Blog

  • لن تؤدي البصرة دور شمهودة

    لابد لنا قبل الدخول بصلب الموضوع من التعرف على (شمهودة), ولابد من استعراض دورها التاريخي في قيادة حلقات اللطم والنواح مع الكبار, وتخلفها عنهم بسبب إجبارها على تناول الطعام مع الصغار. 

    تتلخص قصة (شمهودة) إنها لم تكن تترك مأتما أو مجلسا من مجالس العزاء في قريتها إلا وتحضرها, وتبلي فيها بلاءً حسناً في البكاء واللطم والعويل والصراخ, لكن أهل العزاء يعاملونها بقسوة, ويعزلونها مع الصغار في وجبات الطعام, ولا يحسبونها من ضمن الضيوف, أو يتذكرونها فيما بعد فيدعونها لتناول ما تبقى على مائدة الضيوف, حتى ذاع صيتها وضربوا بها الأمثال للتعبير عن حالات الغبن وعدم الإنصاف, فقالوا: ((لطم شمهودة. تلطم مع الكبار وتأكل مع الزعاطيط)), والزعاطيط في اللهجة العراقية الدارجة هم الفئة المستصغرة من الصغار. 

    قد تكون شخصية (شمهودة) وهمية أو خرافية, وقد تكون حقيقية ولها مساس بالواقع المر المعاش, فالأمثال تضرب ولا تقاس. لكننا لا نريد للبصرة أن تلطم لطم شمهودة, ولا نريدها أن تتقمص دورها في السر والعلن , فتفقد استحقاقاتها كلها في خضم التخصيصات غير العادلة لمواردها الطبيعية والمالية والجغرافية.  يقولون: إن (80%) من ميزانية الدولة الاتحادية تستحصلها البصرة, ويقولون: إن (17%) من واردات نفط البصرة يتمتع بها إقليم كردستان, ويقولون: إن رواتب البيشمركة, الذين بلغ تعدادهم مئات الألوف, تأتي من عائدات البصرة النفطية المينائية والجمركية والضريبية, ويقولون: إن النسبة العظمى من السلع والبضائع التجارية المستوردة عن طريق الموانئ الإيرانية والتركية البديلة تصل البصرة (أم الموانئ) عن طريق المنافذ الحدودية الكردية مع إيران أو مع تركيا, لكنهم لا يعترضون على تعاملات البصرة التجارية الخارجية عبر المنافذ البرية لإقليم كردستان, في الوقت الذي تنفرد فيه البصرة بواجهاتها المينائية الكبيرة المطلة على بحار الله الواسعة, وتنفرد بخطوط التماس الحدودية مع ثلاث دول (السعودية, إيران, الكويت), ولا يعلمون أن بعض الوزارات العراقية تتعمد توريد موادها وأجهزتها وحاوياتها عن طريق الموانئ البديلة في الكويت والأردن وتركيا, وبالاتجاه الذي يحرم موانئ البصرة من النهوض بدورها الوطني المباشر في التعامل مع خطوط الشحن البحري, ولا يعلمون إن إجراءات التقييس والسيطرة النوعية المفروضة على واردات البصرة التجارية اخف بكثير في إقليم كردستان, إذا ما قورنت بالإجراءات المعقدة في البصرة نفسها, وان الرسوم الجمركية المفروضة على السلع المستوردة للبصرة عن طريق كردستان أقل بعشرات المرات من الرسوم المماثلة لها في منافذها, ولا يعلم البصريون حتى هذه اللحظة: إن (70%) من المساحة البرية في مدينتهم المحرومة من التطور خاضعة بالكامل للمشاريع النفطية, وان نسبة كبيرة من مسطحاتها البحرية خاضعة بالكامل لخطوط الأنابيب النفطية والمنصات العائمة والعوامات الرحوية ومقترباتها ومحرماتها, الأمر الذي حرمها من استحقاقاتها الجغرافية, وافقدها فرص الارتقاء والنمو الحضاري, حتى تخلفت عمرانيا وبيئيا وجماليا عن المدن الخليجية التي ولدت بعدها بقرون, لكنهم يعلمون علم اليقين انه وعلى الرغم من مكانة مدينتهم العلمية والثقافية والفكرية والأدبية, وعلى الرغم من تفوقهم في المجالات الطبية والبحرية والهندسية والزراعية والسياحية والتجارية والصناعية, وعلى الرغم من ارتفاع نسبة حملة شهادات الدكتوراه في مؤسساتها ومعاهدها وكلياتها التخصصية بالمقارنة مع النسب المعلنة في الكويت وقطر والإمارات والبحرين وعمان, وعلى الرغم من طيبة أهلها ودماثة أخلاقهم ونزاهتهم ووطنيتهم, لا تجد وزيرا واحدا في تشكيلات الحكومة من البصرة, ولا سفيرا من البصرة, ولا وكيل وزارة, حتى إن بعض المدراء فيها جاءوها من محافظات أخرى, في حين اقتصر توزيع الحقائب الوزارية على أبناء المحافظات الأوفر حظا منها.  ربما يظن عامة الناس إن البصرة لا تختلف كثيرا عن (شمهودة), فهي في نظرهم كالبعير المحمل بالحرير ونفائس الذهب والفضة, بينما يهيم على وجهه في الوديان والبراري ليبحث عن شجيرات العاقول والشوك والشويل فيقتات منها أو عليها, ثم يعود ليروي ظمأه بالماء المالح, فنقول لهم جميعا: إن المدينة التي حملت لقب (أم العراق) في مراحل الإبداع والازدهار والتألق, والتي أطلق عليها أرباب العلوم والفنون والآداب أسماء: خزانة العرب, وذات الوشامين, وقبة العلم, والفيحاء, وعين الدنيا, والزهرواء, والزاهرة, وبندقية الشرق, وجنات عدن, والأُبلّة, وأبولوجوس, وطريدون, والبصراياثا, والبصرة العظمى, وثغر العراق الباسم, وكانت تجمع مع الكوفة بالمصرين, إن مدينة بهذا المستوى لن تفرط بحقوقها بهذه البساطة, ولن تعود أبدا إلى اسمها القديم (الخريبة), وربما تضطرها الأيام للعودة إلى اسمها المشاكس (الرعناء), الذي ادخرته لمواجهة الذين حرموها من ابسط استحقاقاتها. 

