Placeholder

أين تنظيم النقل الخاص..؟

 تعاني العاصمة بغداد وكذلك المحافظات من تخلف كبير في تنظيم حركة ووقوف وايواء المركبات مع غياب للسياسة العامة في هذا المجال ،مما تسبب بالابقاء على الفوضى الموروثة وزادتها السيطرات والاجراءات الامنية تعقيدا فتشوهت صورة المدينة وتفاقمت معاناة المواطن.

 وإزاء ذلك لا بد من إيجاد خطط ستراتيجية تشترك في تنفيذها اكثر من وزارة لتساند وزارة النقل وتعيد النظر في أماكن الكراجات، ولا بد من اتخاذ قرارات جريئة في استملاك مساحات اضافية لاظهار تلك الاماكن بطريقة لائقة تنسجم مع التطورات المستقبلية اللاحقة، فنلاحظ هذه الفوضى في ساحاتنا الكبرى مثل التحرير والميدان والباب المعظم واغلب مناطق العاصمة والمحافظات، فهذه المشاهد والاختناقات لا تليق بعاصمة وبلد غني مثل العراق وهو في مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين .

ولعل من المنطقي اتخاذ قرارات بإيقاف استيراد المركبات وتقليص استخدامها الحكومي وتشجيع الناس وضمن خطة لترشيد استهلاك الطاقة وتحسين البيئة اللجوء للنقل العام، ويفترض ان يتطور وتكون له ساحات لائقة بالبشر المتحضر والمدينة المتقدمة التي يحلم اهلها بالمترو الذي غيبته سياسة الحروب السابقة وموجات الارهاب اللاحقة، ولا بد من انهاء ظاهرة الاستجداء واجبار الناس على دفع اتاوات وحتى عند وقوفهم امام دوائر حكومية وجامعات ومستشفيات وأزقة فرعية وتصل أحيانا لألفين أو ثلاثة آلاف دينار ومن يمتنع عن الدفع قد يتعرض لاهاناة واعتداءات من أشخاص فرضوا هذا النظام بالقوة ومن دون مبرر معقول او خدمة معلومة.

وضمن هذه الفوضى مئات الالاف من سيارات التاكسي فهي من دون تنظيم لحركتها ولوقوفها او اتباعها لانظمة العداد المطبق في اغلب البلدان المجاورة، ناهيك عن فوضى اخرى تتمثل بغض النظر عن اجازات السوق والتمسك بتعليمات وتفاصيل غير ضرورية داخل المدينة والتعسف في تطبيقه مثل حزام الامان الذي لا يصلح هذه الايام الا في الطرق الخارجية وليس في الاختناقات المرورية داخل العاصمة، ولعله من البطر الحديث الان عن ادخال اصحاب المركبات العامة في دورات للعلاقات العامة كونهم وجه المدينة ولسانها الناطق ودليلها وعنوان ثقافتها.

 نحن بانتظار اجراءت آنية وأخرى إستراتيجية ولنا عودة للحديث عن القطارات والمطارات والنقل النهري والبحري ونأمل أن يتسع لنا صدر الجهات ذات العلاقة لنفتح حوارات في هذه المجالات خدمة للوطن وللمواطن.

Placeholder

.. ذو شأن !!

هو يعيش برفاهية ونعيم يمارس عمله بإتقان وانتظام ودوام كامل محدد بالساعات, لا تزيد ولا تنقص, ويتقاضى راتبا من الشركة التي يعمل فيها بمقدار سبعة آلاف دولار وهو ما يعادل راتب عشرين موظفا.. وسواء رضينا أم لم نرض , وسواء رضيتم أم لم ترضوا .. فانه ذو حسب ونسب, من سلالة لا شائبة على سلامة نسلها للفصيلة التي انحدرت منها أجيال عديدة.

وهو موظف في شركة أمنية يبدأ بممارسة عمله منذ الصباح الباكر, حيث يأتي في قفصه الأنيق في سيارة مبردة, وعندما تفتح له باب القفص ينط إلى الأرض برشاقة وغرور مشهود.

شغله الشاغل “شم” الناس والسيارات ليكشف المواد المتفجرة إن وجدت وعندما يخطأ لا يعاقبه رئيسه في العمل.. مع إنه ليس مثله ولا يقطع من راتبه دولاراً واحدا، بل يعرضه على طبيبه الخاص للتأكد من سلامة صحته النفسية, وسبب التوتر الذي أصابه فأفقده حاسة الشم فيتلقى العلاج اللازم, وقد يمنح استراحة لمدة ثلاثة أيام لا يخرج فيها إلى العمل.

