكتفاء كبلد نفطي وارداته النفطية في تصاعد.

     3-  هل استكملنا قواعد البنى التحتية حتى ننتقل لقواعد البنى الفوقية.

     4-  هل تمكنا من سداد ما بذمتنا من ديون تركها بذمتنا النظام السابق مع أنظمة عربية    تبيت للعراق سوء النوايا.

    هذه الأسئلة وغيرها يحتج بها البعض تارة لنوايا ومواقف وطنية صادقة , وهي بحاجة الى حوار هادئ يأخذ بالحسبان حالة العراق الذي يعاني من تكالب يثير بوجهه الأزمات .

    وتارة تنطلق تلك الأسئلة من جهات وأطراف وأفراد لا يستحضرون إلا المشاكسة وإضعاف الحكومة بإثارة الفرقة والفتنة الطائفية ممن لم يضعوا وحدة العراق هدفا لهم , ولا قوة العراق تعنيهم .

    وهناك من يرى عكس ما يراه أصحاب الموقف الأول على تنوع خلفياتهم , فهو يرى :-

     1-  ان العراق دولة خرجت من حروب عبثية أنهكتها خارج اطار رغبة الشعب العراقي مما جردتها من كل مقومات القدرة الدفاعية لاي دولة .

    2- والعراق وقع تحت احتلال دمر دولته ومحا جيشه وحرمه من القدرة على التحكم بفضائه ومياهه وحدوده, ولابد للدولة العراقية من استعادة خصائص الدولة ومفهومها القانوني .

    ومع وجود مثل هذه التساؤلات في الساحة العراقية والتي لا يمكن التقليل من أهميتها ونحن نصبو إلى حالة من الديمقراطية جعلناها شعارا في دستورنا الذي نأمل إعادة النظر ببعض مواده – فعلينا أن نستمع إلى كل الآراء ووجهات النظر , وان يكون البرلمان محطة لطبخ وتنضيج الآراء لاسيما في القضايا التي تهم حياة الشعب العراقي ومستقبله, وعندما يجد البرلمان صعوبة في توفير الآراء المناسبة من داخله عليه الاستعانة بأهل الخبرة والمشورة من خارجه وهو أسلوب متبع لدى الدول المتقدمة حتى لا يكتب على نفسه عدم القدرة على تشخيص متطلبات الدولة والمرحلة كما حدث في موضوع “ البنى التحتية “ فالتهرب من مناقشة مثل هذه المسائل الحيوية هو فشل سياسي وتعارض مع المفهوم الانتخابي لتمثيل المواطنين يعرض النائب من الناحية الشرعية ومن الناحية الأخلاقية إلى المساءلة .

    ولحسم مثل هذه المواضيع لابد من معرفة استدلالية حتى نبقى في إطار العقل والمنطق وهي نعمة علينا ان لا نزهد بها , ومن اضاءات الاستدلال قوله تعالى : “ واعدوا لهم من قوة “ وهذه ليست دعوة لإثارة العداء , ولكنها تقرير واقعي لما يواجه العراق من تحديات أولها : الإرهاب الذي لابد له من ردع بالقوة , وثانيها تحديات المحيط والإقليم وحتى العالم الطامع بالثروة , والعراق يملك ثروة لابد من حمايتها يقول الشاعر :

    تعدوا الذئاب على من لا كلاب له

                  وتتقي مربض المستنفر الحامي.

    فشراء السلاح بهذا المفهوم أمر مقبول , لاسيما وان الجيش العراقي تركه الاحتلال بلا غطاء جوي .

    ومن الجانب الآخر وهو حاجة المواطنين للطعام والسكن : نجد الاستدلال حاضرا وشديد الحرص على كرامة الإنسان أولا : يقول النبي “ص” مما نقله عنه أهل البيت عليهم السلام : “ ما للبيوت يحرم على المساجد “.

    أي إذا كانت الناس لا تملك بيوتا للسكن , يجب بناء البيوت للناس أولا ثم يتم بعد ذلك بناء المساجد, ونحن اليوم نرى المعادلة معكوسة نبني كثيرا من المساجد الخالية من المصلين أحيانا ونترك الناس بلا سكن يحفظ كرامتهم, والدولة يجب ان تهتم بسكن المواطن وطعامه وتعليمه وصحته قبل كل شيء

    فإذا كان ما للبيت من مستلزمات تتقدم على المساجد ذات الأهمية القصوى في الإسلام , فإنها تتقدم بالضرورة على غيرها من ضروريات السلاح الا إذا كنا في معركة لا قدر الله فان السلاح يتقدم على بقية الضرورات, ومن هنا عندما أراد النبي “ص” تزويج علي بن أبي طالب من فاطمة منعه من ان يبيع سيفه وأمره ببيع درعه قائلا له : ان سيفك تذب به عن الإسلام.

    فنحن أمام ضرورتين هما :

    1-   الحرص على كرامة الناس بتوفير : “ الطعام والسكن والتعليم والصحة “ وهذه هي التنمية البشرية , وكرامة الإنسان عند الله أفضل من كرامة بيت الله “ مكة المكرمة “ قال تعالى “ وكرمنا بني ادم “

    2-  الدفاع عن الوطن : وهو دفاع عن العرض والكرامة

    والخلاصة : إذا كان الوطن مهددا بالاعتداء من قبل الأعداء فان شراء السلاح مقدم على الأشياء الأخرى قال الشاعر :

    يهون علينا أن تصاب جسومنا

                     وتسلم أعراض لنا وعقول

    وإذا لم يكن الوطن مهددا بالحروب والاعتداءات, فان حق المواطن في الطعام والسكن والتعليم والصحة مقدم على الأشياء الأخرى .

