Blog

  • صورة قلمية

    هو الآن يقترب من عامه التسعين، ولم يتغير، نحت في الصخور كلها، وشرب من المنابع كلها.. مدح الزعماء جميعهم، وشتم الزعماء جميعهم، ما رأيت أحدا من الناس أكثر امتلاكا للوجوه منه.. ولا أكثر استبدالا للأثواب، له في كل عصر قميص، هو مع وضد في وقت واحد، علم العراقيين كيف يعبدون صدام حسين، ثم علمهم كيف يشتمونه، كذب على زعيمه في حياته، وادعى عليه بعد سقوطه، حتى زعم فيما زعم، انه كان يوجه اللوم إلى صدام ويؤشر أخطاءه ويغلظ القول معه، والرئيس هاش باش يتلقى صائحه كتلميذ في حضرة أستاذه، فكيف يكون الافتراء، ولو كان المفترى عليه غير (حفظه الله ورعاه) لصدقنا مزاعمه!!

    تآمر فيمن تآمر على عبد الكريم قاسم، ثم انزله منزله الشهداء والصديقين وبعد أن خاض عمار الشعر والأدب فخذلته الموهبة والفطرة والقدرة.. رأى أن يكون مفكرا سياسيا كبيرا ترنو إليه الإبصار، فاختار اقصر الطرق إلى الشهرة، تحامل على أهل السنة منتصرا للشيعة، فلم يعبأ له السنة ولم يفرح به الشيعة، ثم تحامل على الشيعة منتصرا للسنة، فلم يعبأ له الشيعة ولم يفرح به السنة، وخرج من المولد مهيض الجناحين، ولا حصمة ولا زبيبة، ومع ذلك لم يتعظ، ألقى نظرة الى انتخابات البلد، وتفحص خارطة القوى، فلم تهده بصيرته إلى احد الفريقين، فريق الحكومة ام فريق المعارضة غير أن حاسة شمه أرشدته إلى البوصلة الفائزة، والبوصلة الفائزة هي ان يكون مع المعارضة وعينه على الحكومة، وان تكون زوجه مع قائمة الحكومة وعينها على قائمة المعارضة، وهكذا تؤكل الكتف على اي جانبيها مالت الريح!

    كان طوال مدة الإعداد والإحماء والاستعداد يوم الانتخابات الموعود، يقضم جسد الحكومة وكأنها عدو مبين ويعلي من شأن المعارضة وكأنها ولي حميم، ثم لم يجن من أصوات الناخبين إلا ما يزيد على عدد الأصابع بقليل، ولم يكن حظ زوجه أحسن حالا، وحين أدرك أن حصاده لا يؤهله لأي منصب من المناصب الرفيعة التي يحلم بها، قلب ظهر المجن للمعارضة وراح يقضم جسدها كأنها عدو مبين، ويعلي من شأن الحكومة وكأنها ولي حميم، غير ان الحكومة التي أدركت لعبة الرجل وماذا يخبئ تحت عباءته من نزعة عارمة نحو السلطة، رحبت بانضمامه إليها، ولكنها تجاهلت أحلامه، ومع ذلك لم ييأس ولم يتعب وهو على مشارف التسعين، فمازال المولد قائما وربما يحظى بوشالة القدر، ولهذا قرر أن يؤدي دور البطل، وقف خارج الحكومة والمعارضة، ومحاولا مسك العصا من الوسط، وراح ينكل هما معا، وبذكاء شيطاني مكشوف حاول التبرقع برداء أبيض وكأنه ملك سماوي وبدأ يرسم لنفسه صورة المنقذ ومن بولايته تصلح أمور البلاد والعباد، إلا أن صوته المبحوح لم يصل إلى ابعد من حنجرته!!

    أما وقد بارت بضاعته وكسدت في أسواقنا المحلية، ولم يعد لها رواد ولا مخدوعون، فان الرجل يبحث لها عن منافذ جديدة، ها هو يعلن بملء حريته ان أفضل الأنظمة على وجه الكرة الأرضية هي القائمة في (السعودية وليبيا وإيران) ولا يتوانى عن وصف قادتها بأجل الأوصاف وأعظم النقاب، و مع انه حر فيما يرى ويقرر ولكن الأمر لا يبدو محض مصادفة أن تكون هذه الدول الثلاث هي الأشهر على مستوى الهدايا والعطايا والإنتاج البترولي!

    لحكم تتحرقون الآن شوقا لكي اكشف عن هويته، وهذا أمر غريب فانا شخصيا ارسم صورة قلمية لشيخ من شيوخ الانتهاز، لا اعرف من يكون ولكنه يصلح أن يكون أنموذجا، أما الأغرب فأنكم تعرفون جيدا من هو، ومع ذلك تودون التأكد لكي تظمئن قلوبكم، وأقول لكم، اطمئنوا أيها السادة، فهو على وجه التحديد من تفكرون به.. وليس غيره!!

