الدكتور علي التميمي
لقد كان لسبأ في مساكنهم أية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم وأشكروا له بلدة طيبة ورب غفور -15- سبأ قال ألامام الصادق “ع” : ما للبيوت يحرم على المساجد ؟ السكن هنا نقصد به ” الدار ” وهو ” البيت ” و” المنزل ” و ” المسكن ” و ” الحوش ” وهو قليل ألاستعمال وكثر أستعماله في اللغة الشعبية , وأستعمل لفظ ” الدار ” في الشعر العربي , وأرتبط بمشاعر الحب والغزل مثل : ” دار عبلة ” : يادار عبلة , و ” خولة ” قال شاعرهم : لخولة أطلال ببرقة ثهمد
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد ؟
وليلى من ألاسماء التي كثر ذكرها وذكر منازلها في الشعر العربي قال شاعرهم :-
يقولون ليلى في العراق مريضة
أيا ليتني كنت الطبيب المداويا ؟
ومن الحنين للدار قال شاعرهم :-
هلا عرفت الدار بعد توهم ؟
وأستعمل ” البيت ” للدلالة على البيت المصنوع من الشعر والوبر قال ألامام علي عليه السلام واصفا حال العرب قبل ألاسلام :-
ولقد حازتكم ألامم من القياصرة وألاكاسرة عن بحر العراق وخضرة ألافاق , فعشتم في أرض ليس فيها ألا نبات الشيح ومهب الريح , في بيوت مهزوزة ” ويقصد بها بيوت الشعر المتنقلة ؟
وأما المنزل , فيدل على ألاثنين من بناء أو من شعر قال دعبل الخزاعي يصف بيوتات أهل البيت قائلا :-
منازل أيات خلت من تلاوة ….؟
وأما لفظ ” البيوت ” فقد أستخدم قرأنيا لاسيما للامم الماضية قال تعالى :” فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا أن في ذلك أية لقوم يعلمون -52- النمل .
وقال تعالى ويخص المسلمين : فأذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم ألايات لعلكم تعقلون – 6- النور , وهذه ألاية المباركة هي من ألايات التي تسهم في بناء ثقافة السكن وسنبين ذلك لاحقا .
وكذلك ” المسكن ” هو أصطلاح قرأني قال تعالى :” حتى أذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل أدخلوا مساكنكم لايحطمنكم سليمان وجنوده وهم لايشعرون – 18- النمل
بعد هذه المقدمة المختصرة عن دلالات السكن ومعانيه , نعود لدراسة ثقافة السكن في المجتمع العراقي على ضوء أزمة السكن اليوم التي أصبحت هما للافراد ولاسيما الشباب , ولاصحاب الدخل المحدود , وأرباب ألاسر الكبيرة , وهي من هموم المجتمع ومن هموم الدولة والحكومة , وهناك مقترحات ومشاريع للسكن لم تأخذ بعين ألاعتبار طبيعة المجتمع العراقي وعاداته وتقاليده , كما أنها لم تأخذ بعين ألاعتبار ثقافة السكن عند المجتمع العراقي , وهذا ألامر سيضاعف التكاليف , وسيهدر الجهود , ويضيع الوقت وهذه ألامور من العوامل التي أخذت الشعوب والدول العازمة على البناء والتطور ألاهتمام بها والتأكيد عليها ؟
وأمام الظرف الضاغط على الجميع من :-
1- حكومة تواجه أزمة سكن ضاغطة وتحتاج الى بناء ملايين من البيوت ؟
2- أسر تعاني من الكثافة العددية التي تجعل من سكنها غير ملائم لا من حيث الوضع الصحي ولا من حيث الوضع النفسي ؟
3- شباب مقبلون على الزواج ولايجدون القدرة على دفع بدلات ألايجار المرتفعة ؟
4- مجتمع تختنق فيه ألاحياء الشعبية بملوثات البيئة نتيجة ألازدحام , فتنعدم فيه وسائل الراحة والنظافة ؟
