Blog

  • حكــم القصـــاص في كـــاتــم الصــــوت

    “ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما” – 93- النساء . 

    الدكتور علي التميمي 

    من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم أن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون “- المائدة – 32- 

    “وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون” – المائدة – 45- 

    قرأنا لبعض من يقول أن مسدس كاتم الصوت الذي شاع استعماله أخيرا في العراق ولاسيما في بغداد للقتل بطريقة عشوائية كما ظهر من اعترافات من اعترفوا أخيرا بذلك من على شاشة الفضائية العراقية , وقد ظهر واضحا أن أولئك القتلة استخدموا من قبل جهات عدوانية تريد إشاعة الفوضى والرعب من خلال استعمال المسدس كاتم الصوت في قتل المجني عليهم تعمدا وذلك للأسباب التالية :- 

    1-  سهولة ممارسة القتل العمد 

    2-  سهولة اقتناص المغدور بهم 

    3-  سهولة أخفاء الجريمة 

    4-  تضييع فرص وجود الشاهد لعدم انتباه من هم في منطقة الجريمة ألا بعد مرور وقت 

    5-  تفويت فرصة إنقاذ وإسعاف المجني عليهم بسبب عدم معرفة من هم بالقرب من الحادث ألا بعد مرور وقت ربما يكون طويلا . 

    وسنرى من خلال هذه النقاط الخمس أنه يمكن الوصول الى استنتاج الحكم الشرعي بمثل هذا العمل من القتل العمد والذي أستعمل فيه سلاح جديد لم يكن موجودا من قبل مما جعل القضاء الوضعي يقف حائرا , مدعيا أنه لا يمتلك نصا بهذا الخصوص كما ذكر بعض من كتبوا عن هذا الموضوع محتجين بعدم وجود نص في الدستور العراقي أو في قانون المحاكم الجنائية التي تتبع القانون الوضعي , وحتى نضع القارئ والمتابع بصورة قصور القانون الوضعي وتخلفه عن عدم القدرة على أنصاف الناس وإعطائهم حقوقهم من جراء ما يتعرضون له من ألاعتداءات التي تكون متمثلة بالجراحات أو بالكرامات الشخصية وهي مما يحرص عليه القانون الشرعي الذي قسم الإيقاعات الى :- 

    1-  القصاص وله تفاصيل كثيرة قال المحقق الحلي رحمه الله : القتل العمد يوجب القصاص لا الدية – شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام – ج8- ص 225- الشيخ نجم الدين محمد بن الحسن الهذلي المعروف بالمحقق الحلي . 

    2-  الحدود : وهو كل ماله عقوبة مقدرة 

    3-  التعزير : ما ليس له عقوبة مقدرة 

    وأما ” الدية ” فهي ما يترتب على الجاني في تلك الأقسام من عقوبة جسدية كما في القتل العمد وفقدان الأطراف والأعضاء والجراحات أو عقوبة مالية كما سيأتي أو عقوبة معنوية كالصيام مثلا . 

    وحتى نوضح الفارق بين القانون الشرعي وبين القانون الوضعي , نضرب مثالا بالجراح والكدمات التي يتعرض لها المجني عليهم فمثلا أعتبر القانون الشرعي ” الفقه ” أن الشجاج والجراح تقسم الى ثمان هي :- 

    1-  الحارصة 

    2-  الدامية 

    3-  المتلاحمة 

    4-  السمحاق 

    5-  الموضحة 

    6-  الهاشمة 

    7-  المنقلة 

    8-  المأمومة 

    ولكل من هذه الأقسام عقوبتها المحددة بوضوح بحيث لا تضيع حقوق الناس كما سيأتي بيانه , بينما نرى أن القانون الوضعي يعتمد في تقسيم الجراح والشجاج على علم الطب ورغم كل الجهود الطيبة التي قدمها علم الطب ولاسيما الجراحة وقسم الطب العدلي ألا أننا نجده يقسم الجراح والشجاج والكسور الى ما يلي :- 

    1 – جرح خدشي 

    2- جرح قطعي 

    3- جرح هرسي غير منتظم 

    4- كسر بسيط 

    5-  كسر مركب 

    6-  كسر مفتت   

    وهكذا رأينا أن القانون الشرعي أكثر تفصيلا من القانون الوضعي وعلى هذا لو تعرض إنسان الى ضربة كف ” من شخص معتدي فهذه الضربة تؤدي الى ألاحمرار الذي ربما يزول بسرعة وإذا جاءت على العين والمناطق الرخوة فأنها تؤدي الى ما يلي :- 

    1-  التورم 

    2-  الاسوداد 

    3-  الاخضرار 

    وعندما يحدث الحادث ويذهب المعتدى عليه لتقديم شكوى ضد الجاني يطلب منه مركز الشرطة تقريرا طبيا وعندما يذهب للطبيب في الساعات الأولى , فالطبيب لا يشاهد ربما فقط أثر احمرار  خفيف  فيعطيه تداوي لمدة ” 24″ ساعة لعدم وجود جرح أو مضاعفات أخرى , فيذهب المعتدى عليه للقاضي الذي لا يحكم في مثل هذه الحالات على الجاني بشيء ألا أن يكون تقرير الطبيب من ثلاثة أيام فما فوق للتداوي والعلاج أو دخول المستشفى . 

    بينما القانون الشرعي يعطي للمضروب بالكف حقا هو الدية على الشكل التالي :- 

    1-  إذا كان مكان الضرب محمرا فله عقوبة ” دينار ونصف الدينار شرعي , والدينار الشرعي ثلاثة أرباع مثقال الذهب ومثقال الذهب يقترب من خمسة غرامات . 

    2-  أذا كان المكان مسودا فديته : ثلاثة دنانير شرعية . 

    3-  وإذا كان المكان مخضرا فديته ستة دنانير ويعادل بالقيمة التي ذكرناها , وعلى هذا يكون المعتدى عليه قد أوجب له القانون الشرعي حقا تأديبيا بدفع دية من قبل الجاني بينما رأينا القانون الوضعي ترك الجاني طليقا بدون عقوبة وترك المجني عليه مغدورا في الحق وفي النفس لما له من أثر على شخصية من يعتدى عليه ولو بالضرب غير المؤذي ولكنه مهين وشائن بحق الناس , وهذا الموقف الشرعي هو الذي يحافظ على حقوق الناس مثلما يحافظ على فرض القانون وهيبة الدولة واحترام الفرد والمجتمع وذلك من خلال تطبيق القانون ومن خلال تفاصيل القانون التي تلاحق كل الحالات صغيرها وكبيرها ومن هنا قال الإمام الصادق عليه السلام : لم تترك الشريعة من شيء حتى الارش في الخدش . 

    وأما ديات الجراح والشجاج فهي على الشكل الآتي :- 

    1- الخارصة : وهي التي تقشر الجلد , وديتها ” بعير ” 

    2-  الدامية : وهي التي تأخذ من اللحم وفيها ” بعيران ” 

    3-  المتلاحمة : وهي التي تأخذ اللحم كثيرا ولا تبلغ السمحاق وفيها ” ثلاثة أبعرة ” 

    4-  السمحاق : وهي التي تبلغ القشرة المغطية للعظم وفيها ” أربعة أبعرة ” 

    5-  الموضحة : وهي التي تكشف العظم وفيها ” خمسة أبعرة ” 

    6-  الهاشمة : وهي التي تهشم العظم وديتها ” 10″ من الإبل 

    7-  المنقلة : وهي التي تنقل العظم من موضعه ” كسر مركب ” فديتها ” 15″ من الإبل 

    8-  المأمومة : وهي التي تبلغ أم الرأس وهي الخريطة التي تجمع الدماغ ففيها ثلث دية الانسان وهي : ” 33″ بعيرا 

    9-  الدامغة : وهي التي تفتق الخريطة أي غشاء الدماغ فقد قالوا أن السلامة معها بعيدة فأن فارق الحياة فالدية كاملة وأن لم يفارق الحياة فالدية تحسب بحسب الآثار المترتبة مع زياداتها على “33” بعيرا . 