    وبما ان المواطن العراقي بحاجة ماسة للسكن ومستلزمات العيش الكريم فيجب ان تكون هذه الحاجات مقدمة على غيرها, ثم ان واردات العراق النفطية تجعله قادرا على تلبية الحاجتين ولكن ذلك يحتاج الى تخطيط سليم وأيادي أمينة, وبهذا الاستدلال نكون قد رسمنا حلا يرضي جميع المتحاورين نأمل من الحكومة ومجلس النواب الأخذ بهذا السياق من الحلول المبنية على المعرفة , والمعرفة خير .

  • جــعـجــع في جـــدة والمــلــك عــضــوض

    سمير جعجع المتهم بقتل رئيس وزراء لبنان الأسبق رشيد كرامي والذي تتذكره عوائل القتلى والمفقودين اللبنانيين, ويعرفون انه خرج من السجن بالعفو ضمن الصفقات المعروفة في لبنان وأخرها هروب أو تهريب ثلاثة سجناء من سجن رومية ينتمون إلى فتح الإسلام مسك احدهم من قبل السلطات السورية وقبض على ثان، ولازال الثالث غير معروف المصير مما حدا بفرع المعلومات المشرف على سجن رومية بأن يعلن هروب هؤلاء من السجن بعد أن لم يكن معروف هروبهم إلا عندما اجري تعداد عام للسجناء !.

    أن يلتقي سمير جعجع وسعد الحريري في جدة, يعني أن المضيّف هو المسؤول السعودي الذي يهتم بالملف اللبناني أكثر من اهتمامه بالشرقية من بلاد نجد والحجاز حيث القطيف والعوامية يسكنها أتباع مذهب أهل البيت الذين طهرهم الله, وقال عنهم رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، “لا تعلموهم فأنهم معلمون, ولا تتقدموا عليهم فتهلكوا ولا تتأخروا عنهم فتندموا”.

    المسؤول السعودي قدم قبل مدة وجيزة مبلغ “أربعة مليارات دولار” للحريري الذي سافر والده رفيق الحريري إلى السعودية وهو في العشرينات من عمره وابن عائلة فقيرة من صيدا فعمل في شركة المقاولات العامة السعودية التي اشتركت في تمويل المجاهدين في الحرب الأفغانية لتحريرها من الاتحاد السوفياتي بينما اخذ ريغان الرئيس الأمريكي الأسبق نصيحة مدير الاستخبارات الفرنسية حول كيفية تمويل الحرب الأفغانية.

    فأشار عليه رئيس المخابرات الفرنسية في ذلك الوقت، أن عليه بالحشيشة التي تشتهر بها افغانستان, فصفق ريغان فرحا على هذا الحل الذي يوفر تمويلا للحرب غير منظور.

    وكذلك اشتركت باكستان في تلك الحرب من خلال “بنك التجارة الدولي” وعندما انتهت الحرب وخرج الروس, انكشف المسرح عن اللاعبين, فما كان من رفيق الحريري إلا أن سارع بالرجوع إلى لبنان ومعه “أربعة مليارات من الدولارات” فاشترك في مؤتمر الطائف الذي كان مدخلا له للحياة السياسية اللبنانية عبر مؤتمر الطائف الذي عقد في السعودية, ومن هناك انطلق رفيق الحريري لفتح المشاريع وكسب الأعوان وعندما أصبح رئيسا للحكومة باشر بمشروع سوليدير التجاري الذي صنع للحريري مملكة تجارية في قلب بيروت, فأصبح الحريري يتحكم بالأغلبية للطائفة السنية الكريمة من خلال صندوق الانتخابات بعد أن جمع في قبضته مشروعا تجاريا ورئاسة الوزراء ومالا يشغل ويوظف آلاف الناس من أصحاب الحاجة في بلد يهاجر شبابه من اجل لقمة العيش.

    بهذه المواصفات اعتمدت السعودية على الحريري وأصبح الحريري رجلها الأول في لبنان, وعن طريق السعودية أصبح الحريري مرغوبا أمريكيا على قاعدة “صديق صديقي صديقي” وأقام الحريري صداقات مع الأوربيين, وكان المال عربونا ومفتاحا على قاعدة “إن الناس قد مالوا إلى من عنده مال” فتبرع لحملة جاك شيراك الفرنسي بمبلغ “25” مليون دولار.

    وعندما أراد الحريري التقرب من حزب الله العدو اللدود للكيان الصهيوني المحتل في فلسطين جاءه الغدر الصهيوني سريعا فتم اغتياله في 25 شباط عام 2005 لتوجه التهمة إلى النظام السوري ويحال الضباط الكبار الأربعة اللبنانيون وهم مقربون من النظام السوري إلى السجن من قبل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان, وبعد أربع سنوات تم إطلاق سراحهم لعدم ثبوت الأدلة التي أدلي بها فيما عرفوا لاحقا بشهود الزور.

    ثم تغيرت بوصلة الاتهام للنظام السوري وقام سعد الحريري بزيارة دمشق والتقى بالرئيس السوري بشار الأسد، ثم تحركت البوصلة باتجاه حزب الله ووجهت الاتهامات إلى أربعة من رجال المقاومة, كل ذلك في سبيل إبعاد الأنظار عن إسرائيل المتهم الأكثر واقعية لمن يريد البحث عن جريمة اغتيال الحريري في لبنان, وعندما قدم حزب الله شريطا مصورا للطيران الإسرائيلي الذي كان يراقب خط سير موكب الحريري في بيروت لم يكترث به احد لا من ورثة الحريري ولا من المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.

