تبدو مخاضات العملية السياسية في العراق أنها تستهلك مبررات وجودها المحشور في نفق الاحتلال منذ أن قبل المدعون وليمة السيد بريمر مأخوذين بوهج المكان المسكون بسرقة حقوق الشعب العراقي ومصادرة حريته. كان المحتل عارفا بخفايا المكان ورمزيته، بينما كان المدعون مشغوفين بالمظهر والعناوين الجديدة التي تنتظرهم لذلك سهل على إدارة الاحتلال اصطيادهم ليصبحوا ممثلي زور على كل من:1- السيادة المصادرة 2- الوطنية غير المتحققة 3- الدستور الملغوم بالمخاطر الفاضحة وفي مقدمتها التقسيم من خلال إرساء ما يسمى بـ”المناطق المتنازع عليها” والتصويت على الدستور الذي أسس لولادة الديمقراطية الميتة بشهادة وفاة سميت “المحاصصة” 4- الانتخابات المخترقة بالتزوير الذي أصبح سهل المنال لأحزاب السلطة والصانعة للتعطيل من خلال بوسطة القائمة الانتخابية التي ترجمت بهلوانية الانتخابات منذ لحظة ولادتها برعاية الاحتلال الذي لم يكن سوى وصي على الفوضى. من جراء ذلك كله ظهر العرج والعوق في العمل السياسي لما بعد 2003 لذلك لم نشهد ولادة عملية سياسية حقيقية، ولم نشهد ظهور مشروع سياسي عراقي، حتى ان الاصوات الوطنية التي شخصت الخطأ مبكرا وحاولت التصحيح وجهت اليها التهم وامطرت بسيل من التحريض الذي وصل الى هدر الدم الذي سرب الى الحواشي التي اعدت للفتنة. والذين سخروا اعلام الحكومة والسلطة للترويج لمدعيات كل من :- 1- كتابة الدستور 2- اجراء الانتخابات 3- تأليف مفوضية الانتخابات 4- تشكيل حكومات سميت بمجلس الحكم ثم الحكومة المؤقتة ثم الحكومة الانتقالية ثم الحكومة التي تلتها والتي لم تكن دائمية الا بالاسم. 5- المصالحة الوطنية وحين انجلت الغبرة، ظهر ان تلك لم تكن سوى مدعيات فارغة لم تجلب للشعب العراقي سوى مزيد من المعاناة وضياع فرص البناء والتقدم. فلا الدستور الذي تفاخروا به هم متفقون عليه. ولا الانتخابات التي مدحوها اولا وجدوا انفسهم يطعنون بنزاهتها مما اضاع مصداقيتها ومصداقيتهم. ولا المفوضية التي بالغوا في امانتها ونزاهتها ثم عادوا ليطعنوا بها علنا ويحاكموها، وبذلك سجلت احزاب السلطة فشلا يمتد على كل مساحات العمل السياسي مصحوبا بفشل متفاقم النتائج على صعيد العمل الحزبي الخاص بكل واحد منهم.