وإذا كانت أُنثى فولدت فان وليدها يعيش في عز ودلال ويمنح راتبا بمقدار خمسة آلاف دولار بعد ولادته مباشرة كنوع من الضمان الاجتماعي وتتمتع الأم بإجازة ولادة. ولتصرف هذه المبالغ على راحة الوليد الجديد وصحته وغذائه وحاجياته الخاصة بما فيها مستلزمات اللهو الخاصة بالطفولة.

وذلك من اجل نموه ونشأته صحيح الجسم معافى سليم الأنف متقد الذكاء، فالأنف السليم في الجسم السليم. وما أن يبلغ الوليد أشده, وبعد مرور أشهر على عمره المديد حتى يجد فرصة العمل أمامه, فلا يتشرد في الشوارع ويخالط بقية الأنواع السائبة القذرة فتؤثر في أخلاقه بممارساتها اللا اخلاقية. إنه ذو شأن يصل إلى مقر عمله في سيارة خاصة مبردة, ويعود منه في سيارة خاصة مبردة.

وفي مقر إقامته راحة تامة, فغرفته مكيفة وطعامه مسلفن جاهز, وماؤه مقطر معقم. فهو لا يشرب مثلنا من أنابيب الإسالة الملوثة. لأنها تضر بصحته التي تعد أغلى من صحة الكثيرين بما فيهم رئيس الشركة التي يعمل فيها.

وهو يستحم مرتين في اليوم. مرة عند خروجه إلى العمل، ومرة عند العودة منه. وعندما تحييه بتحية لا يرد عليك، بل ينظر إليك نظرة شزر ملؤها الاحمرار من فرط الغيظ الذي أصابه نتيجة تجرؤك على النظر إليه.

انه مهم ذو شأن، يمتلك هوية خاصة، واسمه مدون في سجلات الشركة، وله رقم خاص واسم دلع وكنية. وقد يكون أكثر أهمية من الشخص الذي يمسك بالسلسلة التي تحيط برقبته..

فهذا الأخير لا يملك “حاسة الشم” التي يمتلكها وقد يكون راتبه اقل كثيرا من راتب الكلب الذي حالفه الحظ فأصبح كلبا ذا شأن، ومثله يحصلون على وظائف مهمة في أجهزة الأمن والمخابرات وشركات الحراسة.

بينما يبقى كثير من البشر عاطلين عن العمل لا يتقنون لغة العصر أو لغة الحاسوب أو أية لغة أجنبية بل أنهم لا يتقنون حتى لغة الكلاب. ولله في خلقه شؤون.

Placeholder

ذكريات رياضية

اتسعت رقعة الكرخ البغدادية قرابة 75 ضعفا عما كانت عليه في بداية العقد الخمسيني من القرن الماضي ، ويكفي القول ان حدودها كانت تنتهي عند المحطة العالمية ، فلا وجود لاحياء المنصور والبياع والطوبجي والرسالة والشرطة والاعلام والشباب والعامل وغيرها الكثير من الاحياء السكنية القائمة حاليا ، وكانت الكرخ في تلك الحقبة عبارة عن مجموعة من المحلات الشعبية المتداخلة ذات المساحات الصغيرة ، وكنت اسكن يومها في محلة الرحمانية ذات البيوت الطينية والشوارع الترابية.

وكانت تلك الشوارع تمثل ساحة كرة القدم التي نلعب فوقها بدشاديشنا حفاة ، قبل ان يبزغ اسم لاعب يدعى (سلمان داود) ، يكبرنا بسبعة اعوام او ثمانية ، كان ساحرا مبهرا اكثر منه لاعبا (في وقت لاحق اصبح احد لاعبي المنتخب العراقي) وقد تولى هذا الفتى تشكيل فريق رسمي منظم للمحلة ، حيث اصبحت لدينا كرة حقيقية من تلك الكرات التي تلعب بها الاندية ، وانتقلنا من اللعب في الشارع الى ساحة نظامية الابعاد خارج المحلة وتعلمنا على يديه عبر التدريبات اليومية معنى التسسل والرمية الجانبية والضربة الحرة المباشرة وغير المباشرة والاخطاء العشر والمكاتفة القانونية ولكن اهم درس تلقينا هو تركيز على ضرورة الجمع بين (المهارة الفردية واللعب الجماعي) من دون تغليب احدهما على الاخر وقد برز من اعضاء الفريق يومها اللاعبان المتميزان واذا لم تخذلني الذاكرة ، فان الاول اسمه جواد والثاني اسمه اياد وكلاهما يلعب في مركز قلب الهجوم او ما يطلق عليه راس الحربة !