    زهرواء: من أسماء البصرة, وتعني: زهرٌ ورواء

    مقاطع من قصيدة الشاعر عباس الحسّاني

    قيل من أنتِ فقالت زهرواء

    زهر الحسن يساقيه الرواء

    أي سحر يتجلى 

    أم غناء ؟

    فبنفسي زهرواء

    جنة يغتالها الوهم ترى ماذا دهاها ؟

    أعلى الموت أتاها,

    شبح الفتنة يخطو في رباها,

    يحتذي الحرمان والإيلام والتقطيع,

    ما اهتز الجناح

    آه, يا أنت التي أحببتها يا زهرواء

    حلماً كانت تغني,

    حلماً يخضر في آفاقه نخل العراق

    بين زهر ورواء

    قيل من أنتَ فقالت: كل أحلام العراق

    تتغنى زهرواء

  • رفقا بالنخيل..!

    هي عمتنا النخلة.. هكذا كان يناديها رسول الله (ص) معزةً وثقةً بجودها ومجدها، وهي -أيضا- (أشرف الشجر) كما قال فيها أبو العلاء المعري: (شربنا ماء دجلة خير ماء—- وزرنا أشرف الشجر النخيلا) ، فهل يزيد -بعد هذا- أي قول، يسعى لأن أن يطال عظمة مقامها في بلاد أرض السواد؟ موطنها الأثير وعنوانها الكبير، بل هي فصيلة دم العراق، والعراق دمنا  جميعا. 

      هي مكابدات… هطلت أمطارا، وسبقنها عواصف لوعة، فزخت مداراة على أرض عمود هذا، جاءت عبر ملاحظات المحامي (كاظم عباس ياسين) في مستهل لقاء جمعني به مصادفة، لخص فيه مكابداته التي رصدت ما يجري من مخلفات تحويل أراض زراعية الى سكنية في منطقة العطيفية باتجاه (كورنيش) الكاظمية –تحديدا- مقابل مديرية تربية الكرخ، كذلك على طول شارع مطار المثنى المؤدي الى منطقة الكاظمية -أيضا- في المنطقة المجاورة لجسر الاعظمية، القريب من (الشالجية) فقد رافقت عمليات ذلك التحويل- نحر وقطع المئات من أشجار النخيل،على طول وعرض ذلك الشارع والمناطق المشار إليها، في رصد وحرص وأسى ذلك المحامي، الذي لم يكتف بتصدير مكابداته، التي هي -حتما- مكابداتنا جميعا، بل جاء يحمل اقتراحا خص به أمانة بغداد، مطالبا إياها برفع الحيف عنها بحمل تلك الأشجار الثمينة والمتينة بعمق امتدادها البيئي إلى أماكن أخرى، كي تكون حزاما أخضرا يصد الغبار…يحد من ظاهرة التصحر… ينعش الجو…يحمي البيئة ويضع حدا لسوء أحوالنا الجوية.

       نهيب – نحن بدورنا ايضا- بكوادر الأمانة وحرص أمينها الدؤوب للقيام بنقل زائد النخيل بواسطة المقالع الخاصة الى أماكن أخرى بحاجة إليها، وفق مقتضيات الحل وطبيعة الظروف بغية تحقيق ما ذكرنا والاستفادة من ثرواتنا كنتاج طبيعة، ومحصول خير وربح عميم لنا جميعا، كي نعيد لعمتنا النخلة بعض اعتبارها، من هول ما عانت، طوال عقود مضت، كان فيها عدد أشجار النخيل يصل الى أربعين مليون نخلة، حسب إحصائية رسمية أجريت في خمسينيات القرن الماضي من قبل خبراء ومختصين عراقيين وأجانب من المهتمين بمجال هذه الثروة النادرة، والتي راحت تتناقص وتتذاوى، بسبب الإهمال وتوالي سنوات الحرب الطويلة وكل ما تلا ذلك من طيش وجور ومجازر ومقابر جماعية شهدت موت غابات النخيل واقفة في البصرة وميسان وذي قار وباقي محافظاتنا التي لم تسلم من هوس وجنونات واعتداءات تلك الحروب بمتواليتها ونوازعها المدمرة لكل ما هو حي وموجود على أرضنا التي كانت مسرحا دراميا، شهد مشاهد بالغة المرارة والقسوة طيلة تلك الأعوام، كما لم تسلم النخلة من قطع مجحف ومتعمد، سعى بالنيل منها- اضطرارا-عبر تحويل جذوعها الى حواجز وموانع ملأت تقاطعات شوارعنا في سنوات الاحتلال الأمريكي- لكي تدرأ تلك الجذوع، عن الناس مخاطر وصلف الإرهاب، وما توالد من عنف أعمى  بسبب الطائفية المقيتة…أما آن لنا -بعد كل ما حصل- أن نعيد للنخلة زهوها، كي تشيع في حياتنا-هي- بعض الأمل.؟!

  • تذكير الأشقاء !!

    لم يستفزّ طفولتي شيء، مثل الطائرة -وأنا اسكن القرية يومها- فقد كنت أتقبل ولو بصعوبة، ان يسير الحديد على الأرض، كما هو الحال مع الباصات الخشبية التي لم نكن نرى غيرها في قريتنا، ولكن أن يحلق في السماء على ارتفاع مئات الأمتار، وهو يحمل مئات البشر مع أحمالهم وحقائبهم، فذلك هو المستحيل الذي يرفضه عقل في رأس ولد لم يكمل السادسة من العمر، وقد ظلت هذه الحيرة تلازمني سنوات طويلة حتى بعد انتقالي إلى بغداد!

    على أن ظهور الأقمار الصناعية والمركبات الفضائية، افقد الطائرات هيبتها، وانتشلني من الحيرة القديمة، وجعلني أؤمن بأن قدرات الإنسان على الابتكار، غير محدودة، وبمقدورها الإتيان بالعجائب، ومع أن البشرية، وخاصة في القرن الماضي، أتت بعجائب المخترعات المذهلة التي لا تحصى ولا تعد، ولكنني ما زلت مقتنعا بان الانجاز العلمي الأعظم -بعد الكهرباء- هو الأقمار الصناعية، لأنها تمثل تحدي ابن ادم للعالم الخارجي وسبر أغواره، ولا يصح التصور بأن مهمة هذا المنجز الخارق اقتصرت على معرفة أسرار الكون والبحث عن مستعمرات جديدة للماء، والذهب واليورانيوم والمعادن الثمينة، بل تعدى الأمر إلى نطاق اوسع، وذلك في محاولات جادة للكشف عن أعماق المحيطات وحركة الأمواج والأعاصير، والبراكين والزلازل والثروات المائية، والاهتداء إلى مناطق وجود النفط ومخابئه، هذا إلى جانب الدور الكبير للأقمار في ميادين البث والاتصال، ومراقبة التحشدات العسكرية والمنشآت النووية، والتجسس على أسرار الدول وكذلك أسرار الناس الشخصية على حد سواء!!