  • المستقبل تصنع المستقبل وتربح المليون

    مما يبعث على الفرح والغبطة ان وكالة أنباء المستقبل العراقية للصحافة والنشر (ومع) استطاعت رغم عمرها القصير أن تحصد النجاحات الباهرة, وتتصدر نشرات الأخبار المرئية والمسموعة والمكتوبة, وتجتاز عتبة المليون متصفح بسرعات قياسية فائقة, في غضون بضعة أسابيع من ولادتها, ولا نغالي إذا قلنا أنها انفردت عن غيرها من الوكالات الأخرى بمواكبتها الحثيثة للأحداث الساخنة على الصعيدين المحلي والعالمي, وتميزت بمواضيعها المثيرة, وتقاريرها الصحيحة الرصينة, وحرصها الأكيد على أغناء الرأي العام بالجديد والمثير والمفيد, فحققت انجازاتها الكبيرة الرائعة بالرغم من أنها بدأت بمجموعة صغيرة تضم باقة من ذوي الخبرات والمواهب الواعدة.

    قامت وكالة أنباء المستقبل منذ بداية نشأتها بخطوات حثيثة نحو استكمال المقومات الأساسية لوكالة أنباء حديثة, وسعت بجهود مضنية نحو تدعيم جهازها الصحفي, والفني والإداري, بحيث صارت تقف مع الوكالات القديمة الكبيرة في المقدمة, وصممت لها موقعا الكترونيا عاما على الشبكة العنكبوتية الدولية (الأنترنت), حققت من خلاله انتشارا واسعا لمراعاتها الدقة والتجرد والصدق, وصار عندها أرشيفا كاملا للبحوث والدراسات والصور واللقطات الفريدة, وساهمت في خدماتها الإخبارية المنتظمة, والمرتبطة بالقنوات الإخبارية الأخرى, والمتصلة أيضا بالمشتركين في شبكات التواصل الاجتماعي (الفيس بوك), و(التويتر), فتواصلت معهم عبر أحدث وسائل الاتصال وأكثرها فاعلية وسرعة, ما يعطيها حافزا قويا لدفع العمل نحو تدعيم إمكاناتها وتكثيف خدماتها لمواجهة تحديات المستقبل, الذي حملت اسمه وعنوانه وسماته ونكهته, وراحت ترسم لنفسها مسارات مستقبلية مشرقة, ستضعها في مصاف وكالات الأنباء الأكثر تقدماً, وبالاتجاه الذي يضمن توسيع دوائر انتشارها على نطاق واسع, في القريب العاجل إن شاء الله, وبهذه المناسبة الجميلة التي نالت فيها الوكالة شهرتها المحلية الرفيعة, والتي تخطت فيها حاجز المليون متصفح, يسرني أن أهدي أجمل باقات الورد والياسمين إلى الوكالة الفتية القوية الباهرة, التي اختارت المستقبل هدفا لها نحو تحقيق المزيد من المكاسب والمنجزات الإعلامية في دنيا الأنباء وعوالمها. .

  • الجواب في الميزانية الأمريكية لعام 2012 ؟

    تعالوا معي دققوا في أرقام الميزانية الأمريكية لعام 2012 لتعرفوا ما يجري في بلادنا ؟ … ومن هو الصادق ؟ تقول الميزانية الأمريكية لعام 2012 ..انتبهوا ليس لعام 2011 الذي يقولون فيه هو عام رحيل القوات الأمريكية من العراق ؟ والقوم يحترمون أرقامهم مثلما يحترمون شعبهم … فهم وضعوا 119 مليار دولار لتكاليف القوات الأمريكية في العراق لعام 2012، ماذا يعني هذا ؟