كان سلمان يجمعنا قبل كل وحدة تدريبية ويحدد لنا المهمات والواجبات ثم يجتمع بنا بعد الوحدة ، ويواجهنا باخطائنا واحدا واحدا ، ولم يكن يخفي اعجابه الكبير امامنا بقدرات جواد واياد ومهاراتهما الفردية العالية وانهما يبشران بمستقبل كروي متميز .

ومع ذلك كان ينقدهما بشدة ولا يتوانى عن تعنيفهما [ياجواد لقد اضعت اليوم خمسة اهداف محققة للفريق] ، لانك استاثرت بالكرة وحدك ولم تحولها الى عادل او اياد او احمد وقد كانوا في مواجهة المرمى من دون رقابة لماذا كل هذه المراوغة التي ادت الى قطع الكرة من دفاع الخصم؟ وهذا أمر طبيعي وبالتالي فانت سبب الخسارة] ثم يلتفت الى اياد [اما انت فاضعت عن الفريق اكثر من هجمة منظمة كان يمكن ان نخرج معها بعدد كبير من الاهداف ، لانك متعجل وتندفع الى الامام بسرعة قبل حركة الكرة وبالتالي تقع في مصيدة التسلل وتضيع الهجمة احملك مسؤولية الخسارة] والحق فقد استطاع المدرب بمرور الوقت ان يصل معهما الى نتائج مثمرة .

لا اذكر المدة التي امضاها سلمان معنا حيث قرر الرحيل الى مكانه الطبيعي ، لاعبا في احد الاندية الكروية ، واشهد انه ترك ورائه فريقا شعبيا عليه العين ، استطاع الفوز على اغلب الفرق الشعبية العريقة ، ومع رحيله بدأت المشكلة فقد عاد اللاعبان المتميزان الى اسلوبهما القديم احدهما يراوغ ويستأثر بالكرة ، والاخر يتعجل ويقع في مصيدة التسلل ولهذا بدا فريقنا يتعرض لخسارات متلاحقة فمن اصل ثماني مباريات خسرنا سبعا وتعادلنا في واحدة.

وهكذا اخذ اللاعبون بالانسحاب التدريجي وفقدنا جمعهور المشجعين و آل مصير الفريق الى التفكك وعدنا نلعب في الشارع و في حدود علمي وذاكرتي ان (جواد واياد) اللذين تنبأ لهما سلمان بمستقبل كروي كبير تراجع مستواهما ، واعتزلا اللعب قبل ان يبلغا سن الرشد !!

Placeholder

(مبدعون) منتحلون

التجربة الابداعية التي تضع نصب  اعينها انتمائها الخالص، قدر إستطاعتها، لمراميها الخاصة وتمتح من الينابيع السرمدية لأصالة الوجود بوصفها المنهل الوحيد ،ليس من طبيعتها أبداً الأتكاء على أسانيد تاريخية شأنها التحول والزوال المستمران ، فلا تغدو من بعد سوى فقاعة مهما أنتفخت وكبرت مآلها الخواء والعدم …

ليس من شأن الابداع حشد الاسانيد التاريخية أو اية اسانيد اخرى تنتسب الى أي من حقول المعرفة البشرية ،على الرغم من أن بإمكانه إستخدامها كلبُنات في صياغة بنيانه الفني،عبر أقامته لشبكات متعددة من الوشائج، وبمستويات متعددة من اللغة . التاريخ ليس سوى لحظات راهنة دائبة الزوغان فيما الإبداع ديدنه البقاء والخلود ..