    اعتقد ان من الصعوبة بمكان الوقوف على المهمات جميعها، إذ لا شيء يقع خارج (علم) الأقمار ومعرفتها، حتى ان بعضها يتحلى بالترف، والطرافة، من ذلك على سبيل المثال التقرير الإحصائي الذي توصلت إليه الأقمار الصناعية.. ونشرته وكالة (ناسا) للفضاء عام 1989 (يرجى الانتباه جيدا الى هذا التاريخ)، حيث ذكرت ان الكلفة الكلية لعموم المنشآت في الجمهورية اللبنانية (دوائر دولة، مدارس، جامعات، دور طباعة مكاتب، معامل، جوامع، مساجد، حسينيات، كنائس، دور سكنية، مسارح، دور سينما، مؤسسات صحية… الخ) تبلغ قرابة 114 مليار دولار، أما المملكة الأردنية فتبلغ 213 مليار دولار، في حين لا تزيد كلفة المنشآت الأفغانية على 21 مليار دولار، ولو جمعنا كلف (لبنان والأردن وأفغانستان) فانها اقل من كلفة بغداد وحدها التي تصل الى قرابة 632 مليار دولار، وفيما تبلغ كلفة رأس الخيمة 29 مليار دولار، فان كلفة مدينة الناصرية (مركز محافظة ذي قار) تصل إلى 48 مليار دولار، ولا تزيد كلفة المنشآت الكلية لدولة الكويت في عام في عام 1989 على (51) (واحد وخمسين) مليار دولار، وبالمناسبة فان مبلغ التعويضات الذي يدفعه العراق للكويت بعد احتلالها عام 1990 هو ( 52 ) مليار و400 مليون دولار، أي أكثر من منشآتها الكلية بمليار و 400 مليون دولار، لذا اقتضى الإيضاح والتنويه وتذكير الأشقاء بان ميناء مبارك يُبنى بأموال عراقية!! 

  • انطباعات من تونس

    *  قبل فترة قريبة عدت من تونس بعد دعوة ادبية من ولاية سيدي بوزيد للمشاركة في مهرجانها الصيفي المنوّع؛ حتى اذا ما انتهت قراءاتي هناك؛ حملت رحلي الى العاصمة .

      وتونس تعني شرارة الربيع العربي الذي(اندلق) في الشوارع ف(تزحلق) الحكام والرعاة وسط ضحك ودموع الرعية والمحكومين.

    ومن الطبيعي ان يحاول زائرها اكتشاف ماهية هذه المدينة الاعجوبة التي اشعلت الفتيل ولم تجلس متفرجة على حرائقه وانما بقيت تذكيه بمتغيراتها السياسية والثقافية والاجتماعية .

    * ومثلما لكل المدن وجهان ؛ فلتونس- العاصمة- وجهان ايضا؛ الوجه الاول ممثل ب(المدينة القديمة) والتي لا يمكن لك ان تعرف تاريخ هذا البلد من دون ان تشمّ روائحها . والوجه الاخر هو الوجه السياحي؛ المقترن بالإسمنت والشوارع النظيفة وواجهات المقاهي المنتشرة على طول شارع(ابو رقيبة) الذي يشابه بالكثير من الوجوه شارع(الشانزليزيه) الفرنسي؛ لان الفرنسيين صمموه هكذا اثناء احتلالهم لهذا البلد؛ وليس الشارع وحسب؛ بل على مشارفه (حيث يقبع الحي العربي) نصبوا بوابة مستنسخة من بوابة النصر الباريسية .ما لفت انتباهي في تونس القديمة؛ هو المحافظة على طرازها العمراني القديم؛ سواء بالدرابين الضيقة.. بالمدارس الدينية(أبوابها العالية واطواقها الداخلية؛ ذكرتني بالمدرسة المستنصرية وان كانت لا تضاهيها عظمة او سعة في البناء؛ لكن الحكومة والاهالي حولوها الى معلم سياحي محافظ عليه ويستهوي الاخرين  لتلمس التاريخ عبر خشب الابواب وشقوق الحياطين )

    في هذه الازقة قرأت اكثر من يافطة مكتوبة على الجدران بالسبريه او البويا: تونس الديمقراطية– من مشنقة بن علي الى لحية السلفي!!

    لكن لحية السلفي تعاملت واقعيا مع طبيعة البلد وطبيعة الناس؛ فلم تحاول فرض(الحملة الايمانية) كما طبقها النظام السابق؛ وكما يسعى اليها الان بعض(متدينينا) دون ان يطبقوا الحلال والحرام على تعاملهم مع المال العام أولا!!

    • ثمة مقهى اسمها(باريس كافيه) تتوسط شارع ابو رقيبة؛ دلني عليها الصديق والاستاذ الروائي عبد الرحمن الربيعي؛ لكون صالتها مبردة( وكنت قد جلبت الحر من العراق معي) كما ان بعض الادباء التوانسة والعرب يلتقون فيها ؛فاتخذتها محطتي الاثيرة حتى من دون الربيعي؛ ولم تغرني صالتها المبردة بقدر ما اغرتني كراسيها المتناثرة على الرصيف العام؛ إذ بإمكانك مراقبة السواح ومن كل جنسيات العالم؛ متلازمين..متلاصقين..متحاضنين؛ ببناطيل جينز؛ بشورتات قصيرة؛ بملابس بلا اكمام..بإكمام معلقة بخيوط فقط؛ وفي وسط هذا المشهد المتداخل؛ تمرّ بك بنات بحجاب اسلامي؛ ونساء محتشمات الى الاخر؛ يتنوّع المشهد : شباب بلحى وشباب مساطيل وشباب يعيدون اليك الايمو العراقي ولكن لا وجود لل(بلوكات)هنا!!

    الرقابة ذاتية؛ والمعيار الاخلاقي لا تقرره الملابس.. وانما ثقافة التعامل مع الناس؛ واحترام قناعاتهم .

    • تونس : مدينة اسطورية..لا تملك حقول نفط ولا كبريت ولا فوسفات ولا مخزون من الغاز؛ لكنها تملك(حضارة معاصرة) لا تشبه تلك التي نتباهى ب(قدمها) دون ان ينعكس ذلك على سلوكنا الاجتماعي.

    حفظ الله تونس الخضراء.. وادام نعمة الخضار عليها .

  • سوريا.. والفقهاء !!

    لا شيء أكثر من الدم في دمشق. لا شيء أكثر من السلاح، وأكثر المتفائلين في ربيع دمشق يصف أمرها “بالكارثة”، لكن الكارثة هنا تأخذ أكثر من معنى وتأويل، فطرفا نقيض الأزمة يتهم الآخر بحمّام الدم الذي يأبي أن يتوقّف.