5- بنية تحتية مخربة تحتاج الى المزيد من الجهد والمال لاعادة بنائها ؟
6- عدم وجود دراسات وبحوث تهتم بالمرحلة ألانتقالية للمجتمع العراقي من حيث :-
أ- التكيف للتحول : أقتصاديا , ونفسيا , وثقافيا ؟
ب- القدرة على خلق ثقافة جديدة متواصلة مع الثقافة التي تشكل خلفية المفاهيم عند عامة أفراد المجتمع ؟
وهذه الدراسة هي أسهام في فتح باب الدراسات المنهجية التي تأخذ بالحسبان خلفية المجتمع العراقي وثوابته التي يعتز بها , وهي منطلقة من فهم علمي يقول : أن الحياة في الشارع العراقي تبدأ بسنة أسلامية , وتنتهي بسنة أسلامية ” وأنا هنا أقصد ألاسلام المنفتح الذي يحترم ألاخر ويرفض التكفير والعنف والتطرف ” وأرى أن ألاسلام الحضاري يطمئن له بقية العراقيين من غير المسلمين , وبهذه الصيغة نحافظ على عدم زعزعة قناعات الناس والمحافظة على وحدة الوطن عندما يصار الى التأكيد على هوية الوطن وأحترام المواطنة من خلال العمل وألاداء لا من خلال ألانتماءات الطائفية قال ألامام علي عليه السلام : ألانسان أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق ” ؟ وقال عليه السلام : ” ما خلقك الله لبلد دون بلد خير البلاد من حملك ” ؟
وبهذا المستوى من الوعي فأننا نحافظ على أنسيابية ألاديان مثلما نحافظ على وحدة ألاوطان ؟
والمجتمع العراقي تعرض الى الكثير من التصحر ألاجتماعي , وأقصد بالتصحر ألاجتماعي :-
1- بروز مظاهر ألانا وتمحور الذات , فطغت المصالح الشخصية والفردية على مصالح المجتمع مثل : السطو على شبكة الكهرباء ,, والتجاوز على شبكة الماء , والحرص للاستحواذ على مساحات من الشوارع والطرقات الفرعية أو ألاستيلاء على ألاراضي المجاورة , مم خلق متاعبا للحكومة مثلما خلق حالة من تعكر صفو ألاجتماع , وهذه جميعها ترتبط بضعف ثقافة السكن أجتماعيا ؟
2- ظهور حالات النفاق والحسد والغيرة وهي كلها تؤدي الى ظاهرة التصحر ألاجتماعي
3- ظهور حالات العقوق من قبل ألابناء للآباء , مما أدى الى زيادة بروز ظاهرة التصحر ألاجتماعي ؟
4- كثرة حالات الطلاق , والبعض منها مرتبط بثقافة السكن ومشاكلها مما أثر في ظاهرة التصحر ألاجتماعي ؟
5- بروز ظاهرة الطائفية وما نتج عنها من أعمال العنف مما أدى الى زيادة ظاهرة التصحر ألاجتماعي ؟
6- التقصير الحكومي في الخدمات المقدمة للمجتمع العراقي ساهم في زيادة ظاهرة التصحر ألاجتماعي ؟
7- زيادة نسبة الفقر أدى الى زيادة ظاهرة التصحر ألاجتماعي؟
8- وجود التلفاز وأجهزة الكومبيوتر وألانترنيت ساهمت في العزلة ألاجتماعية وهذه بدورها ساهمت في زيادة ظهور التصحر ألاجتماعي ؟
9- ضعف ألاقبال على المساجد ودور العبادة يؤدي الى زيادة ظاهرة التصحر ألاجتماعي ؟
10- عدم وجود منتزهات وأماكن عامة للترفيه البريئ يؤدي الى أنكماش العلاقات ألاجتماعية وبالتالي بروز ظاهرة التصحر ألاجتماعي ؟
والمجتمع العراقي الذي يحرص على حضور المناسبات الدينية مما جعل ذلك من العوامل التي ساعدت على منع توسع رقعة التصحر ألاجتماعي , ويمكن أجمال عوامل منع التصحر ألاجتماعي في العراق كألاتي :-
1- المناسبات الدينية , كالحج والعمرة , وزيارة العتبات المقدسة , والختان للذكور من المواليد الحديثة .
2- المناسبات ألاجتماعية : كالزواج والخطبة وأفراحهما .