تلك توطئة لابد منها للولوج الى تفكيك ظاهرة باتت منتشرة كدرن خبيث في جسم الإبداع العراقي أنتجتها بيئات تاريخية محضة ليست بذات صلة من قريب اوبعيد بجوهر العملية الابداعية ، وكرستها عوامل عدة من بينها المؤسسة الايديولوجية الرسمية وغير الرسمية الى حد ما ، وكذلك فعلت عملية التواتر الزمني في تصدرها المشهد (الثقافي)عبرالشره الشاذ المتمكن منها للظهور المتكرر واستقتالها لحيازة الاعتراف من لدن انصاف النقاد او المروجين الحاضرين على الدوام للتبويق ونصرة الصدى على الصوت اوغلبة اللحظة على الأزل .

يقرر الديالكتيك،على وفق المعطيات العلمية لعصره،قابلية تحول التراكم الكمي في حيز ما الى نمط نوعي،الامر الذي يشمل كل الظواهر في الطبيعة والتاريخ،عدا الظاهرة الابداعية فهي الظاهرة الوحيدة الغير محكومة بأية قوانين،لحظة ولادتها،سوى موجهاتها الخاصة،وما اصرار (الاشاعة الابداعية)على التمسك العنيد والمتهافت،في ذات الوقت،بناصية المشهد المعلن للثقافة،سوى تكريس لبؤسها من دون أن ترغب أوتريد،وحجب،ولو الى حين،للاهتمام الحقيقي والمنتج بالظواهر الابداعية الاصيلة ومن ثم إيلائها الاحتفاء اللائق بتجربتها ومبدعيها الاصلاء …

تعدد وكثرة البراهين لايعوزاننا في هذا المقام،فكم وكم من(روائي بارع) ابتلعته امواه محيط النسيان اللجاج،ومثله كثرة كاثرة من(الاشاعات الابداعية)التي كان خيارها الاخير الانتماء، ليس لصدق التجربةالابداعية واصالتها،بل للحظة التاريخية الزائلة،أدب وفنون الايديولوجيا السوفيتية ،معظمه،على سبيل المثال،وكذا معظم نتاج أدب وفنون القومانية الصدامية،وغيرها من الامثلة كثير..

القاص(أ) الذي صدر عنه حتى الان أكثر من عشرة او عشرين أو،وبعضهم حقق ذلك،ثلاثين وأكثر من مجموعة قصصية،ومثله الروائي(ع)مع الفارق في عدد الاصدارات ومثلهما الكاتب الدرامي(د)ومثلهم الشاعر(ج)والتشكيلي(ح)والمخرج(ق)والممثل(ف)والموسيقي(ك)والاعلامي(ن)وربما يلتحق بركب القائمة الناقد(عو)،الذين مافتأوا يملأون الفضاءات ضجيجا بائسا مشروخا في الصميم،مكتملي القيافة والعافية،يعرفون حق المعرفة في دخائلهم،إنهم يكذبون بل ويصرون على الكذب بوقاحة وصلف لايضاهيان،عملا بنصيحة(غوبلز) عراب الدعاية النازية،أن إكذب..إكذب..ليس حتى يصدقك الناس فقط،بل كيما تصدٌق كذبك أنت ايضا.. يقول الشاعرالشعبي العراقي ببلاغة نادرة(هذا غربيل الوكت لمٌاته خشنة وما تطيح)..الابداع الحقيقي والاصيل باق ما بقي الزمن،فيما (إشاعة الابداع) الرمل أو التراب الناعم فأن الزمن كفيل بإسقاطه ليبتلعه محيط النسيان اللجاج لامحالة…

Placeholder

شهـــــــامة الهاشمي الزويني

الشهامة باب مفتوح, وطعام مبذول, وإزار مشدود, وقيام في حوائج الناس, فمن عامل الناس فلم يظلمهم, وحدثهم فلم يكذبهم, ووعدهم فلم يخلفهم, فهو ممن كملت مروءته, وظهرت عدالته, ووجبت أخوته.

قبل بضعة شهور التقيت في البصرة أحد الخبراء البحريين الأوربيين, وكان اسمه (جاوس), جاء من هولندا للتباحث في بعض المشاريع المستقبلية, وكان يلح في البحث عن عنوان مدير الملاحة الأسبق في ميناء أم قصر, في المدة التي تزامنت مع انسحاب شركة (بوسكالس) من العراق, وهي من الشركات, التي تعاقدت مع العراق لتهذيب أعماق الممرات الملاحية في خور عبد الله وخور الزبير, وتعميق واجهات الأرصفة وتأثيث مقتربات الموانئ بالفنارات والعوامات.