    ثم بدأ الضغط على حزب الله في لبنان من قبل أمريكا مستعينة بأدواتها من اللبنانيين وهم كل من:

    1-  حزب القوات اللبنانية برئاسة سمير جعجع

    2-  حزب الكتائب اللبنانية برئاسة أمين الجميل

    3-  حزب المستقبل اللبناني برئاسة سعد الحريري

    ثم التحق بهذا التجمع كل من:

    1-  الجماعة الإسلامية التي تنتسب لها جماعات سلفية وأخرى وهابية والتي أصبحت حاضنة لكل العصابات المسلحة التي تقاتل في سورية بدعم قطري سعودي واحتضان تركي ضد النظام بحجة الثورة السورية تلك الحجة التي ما عادت تنطلي على المعتدلين من أهل الخبرة والرأي فبدأت بعض الصحف الغربية تتحدث عن العصابات المسلحة حتى أمريكا بدأت تتخوف من وجود القاعدة التي تطغى على بقية الإطراف.

    2-  جماعات سلفية مدعومة من قطر والسعودية وظيفتها إثارة الفتنة الطائفية في لبنان ومحاربة حزب الله ومحاولة تشويه صورته وقد مثل هذه الجماعة الصغيرة “الشيخ احمد الأسير” الذي انتفض ضده شباب وبعض فعاليات صيدا.

    ولقد أريد لسمير جعجع كونه مسيحيا مارونيا أن ينافس العماد ميشال عون صاحب الشعبية الكبيرة في الوسط المسيحي والمتحالف مع حزب الله.

    ومن هنا يأتي الاهتمام السعودي بسمير جعجع لا لشيء إلا انه أصبح خصما لحزب الله الحزب اللبناني الوطني الذي حرر أرض الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي وكسر هيبة الجيش الإسرائيلي في عام 2006 والتي عرفت بحرب تموز.

    ومن غرائب الأمور أن سمير جعجع الذي كان معروفا هو وحزبه، حزب القوات اللبنانية بعمالته لإسرائيل وهو وجماعته من قاموا بمجزرة صبرا وشاتيلا, يأتي اليوم ليهاجم سلاح المقاومة حتى تفتح له أبواب السفارة الأمريكية وعملائها في المنطقة, ليكون سمير جعجع حليفا للسعودية وقطر وممتدحا للإخوان المسلمين نفاقا, ولذلك تم تضييفه في مدينة جدة في المملكة العربية السعودية بشخص خادم الحرمين الشريفين الذي ينأى بنفسه عن الحكومة العراقية لان رئيسها ينتمي لمذهب أهل البيت, ويحارب حزب الله ويجيش عليه الموتورين لأنه يحارب إسرائيل المحتلة لفلسطين.

    فهل من يقوم بهذه الأعمال ويستقبل سمير جعجع يستحق أن يسمى خادم الحرمين الشريفين ، أم أن هذا هو الملك العضوض؟. 

  • الربيع العربي والمفاهيم المغلوطة ولعبة الأمم

    كان المفكر الجزائري مالك بن نبي رحمه الله يقول بالقابلية للاستعمار، وذلك في تحليل الواقع العربي في تلك الأيام سواء في الجزائر أم في غيرها من المنطقة العربية والإسلامية. والقابلية على الاستعمار تعني في ما تعنيه: “التقليد” من قبل القابل وهو المنفعل المتأثر بدون وعي، وتعني “المصدر” وهو صاحب الخطة والفعل. مازالت منطقتنا تتمثل بالقابلية للاستعمار حتى أيامنا هذه برغم كل ما يقال عن الأفكار الإسلامية، والأفكار القومية، والأفكار الاشتراكية بصيغتها اليسارية، ثم افكار الموجات الثقافية مثل الوجودية والتقليعات التي صاحبت ظهور المسرح ذي الجذور الأوربية، ومدرسة الشعر الحر التي تزعمها ت. س إليوت وتأثر بها بعض المثقفين العرب 

    رئيس مركز الدراسات والأبحاث الوطنية

    ALITAMIMI5@yahoo.co

             فكان للأدباء العراقيين حضورا اخذ طابع الريادة من خلال مجموعة السياب – نازك الملائكة – عبد الوهاب البياتي.

    وما يسمى بالربيع العربي نقل إلينا كما نقلت رزمة المصطلحات والأفكار الغربية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وتلقفها من لم يكن رصيده الثقافي متوفرا على معرفة الأبعاد والخلفيات التي تقف وراء ذلك المصطلح أو تلك الأفكار.

    إن الفوضى الثقافية في المجتمع العربي هي البيئة الخصبة لنمو وانتشار الأفكار السياسية التي تحركها السفارات والقنصليات الأجنبية في المنطقة العربية والإسلامية.

    ماذا يعني ان يكون كادر السفارة الأمريكية في بغداد بحدود عشرين الف موظف من مختلف العناوين والمهمات؟

    ومثلما نقلت إلينا فكرة المدارس عبر المستر “جيب” في بداية القرن العشرين، وهي فكرة جيدة من حيث التأسيس التعليمي للمعرفة ولكنها مشروع للتغلغل في المنطقة ونشر الافكار التي تحمل مشاريع لا تنتمي للمنطقة الا من حيث الشكل الظاهري.

    ومثلما اصبح التعليم مشروعا للاختراق بدل ان يكون مشروعا للتنمية، ومثلما اصبحت الاذاعة والتلفاز والمسرح هو الآخر مشاريع للاختراق بدل ان تكون مشاريع لاستكمال الهوية.