    الحكومة في العراق تقول : لن نمدد للقوات الأمريكية , وسيرحلون نهاية عام 2011 . الكتل السياسية هكذا يسمونها , وعندي لها تسمية أخرى ؟ هذه الكتل كالنعامة تضع رأسها في الرمال ؟ أقوالهم متناقضة , وتصريحاتهم …أحاجي وحزازير …وأضغاث أحلام ؟ منهم من يقول : لن نقبل بتمديد البقاء للقوات الأمريكية , والحكومة الأمريكية حددت ميزانية عام 2012 لجيوشها في العراق بـ 119 مليار دولار ، فهل قول هؤلاء مبني على دراية بما يجري ويخطط للعراق ؟ وهل يحق لمن يقول مثل هذا القول أن يبقى في موقع من مواقع المسؤولية في النظام الديمقراطي ؟ ومنهم من يقول : لم يكتمل بعد بناء الجيش وقوى الأمن لدينا , ويسكت ؟ وسكوته أقوى من علنه ؟ والمكتوب معروف من عنوانه. ومنهم من أعتلى متن الصراحة , وأوعز إلى محازبيه بتسريب التصريحات للفضائيات , وللصحف , ووكالات الأنباء مفادها : لا يجوز انسحاب القوات الأمريكية من العراق حفاظا على وحدة العراق ؟ وهؤلاء هم سبب تمزيق وحدة العراق , وهم رافعو عناوين التقسيم التي أقترحها جو بايدن نائب الرئيس الأمريكي الذي يعرف بكثرة زياراته المفاجئة للعراق ؟ ومنهم من هو متردد .. وغير قادر على حزم أمره …ناسيا أنه في عصر السرعة , والقرارات لمن يمتلك الوقت والمبادرة ؟ ومنهم من يعلن في الظاهر عدم قبوله تمديد البقاء للقوات الأمريكية في العراق , وفي الخفاء وخلف الكواليس هو من المتحمسين لبقاء القوات الأمريكية في العراق ؟ ومنهم من ينتظر مناقشة البرلمان العراقي , وكيف سيكون تصويته على البقاء أو الرحيل للقوات الأمريكية , ناسيا أن البرلمان الذي لم يحسم قضية الرواتب الخرافية للرئاسات , كيف يمكنه استجماع الرأي والنصاب لقضية قوات الاحتلال الأمريكية والخوف مزروع تحت مقاعد الذين جلسوا ببركة تلك القوات لينتظروا فتات الكعكة العراقية المغمسة بالبترول ؟ ومنهم من يتوعد باستعادة العناوين الحربية للمنازلة مع قوات الاحتلال , ناسيا أنه وافق على ما وافقت عليه الكتل وأكل من سحتها وحرامها , ولا يمكنه بعد الذي جرى من تأييد ومشاركة أن يكون اللاعب الوحيد , لأن ذلك سيكلفه ما لا يستطيع الإيفاء به ليس لجمهوره فقط وإنما لعموم الشعب الذي أنهكته بهلوانية اللعبة السياسية التي فقدت شعبيتها حتى عند الذين استفادوا منها وما شبعوا ؟ وهؤلاء كذلك عليهم أن يعرفوا رهانات الساحة ومتغيرات المنطقة التي دخلت في دهليز المتغيرات بأجندة من كانوا يخططون وما زالوا من الذين سارعت سفاراتهم إلى بنغازي ولما تحسم المسألة الليبية في الظاهر , ولكنها محسومة عند الذين يعرفون بواطن الأمور ؟ وليس الذين مازالوا يشتبكون في التصريحات المفرطة في عدم استحضار أدوات اللعبة أو التعرف الواقعي على مجريات الأمور من باب علم السياسة الذي أفلست فيه أحزاب المنطقة , وأول المفلسين هم أحزاب العراق من الذين تلوثوا بالسلطة والاحتلال , أو الذين تلوثوا بمواقعة الخرافة عن أحزاب الخلافة ؟ ومرة أخرى نجد أنفسنا مضطرين لآستحضار بعض الأمثال الشعبية العراقية , ونحن نذكر أرقام الميزانية الأمريكية لعام 2012 وما جاء فيها من تكاليف قواتهم في العراق وهي تساوي 119 مليار دولار ؟ في حين مازال البرلمان العراقي يمني نفسه بالتصويت على تمديد أو رفض بقاء القوات الأمريكية بعد عام 2011 ؟

    والأمثال الشعبية العراقية تقول : –

    1- قتلوا ربعه وهو بعده يتحزم ؟

    2- منين أجيب أزرار للزيكه هدل ؟

    3- لاحظت برجيلها ولا خذت سيد علي ؟

    4- أحدث وزانها وتاه الحساب ؟

    5- يا أم أحمد العريف شنهو العرفتيه ؟

    والأمثال الشعبية العراقية تختزن حكمة كبيرة نتيجة المعاناة , ونحن اليوم نختزن ألما لما حل ببلادنا , وأختم ببيت شعري فصيح:-

    إذا كان الغراب دليل قوم

    يعلمهم على دار الخراب ؟

  • أسباب احترازية

    المرئي والظاهر والمعلن من السياسة الأميركية، أنها ترفع شعار الديمقراطية في كل دعوة من دعواتها أو على كل منبر من منابرها، ولا أظن أن اثنين يختلفان على أن الولايات المتحدة هي واحدة من أكثر دول العالم عناية بالحرية، وتبنيا لمفاهيمها ونشرا لمبادئها، ولأن الحرية لا طعم لها ولا رائحة إلا في ظل السلام ودحر الأنظمة القمعية والدكتاتورية والشمولية، ولأن أميركا هي القوة الدولية العظمى في البناء العسكري والاقتصادي والعلمي، خاصة بعد الهزة العنيفة التي قطعت أوصال الاتحاد السوفيتي ومعسكره، فقد وجدت الولايات المتحدة نفسها مخولة من شعورها العالي بالمسؤولية ومستقبل العالم الجديد – وليس من الأمم المتحدة أو مجلس الأمن بإرساء دعائم السلام والحرية وإسقاط الأنظمة المتحجرة والوراثية والمعادية للديمقراطية وتطلعات الشعوب، ومن هنا بدأت تتحرك منذ بضعة عقود بهذا الاتجاه وقامت بواجبها حتى الآن على أفضل وجه، وربما كانت خطوتها الأولى في العراق بعد أن نضجت ظروفه، فرئيس السلطة أمضى إلى يوم سقوط تمثاله ، قرابة 23 سنة، وهو يحكم البلاد بمنطق القوة والخوف والبطش، وبمنطق (العائلة) الحاكمة، وتوريث النجل والحفيد وابن الحفيد إلى يوم يبعثون، أما غياب الحريات، وتجويع الشعب والتصرف بخزينة الدولة وكأنها قاصة توفير منزلية، فهي تحصيل حاصل، ولذلك تحركت القوات الأميركية لتحرير العراق، ووضعه على طريق السلام، والديمقراطية، انطلاقا من المسؤولية التي تتحملها الولايات المتحدة بشرف عال، ولا قيمة لحفنة الأكاذيب والديكورات التي طرحتها تبريراً لموقفها، بل لا قيمة للبالونات القانونية على غرار موافقة مجلس الأمن، أو امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، أو لملمة خمسين جنديا من هنا ومائة من هناك تحت اسم (قوات التحالف) …. أساس القضية أن الوضع في العراق بلغ مرحلة النضج والقطاف !