قال (جاوس) انه يبحث عن رجل, اسمه (هاشم), وانه يريد أن ينتهز فرصة تواجده في البصرة, ليرد له الجميل, ويشكره على كرمه ونبله في تعامله الإنساني المتحضر مع العاملين في تشكيلة (بوسكالس), الذين كانوا يرزحون تحت وطأة ظروف عصيبة على خلفية الأجواء المتوترة والمواقف المتأزمة بين العراق والغرب في عقد التسعينيات من القرن الماضي.

تحدث معنا (جاوس) بحرقة عن ذكرياته في المرحلة الخانقة التي مرت بها البصرة, وعن الظروف القاهرة التي سبقت الانقضاض على العراق جواً وبحراً وبراً, يقول: كنا شبه محتجزين في سفننا المكدسة على أرصفة ميناء أم قصر, وكنا نسمع دوي طبول الحرب من أبواق (فوكس نيوز), و(السي أن أن), وكان البنتاغون يعد العدة لشن غارات جوية كاسحة على العراق, فضاقت بنا الأرض بما رحبت, وجثمت على صدورنا كوابيس الموت والهلاك, وقلنا أنها النهاية المأساوية, فالفرقاطات وحاملات الطائرة والغواصات كانت تزحف بحذر شديد نحو شمال الخليج العربي, وتقترب شيئا فشيئا من خطوط المواجهات الساخنة, فالاتصالات مع أهلنا في هولندا مقطوعة تماماً, باستثناء بعض أجهزة الراديو والتلفاز التقليدية, التي كانت تنقل لنا الصورة البشعة للمشهد المرتقب, وفجأة أطل علينا (هاشم) بابتسامته العربية الدافئة, وملامحه العراقية الودودة, جاء لكي يقف معنا في محنتنا, ويعيد إلينا الأمل بالعودة إلى ديارنا وأطفالنا سالمين غانمين, كان لطيفاً منشرحاً معنا, قوياً في تذليل الصعاب, قادراً على تجاوز التحديدات الإدارية الصارمة, وفر لنا الرعاية والعناية, وتعامل معنا كضيوف معززين مكرمين, وليس كرهائن كما يسوق الإعلام المتصهين, وكان خير مؤازر لنا في تلك الشدة, ولولاه لما استطعنا النجاة من حمم الهجمات المجنونة والغارات الشرسة, ولن ننسى وقفته معنا حينما فتح لنا بوابات الفرج, وقدم لنا التسهيلات لمغادرة أم قصر في اللحظات العسيرة. .

لم يكن كلام (جاوس) مفاجئا لنا, وكان من السهل علينا الاستدلال على شخصية (هاشم) والتعرف عليه, فقد كان (جاوس) يتحدث عن زميلنا الكابتن (أحمد هاشم عباس الزويني), الذي ترك أثراً ايجابياً عميقاً في نفوس فريق (بوسكالس) و(وايزمولر), بمواقفه النبيلة الدالة على جذور كريمة, وأرومة أصيلة, وليس غريبا أن يصل إلى هذا المستوى من الشهامة بحيث يتحدث عنه الأجانب بلسان فصيح بعد مضي ربع قرن, فالرجل من أبناء العراق البررة, ويرتبط بالسلسلة الذهبية المتألقة بجودها ومواقفها الإنسانية العريقة, فجده هو السيد عباس الزويني, بن عُبيد, بن أحمد زويِّن, بن مهدي, بن محمد, بن عبد علي, بن زين الدين زويِّن, بن رمضان, بن صافي, بن عواد, بن محمد, بن عطيش, بن حبيب الله, بن صفي الدين, بن الاشرف الجلال, بن موسى, بن علي, بن حسين, بن عمران الهاشمي, بن أبي علي الحسن, بن رجب, بن محمد زماخ, بن طالب طريش, بن عمار, بن المفضل, بن محمد الصالح, بن أبي العباس احمد البُن, بن الأمير أبو الحسين محمد الأشتر (نقيب الكوفة), بن عُبيد الله الثالث ,بن علي المُحدِّث, بن عُبيد الله الثاني, بن علي الصالح المعروف بالخيّر (بتشديد الياء), بن عُبيد الله الأعرج, بن الحسين الأصغر, بن علي زين العابدين, بن سبط سيد الثقلين أبو عبد الله الحسين, بن أول القوم إسلاما, وأخلصهم إيمانا, وأشدهم يقينا, فارس المشارق والمغارب, المهر الغالب, أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

دائما ما كان الهاشمي الزويني يأتي بالجديد في مجال الإدارة العامة عندما كان مديرا عاماً للنقل البحري, ومديراً للموانئ العراقية, ومديراً لشركة الظلال, ومديراً للنقل الخاص, ومديراً لشركة الجسر العربي, وكان يفرض على مخالفيه أن يحترموه ويجلوه, وكان من الرموز المينائية التي نفخر بها, ونعتز بانجازاتها حتى يومنا هذا .