    كذلك اصبحت الدولة والحكومة ظاهرة للانفصال عن المواطن وحاجاته وتطلعاته، لان مشروع الدولة في منطقتنا تحكمت به اجندات أجنبية منذ مايقرب من ثلاثمائة سنة، وهو تاريخ قدوم اولى جماعات الاستطلاع الأوربي التي شكلت لاحقا مشروع الاستعمار الأوربي الذي لعبت أدواره كل من:

    1- اسبانيا

    2- البرتغال

    3- بريطانيا التي سميت في تلك الأيام ببريطانيا العظمى

    4- فرنسا

    5- ألمانيا

    6- امريكا والتي لعبت الدور المهيمن منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية ومازالت الى اليوم بيدها مقاليد الأمور، يساعدها في ذلك كل من:-

    7- تقدم علمي في كل المجالات ولاسيما في الفضاء وبرنامج حرب النجوم هو من منطلقات مفهوم السيطرة على العالم.

    8- ثقافة مؤسساتية تعتمد على:-

    أ- ثقافة اجتماعية، فيها التعليم والصحة والغذاء

    ب‌- ثقافة سياسية

    ت‌- ثقافة أمنية

    ث‌- ثقافة اقتصادية: تقوم على التخطيط الذي يتخذ من البنوك والشركات الكبرى منطلقا للاستثمار.

    9- ثقافة تاريخية تعتمد الفهم التوراتي الذي يتبناه المسيحيون الصهاينة اتباع الكنيسة الانكلوكانية المتطرفة وهي التي يقوم بعض القساوسة المتطرفين فيها بالاستهانة بالقرآن الكريم والقس المدعو “تيري جونز” هو من اتباعها وهم لا ينتمون الى الفاتيكان.

    والاستعمار الجديد اليوم تمثله أمريكا وان لم تعلن ذلك مثلما كانت تفعل اسبانيا ثم البرتغال ثم بريطانيا التي أخذت شهرة الاستعمار واليها نسبت كل مظاهره.

    والذين يتحدثون في منطقتنا وفي العالم من دول وشعوب مغلوبة على امرها عن الاستعمار ينسون مفهوم: “تداول السلطة” وشروطه موضوعيا من حيث العوامل التالية:-

    1- وجود الهدف: الذي أصبح حاضرا عند الدول والشعوب التي تقدمت في مضمار كل من:-

    ا‌- الصناعة

    ب‌- السياسة

    ت‌- التعليم

    ث‌- الصحة

    2- التنظيم والتخطيط: وهو ميزة من ميزات الدول والشعوب المتقدمة، بينما بقيت شعوبنا العربية والمسلمة تفتقد في حياتها إلى ظاهرة “الهدفية في الحياة” وظاهرة “التنظيم والتخطيط” في حين ان ثقافة القران الكريم تقوم على “وتلك الايام نداولها بين الناس”.

    وظاهرة التداول بين الناس هي ظاهرة تداول “القوة ” و “الغلبة” بمعناها الانساني الحضاري من احكام السيطرة على الطبيعة وتذليل المصاعب امام الفرد والمجتمع بما يسرع من وتيرة التنمية والبناء وتحقيق الرفاهية والعدالة للجميع، وليس ان تستعمل “القوة” و” الغلبة ” للقهر وتسخير الاخرين وتهميشهم وسلب خيراتهم كما فعلت دول الاستعمار القديم والحديث، وكما فعلت امريكا في العراق حيث مسخت الدولة العراقية وصنعت لها الاعاقة والشلل الذين مازال العراق يعاني منهما وتركته يعاني من أغلال الفصل السابع التي تسلب السيادة وتربك التوازن لدى الدولة التي تصبح تحت بنود الفصل السابع وهو مفهوم من مفاهيم الاستعمار الجديد الذي وضع بمكر ودهاء في أروقة مجلس الامن الدولي، ليصبح تهديدا لما يسمى بالدول المارقة، ودعوات أمين عام الجامعة العربية نبيل العربي المتكررة لتطبيق بنود الفصل السابع على دولة عربية هي سورية تدل على مدى استلاب الهوية الوطنية والكرامة لدى من اصبح خاضعا لتنفيذ لعبة الامم واداة من ادوات الدول الكبرى التي تعتمد مفهوم المغالطات في كل من:-

    1- الديمقراطية وشعاراتها: حيث تسعى لديمقراطية ظاهرية في بلدانها ينخدع فيها الكثير، ولا يعرف عيوبها الا القليل ولذلك انتبه بعض رجالات ومفكري تلك الدول مثل امريكا وبريطانيا وفرنسا وكتبوا الكثير من الانتقادات للنظام الديمقراطي وللطريقة التي تعتمدها الدول التي ترفع شعار الديمقراطية والحرية ولكنها تطبقه بطريقة تنسجم مع مصالحها فقط ومن الامثلة على ذلك ماجرى للمفكر الفرنسي “غارودي” عندما انتقد سياسة التحيز لإسرائيل من خلال مايسمى بالعداء للسامية ومذبحة اليهود، وتبرئة اليهود من دم السيد المسيح، فما كان من الدولة الفرنسية الا ان اعتقلت ” غاودي ” ومنعت كتبه من التداول. وما حدث للسيدة “سوزان” الامريكية التي شغلت منصب معاون في مديرية استخبارات البنتاغون في عهد السيد جورج بوش الابن والتي اكتشفت مغالطات وعدوانية الحرب على العراق، فرفضت الخضوع لتلك المغالطات فكانت نتيجتها ان عزلت من منصبها واعتقلت لمدة خمس سنوات بدون محاكمة. كل ذلك وغيره الكثير مما يجري تحت شعار ” الديمقراطية “والحرية” و “وحقوق الإنسان”.

    2- حقوق الانسان: وهو الشعار الذي سقط في العراق.