    وهكذا رأينا قدرة القانون الشرعي على أعطاء الناس حقوقهم لاكما هو في القانون العراقي في التسعينات وتعديلاته المعمول بها ولا في قانون بريمر الحاكم المدني في العراق والذي يرجع إليه من يعمل في القانون الوضعي , وبناء على ما أوضحنا يمكننا ألان تقريب الصورة للقارئ والمتابع من خلال أمثلة عملية حكم بها من هو في تصريح رسول الله “ص” أقضى الخلفاء بل أقضى المسلمين عامة في مسائل القضاء والفتاوى . وسنأخذ مثالا على ذلك باب ” تزاحم الموجبات ” في الفقه الإسلامي وهو الفقه المنقول عن رسول الله “ص” بواسطة علي بن أبي طالب عليه السلام الذي قال عنه رسول الله “ص” : أنا مدينة العلم وعلي بابها ” وعن علي بن أبي طالب أخذ لائمة الأطهار من أهل البيت عليهم السلام الذين جعلهم الله هم الذين يتمتعون بالصفات الآتية :- 

    1-  هم أولي الأمر الواجبة طاعتهم 

    2-  هم أهل الذكر 

    3-  هم الراسخون في العلم 

    4-  هم المخولون بعد الله ورسوله بتأويل القرآن 

    5-  هم من يتقي الله حق تقاته 

    6-  هم من يجاهد في سبيل الله حق جهاده 

    7-  هم أهل المودة التي جعلت بدلا عن أجر رسول الله 

    8-  هم أولي الأرحام 

    9-  هم السابقون السابقون 

    10-     هم الذين يحبون الله ورسوله ويحبهم الله ورسوله 

    11-     هم الذين أذا قرأ القرآن وجلت قلوبهم وأزدادوا خشوعا 

    12-    هم الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم 

    13-    هم أفصح الناس وأنصح الناس وأصبح الناس 

    14-    هم الذين لم يستكينوا ولم يهنوا لما أصابهم في سبيل الله .

    هؤلاء هم من ثبت عند كافة المسلمين الذين عاصروهم بأنهم شجرة العلم ومختلف الملائكة وأهل بيت النبوة , فعندما نأخذ علومنا من هؤلاء نكون على الطريق الصحيح والمحجة البيضاء وهؤلاء هم من وضعوا قاعة ” تزاحم الموجبات ” التي تقول أذا أتفق المباشر والسبب ضمن المباشر ويضربون على ذلك أمثلة مثل :- 

    1-  كالدافع مع الحافر 

    2-  والممسك مع الذابح 

    3-  وواضع الحجر في الكفة مع جاذب المنجنيق واليوم مثالها كواضع القنبلة أو الصاروخ في فوهة السبطانة والرامي أي القداح . وتوزيع المسؤولية عليهما . 

    ومن الأمثلة العملية التي يضربونها ويريدون بها كيف تتضاعف المسؤولية وفي مثال المسدس الكاتم للصوت المستعمل في القتل كيف سنرى بسهولة مضاعفة العقوبة 

    ففي مثال : ” الزريبة ” يقولون لو وقع واحد في زريبة الأسد , فتعلق به ثان , وتعلق بالثاني ثالث وبالثالث رابع فأفترسهم الأسد . 

    ففي رواية محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال : قضى أمير المؤمنين علي عليه السلام على الشكل الآتي :- 

    1-  في الأول فريسة الأسد , ويغرم أهله ثلث دية الثاني “33” بعيرا 

    2-  ويغرم الثاني لآهل الثالث ثلثي الدية “66” جملا ” 

    3-  ويغرم الثالث لآهل الرابع الدية كاملة ” 100″ بعير . لماذا لآن الأول هو من أفترسه الأسد فلا دية له , والثاني كان بسبب الأول فتدفع لأهله ثلث الدية كتخفيف لآن من أفترسه الأسد له ظرف نفسي مخفف , أما الثاني فيدفع أهله للثالث ” 66″ لأنه لم يكن موقفه من الناحية النفسية كموقف الأول , وأما الثالث فيدفع أهله لآهل الرابع دية كاملة لعدم وجود ظروف مخففة لحالته . 

    المحقق الحلي – شرائع الإسلام ج8 ص313   

    وعلى هذا يكون القاتل بالمسدس الكاتم للصوت يتحمل مسؤولية مضاعفة في تشديد العقوبة للأسباب التي ذكرناها في مقدمة هذه الدراسة  . 

  • قيود المضايف !

    منذ طفولتي وحتى بلوغي سن المراهقة ومرحلة الشباب، وأنا احسد وجهاء عشيرتي حسدا علنيا لا غبار عليه، وأتمنى لو كنت واحدا منهم، فهذه المجموعة من الرجال وحدها من يحق لها الجلوس في صدر المضيف الى يمين الشيخ ويساره، ووحدها القادرة على الكلام وإبداء الرأي في حضرته والاستئثار بتناول الطعام (الفاخر) معه!

    اما وقد حصلت على الشهادة الجامعية، وأصبح اسمي يظهر في الجرايد، وقاربت السبعين من العمر، فقد اوجب العرف العشائري ان أكون واحدا من الوجهاء، وهذا ما حصل فعلا، بل أصبحت وجيها بامتياز، لان اغلب وجهاء عشيرتنا لا يحسنون القراءة والكتابة، ولا تظهر أسماؤهم في الجرايد إلا في حالة الوفاة! 

    بدأت احضر الى المضيف بصورة يومية واتخذ مقعدي الى يمين الشيخ مباشرة، ولكنني بمرور الوقت اكتشفت ان الوجيه لا يساوي فلسين، فمع الامتيازات الظاهرية التي يتمتع بها، إلا ان الأمر والنهي والحل والربط والكلمة النهائية، هي للشيخ وحده من دون الآخرين، وانه صاحب القرار الملزم الذي لا يرد، وليس أدل على ذلك من الموقف الذي تعرضت له، فذات مساء، قبل الانتخابات السابقة بأشهر قليلة، اصدر لي أمراً مفاجئاً بالترشيح الى البرلمان ولم يسمح لي بالرفض او الاعتراض، على الرغم من أنني أوضحت له، ان من شروط النائب التقليدية، ان يجيد فن التآمر لاسقاط المقابل وانا مثل الاطرش بالزفة في ميدان المؤامرات، ولكن من دون جدوى، فقد وضع يده على شاربه وقال [سأحلقه اذا لم اضمن لك الفوز] ويبدو ان الحماسة اخذته بعيدا عندما وضع يده على شاربه للمرة الثانية وقال [سأحلقه وارتدي عباءة النسوان، ان لم اضمن لك منصب رئيس الحكومة]، وتحدث طويلا عن منزلته وعلاقاته وتحالفه، ولان منصب رئيس الحكومة أصبح في الجيب، فقد أمرني ان أهيئ قائمة بوزراء الحكومة واعرضها عليه، ولم يكن أمامي سوى الطاعة انسجاما مع العرف العشائري!!

    وعكفت على اختيار افضل العناصر الوطنية المستقلة وغير المستقلة، وأعلاها شهادة وأكثرها كفاءة ونزاهة، إلا انه رفض التشكيلة، مثلما رفض التشكيلة الثانية والثالثة من دون ان يذكر سببا، وهيأت التشكيلة الرابعة وانا حريص على الثوابت نفسها (الوطنية والشهادة والكفاءة والنزاهة) وقررت ألا أتراجع عنها مهما كان الثمن، وحين عرضتها عليه، قرأها بسرعة، وقام على الفور بتمزيق القائمة وهو يصرخ في وجهي [لايوجد وزير واحد من عشيرتنا، ولا من المتحالفين معنا، ماذا أقول لهم، النضال علينا والسلطة لغيرنا؟!]، أجبته [لم نصل الى السلطة لتوزيع المناصب، وإنما لاختيار العراقيين القادرين على خدمة الناس]، وألقيت محاضرة إنشائية طويلة عن أهمية العناصر الوطنية الكفوءة، وهذا يغلي غضبا، وقبل ان يطردني من المضيف كما يقضي العرف، غادرت المكان، وأعلنت براءتي من العشيرة، وشعرت للمرة الأولى بأنني حر، وقادر على اتخاذ القرار الذي لم اقنع به، وعلى تشكيل حكومة مثالية، ولكن المشكلة، إنني منذ اللحظة التي أصبحت فيها حرا، لم يكلفني احد بتشكيل شيء، حتى لو كان منتخبا للأشبال!!