    المعلومات التي باتت تنشرها الصحف الأجنبية عن الجيش الحر تبيّن أنه مخترق بالكامل، لا ينفي أحد الأصدقاء في المجلس الوطني السوري المعارض لنظام الأسد وجود أفراد من القاعدة تقاتل جنباً إلى جنب، في محافظة إدلب، ضدّ الجيش السوري النظامي، كما أنه لا ينفي، وجود أعلام للقاعدة ترفرف فوق محافظة أدلب وبعض أرياف محافظة حلب، أما عن نزاع طائفي وشيك، فهذا الأمر لا يتوانى عن القول أنه “أصبح وشيكاً”. 

    صورٌ أخرى من مدن سورية تنقل احتفاظ السكّان بصورة “الداعية العرعور”، وهذا الداعية، ليس ثمّة آفة طائفية أكبر منه، فمن جهة يحرِّض على قتل “العلويين”، ومن جهة أخرى يدعو إلى دول إسلامية، فكيف حال دمشق في كلِّ هذا!. النظام السوري، على الرغم من استعراضه لعضلات بدأت تفقد بريقها بعد أن وصل الجيش الحر إلى مناطق في قلب العاصمة، هذا النظام، بدأ أيضاً يرتكب مجازر، لكن معركته تتلخّص بالبقاء، وللبقاء هنا تكاليف باهظة، والدم أرخصها!.

    لكن في “ربيع دمشق”، أشياء لم يشهدها ربيع مرَّ قبله، الربيع هنا له رائحة الطائفية ودعوات وأدعية الموت؛ يتشبَّع هذا الربيع بعفونة الجثث، وبفوضى الأفكار، وبالتفاخر بالتقاتل، هكذا، ستدخل إليه أسماء ليست معنية بالسياسة، ولا بالمناصب، وإنما معنية بالموت وحده، الموت الذي لا يشاركه شيء، إنهم علي الربيعي، الذي دعا “التبرّع للجيش الحر ليندحر النظام الإيراني من سوريا”، أما عدنان العرعور، الملقّب بـ”أسد السُّنة”، فرائحة فتاواه ودعواته بدأت تزكم الأنوف مثلما هي رائحة الموت. ربيع الفقهاء هذا، حوّل الأمور إلى منحى آخر، العلمانية التي أدعتها الثورة في بدايتها ولّت. وأكثر المتفائلين بأمر دمشق بدأ الخوف يتسلّل إليه، ليس خشية فقط من اندلاع حرب أهليّة في سوريا، وإنما خوفاً من أن تمتدّ إلى دول أخرى لبنان ليس أبعدها ولا أوّلها.

    هؤلاء الفقهاء، لم يتوانوا عن شتم المتخصِّص بالشؤون السورية، باتريك سيل، ولم يبتعدوا كثيراً عن وصفه بالمرتشي مرّة، وبالعميل مرّة أخرى. كلّ ما فعله سيل هو أنه كشف عن الدور الأميركي والأوربي في اللعبة السورية، أميركا لم تكن يوماً حامية للديمقراطية، ولا يهمّها أمر شعب بقدر ما تهمّها شؤون النفط وأمن إسرائيل، هذا ما حاول سيل أن يوصله إلى المجتمعات العربية من خلال مقاله الذي كتبه في صحيفة الحياة والذي أثار الفقهاء ضجّة بشأنه، الكل ذهب باتجاه الدفاع، الكلّ حاول تلميع الوجه الأميركي، الذي لا يزال سخام العراق على وجهه، نعم، سيل أكثر الخبراء بالشأن السوري، تبيّن هذا منذ مقاله الأوّل عن سوريا في الصحيفة نفسها، لم يكن سبيل سيل الدفاع عن النظام السوري، فهو نظام قمعي، وإنما هي محاولة لكشف أوجه الآخرين، وعلى سبيل الصدفة اتضح أن “الجحيم هم الآخرون” كما يقول سارتر، محاولات الإدارة الأميركية في دعم المعارضة السورية جاءت لضرب إيران وحزب الله اللذين يهدّدان أمن تل أبيب، والحكومات الخليجية، القطرية والسعودية، على وجه التحديد، يلعبان على حبل ويتأرجحان بين دعم إسرائيل تارة، وإبعاد الثورات العربية عن الخليج بإحداث فوضى في سوريا تارة أخرى. كتبت هنا، منذ شهور أن تشومسكي لا يشرب النفط، وباتريك سيل هو كذلك.

    في الأخير، ثمّة سيناريوهات كثيرة تكتب لسوريا، ولا يبتعد أحدها عن الفوضى أبداً.

  • اللغة الانجليزية !

     منذ عقود بعيدة وأنا أسير أحلام أربعة لم تفارق مخليتي، الاول لو ان امي أنجبتني في باريس قريبا من برج إيفل، ولكن المخاض جاءها في اليوسفية قريبا من مقبرة سيد عبد الله، والثاني: ان اكون مصمم ازياء نسائية مشهورا، وقد جربت وفشلت، لان العمل مع مزاج المرأة المتقلب يوجع القلب والرأس والعاطفة والثالث: ان اكون رئيس وزراء جمهورية العراق لمدة خمس دقائق فقط.. لكي الغي الدستور واحل البرلمان واصدر قرارا يقضي ببقائي في المنصب مدى العمر ولكنني لم اجرب ولم احاول خوفا على عنقي، والرابع ان اتعلم اللغة الانجليزية وهذا حلم في غاية البساطة ومقدور عليه غير انني كنت أتماهل وأتكاسل، واقول مازال أمامي متسع من الوقت بينما السنين تجري سريعا ولا اشعر بها ، إلى ان اكتشفت فجأة ان العمر يقترب من الشيخوخة والموت شيخوخة – لا حبا قاب قوسين ولكوني متشبثا بالحياة تشبث الدكتاتوري بإغراءات الكرسي فقد بدأت اعلم نفسي ذاتيا اشتريت قاموسا ومجموعة كتب تعليمية وعددا من القصص والروايات الانجليزية وحاولت ترجمتها بالاعتماد على القاموس (كانت ترجمتي مدعاة للضحك) مثلما حاولت الاستعانة من دون حرج بأصدقائي وأقاربي الذين يجيدون هذه اللغة وبالذات زوجتي التي تحمل شهادة الماجستير في اللغة الانجليزية، وفي الحقيقة كان إصراري عل ى تعلم اللغة نابعا من مشكلة صغيرة بيني وبين زوجتي اكثر من كونه حلما فقد كنت في لحظات الخصام معها اغضب وانفعل واشتمها باللهجة العراقية المعروفة وتكتفي هي بالرد علي بجملة انجليزية وهذا ما يثير غضبي اكثر، فلعها ترد على شتيمتي بشتيمة أقوى، وحين استفسر منها عن معنى الجميلة، تؤكد لي أنها قالت حسبي الله ونعم الوكيل بالانجليزية ولكن من يضمن حيل النساء؟! ولهذا لم يكن أمامي حل للوقوف على ردها سوى إتقان هذه اللغة!! 