    وما جرى في العراق من خلال الاحتلال الامريكي من تطبيق ديمقراطية مشوهة وغير حقيقية فرضت على الشعب العراقي حتى اصبح العمل السياسي في العراقي مشلولا ومشروع الحكم فاشلا، واحداث سجن ” ابو غريب ” في بغداد و”سجن بوكا” في البصرة هي من الشواهد العملية على بطلان مدعيات الديمقراطية وحقوق الإنسان.

    وعندما تسقط شعارات الديمقراطية وشعارات حقوق الانسان من قبل من يدعي بها ولاسيما امريكا وبريطانيا وفرنسا فان مفهوم المغالطة يصبح هو الاكثر حضورا فيما سمي بالربيع العربي الذي دغدغ أحلام الشباب في العالم العربي والإسلامي قبل غيرهم نتيجة كساد وترهل وفشل الأنظمة في المنطقة العربية والتي تتولى تلك الدول الكبرى رعايتها وتبيح لها استعمال السطوة على مواطنيها مادامت تلك الانظمة خاضعة وتابعة للسياسة الامريكية التي تعتمد على توفير الامن والامان للدويلة الصهيونية التي تحتل ارض فلسطين وتهجر شعبها، وما استعمالات الفيتو التي بلغت ستين فيتو من اجل عدم المساس بالدولة الاسرائيلية وتركها تلعب بمقدرات الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة على مزاجها الخاص ورغبتها المولعة بالاستيطان ومحو هوية المواطن الفلسطيني صاحب الحق بالارض، بينما نجد ان الدبلوماسية الامريكية بشخص وزيرة خارجيتها السيدة كلينتون وبشخص ممثلتها في الأمم المتحدة تعتبر أن الفيتو الروسي والصيني في مجلس الأمن الدولي ضد تمرير عقوبات على الدولة السورية هو مما يدعو للغثيان والاشمئزاز.

    وهنا تتجلى صورة المفاهيم المغلوطة من قبل صناع ما يسمى بالربيع العربي ولذلك تحول الربيع العربي وبسرعة الى صيف لاهب وشتاء قاحل وخريف لا يحمل الا الجفاف من خلال الأحداث التالية:

    1- نشوب صراع قبلي ليست له نهاية منظورة في ليبيا ومن معالم هذا الصراع القبلي الليبي الذي لم نكن نتمناه للشعب الليبي الذي عانى كثيرا وعلى مدى “42” عاما من حكم القذافي صاحب الكتاب الاخضر الذي يعتبر بدعة الافكار التخريبية ومثال الانحطاط الثقافي والهزيمة التاريخية للانظمة الاوليكارية الدكتاتورية، وهذا الكتاب قام مسؤول احد احزاب المعارضة العراقية في التسعينات بترجمته للغة الكردية وقدمه للقذافي تملقا وتزلفا فمنحه القذافي خمسة ملايين دولار أمريكي وهذا الرجل هو اليوم يحتل منصبا سياديا في الدولة العراقية التي حرص الاحتلال الأمريكي على تشويهها فاصبحت عاجزة عن حماية اجوائها ولا تعرف كيف تتعامل مع الطيران الذي يمر بسمائها، ولا تحسن ادارة التراخيص النفطية للشركات الأجنبية، وتخشى من الاقتراب مما سمي ظلما وزورا بالمناطق المتنازع عليها، وتبقى حدوها الشمالية مع تركيا نزهة للطيران التركي وملاذا لحزب العمال الكردي التركي “PKK” ولا تحسن التخطيط لمشاريع الاستثمار ولم تكتشف سر ولغز الكهرباء التي تحولت الى احجية من احاجي دهاليز السياسة المظلمة في العراق، كل ذلك حدث ويحدث من خلال المغالطة المتعمدة في مفهوم الاعمار والبناء والتنمية التي اشرفت عليها الولايات المتحدة الأميركية المدربة على استغلال سذاجة الشعوب وعدم نضجها الثقافي والسياسي في المجالات كافة.

    2- ارباك الحياة السياسية في تونس وأحداث مدينة ” سيدي بو زيد ” الاخيرة والتي قام سكان المدينة بطرد المحافظ المحسوب على الاحزاب السلفية التي وصل تطرفها الى ان يقوم راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة الاسلامية في تونس.

    3- العمل على افراغ الثورة المصرية والتي عرفت بثورة التحرير من محتواها من خلال اللعب على دور العسكر ودور الاحزاب السلفية والتي يتقدمها “الاخوان المسلمون” الذين لم يحسنوا ادارة التحرك الشعبي في لحظاته الاولى رغم خبرتهم وتاريخهم الجهادي الطويل ضد الانظمة في مصر، كل ذلك حدث في مصر من خلال سياسة المفاهيم المغلوطة لمن يقف خلف ما سمي بالربيع العربي الذي تلقفه البعض بدون وعي ومشى به البعض الاخر بدون خبرة، وشارك فيه البعض لغايات ومصالح شخصية مستغلين حاجة الشعب المصري للتغيير والحرية والكرامة السيادية التي سرقتها معاهدة “كامب ديفيد” لصالح إسرائيل والتي جعل منها صناع الربيع العربي شرطا لضمان الأمن الإسرائيلي، وعلى ضوء ذلك جرت الاتفاقات السرية مع أحزاب التيار الإسلامي في مصر والذين لم نكن نتمنى لهم أن يعرضوا تاريخهم الجهادي وثقافتهم العقائدية التي تنتمي الى شورى الحكم والسلطة والخلافة والدعوة والإرشاد من اجل الحصول على دور محدود في السلطة، وهو نفس الخطأ الذي وقعت فيه أحزاب التيار الإسلامي في العراق التي اصبحت تعرف بأحزاب السلطة، فلم تضمن السلطة بمعانيها الدستورية، ولم تحظ بقبول الناس مما جعلها تفتقد الشعبية الحقيقية التي استعاضت عنها بشعبية محدودة وانتهازية مسخت كل معاني الولاء والريادة التي يحققها مفهوم الشورى وولاية الأمر المبنية على قاعدة علمية تنتمي لبوصلة السماء صاحبة “الاصطفاء” الذي لا ترد خياراته عند أهل العقول واصحاب الفهم الذي تتميز به النفوس المطمئنة التي تعرف ربها أولا وتعرف مجتمعها ثانيا وتسخر خدمتها المجردة لصالح الناس فتختصر مفاهيم الشورى والديمقراطية في حزمة من العمل الذي تتجذر شعبيته بعيدا عن الادعاء والمغالطات كما يحدث اليوم فيما سمي بالربيع العربي المملوء بالمغالطات التي تشهد عليها محنة الشعب البحريني المسالم، ومحنة الشعب اليمني الذي ضيعوا انتفاضته الشعبية بتدخل الإرادات الخليجية المصنعة أميركيا والمرضية إسرائيليا بدليل دعوتهم الى دول المغرب والأردن الى الانضمام الى مجلس التعاون الخليجي وهي مفارقة تنظيمية وسياسية وجغرافية تجعل من حجم المغالطات ظاهرة متضخمة تنتظر الانفجار.

