“ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما” – 93- النساء .
الدكتور علي التميمي
من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم أن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون “- المائدة – 32-
“وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون” – المائدة – 45-
قرأنا لبعض من يقول أن مسدس كاتم الصوت الذي شاع استعماله أخيرا في العراق ولاسيما في بغداد للقتل بطريقة عشوائية كما ظهر من اعترافات من اعترفوا أخيرا بذلك من على شاشة الفضائية العراقية , وقد ظهر واضحا أن أولئك القتلة استخدموا من قبل جهات عدوانية تريد إشاعة الفوضى والرعب من خلال استعمال المسدس كاتم الصوت في قتل المجني عليهم تعمدا وذلك للأسباب التالية :-
1- سهولة ممارسة القتل العمد
2- سهولة اقتناص المغدور بهم
3- سهولة أخفاء الجريمة
4- تضييع فرص وجود الشاهد لعدم انتباه من هم في منطقة الجريمة ألا بعد مرور وقت
5- تفويت فرصة إنقاذ وإسعاف المجني عليهم بسبب عدم معرفة من هم بالقرب من الحادث ألا بعد مرور وقت ربما يكون طويلا .
وسنرى من خلال هذه النقاط الخمس أنه يمكن الوصول الى استنتاج الحكم الشرعي بمثل هذا العمل من القتل العمد والذي أستعمل فيه سلاح جديد لم يكن موجودا من قبل مما جعل القضاء الوضعي يقف حائرا , مدعيا أنه لا يمتلك نصا بهذا الخصوص كما ذكر بعض من كتبوا عن هذا الموضوع محتجين بعدم وجود نص في الدستور العراقي أو في قانون المحاكم الجنائية التي تتبع القانون الوضعي , وحتى نضع القارئ والمتابع بصورة قصور القانون الوضعي وتخلفه عن عدم القدرة على أنصاف الناس وإعطائهم حقوقهم من جراء ما يتعرضون له من ألاعتداءات التي تكون متمثلة بالجراحات أو بالكرامات الشخصية وهي مما يحرص عليه القانون الشرعي الذي قسم الإيقاعات الى :-
1- القصاص وله تفاصيل كثيرة قال المحقق الحلي رحمه الله : القتل العمد يوجب القصاص لا الدية – شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام – ج8- ص 225- الشيخ نجم الدين محمد بن الحسن الهذلي المعروف بالمحقق الحلي .
2- الحدود : وهو كل ماله عقوبة مقدرة
3- التعزير : ما ليس له عقوبة مقدرة
وأما ” الدية ” فهي ما يترتب على الجاني في تلك الأقسام من عقوبة جسدية كما في القتل العمد وفقدان الأطراف والأعضاء والجراحات أو عقوبة مالية كما سيأتي أو عقوبة معنوية كالصيام مثلا .
وحتى نوضح الفارق بين القانون الشرعي وبين القانون الوضعي , نضرب مثالا بالجراح والكدمات التي يتعرض لها المجني عليهم فمثلا أعتبر القانون الشرعي ” الفقه ” أن الشجاج والجراح تقسم الى ثمان هي :-
1- الحارصة
2- الدامية
3- المتلاحمة
4- السمحاق
5- الموضحة
6- الهاشمة
7- المنقلة
8- المأمومة
ولكل من هذه الأقسام عقوبتها المحددة بوضوح بحيث لا تضيع حقوق الناس كما سيأتي بيانه , بينما نرى أن القانون الوضعي يعتمد في تقسيم الجراح والشجاج على علم الطب ورغم كل الجهود الطيبة التي قدمها علم الطب ولاسيما الجراحة وقسم الطب العدلي ألا أننا نجده يقسم الجراح والشجاج والكسور الى ما يلي :-
1 – جرح خدشي
2- جرح قطعي
3- جرح هرسي غير منتظم
4- كسر بسيط
5- كسر مركب
6- كسر مفتت
وهكذا رأينا أن القانون الشرعي أكثر تفصيلا من القانون الوضعي وعلى هذا لو تعرض إنسان الى ضربة كف ” من شخص معتدي فهذه الضربة تؤدي الى ألاحمرار الذي ربما يزول بسرعة وإذا جاءت على العين والمناطق الرخوة فأنها تؤدي الى ما يلي :-
1- التورم
2- الاسوداد
3- الاخضرار
وعندما يحدث الحادث ويذهب المعتدى عليه لتقديم شكوى ضد الجاني يطلب منه مركز الشرطة تقريرا طبيا وعندما يذهب للطبيب في الساعات الأولى , فالطبيب لا يشاهد ربما فقط أثر احمرار خفيف فيعطيه تداوي لمدة ” 24″ ساعة لعدم وجود جرح أو مضاعفات أخرى , فيذهب المعتدى عليه للقاضي الذي لا يحكم في مثل هذه الحالات على الجاني بشيء ألا أن يكون تقرير الطبيب من ثلاثة أيام فما فوق للتداوي والعلاج أو دخول المستشفى .