والمصالحة الوطنية التي أهدرت من اجلها ملايين الدولارات من خلال زوار عمان ودمشق وبيروت والقاهرة ثم لندن والإمارات لم تتحول الى مشروع عمل تتواجد فيه الكفاءات والأرقام الوطنية التي لم تعد موجودة في أحزاب السلطة من كتلها الى حكوماتها التي لا يعرف بعض اعضائها تحرير امر إداري يكتسب احترام العاملين من الموظفين في مؤسسات الدولة. مثلما لا يعرف البعض منهم كيفية مواصلة تعليمه للحصول على الشهادة الجامعية وما فوقها دون ان يعرض نفسه للمساءلة القانونية اذ كيف يتسنى لمن هو عضو في مجلس النواب او الحكومة او مجالس المحافظات ان يسجل طالبا في الماجستير او الدكتوراه والسنة التحضيرية تتطلب حضورا يوميا. فهل ترك مثل هذا العضو حضور جلسات مجلس النواب ليحضر محاضرات السنة التحضيرية، وهذا تقصير في عمل وطني ائتمنه عليه الشعب. ام هل ظل مواظبا على حضور جلسات مجلس النواب واعمال لجانه ولم يحضر محاضرات السنة التحضيرية فكيف اجتازها وعبر الى سنة البحث التي تحتاج هي الاخرى جهدا مضنيا في المكتبة والتفرغ لكتابة الرسالة. نحن امام ظاهرة تسقيطية للافراد والاحزاب والحكومة والمشاريع الوطنية بسبب سلوك شخصي يسرق الدولة ويستغل المسؤولية للمنافع الشخصية والدول لا تبنى على هذا المستوى من التراجع من حسابات العقد الاجتماعي الذي يمنح الدولة قدرة وشرعية على اصدار القوانين ومنح الجنسية وشهادة الجنسية وجواز السفر ضمن السياقات الدولية المعمول بها لا كما ذهب البعض لإدخال الدولة في معمعة التكثير من اللغات في الوثائق الرسمية مما يحمل الدولة مزيدا من اعباء الكلفة المالية ومزيدا من الوقت في انجاز المعاملات التي تعمد الدول المتقدمة للتقليل منها واختصارها لصالح المواطن الذي يطمح الى الشعور بالدولة التي توفر له الراحة والضمان مثلما توفر له السيادة والاطمئنان. وغياب الرؤى التي تعطي الدولة وزنا في السياسة الدولية مثلما تعطيها قبولا ورضا داخليا ينعكس على زيادة انتاجية المواطن العراقي من خلال تعزيز التلاحم بين ابناء الوطن الواحد.
وهذا الغياب هو الذي جعل قائمة دولة القانون لم تحسن الخيار الدستوري عند ظهور نتائج الانتخابات عام 2010 فدخلت في مماطلة من اجل كرسي الحكم عبرت عن عدم خبرتها في الفقه الدستوري والفهم الوطني، وعملية ائتلافها مع اطراف اخرى من لون واحد عرف بالتحالف الوطني الذي ولد ضعيفا في سبيل الفوز بلقب القائمة الاكبر حتى يتسنى لها تشكيل الحكومة اوقعها في خطا سياسي كبير لازالت تعاني منه بل هو من اوصلها الى طريق مسدود اليوم وضيع عليها حتى فرصة تشكيل حكومة اغلبية كما صرح بذلك السيد نوري المالكي، ولو ان قائمة دولة القانون تركت الفرصة للقائمة العراقية لتشكيل الحكومة وفق السياق الدستوري لما استطاعت القائمة العراقية تحقيق الحصول على “163” صوتا في ذلك الظرف وبالتالي سيرجع التكليف لقائمة دولة القانون لتشكيل الحكومة ولما دخلنا في تلك المماحكة التي افسدت النفوس وادخلت البلاد في تشتت وضياع من نتائجه ما نحن فيه اليوم، ان الدعوة الى تشكيل حكومة اغلبية هي دعوة صحيحة لو ان العلاقة بين حزاب السلطة وكتلها حافظت على توازنها، ولكن والحال وصلت الى هذا التشرذم الذي لا يتفق على اصدارات القضاء، ولا يتوقف عند حدود المخاطر التي تهدد الوطن، وامثلتها اصبحت واضحة للعيان، فنحن بناء على ذلك مقبلون على عواصف سياسية لا يحمد عقباها، ومن هنا فقدت الشراكة مصداقيتها لوجود من يتحالف مع الإرهاب ضد الوطن ووجود من يبيع الوطن لأهوائه ورغباته التي عرفت بعض دول الجوار استثمارها، وعليه فلا حكومة الشراكة متحققة، ولا حكومة الأغلبية ممكنة من خلال هذا الطاقم الفاشل، ويبقى مفتاح الانتخابات بالقائمة الفردية سواء كان العراق دائرة واحدة وهو الأفضل او عدة دوائر بشرط خلوها من التزوير، حتى نحصل على كفاءات حقيقية من خلالها تبدأ عملية إعادة كتابة الدستور وتشكيل حكومة من خلال القائمة الأكثر فوزا بالانتخابات وهذه العملية هي الأخرى تحتاج الى مزيد من التروي والحكمة.