    4- العمل على جعل الدولة السورية التي تنتمي إلى محور الممانعة والمقاومة كبشا للفداء ومحورا لتجميع كل مغالطات مفاهيم الربيع العربي المستنسخة بإرادة أمريكية وبتحالف اوربي إسرائيلي وبتبعية لكل من:

    ا‌- حكومة اردوغان التي يعارض سياستها تجاه سورية 80|0 من الشعب التركي والتظاهرات التي عمت مدن انقرة واسطنبول وهاتاي، وغازي عين تاب هي من الشوهد على ذلك، والتي وصل سوء التقدير للموقف عندها الى ما يجري من تحشيد لقواتها على الحدود السورية ومن علائم فشلها في تبني ما يسمى بالجيش السوري الحر الذي تدفع رواتبه السعودية وتمده بالسلاح قطر عبر حكومة اردوغان وهؤلاء الثلاثي شكلوا مثلت المفاهيم المغلوطة في التحرر والديمقراطية، ويأتي في مقدمة من يقود المفاهيم المغلوطة امريكا وفرنسا وبريطانيا التي رشقت المحتجين في لندن بالرصاص المطاطي مثلما منعت فرنسا قيام تظاهرة للسوريين المقيمين في فرنسا لتأييد النظام السوري فهل هذه هي الديمقراطية التي يبشرون بها، ومثلها ما قامت به مجاميع المعارضة السورية في القاهرة من الهجوم على وفد المثقفين والصحفيين والفنانين السوري الى الجامعة العربية عندما هجموا عليهم بالعصي والحجارة فهل هذه هي ديمقراطية الربيع العربي. واخيرا ماصرح به هذه الايام بان كي مون امين عام الامم المتحدة في زيارته لفرنسا وظهوره في مؤتمر صحفي مع الرئيس الفرنسي هولاند والذي دعا فيه الحكومة السورية الى وقف اطلاق النار من جانب واحد. فهل يعقل ذلك. هذه هي بعض مغالطات مفاهيم الربيع العربي التي اشعلت الفتنة وتصر على عدم اخمادها لغايات هي تعرفها جيدا ويجهلها الكثير لاسيما المدفوعون بالحس الطائفي، والحكومة التركية اليوم يظهر عجزها في عدم قدرتها على استحصال اجماع دولي على دعمه وعدم قدرتها على توحيد المعارضة السورية، ويعود كل ذلك الى تبني حكومة اردوغان دعم التنظيمات الارهابية التي تضم مرتزقة من شتات لايجمعها مفهوم ومصداق الثورة السورية مثل المقاتلين من ليبيا وتونس والشيشان وأفغانستان ومصر والسعودية والاردن وتركيا كل هذا الخليط غير المتجانس والذي كان سببا في دمار احياء المدن السورية في حمص وحلب ودمشق وحماة وادلب ودير الزور ودرعا والمواطن السوري وحده الشاهد الحقيقي على مايحصل في سورية بينما تعمل دول صناعة مايسمى بالربيع العربي ومن معهم ممن خانتهم بوصلة الجهاد والنضال الحقيقي واستمرئوا الدعم الاجنبي الذي تختفي ورائه ارادات متكررة متفقة على تقسيم العالم العربي والاسلامي منذ مايزيد على ” 300 ” سنة ترجمتها معاهدة سايكس بيكو منذ قرن من الزمان ووعد بلفور الذي تم تحقيقه عام 1948 باحتلال فلسطين وتهجير ارضها، وحرب عام 1956 التي عرفت بحرب قناة السويس، وحرب عام 1967 التي عرفت بنكبة حزيران، ثم حرب مايسمى بتحرير الكويت والتي فتحت شروخا في جسم الامة وتشوهات في ثقافتها لما تندمل بعد، ثم حرب مايسمى زورا بتحرير العراق عام 2003 ثم جاءت الطامعة الكبرى بموجة التخريب العام والشامل فيما سمي بالربيع العربي وهو تضليل جديد وغطاء لاستكمال مخطط الشرق الاوسط الجديد والفوضى الخلاقة التي جعلت من لعبة الامم ممارسة مبنية على الدهاء والمكر لايعرف اسرارها الا من اوتي بصيرة ثاقبة وفهما عميقا للامور والأحداث لا يتأثر بالترسبات الطائفية التي اصبحت تمثل جيولوجيا بعض الافكار المتحجرة مثلما تمثل جغرافيا التصحر الثقافي والروحي الذي ما حل بأمة او شعب الا وجعله مسخا ونسيا منسيا وهذا ما يحدث اليوم في منطقتنا، حيث استطاعت لعبة الامم تحويل الربيع العربي الى سقيفة جديدة تشوه فيها الافكار وتعطل فيها العقول وتغير فيها الحقائق، وتستبدل فيها الارادات الى حيث تكون ارادة الشر هي الحاكمة، والا كيف تدمر الدولة العراقية بالاحتلال وتصنع لها بؤر سياسية فاسدة، وكيف تصبح مصر غير قادرة على حماية جنودها في سيناء الذين أصبحوا يغار عليهم من قبل مايسمى بالجماعات الاسلامية السلفية، وتفرض عليها إسرائيل عدم تحريك المعدات الثقيلة في سيناء، وكيف ولمصلحة من وبأي فهم سياسي يتحدث السيد محمد مرسي رئيس مصر المنتخب بالربيع العربي عن انه لا يهدأ له بال حتى يتحرر الشعب السوري ويسقط بشار الاسد، ونحن هنا لا ندافع عن بشار الاسد كما يحلو للبعض من محدودي الفهم السياسي، ولكننا نقول ان الشعب السوري لم يخول أحدا منا للحديث عنه ولكنه يطالبنا بالإنصاف وتقييم موقفه والنظر بتجرد الى ما يحل به، والشعب السوري له علماؤه ومفكروه الذين يتحدثون عنه مثل: الشيخ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رئيس رابطة اتحاد علماء بلاد الشام وامام الجماعة في المسجد الأموي في دمشق والمفكر الدكتور علي الشيعبي الذي كان ينتمي للاخوان المسلمين سابقا وانا كمراقب للحدث السوري ارجح رأي هؤلاء الاكثر علما وخبرة والاكثر حضورا في الوسط السني السوري ولا ارجح أقوال وتصريحات بعض المشايخ في الفضائيات المضللة المتحيزة ضد الشعب السوري إعلاميا وسياسيا اولا لقلة معرفتهم الفقهية وثانيا لتاريخ بعضهم المشوش ومما يساعدني في ذلك انني ارتبطت مع بعض الشرائح السورية بعلاقات اجتماعية تاريخية يوم كنت طبيبا شرعيا في مستشفى مدينة دوما من ضواحي دمشق وطبيبا في مديرية صحة دمشق احمل هوية رقمها ” 13″ في تسلسل اطباء مدينة دمشق، وارتبط بعلاقات اخوية مع بعض عوائل حمص ولذلك عندما تعرضوا لتدمير بيوتهم وتهجيرهم الاضطراري استضفتم في منزلي في العراق فهل يحق لاحد ان يساوم على علاقتنا وموقفنا من اهلنا في سورية، لذلك عندما نتحدث عن الحدث السوري نمتلك التفاصيل مثلما نمتلك المفردات العلمية في الفقه والرواية التي تنظر لما يقع من احداث وتعطيه التوجيه والتفسير الذي لايغادر حقائق الاشياء ولا يظلم الناس وينصف اصحاب المواقف المختلفة، وهذا مما لاتاخذ به لعبة الامم اليوم لاسيما فيما يسمى بالربيع العربي.