  • من يحرر الوند من سجنــه؟

    اغلب الظن أننا في العراق سنصحو من نومنا  في يوم قريب يخبئه لنا مستقبلنا المتعثر، لنكتشف أننا أصبحنا بلا انهار، ولا جداول، ولا أهوار، ولا بحار، ولا بحيرات. وربما ستكتشف أجيالنا القادمة أن زعماء قبيلتنا هم الذين اختاروا الوقوف على التل، ولم يتصدوا لمخططات القبائل، التي نفذت ضدنا أبشع جرائم التجفيف والتزحيف والتحريف والتجريف، بحيث شملت بمخططاتها الأنهار العراقية كلها من (الزاب الأعلى) إلى (السويب الأغلى)، وهم الذين كتبوا شهادات الوفاة، وحضروا مراسيم التشييع والدفن والعزاء، من دون أن يذرفوا دمعة واحدة على أرواح الجداول الميتة والمفقودة والمطمورة، ومن دون أن يتألموا على الأنهار التي وقعت في الأسر، أو التي تحولت إلى قنوات آسنة لتصريف المجاري الإيرانية، ومن دون أن ينتبهوا للمشاريع التركية الجبارة في هضبة الأناضول، فلم يعترضوا على مخططات السلطان الطيب (أردوغان) حامل لواء الإمبراطورية العثمانية الجديدة، ومساعيه الحثيثة لبناء أكثر من عشرين سداً فوق منابع دجلة والفرات، ولم يحتجوا على محاولات سوريا لجر نهر (دجلة)، وتحويل مجراه من الأراضي العراقية إلى صحراء الحسكة بتمويل من الكويت، بل أنهم لم يبدوا حتى هذه اللحظة أي اهتمام  بهذه الفاجعة الجغرافية المعقدة، التي عصفت ببساتين أرض السواد وحقولها، وقطعت شرايينها الاروائية من الشمال إلى الجنوب، ولم تكن الاحتجاجات الخجولة، التي أطلقتها بعض المنظمات الاجتماعية من باب التكسب السياسي تتناسب مع تاريخ ومستقبل الممرات الملاحية المهددة بالاختناق بعد اكتمال سدود ميناء مبارك، ولا تليق بتاريخ شط العرب، الذي فقد اسمه العربي، وتحول إلى مثانة عملاقة ممتلئة بفضلات مجاري مدينة عبادان والمحمرة، وهكذا تراوحت الموقف المتأرجحة بين التخاذل المتجدد والإهمال المتعمد.

    فهذه خانقين تتعرض اليوم للاختناق، وهذا نهر (الوند) الذي كان من اكبر روابط الود بين أهلنا في (ديالى) يقتله العطش، ويفقد آخر قطره من مياهه العذبة، والى الشمال منهما يتلوى نهر (هوشياري) ألما وحزنا على مياهه التي صادرتها إيران في آخر مراحل مشروعها (الأفق الأزرق)، الذي نفذته لتحويل مجاري الأنهر العراقية إلى داخل الأراضي الإيرانية لمسافات تصل إلى 800 كيلومتر. 

    بدأت إيران مراحل التجفيف بنهر (السويب)، ثم جففت نهر الكرخة وفروعه، بعدها أجهزت على نهر الكارون ومنعته من الامتزاج بشط العرب، فحولت مساره إلى ترعة (بهمنشير) ليصرف مياهه من هناك إلى البحر مباشرة، ودأبت منذ بضعة أعوام على قطع مياه نهر (الوند) عن البساتين العراقية في (ديالى) خلال مواسم الصيف، ما أدى إلى تضرر أكثر من 700 ألف عائلة عراقية، ولم تكتف إيران بهذا القطع المتكرر، بل رأت أنه من الأفضل لها تجفيف تلك الأنهار، وترك الأراضي العراق المروية قاعاً صفصفاً.

    ينساب نهر الوند من أعلى قمة جبل (الوند)، الذي لم يزل يحمل فوق أكتافه نقوش (داريوش) في سلسلة جبال زاكروس، ولهذا النهر أسماء كثيرة، منها: الون، وألوان، وحلوان، وهلوان، وهلمان، إلا أن أقرب الأسماء إلى الشيوع والتداول بين عامة الناس هو (ألوَن)، والاسم في اللغات القديمة يعني (العلياء)، ويلتقي مع شقيقه نهر (سيروان) ليكونا معا نهر (ديالى).

    يتمرد هذا النهر الهادئ في موسم الشتاء والربيع من كل عام، فيسميه الناس (الوند المجنون)، بسبب تهوره وهيجانه وطغيانه، وقد تصل به الرعونة إلى إلحاق الإضرار بمساحات شاسعة من الأراضي الزراعية الخصبة، بيد أن أضرار تلك الفيضانات الموسمية لا يمكن مقارنتها بمصيبة الجفاف مهما بلغت الفيضانات من العنف والقوة، فالنهر بأكمله يقبع اليوم في السجون الإيرانية الواقعة بين وديان جبال زاكروس، وينتظر من يحرره من هذه القيود التعسفية، فهل ستنصاع إيران لمتطلبات الجيرة والجوار، وتطلق سراح نهر (الوند)، وتفك قيوده لينساب في مجراه الطبيعي بين بساتين ديالى ؟، أم أنها ستطارد شقيقه (سيروان) وتمنعه من الجريان في ظل السكوت المطبق الذي يعم أرجاء القبيلة؟.

    سؤال

    متى تتقدم الحكومة العراقية بشكوى رسمية في المحافل الدولية ضد الأقطار التي قطعت عنا الجداول والسواقي من منابعها، وجففت الأنهار والروافد، وتسببت في تعطيشنا وتدميرنا وتجويعنا وتشريدنا ؟؟.

  • وزارات للأرصفة والجزر الوسطية …!

     لابد ان نعترف اولا ونحن في غمرة شهر رمضان الكريم بمنجزات امانة بغداد وهي تتويج لجهود شخصيات خيرة تؤمن بالله وتدرك جسامة الأمانة بكل معانيها، وهنالك نسبة من الفساد على طريقة زينة التي اختلست أموال الخزينة..!

     وليس دفاعا عن الأمانة والأمين نقول وللأسف ان العديد من التصريحات  من قادة وبرلمانيين لا تنطلق من مستندات ووقائع محددة مما يخلق حالة من الإحباط والعزوف عن العمل لاسيما حين تتلقف صحف الإثارة او فضائيات الأجندات المريضة تلك التصريحات فتنفخ فيها وتضخمها حتى تجعل المواطن الذي يصدقها يكفر في اليوم الذي خلفوه على حد تعبير المثل المصري ويتمنى الهرب من عراقيته  الى اي مكان في العالم خال من الفساد والإرهاب.

     ولنا بل للناس عتاب مع امانة بغداد فالعديد من دوائرها البلدية تتعمد لتجميل الشوارع الرئيسة والجزر الوسطية لا يهام الآخرين بمنجزاتها التي تختفي داخل المحلات والأزقة والمثال الصارخ بلدية الغدير وللأسف الشديد اشرنا في أكثر من مقال لإخفاقاتها دون ان نتلقى ردا او جوابا من مديرها العام او حتى من السيد الأمين الذي ناشدناه شخصيا نيابة عن أهالي المنطقة لزيارة زنقات المحلة 724 زقاق 74 ليرى حجم الخراب بعينه والحصار الذي يعانيه الأهالي من المحلات غير الأصولية لتصليح السيارات ونبش الشارع وطفح المجاري وعبث  ونفايات عيادة طبية تحولت لمستشفى غير رسمي ينتج الآلاف من الجرذان بسبب مخلفاته الطبية ونفايات مراجعيه، هذا الزقاق نموذج  مجسم للإهمال، المزدوج وهنالك شارع موسى بن النصير وهو الأخر نموذج لهدر الاموال وخلق الازدحام فقد عبدوه وجددوا الأرصفة  ووضعوا الاسيجة وبعد مدة قصيرة نبشوه وأعادوا أعماره بمقاولة جديدة خلعوا الاسيجة والأرصفة ثم زرعوها وجملوها ومرة ثالثة خربوها وأعادوها بمقاولات أخرى، ولعل المواطن يسأل لماذا لايوجد هنالك سقف زمني ونهائي لانجاز الأعمال…؟ ولماذا نعيد تأهيل ماتم تاهيلة، وهل ذلك اعترافا بفشل الحملات السابقة وعدم تطبيقها للمواصفات  ..؟ واذا كان كذلك فالأمانة مطالبة بالشفافية لاسيما أنها تمتلك إذاعة وصحف وربما سيكون لها فضائية مستقبلا فالمطلوب شر الغسيل القذر لهذه الشركات وفضح أولئك الذين أصبحوا بين ليلة وضحاها مقاولين كبار لا يتحدثون الا بمليارات الدولارات  بعد ان تطفلوا على الهندسة والمقاولات، المطلوب الإفصاح عن الأسماء الصريحة  للمفسدين والفاشلين والمقصرين لتعظيم القائمة السوداء لهذه القطط السمان وعدم التستر عليها..!

     الشعب يريد إنهاء ملفات الخدمات التي وعدت  امانة بغداد الناس فيها وإنهاء مهزلة الأرصفة والجزر الوسطية والثبات على خطة معلومة الخطوات والمواعيد، او السعي لاستحصال موافقة مجلس النواب لاستحداث وزارة للأرصفة والجزرات الوسطية ونعتقد ان هذا الأمر سيعجلون فيه لانه لايتعلق بتقليص رواتب النواب بل المزيد من المقاولات ونبش الطرقات..  وشعوب الأزقة بانتظار الجواب لإنهاء حالة الاكتاب…!