    ربما أصابني الهوس واندفعت اندفاعا جنونيا للتعلم بأسرع وقت ووضعت سقفا زمنيا محددا لا يتعدى عاما واحدا ومن هنا وصلت الليل بالنهار وانا اتابع واراجع القاموس وارجع الى الانترنيت والمصادر وأترجم واسأل عن هذا التركيب او المصطلح، ويبدو انني حققت هدفي قل انقضاء العام، وأتقنت الانجليزية اتقانا مذهلا دفعني الى الغرور بحث رحت اجتهد وأتوسع بمعاني الكلمات ومدلولاتها كما حصل على  سبيل المثال قبل أسبوعين حيث استوقفتني مفردة أكسباير وتابعت معناها الدقيق وأدركت ان المعنى العام لها يشير إلى انتهاء صلاحية المادة فالدواء (س) صالح للعلاج لمدى شهرين من فتح العبوة ولايجوز بعد ذلك استعماله لان مفعوله العلاجي انتهى وقد يؤدي الاستمرار في تعاطيه الى مضاعفات صحية لا تحمد عقباها ويجري المعنى ذاته على أنواع الاطعمة المعلبة وعبوات الألبان والماء والمشروبات الغازية وغيرها.. الا انني لم اكتف بهذا المعنى الشائع وحاولت التوسع والاجتهاد مع كوني مازلت في البيضة كما يقولون ورأيت ان مفردة اكسباير يمكن ان تمتد الى آفاق ارحب فتقول على سبيل المثال ان الدستور اصبح اكسباير  وان 99،9% من أنظمتنا العربية والإسلامية انتهى مفعولها وأصبحت اكسباير ووجودها في الكم إن لم يضر فهو لا ينفع!! 

    ملاحظة : منذ أدركت زوجتي أنني أتقنت هذه اللغة، التزمت الصمت، ولم تعد تقول حسبي الله ونعم الوكيل باللغة الانجليزية.  

  • دمى على الكراسي

    يطلب إلى هذا الذي لا يجيد طبطبة كرة القدم أن يؤدي دور البهلوان ويلعب بخمسة كرات صغيرة في الهواء …فماذا اذا طلب من هذا الذي لا يجيد مسك كرة القدم ان يلعب وبكف واحدة بمصائر ملايين البشر يقذفها على التعاقب في الهواء ويتلقاها دون أن يتركها تستقر إلا في الهواء والحرية ومواصلة صنع حياتها ؟؟؟ 

    كل ميسر لما جبل عليه وما يناسبه وما هو بوسعه…  وسيحترم نفسه اذ يعتذر عن أداء دور البهلوان ولا يتعرض للسخرية …ولكنه سيمنى بما هو اكبر واخطر من السخرية والاحتقار ان كان عليه ان يقرر مصائر الناس وهو غير مؤهل وغير بارع حتى برعي دجاجات..  فقد يكون جديرا بمهمات وادوار أهم واخطر واكثر اهمية وجدوى ولكن ليس من بينها الإدارة وأعمال السياسة التنفيذية ومهمات التوفيق بين المتعارضات والمختلفات والمتناقضات.

    ولكن ..من هذا العربي الاسطوري الذي تهبط عليه بركات وأعطيات السلطة والحكم  ويعتذر قائلا انه يشكر الحياة والأقدار على هذه الثقة وعلى هذه الحظوة إلا أن ضميره وكبرياءه وكرامته لا تسمح له بأداء عمل وتنفيذ مهمة لا يجيد أداءها وإيفاءها حقها وهناك من هو أحق وأجدر منه …؟؟؟ وانه إذا احتكم لإيمانه بالله فانه سيكفر إن جعل من حيوات ومصائر الناس عرضة للتجريب أو ميدانا لممارسة غشامته وقلة موهبته في هذا الحقل، فمن هذا الكائن الخرافي الذي سيفعلها ويعتذر؟؟ وإذا قيل ان قصور وأروقة الحكم هي مقرات للشيطان فأنها مقرات بامتياز للأبالسة في الشرق الممهور بالاستبداد والطغيان ,وستكون بشياطين الكترونية في الوطن العربي وفي العراق خاصة واختصاص بعض ناسه في ملء القلوب الصالحة قيحا …وانها ستكون مفارقة كونية ان يعترف العراقي انه لا يصلح كمدير عام او وزير او رئيس  وسيظن البشر انه انما يتطلع مثل نابليون لحكم السماء اذا احكم سلطته على الارض…وان كان في الواقع ألعوبة بأيدي بطانته ورجال مكتبه.لا صحو ولا انتباهه لمثل هذا النموذج ..ولا امل لوازع ديني وأخلاقي يقوده للاعتراف أمام الملأ بأنه استخدم لإيذاء الناس ووضع على هذا الكرسي بقصد خبيث.. وربما عن بلاهة وقلة تدبير وعدم تقدير العواقب وان كان هذا الميدان لا يترك للمصادفات والأهواء والمقاصد الضئيلة.

    الحل؟؟ لا حل.. فالمطلوب استمرار النزف إلى النهاية مع مسؤول غشيم تبقى دائرته تصنع وتنتج الفساد والخراب.. وهو لا يدري ما يدور وراء باب مكتبه… والفضيحة إنه لا يدري ان ما يهمسه بإذن صاحبه حول جهله ذاك سيتضخم بمكبرات الصوت وتصخب به الآفاق…ادرك اقطاب في السياسة والمجتمع سر لعبة الاتيان بالجهلة والمفتقدين لابسط متطلبات ومقومات العمل الاداري والقيادي  واصول الحكم وتنصيبهم على رأس المؤسسات ومواقع اتخاذ القرار …سواء بالإيحاء  او الدعم والتدخل المباشر ..او اعتمادا على الإرث الثقيل والجسيم من التخلف واتجاه ابرته المغناطيسية الى مركزها ..وادراك هذه الأقطاب لسر اللعبة بات واضحا وشعبيا يتناقله الناس ..وبالغوا فيه وقالوا ان  ما جرى اضاء الحاضر وعاد الى اكثر من الف عام ليضيئه..  وانه إذا كان هناك من تواطأ مع نفسه ومع غيره وقايض استقلال العراق بحياة وفيرة ومكتنزة وعلى النمط الأمريكي, فان ما حدث هو الذي حدث ومن بين مقاصده ومراميه أن يترك للمياه الثقيلة والآسنة وروائحها الخانقة أن تتدفق وتنتشر وصولا لامتعاض الامة من نفسها..  وبدءا  من تنصيب دمى تترك لتيارات الهوى وللأعاصير وللنزوات ولكل مكونات ومخزونات اللاوعي المظلم ان يتجلى ويمارس طبعه خارج جدران مكاتبها.