  • العراق والنقاهة السياسية والاستقطاب الدولي

    يشتد الاستقطاب الدولي هذه الأيام , وتؤجل اغلب القضايا الساخنة في المنطقة الى ما بعد الانتخابات الأمريكية .

    فهل هذا التأجيل من ضمن الاستقطاب الدولي ام لا ؟

    ان الدول التي تتاثر بالاستقطاب الدولي هي جميع الدول التي تقع في محاور دولية.

    والمحاور الدولية هي كل من :-

    1-  المحور الأمريكي – الأوربي وإسرائيل

    2-  محور دول البريكس

    3-  محور دول الممانعة والمقاومة – تتصدره ايران التي تعاني من حصار اقتصادي ادى الى تراجع القيمة الشرائية لعملتها ومعها سوريا التي تتعرض لهجمة يراد منها تفتيت الدولة السورية , وعملية التفتيت هذه اذا نجحت ستؤدي الى تغيير موازين القوى في المنطقة والعالم , وسيكون تأثيرها شديدا وسيئا على العراق الذي مازال في دور النقاهة السياسية التي لم يتعاف خلالها من تبعات ما مر به حصرا من تاريخ 22|9|1980 مرورا بأحداث اب 1990 ثم من عام 1991 وما تلاه من حصار اقتصادي رهيب ومدمر الى احداث عام 2003 واحتلاله من قبل امريكا والقوات متعددة الجنسية وإعدام الدولة العراقية التي كانت هي غاية وهدف الاحتلال الأمريكي .

    وبسبب كل تلك الأحداث اصبح العراق يعاني من عوق سياسي حيث وضع تحت الفصل السابع ولا يزال ؟

    وأصبح العراق يعاني من ترهل وفوضى اقتصادية , ولولا عائدات البترول التي اصبحت كجرعات مسكنة لأصبح العراق من الدول المنكوبة اقتصاديا والمنهارة سياسيا واجتماعيا وامنيا؟

    وعائدات البترول في العراق على ضخامتها لاسيما تلك الواعدة مستقبليا لم تستطع اخراج العراق من عوقه , وإنما جعلته كالمريض الذي يعيش حالة نقاهة غير حقيقية للأسباب التالية :-

    1-  بقاؤه تحت الفصل السابع : الذي يجعله كالطائر الذي يريد ان يطير فلا يستطيع بسبب ما وضع له من اثقال بجناحيه ؟

    2-  فساد الطبقة السياسية التي ادخلت في العمل السياسي ما بعد 2003 ؟

    3-  دستور معبأ بالثغرات القاتلة من امثلتها ما يسمى بالمناطق المتنازع عليها .