  • ليبيا ذكريات نموذجين من المعارضة العراقية ؟

    ألان وقد دخل ثوار ليبيا الى باب العزيزية حصن الذين أرادوا قهر الشعوب فأنقهروا , ومرأب الذين أرادوا أخفاء القامة ألايمانية التي جعلت من اللبنانيين يتوحدون حول عمامة مدرسة أهل البيت ذلك هو العملاق المتواضع والعقل المفكر موسى الصدر الذي عندما زار النجف عام 1959 وطلب منه الشهيد فيلسوف القرن العشرين محمد باقر الصدر أن يحضر بحث السيد الخوئي , وعندما حضر وبعد درس البحث سأل الشهيد محمد باقر الصدر أبن عمه موسى الصدر قائلا له : من وجدت ألاعلم ؟ قال السيد موسى الصدر للشهيد محمد باقر الصدر وجدتك أنت أعلم الجميع ؟ 

    ألان أصبح بأمكان اللبنانيين معرفة اللغز الذي أحاط بقضية أختفاء السيد موسى الصدر ورفيقيه , ولاسيما بعد أستقرار وأستتباب ألامن للمجلس الوطني ألانتقالي الليبي الذي سيعاني الكثير نتيجة الدمار والخراب الذي تركه المعتوه معمر القذافي صاحب الكتاب ألاخضر الذي طبعه أحد المسؤولين العراقيين الى اللغة الكردية وقدمه للقذافي الذي يقال أنه أهداه خمسة ملايين دولار ؟ 

    ومن هنا أريد للتاريخ وللوطن وشرفاء هذا الوطن وهم كثر أن أذكرهم بنوعين من المعارضة العراقية ومن حسب على المعارضة ولعب على شرنقة النفاق ولعبة ألاذلال التي كانت ألانظمة العربية تسترق بها شرف مدعي المعارضة والطارئين عليها وبعض هؤلاء من محترفي النفاق وألادعاء تسربوا بعد 2003 ليحصلوا على فتات موائد بريمر فيكون لهم مكانا هنا ومكانا هناك من كعكة الدولة العراقية التي أرادها المحتل أن تظل في تجاذبات لاتمنح العراقيين ماكانوا يأملونه بعد عذابات الدكتاتورية التي أتت على كل شيئ ؟ 

     لقد كانت المعارضة العراقية وعلى رأسها الحركة ألاسلامية محاصرة من قبل ألانظمة التي جعلت من صدام حسين وحزب البعث خيارها المؤقت لتفتيت العراق والمنطقة , وغباء صدام ومن معه جعلهم جنودا أوفياء لتلك اللعبة الماكرة والتي تظهر معالمها اليوم في تونس ومصر وفي ليبيا حيث يقوم فليتمان نائب وزير الخارجية ألامريكي بزيارة بنغازي وأعطاء توجيهاته لمن أجتمع بهم , ويقوم حلف الناتو بمؤازرة ظاهرية مترددة مع ضربات جوية تزرع الخراب ولا تكتب نصرا حقيقيا الذي لايمكن أن يتحقق ألا بدماء وتضحيات الشعب الليبي والذي سيجعله أمام تحدي كبير فيه الكثير من ألاختراقات التي سيكون أهمها نوايا حلف الناتو والمتعاونين معه الذين يمثلون الخاصرة الرخوة في منطقتنا ؟ 

    بعد أن شهدنا أختفاء صاحب الكتاب ألاخضر الذي سيظل يمثل قمة المنخفض الثقافي وقمة المنخفض السياسي الذي تعرضت له المنطقة العربية وألاسلامية والتي قلت عنها في أكثر من مناسبة أنها تقود الى الفقر والى ألاحتلال , ومثلما حدث للعراق من جراء حزب البعث وأميته الثقافية والسياسية , كذلك يحدث اليوم لليبيا من فقر مدقع وأحتلال يبسط هيمنته بطرق مختلفة أبسطها عنوان المساعدات التي سيجد الشعب الليبي نفسه مضطرا لها ؟ 

    لقد ظهر القذافي في السبعينات والثمانينات جاعلا من نفسه ظهيرا ومؤازرا لحركات المعارضة , وهو غطاء وقناع طالما لبسته أنظمة المنطقة الفاقدة للشعبية وألاصالة والمتحالفة سرا مع أنظمة اللوبي العالمي الذي تحتل أسرائيل فيه موقعا قياديا ولكن من خلف الكواليس التي يعرفها من يمتلك فراسة النظرة السياسية ؟ 

    ووجد بعض الذين قذفتهم ظروف الهجمة العدوانية لآنظمة المنطقة وفي مقدمتهم في ذلك الوقت نظام صدام حسين وحزب البعث , وجدوا أنفسهم بدون مؤهلات يعيشون أرهاصات المعارضة ذات العنفوان ألاسلامي , مما جعل البعض من هؤلاء يستسهلون الجلوس على موائد مخابرات تلك ألانظمة ومثلما ذهب ألاخوان المسلمون في سوريا الى صدام حسين وأصبح شارع حيفا منطقة أمنية للكثير منهم , كذلك ذهب البعض من المعارضة العراقية في تلك ألايام الى القذافي وأدعوا بأنهم من قادة المعارضة العراقية وأستلموا مئات ألالوف من الدولارات , وعندما أنكشف زيف أدعائهم راحوا يبحثوا عن مكان أخر فكانت السعودية وأنظمة الخليج ومنها الكويت في التسعينات هي من ذهب اليها المتسولون من المعارضة العراقية وكان البعض منهم يستلم راتبا شهريا من السفارات الكويتية ؟ 

    وظلت الهيمنة المخابراتية للقذافي مستمرة على بعض العراقيين حتى بعد 2003 ومن هم في مواقع المسؤولية اليوم كانوا يتعاطون العلاقة مع المخابرات الليبية الى وقت قريب , ومنهم من أصبح عضوا في البرلمان بواسطة التسلق مع القوائم وهو من كان يوما يقيم علاقة مع المخابرات الليبية ولابد من تأنيب الضمير لمن يمتلك ذلك ؟ 

    في العام 1986 حضرنا مؤتمر المثابة في طرابلس الذي كان القذافي ومخابراته يعتبرونه محطة لآصطياد العملاء ؟ وكنا نمثل المعارضة ألاسلامية في المؤتمر , وعندما أشترطنا على أدارة المؤتمر بما يعزز أستقلال هويتنا الوطنية وألاسلامية وعندما لم يلتزموا بها في أثناء أول جلسة للمؤتمر طلبت من أعضاء الوفد العراقي ألانسحاب من المؤتمر وفعلا أنسحبنا وذهبا فورا للفندق الذي نقيم فيه , وجائنا مستشار القذافي الى الفندق وكلمني فلم أرد عليه أمعانا في صلابة الموقف ؟ فقال لي مستميلا يادكتور نحن الليبيون عندما يبكي لنا طفل تقول له أمه : خاطر حسن وحسين ياأبني أسكت ؟ ووجه ألاستمالة واضح فقلت له : نحن بدو لاتؤثر فينا المخدرات ؟ فقال : ونحن الليبيون أيضا بدو قلت له : أنتم في شمال أفريقيا مهجنين في أشارة الى أحراجه وعدم أحترامه ؟ وفي محاولة أسترضائية جمعونا وثلاثة من دكاترة ألاقتصاد عندهم وجرى حوار بيننا حول النظرية ألاقتصادية ألاسلامية والكتاب ألاخضر وبعد ثلاثة أيام لم يجدوا أمامهم ألا ألاعتراف بصواب نظرية ألاقتصاد ألاسلامي , ومن ذلك الوقت أيس نظام القذافي من أقامة علاقة مع الحركة ألاسلامية العراقية بأستثناء الطامعين بالمال وهم من كل ألاتجاهات , وذات مرة طلبت السفارة الليبية في عمان اللقاء بنا بواسطة طرف عراقي هو ألان في مواقع المسؤولية , وفي أثناء اللقاء أعطينا للمسؤول الليبي درسا في شرف العلاقة بين ألانظمة وألاحزاب وبين الدول مع بعضها بعيدا عن مفهوم أزدواج العلاقة ومفهوم العمل ألاستخباراتي , وكان المسؤول الليبي يحاول أظهار القذافي على أنه من أبناء ألامام موسى الكاظم عليه السلام وذلك في محاولة بائسة للتقرب المذهبي الكاذب الذي أستعمله صدام حسين عندما أرجع نسبه الى ألامام الحسين من خلال كتيب طبع عام 1969 ووزع بألاكراه على الدوائر العراقية بقيمة نصف دينار للنسخة الواحدة ؟ ويتذكر العراقي الذي هو ألان في موقع المسؤولية ماذا قال له المسؤول الليبي بعد لقائنا ؟ حيث قال له كما أخبرني هو : أن هذا الدكتور ذاته كبيرة ؟ فقلت له وأنت ماذا أجبته فسكت صاحبي فقلت له هذا درس لكم ولهم كيف يتعاملوا مع ألاصالة والمبدئية وشرف الوطن ومن يحمل أسمه  ؟ هذا نموذج من أيام المعارضة العراقية يمثل نموذج ألاصالة والوطنية التي جعلتنا لم نبع شرف المعارضة وسمعة الوطن , والنموذج ألاخر المتهالك على المال والوجاهة الكاذبة والذي أصبح سمسارا للقذافي وغيره من أنظمة المنطقة , وبعض هؤلاء هم ألان في مواقع المسؤولية في الدولة العراقية ؟ أترك التقييم لمن يفكر لصالح الوطن وأهله , لآنه بمثل هذا المستوى من الفكر نبني وطننا ونفتخر بأصالتنا في المعارضة وفي الدولة ؟ 

  • الانســـــحاب !!