  • وحش توراتي آخر في طريقه إلينا .. القنبلة التي ستحرقنا وتبعثرنا

    بات من الواضح للعيان إن الأوضاع السياسية والجغرافية والأمنية لن تستقر ولن يهدأ لها بال بعد الاكتشاف الغازي الهائل في حوض البحر الأبيض المتوسط, وعلى وجه التحديد في الحقل الإسرائيلي الجبار, الذي أطلقت عليه حكومة تل أبيب اسم (ليفياثان Leviathan), والتسمية مستوحاة من التوراة, لوحش خرافي,  يخرج من جوف البحر, ويبتلع ما تقع عليه عيناه في السواحل القريبة والمدن الشاطئية, والحقيقة إن الموضوع ابعد بكثير من إحياء الرموز التوراتية والتلمودية, فلليفياثان مفاهيم أخرى أكثر بشاعة من الوحوش الخرافية كلها. 

     فعلى الرغم من الميول الصهيونية للرمزية الكهنوتية في التعبير عن نواياها التوسعية, جاء اختيارها لاسم (ليفياثان) بقصد الإشارة إلى حدود سلطات الدولة المؤسساتية المطلقة, التي بشر بها توماس هوبز Thomas Hobbes (1588 – 1679), وعبر عنها باصطلاح (ليفياثان), وهي في نظره : الدولة الحديثة التي يتولى فيها السلطة قطب واحد, أو مؤسسة واحدة, ترتبط أطرافها بعلاقة تحالف, ومعاهدة مصيرية لتأمين المصالح المشتركة, ولا تُنقض المعاهدة حين تكون الأطراف في خطر, بل تُنقض في حالة انهيار نظام المؤسسة الحاكمة, وهذه هي الغايات الدفينة التي ستتضح لنا بصورة جلية في هذا الموضوع. 

     في تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 2010, عثرت إسرائيل على كنز غازي عملاق, يحاذي الشواطئ الفلسطينية المغتصبة, بعمق خمسة كيلومترات, في المياه الاقتصادية, التي أطلقت عليه اصطلاح (ZEE), والتي تبدأ من الطرف الغربي لميناء حيفا, ثم تتمدد بالطول والعرض لتقترب من الشواطئ اللبنانية والسواحل السورية, وتضم معها مقتربات جزيرة قبرص, وتحتوي على كميات هائلة من الغاز الطبيعي, يصل حجمها التخميني إلى مئات المليارات من الأمتار المكعبة. وبالتالي فإن الاكتشاف الغازي الجديد سيغير الحسابات التعبوية والسوقية, وسيفجر الأوضاع السياسية, ويقلبها رأسا على عقب, وسيزعزع الاستقرار في سوريا ولبنان, فالحقل الغازي الجبار يبسط مكامنه البحرية في المياه اللبنانية والسورية والتركية, ومن المؤكد انه سيخلق المزيد من التعقيدات في المواقف والأوضاع السياسية الشرق أوسطية, وظهرت بوادر تلك التعقيدات بعد التدخل القطري والتركي المباشر في المنطقة, لأنهما يمثلان المخالب الخفية لانطلاق خطوط أنابيب مشروع (نابوكو), ما يعني إننا نقف على بعد أيام معدودات من إعلان ولادة (خليج عربي) جديد في الجزء الشرقي من حوض البحر الأبيض المتوسط, وان الحروب الخليج الساحقة التي زعزعت استقرار المنطقة, واستنزفت ثرواتها في العقود القريبة الماضية, سيعاد تفعيلها من جديد بصيغة أخرى ستغير ملامح خارطة بلاد الشام بأساليب طائفية رخيصة.

     لقد تكلمنا في المرات السابقة عن الرمزية الصهيونية في شعار (نابوكو NABUCCO), وكنا أول من اكتشف النوايا الخفية لهذا المشروع الغازي التوسعي, وقلنا إن القوى الشريرة اختارت هذا الاسم (نابوكو) لأنه يعبر عن الصيغة اللغوية العبرانية, التي قلبت اسم الملك البابلي (نبوخذ نصر) واستخفت به, فكلمة نابوكو تمثل صيغة تصغير واستخفاف لاسم (نبوخذ نصر), الملك الذي قاد السبي البابلي العظيم, ولو راجعنا الشعار مرة أخرى لوجدنا إن حرف (A) رُسم على شكل قنطرة أنبوبية مقوسة تربط بين حرف (N), الذي يمثل النيل Nile, وبين حرف (B), الذي يمثل بابل Babylon, والمقصود هنا التمدد من النيل إلى بابل الواقعة على الفرات. 

     اما (أنقرة) فقد صارت هي القنطرة التي تلتقي عندها خطوط أنابيب (نابوكو), ثم جاء اكتشاف حقل (ليفياثان Leviathan), أو (Levantine) ليضيف الرياح القوية للمهزلة, ويرسم سيناريوهات جديدة للفتنة الطائفية المرشحة للانفجار في الشرق الأوسط بتحريض مباشر من الأطراف المرتبطة بالتحالف الليفياثاني, الذي تكلم عنه (هوبز), وبالاتجاه الذي يسهل الأمر على إسرائيل, ويخدم مصالحها الاستثمارية, ويساعدها على بسط نفوذها في المنطقة.  

    بدأت حكاية (ليفياثان) عام 2009, وهو العام الذي باشرت فيه شركة (نوبل إنيرجي) تنقيبها في عرض البحر على بعد (80) كيلومترا غربي ميناء حيفا, فاكتشفت وجود الغاز الطبيعي في طبقات (تامار) بكميات تقدر بنحو (238) مليار متر مكعب, وتوسعت في مشاريعها الاستكشافية والتنقيبية فاكتشفت عام 2010 إنها أمام حوض هائل من الغاز الطبيعي, من النوع عالي الجودة, يحتوي على كميات خرافية من الغاز, يكفي لجعل إسرائيل من البلدان الفاحشة الثراء. 