    أميركا كما يوحي المعلن من سياستها، تؤدي واجبها الدولي في إطار مسؤوليتها لحفظ السلام العالمي، أو القضاء على الأنظمة الشمولية ونشر الديمقراطية، وهي بذلك تستحق عظيم الشكر والثناء من الشعوب المغلوبة على أمرها، ومن شعوب العالم اجمع، وإذا كان بعضهم يجد غضاضة من الاستعانة بها، لأن ذلك (قد) يخدش كبرياء الوطن وسيادة البلاد، فإن الشعب الليبي الذي طفح به الكيل على ما يبدو من الأخ معمر القذافي وذريته، لم يخرج من طلب العون الأميركي والأجنبي لاحتلال بلاده، وتخليصه من رؤوس النظام التي أينعت وحان قطافها، ولو لم يبادر الليبيون إلى ذلك لبادر الاميركان عاجلاً أو آجلا إلى الموقف ذاته !!

    حسابات القوة الوحيدة وسياستها أوضح من عين الشمس، ومع ذلك هناك سؤال بسيط يؤرقني: لماذا لم تقم الولايات المتحدة إلى الآن بدورها المطلوب في كوريا الشمالية مثلاً أو في إيران التي تصفها أميركا بالذات: إنها تخضع لنظام دكتاتوري يخنق الحرية ويقمع المعارضة ويصدر الارهاب ويتدخل في شؤون الجيران؟!

    أنا شخصياً أدرك العلة، ولكن ليس كل ما يعرف يقال لأسباب احترازية !!

  • رواسب ومخلفات

    بديهة شاخصة صلبة لاتقبل الدحض تلك هي قاعدة ان لاوجود للاستبداد من دون اقصاء مايخرج عن سياقاته وانماطه، اي ان أي وجود للرأي الاخر يعني حتما غياب الاستبداد والعكس صحيح. هذه القاعدة ليست وليدة اليوم او الماضي القريب، بل هي قائمة منذ قيام اول تجمع بشري جاوز تعداده الاثنين، وولدت مع اول احساس بالذات الفردية، او مانسميه بغريزة الانانية، حين يكون خيار الفرد مقتصرا على مصالحه ورغباته ونزواته فقط من دون اي تقدير لمصالح الاخر ورغباته.

    وتخبرنا قصص التاريخ بما لايمكن حسابه من قسوة جرائم الاستبداد، منذ ان فضل قابيل نفسه على اخيه، مرورا بكل جرائم الغدر والقتل الفردية والجماعية، حيث يهدر الاخ دم اخيه والابن دم ابيه و(الفارس المظفر) دماء قبائل بإكملها، نسائها وشيوخها واطفالها، والقائد الاوحد يزهق ارواح بني جلدته في غياهب سجونه ومحارق حروبه وغازاته المميتة، وسلسلة طويلة ليست منقطعة من دمويات الاستبداد البالغة الجرم والشناعة.

    ان اية محاولة لتحليل ظاهرة الاستبداد، لايمكنها اغفال حقيقة أن تلك الظاهرة لم تكن تتكرس بهذا النحو الكوارثي ان لم تكن قد عضدتها الأطروحة الواحدية للمقدس، والتي جزمت بصورة قاطعة بتكفير الاخر- المختلف من دون مراجعة منطقية عقلية لما يقدمه من مشاريع او بدائل، الامر الذي اضفى إهابا قدسيا على الواحد-الاله، واطلق يده حين منحه صلاحيات مضافة لإن يستبد أشد فأشد بمصائر الاخرين سيما اذا أجتمع بين يديه الصولجانان الدين والسلطة.

    لقد غادرت بلدان العالم المتقدم (العالم الاول)، الاشكالية تلك منذ وقت مبكر في مستهل سنوات عصر التنوير في اوربا حين اعلن القديس اوغسطين مقولته الشهيرة (إلهنا الذي في السموات ابق في السموات..) داعيا الى الفصل الكامل بين الدين والدولة، والى ان يكون الدين شأنا خاصا يمثل العلاقة بين الفرد ومن يعبده، ولايمسي تشريعا يقسر حياة الاخرين اليومية بأنساق لاتمت الى الواقع بصلة، فضلا عن تكريسها السطة الدينية الواحدة المنفردة، الامر الذي يعني اقصاء وتهميش الاخر بل تكفيره وتجويز قتله.