     اغلب الظن انه أيلول 2003 اي بعد خمسة أشهر على الاحتلال ، او دون ذلك حين اتخذت إحدى الوحدات الأمريكية من ساحة فارغة لا تبعد عن منزلي أكثر من خمسين مترا ، ثكنة عسكرية او نقطة سيطرة لجنودها وكانت تلك الوحدات تكبر مرة بمعداتها وأفرادها مرة وتصغر مرة أخرى على وفق الضرورات الأمنية فيما يبدو وكانت الطريق الى مقر عملي تحتم علي المرور قريبا منها لا يفصلني عنها سوى مترين وهذا ما جعلني القي تحية على الحراس مرتين كل يوم  في طريق الذهاب والإياب ولا ادري حقيقة هل كنت القي التحية عليهم لان  (السلام لله )  وأنا رجل مسلم أم من باب الخوف ، ولكن الذي لفت انتباهي ان الضابط الأمريكي المسؤول عن الوحدة ، وهو برتبة عسكرية عالية كان يرد على تحيتي بأحسن منها وشعرت انه يوليني اهتماما غير اعتيادي ، وصدق شعوري فقد استوقفني يوما وصافحني بحرارة وقدم نفسه على انه العقيد فلان (كان يتحدث بلغة عربية ركيكة جدا ) وسألني ان كانت (المحلة) تحتاج الى خدمات فأجبته بلهجة جافة ( البلد كله تعبان) وقبل ان انصرف رأيت من أصول الضيافة العراقية ان ادعوه الى وجبة غداء وسيعتذر الرجل بلطف وما أتحسب له ولم يخطر على بالي ، انه وافق على الدعوة ورحب بها ، بل وتمنى ان يكون الطعام عراقيا ، وخاصة تلك الأكلة المسماة (الرز الإسلامي او الرز المحجب ) التي لم اسمع بها من قبل ، وبعد حوار طويل فهمت انه يقصد ( الدولمة ) ! 

    ورطة ما بعدها ورطة ، فإذا دخل الرجل الأميركي فسوف يتهمني بالعمالة من يتهمني وإذا تهربت من الدعوة فأكون قد أسئت  الى الضيافة العرقية إساءة لا تغتفر ، ونحن العراقيين لم يبق لدينا مانعتز به ونباهي شعوب الأرض غير كرم الضيافة وهكذا عشت صراعا مريرا قبل ان انتصر للضيافة وشرفها الرفيع حيث قلت لنفسي ( ماذا يضيرك ياحسن العاني ،هل أنت العميل الوحيد في البلد ثم ان العمالة باتت تهمة مشرفة )!في الموعد المحدد هيأت مائدة امبريالية ضمت الأكلات العراقية جميعها حتى القديمة والمنسية منها وقد ذهل الرجل مما رأت عيناه وسألني ان كنت دعوت أهل المحلة الى الوليمة فأوضحت له بأنه المدعو الوحيد ولكن هذه هي طباع العراقيين في إقامة الولائم حتى لو كان المدعو شخصا واحدا وفجأة مد الرجل يده في جيبه واستل ألف دولار وقال لي ( سيدي أرجو قبول هذا المبلغ البسيط ثمن غذائي ) ، وفي الحال دفق الدم العراقي في عروقي وانتفضت خلايا جسدي وقلت له ( لو كنت ابن عشائر وتعرف الأصول ، ولو لم تكن أجنبيا لطردتك من بيتي وطالبتك بالفصل العشائري لان ما قدمت عليه اهانة كبيرة )، واعتذر الرجل اعتذارا كبيرا !

    تبادلنا أحاديث كثيرة قبل الطعام وعلى المائدة وبعد الغداء وكنت بين الحين والحين الاخر اسأله ( لقد مضى على وجودكم في العراق قرابة خمسة أشهر ، وهذه مدة طويلة جدا فمتى تنسحبون ؟!) وكان الرجل بذكاء يحسد عليه (يتملص) من السؤال ويناور ويتحدث عن إعجابه الشديد بالشعب العراقي وأخلاقه وكرمه وحسن ضيافته وعن عاداته وطقوسه الظريفة ورقصاته الفلكلورية الممتعة ، ولكن اغلب أحاديثه انصبت على جمال العراق وطبيعته الساحرة والزاخرة بكل شيء انهار وعيون وجبال وأهوار وسهول وصحارى وبساتين نخيل وفاكهة ونفط وفوسفات وثروات معدنية واسماك سياحية وألف ليلة وليلة ، العراق باختصار ( جنة الله على الأرض ) ، ومع ذلك أعدت عليه سؤالي وهو بالانصراف عن موعد انسحاب القوات الأميركية ….. صافحني الرجل وهو يبتسم وقال لي ، (أليس من الجنون يا سيدي ان يغادر الانسان الجنة ؟!) كان ذلك في أيلول 2003 وكان الرجل على حق !!  

  • عبد الرحمن عارف .. الرئيس الذي عاش بهدوء ومات بهدوء

     كان إنسانا طيبا ودودا هادئا مهذبا منذ شبابه المبكر, ولم يحدث أن تهور في سلوك, أو تفوه بعبارة جارحة, أو نطق بكلمة نابية، وكانت فترة حكمه فترة فريدة من نوعها, اختلفت اختلافا جذريا أساسيا عن الفترات التي سبقتها, أو تلك التي جاءت بعدها. لأنها امتازت بخلوها المطلق من القتل والاغتيالات والإعدامات في الحياة العامة والساحة السياسية. بالمقارنة مع بحار الدماء, التي غرق فيها الشعب العراقي في الفترات الأخرى. بدأ حياته الرئاسية صباح السادس عشر من نيسان عام 1966, فاصدر في ذلك اليوم عفواً عاماً عن السجناء السياسيين من دون استثناء, وأكد في قرار العفو على تأمين حقوقهم الوظيفية أو التقاعدية. وسمح بعودة الحياة السياسية الحزبية إلى أوضاعها الطبيعية, وشجع التيارات السياسية على استئناف نشاطاتها المعطلة. 

    كانت حدود العراق في زمن عبد الرحمن عارف هادئة ومصانة, بما في ذلك الحدود مع إيران, وتركيا, والحدود الجنوبية مع الكويت, لا تشوبها شائبة, ولا تعكر صفوها الانتهاكات والتجاوزات المتكررة. 

    وكانت لعبد الرحمن مواقف عربية مشهودة, نذكر منها: أن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر اتصل به بعد نكسة الخامس من حزيران 1967, وأخبره انه لا يملك مالا يدفع به رواتب الموظفين, ولا خبزا يطعم به ملايين المواطنين, فبادر عبد الرحمن إلى تقديم الدعم المالي الممكن, وقام على الفور بجولة سريعة واسعة في المملكة السعودية ودول الخليج الأخرى, التي كانت علاقاتها فاترة مع مصر في تلك الفترة, وأقنعها بتعويض مصر عن العائدات المفقودة من قناة السويس المغلقة وقتذاك, بعدها سافر إلى موسكو في زيارة مشتركة مع الرئيس الجزائري هواري بومدين, واقنعا الاتحاد السوفييتي بضرورة إعادة تسليح الجيشين المصري والسوري. ولعب دورا أساسيا في تأسيس القيادة العربية المشتركة بعد كارثة حزيران, وترصين الجبهة الشرقية عسكريا, وتحريك الجحفل العراقي إلى المفرق بقيادة اللواء (حسن النقيب).

    كانت الحركات الشعبية الوطنية تتحرك في الشارع العراقية بحرية تامة, من دون مضايقات ولا اعتقالات, فالمظاهرات تجوب شارع الرشيد بانسيابية ملموسة, وتطلق شعاراتها من دون اعتراض الدولة, ويقول (عبد الرحمن) في ذلك: (جئنا لنحكم بالعدل, وليس لإرهاب الشعب, فلندع الشعب يعبر عن رأيه بأسلوب حضاري وديمقراطي, ونستمع إلى ما يقول, ونصحح أخطائنا, ونتشاور مع الجميع). فالرجل كان متسامحا مع الجميع, ولم يلاحق أحدا سياسياً.