    ومع اكتشاف هذا الحقل الخرافي بدأت إسرائيل بالتساؤل عن كيفية الارتقاء نحو مصاف الأمم المنتجة والمصدرة للغاز, وتساءلت عن كيفية حصد الموارد المالية الهائلة, وكيفية استثمار عوائدها النفطية والغازية, وتساءلت أيضا عن كيفية ضمان الهيمنة والاستحواذ على مكامن هذا الحقل كله, من شماله إلى جنوبه, ومن شرقه إلى غربه, ما يعني حرمان سوريا ولبنان من استثمار حصصها, ومنعها من الاستفادة من استحقاقاتها الغازية الواقعة في مياهها الإقليمية, فوجدت ضالتها في التآمر, بالسعي نحو استبدال الزعامات العربية الحالية بزعامات مضمونة الولاء لتحالف (ليفياثان). .    

    لقد أكد الناطق الرسمي باسم معهد الدراسات الجيولوجية في الولايات المتحدة (USGS) بقوله: ((إن منابع الغاز في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط توازي كبريات المنابع الغازية المستثمرة الآن في مناطق متفرقة من العالم)), وأضاف: ((إن منابع الغاز في حقل ليفياثان أضخم وأوسع وأعمق من كل المنابع التي اكتشفتها الولايات المتحدة)), وتقول تقارير المعهد: إن مصادر النفط والغاز شرقي المتوسط تقدر بنحو (1,68) مليار برميل من البترول, وبنحو (3450) مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي عالي الجودة, وهناك منابع غير مكتشفة لمنابع النفط والغاز في حوض النيل بمصر تقدر بنحو (1,76) مليار برميل من النفط, ونحو (6850) مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي عالي الجودة, وقدر المعهد إجمالي الخزين في الجزء الشرقي من حوض البحر الأبيض المتوسط بنحو(3,4) مليار برميل من النفط الخام, ونحو  (9700) مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي. 

    وبناء على ما تقدم فان الاكتشافات النفطية والغازية الجديد ستفتح أبواب الصراع السياسي على مصاريعها, فعندما سمعت لبنان بالحقل الجديد, وعلمت انه يمتد داخل مياهها الإقليمية كادت أن تطير من الفرح, واستبشرت خيرا بتعديل أوضاعها الاقتصادية, فقدمت طلبا إلى الأمم المتحدة لضمان حقوقها النفطية والغازية, فجاء الرد من إسرائيل على لسان وزير خارجيتها (ليبرمان), بالقول: ((إن إسرائيل لن تتخلى للبنان ولا لسوريا عن قطرة واحدة)).

     ومن نافلة القول نذكر إن إسرائيل لم تصادق حتى الآن على اتفاقية الأمم المتحدة للبحار والمحيطات لعام 1992, ولا تعترف بتقسيماتها الشاطئية والإرخبيلية, وقد باشرت بالفعل بتضييق الخناق على الحكومة اللبنانية باستخدام السلاح الطائفي المتاح لكل من يرغب بزعزعة الاستقرار في الأقطار العربية والإسلامية, ويعد من أسهل وابسط وأسرع الأسلحة المضمونة النتائج حتى في المجتمعات الإسلامية, التي تتظاهر بالتجانس والاستقرار المذهبي, فالقوى الشريرة عندها القدرة الكافية لاختراقنا بأساليبها الخبيثة, التي زرعت جذورها في المنطقة منذ عقود, واستعانت بها في تنفيذ مخططات التمزيق والتجزئة. .

    ختاما نقول: لقد أدرك البيت الأبيض أهمية الاكتشافات النفطية والغازية الجديد, واستنفر طاقاته كلها لإدخال التعديلات الطارئة على معاهدة (سايكس بيكو) لعام 1916, ومن المرجح أن يكون عام 2016 هو الموعد المقرر لإنتاج معاهدة جديد, بعد مرور قرن من الزمن على انتهاء صلاحية المعاهدة العتيقة, التي رسمت خطوطها الحدودية الفاصلة بين الأقطار العربية على التوقعات التخمينية للنفط, ثم جاء دور الغاز الذي سيعبث بمصير الدول العربية كافة, ومن دون استثناء, بما فيها الدول التي تقف الآن خلف الناتو, والدول التي تنكرت لدينها وعروبتها وارتضت بالذل والهوان, ورضخت لإرادة البيت الأبيض, وبما فيها الدول الإسلامية, التي ماانفكت تغذي الشرايين الرئيسة للتناحر الطائفي, الذي يعد من أمضى وأقوى وأرخص الأسلحة, التي استعان بها أعداء العرب في زعزعة أمنهم وتمزيقهم وتفريقهم وبعثرتهم وتجزئتهم. 

    والله يستر من الجايات

  • الجواهري: عذبه الوطن حيا.. فهل يريح رفاته ؟!!

      دعوة نبيلة من إعلامي عراقي؛ وموضوع يستحق أن تدرسه الدولة والحكومة؛ ويحسب لها في حالة تنفيذه لأنه يرتبط باسم من ألمع أسماء الثقافة العراقية والعربية: الجواهري العظيم.

    ولكي لا اعتدي على تفرّد الزميل (أنور الحمداني) سأضع رسالته الموجهة إلى فخامة الرئيس الطالباني؛ أمام دولة الرئيس أيضا؛ فمن أيٍّ تجيء المبادرة تحسب للجميع.

    تقول رسالة الحمداني أنور:

    فخامة الرئيس جلال طالباني المحترم

    في ظل الظروف الراهنة الذي تمر بها سوريا الشقيقة، من تطورات سياسية وأمنية، فأنني اليوم وتزامناً مع الذكرى الخامسة عشرة لرحيل الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري وانتم اعرف منا بالجواهري ، إنساناً وشاعراً، ومواطناً أصيلاً، ورمزاً وطنياً تغنت أشعاره بكل مكونات العراق، وتعدت أشعاره كل حدود المألوف فغدا بها أسطورة القرن العشرين ومتنبيه الذي أعطى صورة بصرية محسوسة عن أبي الطيب المتنبي أسطورة الشعر والأدب في القرن العاشر الميلادي، وللأسف كلاهما مات ودفن بعيداً عن كوفته أو عن بغداده وعن محبيه فما بين واسط بالعراق ودمشق في الشام توزعت ذكرى شاعرين خالدين وعظيمين في سفر الشعر العربي الخالد. 