    وقد انتجت عقائد الواحدية على مر التاريخ مولدات عنفية كان من تركاتها ابشع الجرائم بحق الانسان والانسانية، أذ حرفت القيم او ماندعوه المنظومة الاخلاقية المكرسة بفعل التراكم والعرف الاجتماعي ومنها خصلة الشجاعة عن فحاواها الانسانية ومجدتها بأتجاه الفحولة الطاغية والشراهة في ممارسات العيش اليومي وابتكار اشد الطرق وحشية لإيذاء الاخر، فضلا عن التغني بالعقائد الدموية التي تمثل فكرة القرابين والاضاحي عبر اراقة الدم بمختلف ممارساتها حجر الاتكاء بالنسبة لها من اجل إعلاء شأن جرائمها المروعة.

    محاكم التفتيش، ومعسكرات الاعتقال النازية، وقبلهما المهرجانات الدموية لقياصرة روما، ودمويات الامويين والعباسيين ومن تلاهم، واقبية التعذيب والاعدامات وحفلات الجلادين الشهيرة في قصور النهاية والمخابرات والامن العامة والرضوانية والنقرة والشعبة الخامسة و.. و.. وسلسلة من محارق الحروب المتصلة هنا في بلادنا منذ ان صيرتها الطبيعة (بلاد) حتى يومنا هذا، وتوزعت كذلك بقاع الكرة الارضية كلها، والتي كان لها بداية وليس من نهاية لها حتى اللحظة، واليوم باتت تتمظهر ببشاعات (الجهاد) و(المقاومة الشريفة) التي ليس من ديدن لها سوى ازهاق ارواح المئات من الابرياء بمفخخات واحزمة بارود حيوانية، تجزم بيقين بهيمي انها تمثل خندق الايمان، الذي امسى بوحي من دهاقنة الاستبداد مصنعا للقتل والخراب بأمتياز لايبارى.

  • مؤقتــة بشــــروط

    كل الدلائل تشير إلى ان انتخابات الاتحاد العراقي لكرة القدم سوف لن تجري لا في مكانها ولا في زمانها، ومن المؤمل ان يصدر الاتحاد الدولي لكرة القدم قرارا في احد الخيارين، إما التمديد للاتحاد الحالي سنة أخرى أو تشكيل لجنة مؤقتة برئاسة احد الرياضيين المعروفين لدى الفيفا وهذا يعطي للسيد حسين سعيد حظوظا أكثر من غيره، عليه ندعو نحن في المستقبل العراقي الهيأة العامة للاتحاد بأن نأخذ بزمام الأمور لأنها السلطة الأعلى وصاحبة الصلاحية العليا في مسيرة الكرة العراقية ومن اجل الحد من التهافت على رئاسة الاتحاد ومناصبه الأخرى ان تقرر الهيأة العامة وبتدخل فاعل بأن يعلن لكل من يروم الانضمام لرئاسة الهيأة أو عضويتها بأن لا يسمح للترشيح للانتخابات وان تحدد مهام المؤقتة بأعداد لوائح للانتخابات وإجرائها فقط وان هذا الإجراء سوف يحد من التهافت على الانتماء للمؤقتة لأنها تعطي امتيازات كافية ان تركت من دون ضوابط، لهذا نذكر بضرورة استباق إصدار القرارات والوقوف بوجهها خاصة من قبل الهيأة العامة التي بقيت صامتة لمدة ليست بقصيرة، نأمل أن لا تسكت دهرا وتنطق كفرا وتكون أكثر وضوحا ووطنية وشجاعة وتنتشل الكرة العراقية من واقعها المرير الذي تعيشه تحت وطأة الاختلافات والتكتلات والتخندقات وغيرها من النعوت غير المحببة.. أخيرا ندعوكم فهل من مجيب أم أننا سوف نحتكم للقول ( قد أسمعت لو ناديت حيا فلا حياة لمن تنادي).

    والله وراء القصد

  • بعد خمسين سنة !

    صديقي المهندس المعماري، قاسم محسن فياض، رجل في الستين من عمره على قدر عال من الثقافة العامة، أما الثقافة المعمارية الخاصة فتكاد تكون نادرة لأنه مهووس بتخصصه، يقرأ ويطالع ويتابع كل ما ينشر أو يعرض حتى بات عقله موسوعة لطرز العمارة العربية، والإسلامية، والعراقية، والرومانية، والأوربية ولأنواع الفنون المعمارية القديمة والحديثة والمعاصرة في العالم، وهذا الهوس الثقافي الجميل كان مشفوعا بهوس من نوع آخر يتمثل بإعداد تصاميم لمشاريع سكنية عملاقة، فهو منذ أكثر من ثلاثين سنة عاكف على تهيئة مثل هذه المشاريع وتقديمها إلى الدولة قناعة منه وإيمانا، لأن الدولة لو أخذت بها فسوف تتجاوز أزمة السكن؛

    ولأن التصاميم والأفكار التي كان يقدمها (بصورة مجانية ) كانت من السعة والشمول والتكامل، فقد كان الرجل يدرس كل صغيرة وكبيرة ولا تفوته أدق التفاصيل بدءا من السكن العمودي والأفقي ومواد البناء،الكلف المادية التي تتحملها الجولة ويتحملها المواطن، مروراً بالمواقع التي تقام عليها الوحدة السكنية،

    ونوعية التصميم الملائمة لمناخ العراق. والموافقة لعادات وتقاليد المجتمع، وانتهاء بالحاجة الفعلية للبلاد على مدة خمسين سنة، ومن هنا كان يجمع معلومات رقمية وعلمية شاملة من التعداد العام للسكان، وكم يصبح عدد النفوس بعد عشر سنوات وعشرين سنة إلى حد خمسين سنة، مثلما كان يجمع معلومات مماثلة حول بيئة العراق الجغرافية والمناخية الثقافية والاجتماعية .