     لقد كانت علاقته بكل تيارات الشعب العراقي ودّية ومتسامحة, تحفها الثقة والمحبة، وكان يحترم رجال الدين, ويجلهم جميعا من دون تفريق بين طائفة وأخرى, وتذكر الوثائق التاريخية إنه أمر بتخصيص طائرته الرئاسية الخاصة لتقل المرجع الديني (السيد محسن الحكيم) لأداء فريضة الحج، سبقتها وصية خاصة للعاهل السعودي آنذاك توصيه بالاعتناء بمقام المرجع الكبير. 

    وكان متعاطفا مع القضية الكردية, فالتقى الراحل (مصطفى البرزاني) في شمال العراق, واستقبلهُ هناك استقبالاً حاشداً لا مثيل لهُ, وحل جميع المشاكل العالقة.

    اتبع الرئيس (عبد الرحمن) سياسة خارجية واضحة المعالم والرؤية, ومتوازنة ونابعة من المصلحة الوطنية العليا للشعب العراقي, وكان شديد الحرص على أمن واستقرار العراق, ويسعى دائما بان  تكون العلاقات مع دول الجوار مبنية على المصالح الوطنية, من دون المساس أو التفريط بالسيادة العراقية, سواء أكانت برية أم بحرية أم جوية. فتبنى سياسة سلمية رصينة مع دول الجوار كافة. وزار تركيا والأردن والسعودية وسوريا وإيران والكويت. واستطاع أن يعزز بزياراته الخارجية العلاقات الدولية مع العراق, على أساس حسن الجوار والمصالح العليا المشتركة, وكان يصطحب معه السيدة حرمه (أم قيس) في معظم زياراته الدولية, وحالة فريدة لم يفعلها رئيس عراقي قبله ولا بعده.

    زار إيران إبان حكم الشاه, في الرابع عشر من آذار عام 1967, واستقبل في إيران استقبالاً كبيراً وحافلاً, لم يحظ بهِ أي زائر قبلهُ, وبأعلى مستويات حسن الضيافة, وتقديرا لهذه الزيارة الودية قامت إيران بإصدار طابع بريدي بتلك المناسبة يحمل صورة الرئيس (عبد الرحمن), وهذا ما لم يحدث من قبل, ما يعكس الرغبة الصادقة في ذلك الوقت في أن تكون العلاقات هادئة ومتوازنة، كما ركز على أن تكون العلاقات بين البلدين مبنية على قواعد حسن الجوار, وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لكلا الدولتين. ولم تجر أية مساومات أو صفقات مشبوهة تمس بسيادة العراق, خصوصاً في موضوع الموانئ الإيرانية القائمة على ضفاف على شط العرب العراقي من المنبع إلى المصب. وظلت السيادة الملاحية الكاملة في هذا النهر الحيوي تحت إشراف وإدارة الكوادر البحرية العراقية, وكان العراقيون يرشدون السفن الإيرانية والأجنبية المتوجهة إلى الموانئ الإيرانية في (خسرو آباد, وعبادان, وخرمشهر), وكان العلم العراقي هو العلم الوحيد الذي ترفعه السفن فوق صواريها إثناء تحركها في أي مقطع من مقاطع الممرات الملاحية لشط العرب. 

    كان عبد الرحمن منفتحا على العالم دفاعا عن مصالح العراق, وكان حازما في إبلاغ الشاه موقف العراق الرافض للتدخل الإيراني في الشأن الداخلي العراقي وأقنعه أن لا مصلحة إيرانية حقيقية في هذا التدخل بل العكس هو الصحيح. 

    تميزت زيارة (عبد الرحمن) لفرنسا بطابع الأهمية, فقد زار باريس أيام حكم الرئيس الفرنسي الجنرال (شارل ديغول), وانعكست النتائج الايجابية لتلك الزيارة على العلاقات العربية – الفرنسية، وكانت بمثابة الدعامة الأساسية في كسب المعركة الدبلوماسية العربية وخاصة بعد نكسة حزيران، وأن تنطلق هذه المكاسب إلى بقية الأمم التي كانت تجهل حقيقة المعركة التي يخوضها العرب ضد إسرائيل نتيجة التعتيم الإعلامي, ونتيجة لتفوق الإعلام المضاد والمحالف له على أحقية القضايا العربية. ووقفت فرنسا بعد تلك الزيارة مفتوحة العينين, وأدركت حقيقة ما يجري في الشرق الأوسط. 

    أما على الصعيد النفطي, فيؤكد الخبير الدولي الأستاذ الدكتور (عصام الجلبي) على أن الخطوة الذكية التي تبناها (عبد الرحمن) في العشرين من تشرين الثاني عام 1967 بتوقيع اتفاقية عقد الخدمة بين شركة النفط الوطنية العراقية وشركة (ألف – ايراب) الفرنسية كانت ضربة قاضية للمصالح الغربية, وقد تم تشريع تلك الخطوة بقانون في الثالث من شباط عام 1968, وذلك تنفيذا لأحكام المادة الثالثة من القانون (97) لسنة 1967, وهكذا حافظ على الثروة الوطنية كما ينبغي لمؤتمن على أمانته فشرع قانون تحديد مناطق الاستثمار الرقم (97) الذي أعطى لقانون (80) معناه وأسس شركة النفط الوطنية ورفض منح امتياز الكبريت للأمريكان رغم ضغوطهم وفتح الباب للبولونيين للتفاوض عليه بشروط أفضل للعراق. 

    لقد حافظ الرئيس الراحل عبد الرحمن محمد عارف على هدوئه في تدرج الحياتي والوظيفي حتى بعدما أصبح رئيساً للجمهورية عام 1966, و لم يمنح نفسه أي امتيازات معينه أو رتب عسكرية أعلى من استحقاقه. 

    لقد كان حاكماً صالحاً مهذباً رؤوفاً رقيقاً عطوفاً, وكانت هذهِ هي الصفات المثالية الطيبة والشمائل الخلقية الرائعة, التي امتلكها الرئيس الراحل, فأهلتهُ لان يكون متطهراً من شوائب الدنيا وشرور السلطة, فلم يلوث يده طوال بقائه رئيساً على العراق الزاخر بالثروات, ولم تتلوث يدهُ بدماء الشعب العراقي, ولا بأموال وثروات الشعب العراقي, ولم يصدر حكما جائرا بحق مواطن عراقي. 

    سيبقى التاريخ يذكر هذا الحاكم العادل بكلمات بيض ناصعة, والحمد لله بقي الرئيس الراحل عبد الرحمن محمد عارف طيلة حياتهُ يعتاش على راتبهُ التقاعدي, وسيبقى تاريخهُ وتاريخ العراق ابيض ناصعا.

    تميزت فترة حكمه بالهدوء والاستقرار، وكان هو نفسه يميل إلى البساطة والتواضع في ممارسة حياته اليومية كرئيس لجمهورية العراق, فلم يغير من مقر إقامته في حي اليرموك, في داره القديمة, وكان نجله الأكبر (قيس) تلميذا في الكلية العسكرية, لا يختلف كثيرا عن بقية التلاميذ في تأدية واجبات التدريبية الشاقة, ومن نافلة القول نذكر ان نجل الرئيس كان ينتقل من بيتهم في اليرموك إلى مقر الكلية الحربية بطرق المواصلات العامة في الذهاب والإياب, فهو يغادر بيتهم في حي اليرموك بواسطة الباص (42) في طريقه إلى (باب المعظم), ثم يتحول بمفرده إلى باص آخر باتجاه (الرستمية) حيث مقر الكلية, من دون حمايات ولا سيارات مدرعة, ولا مواكب صاخبة, ومن دون أن يتسبب بأي إزعاج لعامة الناس, ومن دون أن ينتهك نظام المرور, ويعطل حركة المركبات, ومن دون أن يطلق العيارات النارية الطائشة في الفضاءات المفتوحة. ولم يكن (قيس) أبنا مدللا كأبناء الرؤساء والأمراء العرب, بل كان مثالا للتلميذ الحربي المهذب الملتزم بالضوابط والتعليمات العسكرية الصارمة, ومن الطريف أن نذكر هنا أن قيسا هذا لم يلتحق بعد تخرجه بديوان الرئاسة, ولا بمكتب رئيس الجمهورية, ولم يصبح عنصرا من أفراد حماية الرئيس, وإنما خضع للقرعة في التوزيع بعد التخرج أسوة بزملائه, وكان نصيبه الالتحاق بالفرقة الثالثة في (الحبانية), ثم انتقل بعدها إلى فوج (الإمام موسى الكاظم) من تشكيلات اللواء الأول, وأكمل خدمته العسكرية في تشكيلات قيادة القوة البحرية والدفاع الساحلي بالبصرة, حتى وصل إلى رتبة (عميد بحري), وكان من الخبراء المؤسسين للمدرسة المهنية البحرية, التي تكفلت بإعداد وتأهيل الكفاءات الملاحية والهندسية البحرية الوطنية, وعمل في هذا المضمار (المدني) مع كوكبة من الخبراء البحريين آنذاك, في مقدمتهم الكابتن عصام عمسو, وطارق عبد الصمد, ومثنى القرطاس, وماجد عبد القادر, وسمير الركابي, وجبار سعيد, ويشار رفيق خورشيد.