    فخامة الرئيس المحترم

    إن ما تمر به سوريا الشقيقة قد يكون مفتوحاً على سيناريوهات عدة، وان كان الحفاظ على حياة وأموال الأحياء من المواطنين العراقيين المتواجدين هناك لا يقل أهمية من الحفاظ على قبور الاموات من ابناء هذا الوطن العراقي المبدع الخلاق، وهو ما يجب ان تدافع عنه كل مؤسسات الدولة العراقية وحكومتها، ولكن الذي يهمنا نحن المثقفين والإعلاميين العراقيين هو الحفاظ على ارثنا من الضياع هناك ومنها ضريح وقبر الجواهري وبقية صحبه من المبدعين العراقيين المدفونين في مقابر دمشق كالشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي والعلامة الشاعر مصطفى جمال الدين والمفكر هادي العلوي وآخرين.

    ولذا أتوجه إلى فخامتكم برسالة اطمح فيها أن يتفضل سيادتكم بالتوجيه لإرسال لجنة فنية وثقافية عراقية مختصة الى سوريا الشقيقة لتقييم وضع أضرحة مبدعي العراق هناك، وان وجدت اللجنة من الأفضل نقلهم لدفنهم في العراق ومنها رفات الشاعر الجواهري الخالد، فأن الواجب الوطني والثقافي أن يتم نقل رفاتهم بموكب وتشييع رسمي عالي المستوى ليدفنوا في العراق ومنهم إعادة الجواهري إلى مدافن عائلته آل الجواهر في مقبرة السلام بالنجف الأشرف أن رغبت عائلته وأبناؤه وأحفاده بذلك، او ان يقام له صرح ومعلم كبير في بغداد التي تغنى بها الشاعر الجواهري كثيراً وان يكون الضريح مطلاً على نهر دجلة الخير كما نرجو نحن، وفي مكان مرموق ومعلم مشهود، انني اتقدم بدعوتي ورسالتي هذه كمواطن وإعلامي ومن الوسط الثقافي العراقي، ولست ممثلاً الا لنفسي او من يتفق معي بالرأي ، ولفخامتكم  تقييم رسالتي هذه وتقبلوا أسمى الاعتبار والتقدير) انتهت الرسالة.

    • اللجنة الثقافية في البرلمان العراقي أقرّت قبل أيام إحدى قصائد الجواهري لتكون (النشيد الوطني العراقي) فهل نقرّ النشيد وننسى صاحبه!! 

    أنا مع رسالة أنور الحمداني؛ وها هو إمضائي معه.

  • ديمقراطية «الطماطة».. وأشياء أخرى

      تختلف المعايير والتقاليد الاجتماعية والأخلاقية، باختلاف طبيعة المجتمعات، فما يبدو ويعدو عيبا-عندنا- في الشرق،قد يبدو ويعدو-عندهم- في الغرب أمرا عاديا، لنا صديق صحفي عتيد، درس الإعلام في بريطانيا منتصف ثمانينات القرن الماضي،ويسكن مع عائلة انكليزية،أحبته وأحبها،حتى صار واحدا منهم، وتصادف أن تقدم على خطبة ابنتهم الوحيدة شخص له علاقة معها، وكانت تحبه، لكن أباها كان يرفض زواجها منه، وحين حاول صاحبنا التدخل -بطلب من أم العروس- لإقناع والدها، الذي اخبره وبالفم المليان؛ (أن هذا العريس، ليس شريفا) وحين دارت دوائر الشكوك توالت الظنون تلو الظنون، في رأس زملينا وأبن مهنتنا، وأحد أنباء جلدتنا، شرح له الأب معنى المعنى المنافي للشرف، موضحا: (بأن المدعو لا يقوم بدفع الضرائب التي بذمته للحكومة كما يجب).!!     مدخل مثل هذا، قد يوصلنا الى تلافي الحادثة الأخيرة (منتصف/تموز/هذا العام) التي تعرضت اليها وزيرة خارجية (ماما أمريكا) هيلاري كلنتون، أثناء زيارتها مصر، وألقاها كلمة في قنصلية بلدها في الإسكندرية، انتهت برشقها بالطماطة وأشياء أخرى من قبل المتظاهرين المصريين المحتجين على طبيعة الزيارة ولقائها الرئيس المنتخب والمشير طنطاوي، فقد ابتسمت وصرحت بهدوء نملة وثقة مارد، بأن ما حصل- ضدها- يعد مؤشرا على تزايد الحرية والتعبير في مصر، ودلالة عافية لقدوم الآنسة المصون (الديمقراطية) القادمة- بالتلويح- من قبل أمريكا التي أضحت تصدر هذه (النعمة) هدية لكل بلدان العالم المحرومة منها، الطريف والجميل بهذه الحادثة، أن السيدة كلنتون، كانت قد أعلنت- ايضا- عن عميق أسفها لضياع الطعام (أي الطماطة) على الأرض، وقالت بالنص لدى زيارتها القدس المحتلة،بعد مغادرتها مصر:  ( ارتحت لان أحدا لم يصب،وأسفت على ضياع ثمرات طيبة من الطماطة)، وتجدر الإشارة الى أن إحدى (الطماطيات) قد أصابت مسؤولا مصريا في وجهه، وسقطت أحذية وزجاجة ماء قرب السيارة المصفحة التي كانت تقل وفد السيدة كلنتون والتي ألقت كلمة عن الحقوق الديمقراطية، في وقت كان يهتف المتظاهرون المصريون خارج القاعة: (مونيكا … مونيكا) في إشارة الى علاقة زوج هيلاري الرئيس الأمريكي الأسبق (بيل كلنتون) بـ(مونيكا لوينسكي) عندما كان في البيت الأبيض وحادثة الشرف إياها، التي ملأت مجلدات من الصحف والمجلات والرسوم الكاريكاتيرية في عموم  وسائل الاعلام في العالم، بعد منتصف تسعينيات القرن العشرين، سجلت كل شاردة وواردة من تفاصيل قصة الاعتداء الجنسي الذي حصل بينهما (بيل ومونيكا)، دون أن يطرق جفنا لعين سيدة حادثة الطماطة، بعد أن تفهمت كل ابعاد تلك الخيانة الزوجية التي الزمت الزوج كلنتون، ان يعتذر لها شخصيا،وأن يكفر عن ذنب الكذب الذي دفعه لانكار  تلك العلاقة وقسمه الباطل امام عدالة القانون الأمريكي،خوفا على سمعة عائلته،وحرصا على بقاء عش الزوجية قائما- دائما وقويا.

     لا يمكن طبعا،نسيان حادثة حذاء منتظر الزيدي، الذي رشق به بوش الابن الذي بالتعليق على ذلك الحادث (الجلل) بأنه لمح فردتي حذاء خطفت من جانبه سريعا،وخمن باحتمال أن تكون بقياس(44) أو (43) وابتسم، فلا مشكلة بالموضوع… يا جماعة الخير،أنها الديمقراطية بكل فنونها ومختلف أنواعها، لمن يفهم.