    4-  قانون انتخابات يقوم على “ القائمة “ وهي بدعة انتخابية لتشويه عدالة الانتخابات بصورة متعمدة .

    5-  اعتماد المحاصصة بين أحزاب السلطة التي أصبحت سببا حقيقيا للفساد المستشري في مؤسسات الدولة , والتي شكلت عائقا لولادة حكومة منتجة ودولة متوازنة تعمل للمستقبل

    هذه العوامل الخمسة هي التي كرست المرض العراقي وأخرت النقاهة العراقية بمعناها السياسي والاقتصادي والأمني والاجتماعي

    ومن هنا اصبحت كل نشاطات الحكومة ورئيسها تدور في فراغ حقيقي يعرفه اهل الخبرة والاختصاص , وتتلمسه عامة الناس فتعبر بضجر وعدم رضا وتذمر ولكن لا تعرف تفاصيل وعلل الأشياء الحقيقية وما يجري خلف الكواليس لذلك تظل حيرى يخدعها الإعلام تارة , وتسلب إرادتها في التحرك وتمنعه تارة اخرى الهجمات الإرهابية عبر ما يسمى بالخروقات الأمنية , وهي ليست خروقات أمنية بمقدار ما هي تصدع وهشاشة بنيوية في جسد الأجهزة الأمنية خطط لها ورسمت معالمها بمكر ودهاء من طرف وسذاجة وبلاهة من طرف اخر , فاستجمع الطرفان إنتاجا فاسدا منشغلا بنهمه ومراهقته ونزواته التي تعرفها فنادق ما يسمى الخمس نجوم في بغداد ومن هم روادها من أصحاب الزي الخاص والحمايات الخاصة المنشغلة بولعها المفرط بمفردات اللذة والمتعة بدون تسمية أنواعها مما يجرح الحياء العراقي ويوخز ضميره الذي لا تريد له الطبقة الانكشارية من يقظة ؟

    والانكشارية في العراق حاضرة بكل ارثها التاريخي , يشترك فيها الجميع والاستثناء قليل .

    وهذه الانكشارية هي التي تستبقي العراق في دوامة المرض والضياع وتمنع عنه نقاهته التي لم تصل الى المستوى المبشر بالشفاء .

    ولهذا فكل الاتفاقيات والمعاهدات التي يقال انها عقدت وانشغلت بها بعض الصحف وتحدثت عنها بعض الفضائيات التي تنصب كمينا متعمدا للتشويه والانحطاط عبر لقاءات يفوح منها روائح المخابرات والاستخبارات التي لاتنفك تحيك الفبركات وتستغفل الذين تستدرجهم الى استوديوهاتها ظنا منهم انهم اصبحوا محللين سياسيين او خبراء في ميادين لم تمارس فيها الخبرة ولم تتحقق وتفرز من خلالها نتيجة مقنعة سوى الادعاء والضجيج وقتل الوقت وإعطاء فرصة للفاسدين وطابور المخربين وفي مقدمتهم عصابات الإرهاب التي تتحرك بالكونترول الأمريكي وتدعي بشعارات لا تنتمي لبوصلة السماء ولا تنتج سوى الكراهية والحقد والتكفير الثالوث الذي اكتشفت فيه اسرائيل ضالتها فأعربت لحليفتها امريكا عن رضاها لتحقق امنا تحلم به فأوعزت امريكا لأدواتها في المنطقة بالتحرك لانجاز المهمة , ولهذا حوصر محور المقاومة والممانعة , لان المحاصرين وجدوا من صدا الطائفية ومن خزين الجهل والتخلف خير معين ومساعد لهم على تحقيق مآربهم , فاشتعلت نار الطائفية وتداعت بؤر العنصرية وهرعت غوغاء الجاهلية لترفض كل صوت وطني وكل شعار انساني وكل كلمة صادقة , مستعينة بشعارات مستهلكة وادعاءات مستفرغة من كل محتوى ينفع هذه الأمة .ولهذا اصبح المرض مزمنا ولم يعد للنقاهة من بارقة أمل ما لم تستأصل اسباب المرض بعد تشخيصها , والا سيبقى كل ما يقال حبرا على ورق كما حدث لما يسمى بورقة الإصلاح , او لما يسمى باجتماعات يقال عنها متنقلة هنا وهناك وسمعنا جعجعة ولم نر طحينا ؟

    وسيبقى كل ما قيل عن اتفاقيات مع اليابان والصين وكوريا والمانيا واليوم مع روسيا ومن قبلها مع امريكا صاحبة ما يسمى بالاتفاقيات الستراتيجية التي هي الاخرى لم نر منها شيئا سوى الوعيد والمماطلة بطائرات الفانتوم التي حسدنا عليها البعض وغار منها البعض وحقد علينا منها بعض آخر ؟

    كل ذلك سيبقى حبرا على ورق ما لم يأتلف الصف العراقي ويمنع كل التعاطي المشبوه حول مصيره وموقعه من لعبة المحاور والاستقطابات التي لا يكون للعراق فيها حضور يتناسب مع ثقله الاقتصادي الواعد مثلما يتناسب مع وزنه التاريخي وموقعه الجيوسياسي .

    وتوحد الصف العراقي لا يكون حقيقة ظاهرة للعيان ما لم تسقط الحسابات الطائفية والفئوية وما لم ينتمي من يشغل المواقع الرئاسية الى وحدة العراق وهوية الوطن والمواطن , وان لا يظل البعض منهم امينا عاما لحزبه , وانما رئيسا للجمهورية او رئيسا للحكومة متفرغا للمهمة التي ائتمنها الشعب عليها طيلة المدة المقررة دستوريا .