بينما القانون الشرعي يعطي للمضروب بالكف حقا هو الدية على الشكل التالي :-
1- إذا كان مكان الضرب محمرا فله عقوبة ” دينار ونصف الدينار شرعي , والدينار الشرعي ثلاثة أرباع مثقال الذهب ومثقال الذهب يقترب من خمسة غرامات .
2- أذا كان المكان مسودا فديته : ثلاثة دنانير شرعية .
3- وإذا كان المكان مخضرا فديته ستة دنانير ويعادل بالقيمة التي ذكرناها , وعلى هذا يكون المعتدى عليه قد أوجب له القانون الشرعي حقا تأديبيا بدفع دية من قبل الجاني بينما رأينا القانون الوضعي ترك الجاني طليقا بدون عقوبة وترك المجني عليه مغدورا في الحق وفي النفس لما له من أثر على شخصية من يعتدى عليه ولو بالضرب غير المؤذي ولكنه مهين وشائن بحق الناس , وهذا الموقف الشرعي هو الذي يحافظ على حقوق الناس مثلما يحافظ على فرض القانون وهيبة الدولة واحترام الفرد والمجتمع وذلك من خلال تطبيق القانون ومن خلال تفاصيل القانون التي تلاحق كل الحالات صغيرها وكبيرها ومن هنا قال الإمام الصادق عليه السلام : لم تترك الشريعة من شيء حتى الارش في الخدش .
وأما ديات الجراح والشجاج فهي على الشكل الآتي :-
1- الخارصة : وهي التي تقشر الجلد , وديتها ” بعير ”
2- الدامية : وهي التي تأخذ من اللحم وفيها ” بعيران ”
3- المتلاحمة : وهي التي تأخذ اللحم كثيرا ولا تبلغ السمحاق وفيها ” ثلاثة أبعرة ”
4- السمحاق : وهي التي تبلغ القشرة المغطية للعظم وفيها ” أربعة أبعرة ”
5- الموضحة : وهي التي تكشف العظم وفيها ” خمسة أبعرة ”
6- الهاشمة : وهي التي تهشم العظم وديتها ” 10″ من الإبل
7- المنقلة : وهي التي تنقل العظم من موضعه ” كسر مركب ” فديتها ” 15″ من الإبل
8- المأمومة : وهي التي تبلغ أم الرأس وهي الخريطة التي تجمع الدماغ ففيها ثلث دية الانسان وهي : ” 33″ بعيرا
9- الدامغة : وهي التي تفتق الخريطة أي غشاء الدماغ فقد قالوا أن السلامة معها بعيدة فأن فارق الحياة فالدية كاملة وأن لم يفارق الحياة فالدية تحسب بحسب الآثار المترتبة مع زياداتها على “33” بعيرا .