Placeholder

أين تنظيم النقل الخاص..؟

 تعاني العاصمة بغداد وكذلك المحافظات من تخلف كبير في تنظيم حركة ووقوف وايواء المركبات مع غياب للسياسة العامة في هذا المجال ،مما تسبب بالابقاء على الفوضى الموروثة وزادتها السيطرات والاجراءات الامنية تعقيدا فتشوهت صورة المدينة وتفاقمت معاناة المواطن.

 وإزاء ذلك لا بد من إيجاد خطط ستراتيجية تشترك في تنفيذها اكثر من وزارة لتساند وزارة النقل وتعيد النظر في أماكن الكراجات، ولا بد من اتخاذ قرارات جريئة في استملاك مساحات اضافية لاظهار تلك الاماكن بطريقة لائقة تنسجم مع التطورات المستقبلية اللاحقة، فنلاحظ هذه الفوضى في ساحاتنا الكبرى مثل التحرير والميدان والباب المعظم واغلب مناطق العاصمة والمحافظات، فهذه المشاهد والاختناقات لا تليق بعاصمة وبلد غني مثل العراق وهو في مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين .

ولعل من المنطقي اتخاذ قرارات بإيقاف استيراد المركبات وتقليص استخدامها الحكومي وتشجيع الناس وضمن خطة لترشيد استهلاك الطاقة وتحسين البيئة اللجوء للنقل العام، ويفترض ان يتطور وتكون له ساحات لائقة بالبشر المتحضر والمدينة المتقدمة التي يحلم اهلها بالمترو الذي غيبته سياسة الحروب السابقة وموجات الارهاب اللاحقة، ولا بد من انهاء ظاهرة الاستجداء واجبار الناس على دفع اتاوات وحتى عند وقوفهم امام دوائر حكومية وجامعات ومستشفيات وأزقة فرعية وتصل أحيانا لألفين أو ثلاثة آلاف دينار ومن يمتنع عن الدفع قد يتعرض لاهاناة واعتداءات من أشخاص فرضوا هذا النظام بالقوة ومن دون مبرر معقول او خدمة معلومة.

وضمن هذه الفوضى مئات الالاف من سيارات التاكسي فهي من دون تنظيم لحركتها ولوقوفها او اتباعها لانظمة العداد المطبق في اغلب البلدان المجاورة، ناهيك عن فوضى اخرى تتمثل بغض النظر عن اجازات السوق والتمسك بتعليمات وتفاصيل غير ضرورية داخل المدينة والتعسف في تطبيقه مثل حزام الامان الذي لا يصلح هذه الايام الا في الطرق الخارجية وليس في الاختناقات المرورية داخل العاصمة، ولعله من البطر الحديث الان عن ادخال اصحاب المركبات العامة في دورات للعلاقات العامة كونهم وجه المدينة ولسانها الناطق ودليلها وعنوان ثقافتها.

 نحن بانتظار اجراءت آنية وأخرى إستراتيجية ولنا عودة للحديث عن القطارات والمطارات والنقل النهري والبحري ونأمل أن يتسع لنا صدر الجهات ذات العلاقة لنفتح حوارات في هذه المجالات خدمة للوطن وللمواطن.

Placeholder

.. ذو شأن !!

هو يعيش برفاهية ونعيم يمارس عمله بإتقان وانتظام ودوام كامل محدد بالساعات, لا تزيد ولا تنقص, ويتقاضى راتبا من الشركة التي يعمل فيها بمقدار سبعة آلاف دولار وهو ما يعادل راتب عشرين موظفا.. وسواء رضينا أم لم نرض , وسواء رضيتم أم لم ترضوا .. فانه ذو حسب ونسب, من سلالة لا شائبة على سلامة نسلها للفصيلة التي انحدرت منها أجيال عديدة.