    المهندس فياض، منذ ثلاثين سنة وهو يقدم أفكاره ومشاريعه إلى الدولة، وهي لا ترد عليه، ولا تقول له شكراً، ولا تمنعه، بل اكتفت بإعطائه (الإذن الطرشة) كما يقولون وكأنها تعاقبه على وطنيته وحرصه واندفاعه المخلص، ومع ذلك لم يتوقف الرجل ولم يضجر ولم ييأس، وكأنه ينتظر يوماً في عالم الغيب يتحقق فيه حلمه، ويرى جهده على الأرض :

    آخر مرة انتهى فيها صديقي من تخطيط مشروع سكني جديد، كانت قبل شهرين، وقد أطلعني الرجل على تل من الأرقام والمخططات التي فاتني استيعاب الكثير منها، ولم تعلق في ذاكرتي إلا مفردات قليلة، على غرار أن حاجة العراق إلى الوحدات السكنية تبلغ (34 مليون و60 ألف) وحدة سكنية على مدى الخمسين سنة المقبلة، حيث اخذ بالحسبان نسبة الزيادة السنوية للسكان، وان هذه الوحدات موزعة على عموم المحافظات ،وبمقدور المشروع توفير (9) ملايين فرصة عمل بين ثابتة ومؤقتة …. الخ

    الحقيقة لم يستوقفني شيء إلا الرقم(60الف) وحدة سكنية وكيف استطاع أن يحسبه إلى جانب (34مليون) وحدة خاصة وان يتحدث عن مستقبل بعيد ولذلك استوضحت منه عن هذا الرقم الغريب، أجابني الرجل بكل ثقة (إن هذه الستين ألف وحدة ، ستكون لضيوفنا أعضاء السفارة الأميركية ) وقد اعترضت على ذلك؛ لأن الرقم المعلن لهم هو (20الف) أميركي فقط، إلا انه بالثقة نفسها أجابني لقد أخذت بنظر الاعتبار الزيادات السكانية المتوقعة بينهم بعد خمسين سنة !!

  • جمعة اللامي…(سلامات)

    قبل يومين وصلتني الرسالة التالية من فارس ستيني من فرسان القصة العراقية، يقبع (نزيلا) في أمارة الشارقة، لما يناهز الثلاثين سنة، بعيداعن بيته العراق، فلنقرأها..

    (اخي العزيز المبدع كاظم الجماسي

    تحية طيبة

    ارسل اليك بهذا نصا من كتاب قيد الطباعة ، مع نص اخر هو كلمتي في حنا مينه، التي القيتها باعتباري عضو لجنة التحكيم في جائزة الرواية العربية ـ جائزة محمد زفزاف، التي شهدها منتدى اصيلة المغربية الماضي ..

    لقد غادرت المستشفى قبل نحو اسبوع. وقد اكتشف الاطباء اني اصبت بجلطة قلبية قبيل ادخالي المستشفى. وكنت قد اصبت بشيء يشبه الصاعقة، عندما اخبرني الاخ رياض النعماني ان الصديق العزيز مظفر النواب، عاد الى بغداد، لأنه اخبرني بالخبر ” نقطة بعد نقطة ” فحسبت انه يريد ان يحضرني لأمر جلل .

    الحمد لله على سلامة اهلنا جميعا .

    مع تحياتي الاخوية

    جمعة اللامي)

    والان ماذا نقرأ بين السطور، دعوني اخبركم بما قرأت، كان وقع طريقة اخبار اللامي من قبل الشاعر النعماني بعودة الشاعر والمناضل الكبير مظفر النواب الى بغداد، وقعا يشبه (الصاعقة) !!!!اراد النعماني ايصال خبر اعتلال صحة النواب بنحو من العطف لئلا يسبب ألما ما في دواخل رفيقه وصديقه وصنوه في الابداع.. اللامي، غير ان الاخير يبدو معبأ بشعور الفقد، الذي بات هاجسا مكينا في الروح العراقية، لهول مافقدت من أحباب وحقوق وأحلام.. وتبدت خشية اللامي من حدوث(أمر جلل)؟؟ وهل شهدنا ايها المعلم الستيني امورا هينة في سفرنا الممتد منذ أحكم قيد الطغاة على رقابنا؟ ورحنا نتيه في المنافي والمحارق والشتات هنا ام هناك، من دون سائل او عاهل من(أولي الامر) أولئك النخاسون الاوباش الأنجاس؟

    ذاك الجواهري وذاك السياب وذاك البياتي وذاك سركون وذاك مير بصري وذاك دمو وذاك نوري جعفر وذاك عبد الجبار عبد الله وذاك وذاك…ارواحهم التي وسعت كل فضاءات الوجود اضمحلت في محض حسرة واحدة أخيرة، حسرة ان يلتحفوا تراب العراق..