3- زيارات المرضى , وتبادل التعازي عند الوفيات ولاسيما مجالس الفاتحة المعروفة عند العراقيين .
4- تبادل المواساة عند حدوث حالات طارئة مثل : حوادث السيارات , وحالات السرقة والسطو , والحوادث المتفرقة .
5- صيام شهر رمضان وليالي القدر , وموائد ألافطار الجماعية تؤدي الى منع التصحر ألاجتماعي , وكذلك صلاة العيدين .
6- القداديس والمناسبات الدينية في الكنائس العراقية تمنع زيادة التصحر ألاجتماعي .
وثقافة السكن في المجتمع العراقي قديما هي التي حافظت على بقاء الروابط ألاجتماعية , وعندما بدأت بعض مظاهر السكن بالتغير , بدأ ألاجتماع العراقي بالتغير , فهناك علاقة بين طبيعة السكن وبين طبيعة العلاقات ألاجتماعية .
ومن مسؤوليات الدولة , وهي تبحث عن علاج لمشكلة السكن , أن تستعين بالباحثين والمفكرين وأهل ألاختصاص بعلوم ألاجتماع والسكان , وعلوم الفقه وعلوم النفس , قبل أن تستدعي شركات ألاستثمار التي لاتعرف شيئا عن سايكولوجية ألاجتماع العراقي ويجب أن تكون هيئات ألاعمار والمشاريع المرتبطة بها تضم بين أعضائها من تلك ألاختصاصات , وأن لاتقتصر فقط على رجال ألاقتصاد والمهندسين .
وبعد هذا ألايجاز الذي سبقته المقدمة , ندخل الى صلب أطروحة ثقافة السكن , ونستعين هنا ببعض ما ألمحت اليه ألايات القرأنية مستفيدين منها عن دلالات السكن وأهميته وعلاقته بخطاب السماء تارة , وتارة علاقته بساكنيه من البشر تارة أخرى , والسكن هو حاجة بشرية , والسكن الخاص حاجة أنسانية , والسكن المريح حاجة حضارية ؟ فنحن في السكن نواجه ثلاث حاجات هي :-
1- حاجة بشرية , فالبشر يحتاج السكن ويأوي اليه كما تأوي بقية الحيوانات الى بيوتها , وأوكارها , ومغاراتها وأعشاشها وجحورها وزرائبها , وبيت البشر هو :-
أ-مسكن
ب-منزل
ت-وقد يكون قصرا ؟
ث-وقد يكون كوخا ؟
ومن هنا تظهر الفوارق ألاجتماعية التي يكون السكن دالا عليها ومترجما لها ؟ قال تعالى : ” فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد – الحج – 45-
وقال تعالى : تبارك الذي أن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها ألانهار ويجعل لك قصورا – 10- الفرقان
والقرأن الكريم يذكر القصر والقصور وهو نوع من السكن الفاخر لتعلق رغبات الناس بذلك ونظرتهم للقصور نظرة هيبة وأحترام .فالكوخ وبيت الشعر سكن بشري لكفاية الضرورة , والدار التي تسع كل أهلها دون مضايقة وحرمان : هي سكن أنساني , والسكن المريح الذي يشبع رغبات وحاجات أهله ويجعلهم قادرين على التواصل مع ألاخرين من أطعام وضيافة مؤقته هو سكن حضاري والقصور هو قمة ما يوفره ذلك السكن , زار ألامام علي عليه السلام أحد المقربين اليه فوجده قد أشاد قصرا كبيرا , فسأله مستفهما ماذا تفعل بذلك ؟ ثم فتح له بابا من أبواب ثقافة السكن قائلا له : نعم : أذا أستقبلت الضيف , ووصلت الرحم , وأخرجت الحقوق الشرعية , يصبح سكنك أي قصرك لا أشكال عليه ؟ وهذه من ألاطروحات الحضارية التي يقدمها ألامام علي بن أبي طالب عليه السلام وهو خير من تتلمذ على يدي رسول الله “ص” حتى قال فيه النبي ” ص” : أنا مدينة العلم وعلي بابها ” وهذه ألاطروحة هي أطروحة السكن الحضاري وألانساني والبشري في أن معا ؟