    ولم يكن نجل الرئيس يتمتع بأية مزايا إضافية أو استثنائية, من تلك المزايا الواسعة التي تمتع بها أقرانه في العواصم العربية. 

    وفيما يلي أهم المنجزات التي تحققت في عهد الراحل عبد الرحمن عارف:

    • تنفيذ معمل استخلاص الكبريت من الغاز الطبيعي في كركوك عام 1966.

    • تنفيذ خط أنبوب نقل الغاز الجاف من كركوك إلى بغداد لتجهيز محطات توليد الكهرباء و المعامل و المصانع الكبيرة بالوقود عام 1967.

    • تنفيذ خطة أنبوب نقل الغازات النفطية السائلة الخام من كركوك إلى معمل التاجي للغازات النفطية عام1967.

    • تشييد معمل التاجي للغازات النفطية حيث تم توقيع عقد تنفيذ المشروع في 7 مارس 1966 مع شركة سبي الفرنسية و أنجز العمل عام 1968. 

    •توقيع عقد تصدير النفط الأسود و النافثا من العراق إلى تركيا في آذار 1968. 

    • توقيع بروتوكول تصدير الغاز الطبيعي بالأنابيب من العراق إلى تركيا في 6 نيسان 1967. 

    • بلغ مجموع ما أنتجته شركة نفط العراق خمسمئة مليون طن من النفط في 30 نيسان 1967. 

    • هذا القانون مهم وهو بداية الاستثمار الوطني أو التأميم الهادئ: ” صدر القانون رقم 97 لسنة 1967 الذي جاء بموجبه تحريم استثمار النفط من المناطق المستردة من شركات النفط العاملة في العراق بطريقة الامتياز أو ما في حكمه”. و يمكن القول أن هذا القانون جعل الغرب يقرر إزاحة الرئيس عبد الرحمن عارف أضافة إلى امتناعهِ من إعطاء امتيازات لشركات أميركية و انكليزية من استخراج الكبريت. 

    • صدور القانون رقم 123 لسنة 1967 الخاص بإعادة تكوين شركة النفط الوطنية العراقية واعتماد الموارد المائية لتمكينها من أهدافها الأساسية. 

    • توقيع عقود الخدمة مع شركة أيراب (الف – العراق) الفرنسية لتطوير حقول نفط ميسان في 20 تشرين الثاني.1967. 

    • توقيع مذكرة التفاهم بين شركة النفط الوطنية العراقية ومع الجانب السوفييتي بشأن استثمار و تطوير حقل نفط الرميلة الشمالي عام 1968.  

    • استحداث مؤسسة تعبئة الطائرات بالوقود والزيت بالتعاون مع شركة اير توتال الفرنسية عام 1968. 

    • إعادة تشغيل مصفى القيارة وتصدير ما ينتجه من الإسفلت الى سيريلانكا. 

    • توقيع عقد الدراسات الاستثمارية لمشروع تصدير الغاز بالأنابيب من العراق إلى تركيا مع شركة بكتل الفرنسية في اذار1968. 

    • افتتاح مصفى الدهون في الدورة في 23 حزيران 1968. في مجال الوحدة الوطنية أسس مجلس استشاري يضم رؤساء الوزراء السابقين ووجهاء من أبناء الشعب لوضع منهج للاختيار ممثلي الشعب والبدء بأعداد البلد للانتخابات الحرة. 

  • ليس لدى (العقيد) من يكاتبه

    العنوان مأخوذ نصا من عنوان قصة طويلة شهيرة لـ(ماركيز) الحائز على جائزة نوبل للآداب ذلك العمل المدهش الذي ترجم أيضا الى ( ليس لدى الكولونيل من يكاتبه) أما أسباب استلابي للعنوان ستتضح فيما بعد. وبعد ذكر مقولة الكاتب الساخر (برنارد شو) أفاد فيها بأن (الفريد نوبل) كان يجب دفع ( كفارة) إحساسه بالذنب و تأنيب الضمير ليس بسبب اختراعه البارود بل لاقتراحه هذه الجائزة التي غالبا ما تمنح  تحيزا لأسماء لا تستحقها .

     أثرى مكتشف الديناميت ثراء فاحشا قد لا ينافسه فيه إلا عقد شراء صفقات وهمية ضخمة من أسلحة ومعدات عسكرية بمبالغ خرافية قام بها أول وزير للدفاع  في عهدنا الديمقراطي الجديد (شلع) بعدها عائدا من حيث أتى مدعيا أنه أعطى وأفنى عمره وأحرق أعصابه في منافي ومشافي الغربة من أجل تحرير العراق.!!!

     ولان هدفي من الموضوع – أصلا – اقتفاء أثر الزحف المقدس بشأن ما حصل ويحصل في ليبيا (العقيد) من تمرد ومواجهات مسلحة دامية شهدتها منذ أشهر  مدن ومناطق تتنازع مابين كر وفر الثوار ضد الأنصار ممن يؤيد بقاء معمر معمرا على كرسي الرئاسة فيما يردد العقيد العنيد عبارات التهديد والوعيد غاضبا :(أنا مش رئيس دولة ، أنا قائد ثورة ، من أنتم ؟!). 

    ومن وحي (هاي) الـ(من أنتـم ؟!) وتحت العنوان ذاته صدر حديثا في القاهرة كتاب يقع في (160صفحة / قطع متوسط) دعا فيه المؤلف (إيهاب طاهر)أشهر ممثلي الكوميديا في بلاد الناطقين بالضاد التعلم من (سوالف ودالغات) ملك الكوميديا الواقعية الحالي وطبيعة علاقاته الخاصة بالمرأة وزيجاته وبما أجاد في إيجاد فروق (جوهرية) ما بين الرجل والمرأة فهي وفق تعريف القذافي ترضع وتحيض وتلد بينما الرجل لا يرضع و لا يلد ولا يحيض وغيرها مما توصلت إليه عبقريات العقيد الذي أختار طواقم حراسته من فتيات عذراوات مع شرط بقائهن عزباوات طيلة مدة خدمتهن حيث كان يناديهن جميعا بإسم (عائشة) أسم أبنته الوحيدة ، كما يرد ذكر خيمة القذافي (قيمتها 300 ألف دولار) التي يأخذها في  جميع رحلاته ،ومن نوادر ومآثر هذا الثائر أنه أثناء زيارته ليوغسلافيا أيام  الرئيس (تيتو) أصطحب عددا من الإبل لتكن قريبة من خيمته وعند حدود رؤيته مشهده المفضل فضلا عن تأكيدات حبه وإدمانه على تناول حليب الإبل كونه يحتوي مواد تقاوم السموم والبكتريا الضارة وفق مبررات أرباب التملق من وعاظ السلاطين عدم خوف عقيدهم من الموت بالسم ،، إضافة الى وجود نسبة كبيرة من أجسام ومعادن تمنع الإصابة بالشيخوخة التي أشد ما تؤرق قادة أمة العرب كما لو أنهم ولدوا لكي يعيشوا أبدا ، فيما تذل شعوبهم وتسحق وتموت كل لحظة ، على حساب تشبثهم بالحياة والسلطة معا وحتى لأحسبهم يرددون مع أنفسهم . الى العلا حتى ولو على الخازوق .!!!

  • شياطين بملابس البشر..!

     منذ ان خلق الله بني آدم وجعل الناس شعوبا وقبائل، عرفت البشرية الصراع ما بين الخير والشر، فالإنسان ليس ملاكا ولا هو بالشيطان بل هو بشر له طباع وأخلاق فيصبح البعض مثل الملاك ويتحول الآخر لشيطان رجيم يستحق الرجم واللعنة ليوم الدين…!