    انت تحمد الله، ايها اللامي الكبير، على سلامة أهلنا جميعا.. فهل لك أن تسائلهم: من فيكم ينعم بقدر ضئيل من السلامة؟ لم يتبدل من حالهم شيئا، العوز تمض انيابه الباشطات في لحمة انسانيتهم، والخوف الذي ظنوا ،واهمين، انهم غادروه لم يفتأ يستعيد عافيته ليمسي غراب شؤم موكرا على الرؤوس..و(الربع) لاهون عن الاهل ماضون في غي الاقتتال على الغنيمة، كل منهم(يمعش) منها سهمه، غير آبه لما تؤول اليه مصائر الكثرة الكاثرة من فقراء العراق، وكل منهم يرفع لافتة خط عليها بحروف من دنس(وأغنم من الحاظر لذاته فليس في طبع الليالي الامان)..

    لم يتبدل من حال الاهل سوى اننا ننعم ببعض من فضاء الحرية، وبعض من الامل بجيل راحت اصواته تهدر في كل شبر من تربة العراق(سحقا للفساد، وسحقا للمفسدين)..

    رسالتك ايها الاعز..فتقت قراب همومي، من لنا بنواب آخر ومن لنا بلامي آخر ومن لنا بقافلة مبدعين تغيبهم ملاذات الغربة حد الافناء؟، ثم ايكون هلعك على رفيق الدرب وصنو الابداع نوابنا الكبير، وانت الموغل في الاغتراب، ايكون ذلك من نحوالقول(أن الغريب للغريب نسيب…).

  • الديمقراطية بيئة صالحة للإبداع!!

    لعل الإدارة المحلية للمحافظات نقلت العراق إلى مرحلة جديدة بعد أن عانى من مركزية الدولة المفرطة في الحقبة الماضية .. وهذه الإدارة نتج عنها ظهور قيادات متميزة وبناء وإعمار وتطور في هذه المحافظة أو تلك ولعل ما يحدث الآن في محافظات النجف الأشرف، وكربلاء المقدسة، والبصرة الفيحاء والانبار، وبابل من تميز في الإدارة جعل من هذه المحافظات متفوقة على محافظات أخرى حسب الظاهر مازالت تحتاج إلى انفتاح أكثر، وإلى ممارسة الصلاحيات المناطة بها والتي منحها الدستور العراقي الجديد لبناء محافظاتهم بشكل متميز، مع الحفاظ على الطابع العام لكل محافظة . ويمكن أن يحصل التميز من خلال عمليات النظافة العامة للمدينة أو طريقة البناء .. أو تنظيم السير واتباع الأنظمة والقوانين بشكل صارم كما يحدث في مدينة النجف الاشرف خاصة في استخدام حزام الأمان، أو ما يحدث في مدن إقليم كردستان من التزام بالإشارة المرورية حتى بعد أوقات متأخرة من الليل أو عدم وجود شرطي مرور . إن الالتزام بالأنظمة والقوانين، أو تطبيق نظم الإدارة أو تسهيل المعاملات والإجراءات في دوائر الدولة كلها تعد عناصر إبداع في عراق جديد نبنيه معاً . وهنا لابد من ذكر الاستعلامات الالكترونية التي ابتدعتها أمانة بغداد تسهيلاً لمراجعة المواطنين .. وهذه أول محاولة في استخدام هذا النوع من الاستعلامات في العراق . وأن الحكومة المحلية في الانبار بدأت تطور شواطئ نهر الفرات، وشجعت على بناء مرافق سياحية على هذه الشواطئ .. مطاعم كازينوهات ملاعب أطفال، أسهمت بشكل كبير في جذب العائلة الانبارية الكريمة لقضاء أوقات ممتعة .. هي بحاجة إليها بعد المعاناة التي عاشتها المحافظة نتيجة تسلط قوى الإرهاب على مقدرات المحافظة في وقت سابق . الديوانية المحافظة الوسطى والمطلة على الفرات أيضا بادرت هي الأخرى في حقل آخر يسجل لها تميزاً، حيث سبقت بقية المحافظات بوضع نظام وطقوس خاصة لباعة الغاز في المحافظة، ومن هذه الطقوس تخصيص نغمة موسيقية خاصة لباعة الغاز بدل الأصوات المزعجة التي يستخدمها أولئك الباعة وهم يتجولون في شوارع المدينة وأزقتها . وقد اتخذت إدارة المنتوجات النفطية في محافظة الديوانية إجراءات لتوحيد هذه النغمة والإبلاغ عن المخالفين .. ليس هذا فحسب بل عمدت الدائرة إلى صبغ الأقفاص الحديدية الخاصة بسيارات الغاز بلون رصاصي فاتح .. وكذلك طلبت من موزعي الغاز في المحافظة بضرورة توفير آلية لإنزال اسطوانات الغاز وعدم رميها عشوائيا ً.. وأيضا طلبت الالتزام بالزي الموحد الذي هو بدلة عمل وحذاء فضلاً عن القيام باستبدال لوحات وكلاء الغاز الحديدية بأخرى جديدة (فلكس) وهي ملونة وجذابة وواضحة .. مدير فرع الديوانية للمنتجات النفطية أشار إلى وصول (1498) اسطوانة غاز جديدة بمواصفات فنية معتمدة إلى المحافظة .. ويبدو أن اسطوانتين فقدتا لأسباب مجهولة أثناء عملية النقل .. فليس من المعقول أن ترسل بغداد إلى الديوانية (1498) اسطوانة وليس(1500) وإلا ما هي الحكمة من اختيار هذا الرقم ؟

  • أصحاب المليارات !

