محمد علي عزب . . و الصياغة المسرحية للنص الشعري
أشرف محمد قاسم
“ألمشخصاتي” في اللغة الدارجة هو الممثل الذي يتقمص الشخصية ، ويؤديها كما رُسِمَت على الورق ، وبالتالي فإن التشخيص هو التقمص للشخصية ، أي ارتداء ثوب الشخصية ، والتفاعل معها ، لتخرج كما هي مرسومة في خيال المؤلف .
والتشخيص غالباً يكون في الأعمال المسرحية ، و قد كان يُطلَقُ على الممثل المسرحي قديما “ ألمشخصاتي “ .
وحينما يكون هذا التشخيص على مسرح مكشوف ، يكون أكثر تأثيراً ، و أشد وقعاً على المتفرج ، الذي يرى العمل من جميع جوانبه دون حواجز .
وانكشاف المسرح أدعى لوجود أكبر عدد ممكن من المتفرجين .
فهل هذا ما قصده محمد علي عزب من عنوان ديوانه الجديد “ تشخيص على مسرح مكشوف “ ؟
كل ما تقعد ويَّاهم
بتبص من الشباك
وتقول : آه يا شوارع
ياللي بقيتي مسارح مكشوفة
وطول اليوم شغالة
فيها الأزياء
والإكسسوار
والماكياج
بيقوموا بكل الأدوار ص 9 ، 10
وتاريخنا اللي اتحول
سِلِّيوة
ف بُق مهرج
بيمثل على مسرح مكشوف ص 59
تلامس نصوص هذا الديوان الواقع وتلتحم به ، و تصور هذا الواقع أحداثاً على مسرح الحياة المكشوف ، من خلال عين “ المشخصاتي “ / الشاعر/ الذي يحمل كاميرا تلتقط أدق المشاهد في هذا الواقع ، و تعيد تقديمها إلى المتفرج دون مونتاج غالباً ، في لغة تتنوع بين المباشرة و الرمزية .
قطر بضاعة
و سيرك و سوق
من تحت لفوق
من شرق لغرب
العالم
رايح جاي حواليك
كاميرات
ماكياج
مونتاج
وانت ف نفس البرواز ص 17
لا تعتمد نصوص محمد علي عزب في هذا الديوان على التأمل قدْرَ اعتمادها على التصوير الفني ، و رسم اللوحة بإتقان ، عاكسةً تأرجح الإنسان بين الحياة و الموت ، و السؤال و الرفض ، ربما في محاولةٍ للبحث عن يقين .
و ف عز هروبك
من بين الشوك اللي ف شرايينك
طلعتْ من قلبك وردة
على هيئة بنت
ساعة صوابعها النونو
ما لمست إيدك
حسِّيت
اتأكدت
إنك من لحم و دم و حلم
مش صورة
اترسمت بالفحم 14 ص
في نصوصه التي تشبه اللوحات الفنية ، التي تشخص حالاتٍ إنسانية ، يحاول الشاعر أن يستبطنَ المشاعر الإنسانية ، من حُبٍّ و نفور ، و ألمٍ و طموح ، وانكسارٍ وانتصار , في محاولة لإعادة تشكيل العالم وفق رؤيته ، للإفلات من أسْر الواقع المُضْني ، هذه اللوحات التي تفتش عن الذات ، وطفولتها ، وأحلامها المَهِيضة ، جامعاً بي الحُسنَيَيْن “ الفاعلية الإنسانية و الجمالية الإبداعية “ .
دِبِل الصبار
من عطش الروح
و لاقيت
بين كف ايديكي و كف ايديا
مسافات
كلها ألغام
و بحور من مية نار و نابَلْم ص 42
و من هنا نرى أن الذات في هذا الديوان هي محور الكون ، يطرح من خلالها الشاعر – على مسرحه المكشوف – قضايا العدل و الحرية والحق في الحياة ، من خلال رؤيته الشعرية الشاجبة لكل أنواع القهر و التهميش والاغتراب الإنساني .
لأ
ابعدْ عن قلبي
دانا ساعة ما افتح بابُه
يطلع منه
سرب حمام زاجل بيرفرف
ينزل
و يحط على الأشجار
و النخل و عمدان النور
و على كفوف الأطفال ص 33
و من هنا نرى أن محمد علي عزب في هذا الديوان يقبض على الحلم كالقابض على الجمر ، لا يدعه للموت ، و يطرح من خلال نصِّه أسئلة الذات الإنسانية المغتربة .