وهكذا رأينا قدرة القانون الشرعي على أعطاء الناس حقوقهم لاكما هو في القانون العراقي في التسعينات وتعديلاته المعمول بها ولا في قانون بريمر الحاكم المدني في العراق والذي يرجع إليه من يعمل في القانون الوضعي , وبناء على ما أوضحنا يمكننا ألان تقريب الصورة للقارئ والمتابع من خلال أمثلة عملية حكم بها من هو في تصريح رسول الله “ص” أقضى الخلفاء بل أقضى المسلمين عامة في مسائل القضاء والفتاوى . وسنأخذ مثالا على ذلك باب ” تزاحم الموجبات ” في الفقه الإسلامي وهو الفقه المنقول عن رسول الله “ص” بواسطة علي بن أبي طالب عليه السلام الذي قال عنه رسول الله “ص” : أنا مدينة العلم وعلي بابها ” وعن علي بن أبي طالب أخذ لائمة الأطهار من أهل البيت عليهم السلام الذين جعلهم الله هم الذين يتمتعون بالصفات الآتية :-
1- هم أولي الأمر الواجبة طاعتهم
2- هم أهل الذكر
3- هم الراسخون في العلم
4- هم المخولون بعد الله ورسوله بتأويل القرآن
5- هم من يتقي الله حق تقاته
6- هم من يجاهد في سبيل الله حق جهاده
7- هم أهل المودة التي جعلت بدلا عن أجر رسول الله
8- هم أولي الأرحام
9- هم السابقون السابقون
10- هم الذين يحبون الله ورسوله ويحبهم الله ورسوله
11- هم الذين أذا قرأ القرآن وجلت قلوبهم وأزدادوا خشوعا
12- هم الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم
13- هم أفصح الناس وأنصح الناس وأصبح الناس
14- هم الذين لم يستكينوا ولم يهنوا لما أصابهم في سبيل الله .
هؤلاء هم من ثبت عند كافة المسلمين الذين عاصروهم بأنهم شجرة العلم ومختلف الملائكة وأهل بيت النبوة , فعندما نأخذ علومنا من هؤلاء نكون على الطريق الصحيح والمحجة البيضاء وهؤلاء هم من وضعوا قاعة ” تزاحم الموجبات ” التي تقول أذا أتفق المباشر والسبب ضمن المباشر ويضربون على ذلك أمثلة مثل :-
1- كالدافع مع الحافر
2- والممسك مع الذابح
3- وواضع الحجر في الكفة مع جاذب المنجنيق واليوم مثالها كواضع القنبلة أو الصاروخ في فوهة السبطانة والرامي أي القداح . وتوزيع المسؤولية عليهما .
ومن الأمثلة العملية التي يضربونها ويريدون بها كيف تتضاعف المسؤولية وفي مثال المسدس الكاتم للصوت المستعمل في القتل كيف سنرى بسهولة مضاعفة العقوبة
ففي مثال : ” الزريبة ” يقولون لو وقع واحد في زريبة الأسد , فتعلق به ثان , وتعلق بالثاني ثالث وبالثالث رابع فأفترسهم الأسد .
ففي رواية محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال : قضى أمير المؤمنين علي عليه السلام على الشكل الآتي :-
1- في الأول فريسة الأسد , ويغرم أهله ثلث دية الثاني “33” بعيرا
2- ويغرم الثاني لآهل الثالث ثلثي الدية “66” جملا ”
3- ويغرم الثالث لآهل الرابع الدية كاملة ” 100″ بعير . لماذا لآن الأول هو من أفترسه الأسد فلا دية له , والثاني كان بسبب الأول فتدفع لأهله ثلث الدية كتخفيف لآن من أفترسه الأسد له ظرف نفسي مخفف , أما الثاني فيدفع أهله للثالث ” 66″ لأنه لم يكن موقفه من الناحية النفسية كموقف الأول , وأما الثالث فيدفع أهله لآهل الرابع دية كاملة لعدم وجود ظروف مخففة لحالته .
المحقق الحلي – شرائع الإسلام ج8 ص313
وعلى هذا يكون القاتل بالمسدس الكاتم للصوت يتحمل مسؤولية مضاعفة في تشديد العقوبة للأسباب التي ذكرناها في مقدمة هذه الدراسة .