     ولذلك ونحن نحكم بين الناس او نقيم مواقفهم علينا ان نتسم بالإنصاف ونقيس كل حالة بميزانها وزمانها لكي لا نبخس الناس استحقاقاتهم وتقدير قدراتهم ومقدار تضحياتهم من اجل المصلحة العامة وليس بمقدار ما يوفرون ويستجيبون للرغبات غير المشروعة لآخرين لا ينامون الليل ولا يهدأون في النهار وهمهم الأول والأخير التآمر بكل الطرق للصعود الى الأعلى لتحقيق ذاتهم المريضة باستخدام كل الطرق بما فيها التلفيق والاختلاق والتزوير وكل وسائل التملق والنفاق وبدون خجل او حياء، وللأسف الشديد تنشغل دوائر الدولة ومكاتب كبار المسؤولين بفيض لا ينقطع من الشكاوى الكيدية والدس في وضح النهار لأشخاص دخلاء على العديد من التخصصات لكنهم يغلفون المصالح الشخصية والطموحات الفردية غير المشروعة بمشاعر المظلومية والحرص على نظافة المجتمع من عناصر إرهابية مزعومة او بقايا خلايا من النظام السابق تقطع الطريق على المجاهدين وتعطل دورهم الرسالي  من خلال مواقع  ومناصب توفر لهم مكاسب وأسبقية على عراقيين آخرين أكثر منهم إخلاصا  وتخصصا وإيمانا حقيقيا بالتحول الديمقراطي واحترام حرية الوطن وكرامة الإنسان.

    ويا عجبي من هذه النوعية من البشر التي لاتكل ولا تمل من التحريض والنفاق  ولا تراعي حرمة لدين او لقيمة شهر مثل رمضان شهر الطاعة والرحمة والتسامح، وربما تتوقف الشياطين عن دسها وتهرب من صبر المؤمنين وجلدهم وثباتهم لكن الشياطين من البشر لا حرفة لهم إلا النفاق فدواخلهم فارغة من الإبداع وخالية من الكفاءة وضمائرهم معطوبة ونفوسهم لا ترى النور والأمل والحب لان الحقد يعمي البصيرة قبل البصر. وهذا السلوك يثير الإرباك والفوضى ويشيع أجواء عدم الثقة بين العاملين فيعرقل حركة الإنتاج ويعطل كل فعل إداري يهدف للتطوير وتحسين الأداء والاعتماد على الكفاءة وليس الولاء، فتعيش وللأسف العديد من المؤسسات في حلقة مفرغة تحركها عمليات القيل والقال مصدرها حمقى يحتاجون للردع والطرد وعدم الإصغاء لأحلامهم المريضة وكوابيسهم المميتة.!

     نسأل الله ان يجنبنا شرور هؤلاء المحسوبين على البشر ويبعدهم من الأخيار من المسؤولين والبرلمانيين، فالإصغاء إليهم ابتلاء واعتمادهم تدمير وتخريب، ولعل محاصرتهم بالمكاشفة والمواجهة وعزلهم يعد انتصارا للشرفاء في كل الدوائر والمؤسسات فالصدق يعمر والنفاق يدمر فاحذروا المنافقين  فأنهم يدسون السم بالعسل.ونسال الله ان يرد كيد الحاقدين على بلادنا ورواد نهضتنا الى نحورهم  ويقينا من كل شرورهم.

  • ثقـافــة التحريــض بين السلطة والفضـائيـات ؟

    يعاني المشهد الاعلامي في العراق فوضى لا مثيل لها تختزن منخفضات الثقافة ومنخفضات السياسة التي اورثتنا شخصية الممثل المخمور مثلما اورثتنا تجارة الاجساد باسم الفن، وافسدت على شبابنا ذائقة التطلع المستقبلي الذي يضع احلامه في مواخير الليل بدلا من رفوف العلا في سباق الفضاء الذي حلقت فيه شعوب ينتمي بعضها لياجوج وماجوج وبعضها لم يزل يختزن نزعة رعاة البقر الذين استحلوا دماء بريئة ثم دخلوا حمام الديمقراطية ليغسلوا عار التفرقة العنصرية التي لازالت اثارها على تخوم الستينات من القرن الماضي ! 

    الفضائيات التي تتباهى بعرض عضلاتها المالية في شهر رمضان لتستغل حاجة من نستهم سلطة الاحزاب من الذين يزورون العتبات المقدسة مدججين باسلحة حماياتهم التي تحرض عليهم سلام الزائرين,وتستنكرهم هيبة المحراب الذي كان مزارا ومصلى وقنوتا لمريم وعيسى ويحيى الذي كان سيدا ؟ وعلي “عليه السلام” الذي كان يقول : الجلوس في المسجد احب الي من الجلوس في الجنة !! 

    الفضائيات التي تستعرض مسكنة بعض الناس في منافسة محمومة مسكونة بالمن والاذى الذي يجعلهم كمن ينفق ماله رياء الناس وهو لا يؤمن بالله واليوم الاخر ناسيا ما ضرب من مثل لا تمحوه فذلكة الديكور ولا عيون الكاميرات التي لا تعرف سر النور ومعنى نور النور من مشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كانها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولم لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ” 

    والمثل من كلمات الذي لا تنفد كلماته لو كان الشجر اقلاما والبحر يمده من بعده سبعة ابحر:عندما قال : كصفوان عليه تراب اصابه وابل فتركه صلدا . 

    اهل السلطة والفضائيات التي اشتركت في سمفونية التحريض نسوا انهم يجمعهم صناعة التحريض ضد بعضهم الاخر فهم جميعا ينطبق عليهم قول الشاعر :- 

    وعينك ان أبدت اليك معائبا 

                    فغضها وقل يا عين للناس أعين  

    فهم جميعا يشتركون في نشر غسيل العراقيين من المحرومين وأهل الحاجة والمسكنة وهم الموجودون في كل الأمم والشعوب ولكن سلطاتهم وفضائياتهم أكثر حكمة واقرب الى شواطئ الإنسانية مما عليه فضائياتنا وأحزاب السلطة عندنا، فأولئك جعلوا لأهل الحاجة حقا من المال العام فكانوا الأقرب الى أطروحة الإمام علي بن أبي طالب في عهده الى مالك الأشتر الذي وضع فيه علم إدارة الدولة وتنظيمها، بينما راحت أحزاب السلطة عندنا تستأثر بالمال العام وتنسى أهل الحاجة والمسكنة ففسحت المجال لبعض فضائيات الادعاء ممن مالها مجهول، وتمويلها غير معلوم ودعايتها ممجوجة وأرقامها محجوجة ؟ 

     فالسلطة عندنا لا تتذكر المحرومين في مخيمات رفحاء الذل والعار لمن كان ينشر غسيلهم لأهل الاستكبار، وبعد سنين الفاقة والعوز والمعاناة منهم من فارق الحياة وأهله لا يجدون تأهيل مجالس الفاتحة على أرواح من فقدوا، ومن في السلطة يشرق ويغرب في منتجعات لم يعرف أسماؤها الناس وفي فنادق الدرجة الأولى المتخمة بمال البترول العراقي الذي ترك أهله يعانون الفقر والعوز والدواء والماء الصالح للشرب وراح يزوق الموائد ويضيء قناديل الصالونات التي تنتظر عقد الصفقات وتقاسم العملات .

     واليوم يحسبون أنهم يصنعون خيرا عندما يفكرون بإضافة حالاتهم الى عداد المفصولين السياسيين .. وصح النوم يا من لا تميزون بين رائحة البصل والثوم ! 

    أما الفضائيات التي تحسب أنها تتسلق على ثقافة التحريض ناسية أنها تحرض على نفسها أولا على طريقة : على نفسها جنت براقش؟ فلا المال الذي توزع مالها، لان المسروق من العراقيين في التسعينات عندما كان خط عمان – بغداد هو خط بارليف المال العراقي المهرب من قبل المحازيب الذين لا أمان لهم على طريقة قول الشاعر الشعبي :- 

     من خان الأبوة … يخون كل إنسان

    لهؤلاء جميعا نقول لهم : كفوا عن التشهير بالعراقيين فلقد اتخمتم شهرتكم بؤسا وعارا سيكون له في قادم الأيام حسابا انتم فيه الخاسرون وتذكروا في شهر رمضان وفي ليالي القدر الذي نزل فيه ” لا خير في صدقة يتبعها أذى ” ان حفلاتكم وموائد إفطاركم ليس لها في شهر رمضان تعرفة وجواز مرور كما هي جوازاتكم الدبلوماسية التي تقاسمتموها على طريقة :العراق بستان قريش؟ وان جولات بعض الفضائيات في أماكن العوز والفاقة المفروضة على تلك العوائل الطيبة لأغراض دعائية تنافسية رائحة الشماتة فيها واضحة وحس التحريض فيها لا يمتلك مصداقية العكس فهو واقع في السقيفة التي يحفرها لغيره .

    نحن أمام ثقافة تحريض بدائية متخلفة فوضوية رعناء تنشر غسيلنا ولا تداوي جراحنا، وتجعل العالم يتفرج علينا، فيزهد فينا ويشمئز من واقعنا الملوث بخيانة الوطن وقهر المواطن وفساد السلطة ومراكز الاعلام وكثير من الفضائيات التي لا تنتمي لهوية الوطن .