    ثورة التاسع من نيسان المجيدة لم تكن شبيهة بالثورات والانقلابات التي عرفناها في العراق، يذهب الملك ويأتي الزعيم، ويذهب الزعيم ويأتي العقيد … الخ، ولذلك لم تقف عند حدود ذهاب صدام ومجيء فلان أو فلان، وإنما حملت معها رياح التغيير الجذري الشامل لمفاصل الحياة جميعها، فهي على سبيل المثال اجتثت القوات العسكرية والأمنية بالكامل، وتركت البلاد في فوضى عارمة، ولم تستطع قوات التحالف حماية المواطن فكانت النتيجة آلاف الشهداء والمفقودين والمهجرين، وفعلت الشيء نفسه في ميدان الاعلام وفي عموم مؤسسات الدولة، إلغاء من دون بديل وهدم من دون بناء ولكي تؤكد أنها (ثورة) بالمعنى الحرفي للكلمة، فقد طرحت مئات المفاهيم الجديدة والغريبة على إسماع الناس الخارجين تواً من عقود الدكتاتورية وسطوة الحزب الواحد، فكان أن ضجّ الشارع بالديمقراطية والشفافية والفدرالية والمحاصصة والاصابع البنفسجية والحكومات المحلية … الخ.

    واحدة من المفاهيم التي شاعت بعد ثورة 2003 ،هي دعاوى رد الاعتبار التي يرفعها هذا المسؤول او هذه الجهة ضد الإعلاميين عامة والصحفيين خاصة، فإذا كتب الصحفي (س) مقالة نقدية ضد المسؤول (ص) وتضمنت معلومات غير دقيقة أو لغة قاسية، فهناك عرف يقضي بأن يتولى (ص) الرد على الصحفي ويفند معلوماته أو يكذبها، ويكشف الحقيقة كما هي، ومن حقه مطالبة الصحفي بالأعتذار، ومن حقه كذلك ان ينشر رده في المكان نفسه الذي نشرت فيه المقالة، من دون حذف أو تعديل، وهكذا يجد الصحفي نفسه مطالباً على وفق معايير العمل المهني أن ينشر الرد ويقدم الأعتذار، فأن لم يكن مقتنعاً بصحة المعلومات التي أوردها (ص) ففي أسوأ الحالات يمكن ان يتحول الموقف بينهما الى نوع من (السجال) ينتهي لصالح من يمتلك الدليل والحجة الدامغة، ولن تصل الامور الى أبعد من هذا إلا في حالات شاذة تؤدي الى رفع دعوى قضائية ضد الصحافي ويترك القرار للمحكمة، وهذا حق مشروع، ولكن هذا الحق لا يتم اللجوء إليه إلا في حالات نادرة جداً، طالما هناك امكانية للرد والأيضاح والتصويب والأعتذار.

    الأمر الغريب الذي حصل بعد 2003، إن الحالات النادرة تحولت الى ظاهرة، وأصبحت الصحافة عرضة دائمية للدعاوى القضائية على كتابات أغلبها يقع ضمن دائرة الرأي وحرية التعبير، والأغرب إن المشكلة لم تقف عند هذا الحد، فمعظم الدعاوى المقامة تطالب الصحافي بتعويض قدره (مليار أو ملياران أو ثلاثة مليارات دينار أو أكثر) وعلة ذلك على ما يبدو، إن المليارات أصبحت لا تساوي لدى البعض أكثر من حفنة دنانير تصرف في حفلة عرس أو تدفع رشوة لتمرير مشروع تجاري أو صفقة رابحة، وقد لا يدعو هذا إلى الضحك قدر البكاء، ولو علم المشتكون وأصحاب الدعاوى القضائية (ممن يتنازلون عن شتيمتهم بمليار دينار وكأننا أصبحنا في عصر الشتائم مدفوعة الثمن) أقول: لو علموا إن 40% من الصحفيين يعيشون في بيوت مؤجرة، و30% منهم يقترضون على رواتبهم، و10% يعتمدون على معونات المحسنين، و10% من غير رواتب، و10% يموتون جوعاً، وإن أغنى صحفي بالمعنى المهني للصحافة لو باع داره وأثاث منزله وملابسه الداخلية وربطة عنقه وجهاز الموبايل فلن يوفر نصف مليار، فمن أين له أن يدفع ملياراً أو مليارين أو أكثر، اللهم إذا باع نفسه وقلمه ومبادئه، وفي هذه الحالة لن يصبح صحفياً، بل طبالاً في فرقة الطبالين، ومعلوم إن هذه الفرقة الضالة، هي الوحيدة التي ليس لها رأي ولا موقف ولا قضية ولا تحسن إلا فن المدائح، فأتقوا الله في الصحفيين يا أصحاب المليارات!.