وهو موظف في شركة أمنية يبدأ بممارسة عمله منذ الصباح الباكر, حيث يأتي في قفصه الأنيق في سيارة مبردة, وعندما تفتح له باب القفص ينط إلى الأرض برشاقة وغرور مشهود.

شغله الشاغل “شم” الناس والسيارات ليكشف المواد المتفجرة إن وجدت وعندما يخطأ لا يعاقبه رئيسه في العمل.. مع إنه ليس مثله ولا يقطع من راتبه دولاراً واحدا، بل يعرضه على طبيبه الخاص للتأكد من سلامة صحته النفسية, وسبب التوتر الذي أصابه فأفقده حاسة الشم فيتلقى العلاج اللازم, وقد يمنح استراحة لمدة ثلاثة أيام لا يخرج فيها إلى العمل.

وإذا كانت أُنثى فولدت فان وليدها يعيش في عز ودلال ويمنح راتبا بمقدار خمسة آلاف دولار بعد ولادته مباشرة كنوع من الضمان الاجتماعي وتتمتع الأم بإجازة ولادة. ولتصرف هذه المبالغ على راحة الوليد الجديد وصحته وغذائه وحاجياته الخاصة بما فيها مستلزمات اللهو الخاصة بالطفولة.

وذلك من اجل نموه ونشأته صحيح الجسم معافى سليم الأنف متقد الذكاء، فالأنف السليم في الجسم السليم. وما أن يبلغ الوليد أشده, وبعد مرور أشهر على عمره المديد حتى يجد فرصة العمل أمامه, فلا يتشرد في الشوارع ويخالط بقية الأنواع السائبة القذرة فتؤثر في أخلاقه بممارساتها اللا اخلاقية. إنه ذو شأن يصل إلى مقر عمله في سيارة خاصة مبردة, ويعود منه في سيارة خاصة مبردة.

وفي مقر إقامته راحة تامة, فغرفته مكيفة وطعامه مسلفن جاهز, وماؤه مقطر معقم. فهو لا يشرب مثلنا من أنابيب الإسالة الملوثة. لأنها تضر بصحته التي تعد أغلى من صحة الكثيرين بما فيهم رئيس الشركة التي يعمل فيها.

وهو يستحم مرتين في اليوم. مرة عند خروجه إلى العمل، ومرة عند العودة منه. وعندما تحييه بتحية لا يرد عليك، بل ينظر إليك نظرة شزر ملؤها الاحمرار من فرط الغيظ الذي أصابه نتيجة تجرؤك على النظر إليه.

انه مهم ذو شأن، يمتلك هوية خاصة، واسمه مدون في سجلات الشركة، وله رقم خاص واسم دلع وكنية. وقد يكون أكثر أهمية من الشخص الذي يمسك بالسلسلة التي تحيط برقبته..

فهذا الأخير لا يملك “حاسة الشم” التي يمتلكها وقد يكون راتبه اقل كثيرا من راتب الكلب الذي حالفه الحظ فأصبح كلبا ذا شأن، ومثله يحصلون على وظائف مهمة في أجهزة الأمن والمخابرات وشركات الحراسة.

بينما يبقى كثير من البشر عاطلين عن العمل لا يتقنون لغة العصر أو لغة الحاسوب أو أية لغة أجنبية بل أنهم لا يتقنون حتى لغة الكلاب. ولله في خلقه شؤون.

Placeholder

ذكريات رياضية

اتسعت رقعة الكرخ البغدادية قرابة 75 ضعفا عما كانت عليه في بداية العقد الخمسيني من القرن الماضي ، ويكفي القول ان حدودها كانت تنتهي عند المحطة العالمية ، فلا وجود لاحياء المنصور والبياع والطوبجي والرسالة والشرطة والاعلام والشباب والعامل وغيرها الكثير من الاحياء السكنية القائمة حاليا ، وكانت الكرخ في تلك الحقبة عبارة عن مجموعة من المحلات الشعبية المتداخلة ذات المساحات الصغيرة ، وكنت اسكن يومها في محلة الرحمانية ذات البيوت الطينية والشوارع الترابية.

وكانت تلك الشوارع تمثل ساحة كرة القدم التي نلعب فوقها بدشاديشنا حفاة ، قبل ان يبزغ اسم لاعب يدعى (سلمان داود) ، يكبرنا بسبعة اعوام او ثمانية ، كان ساحرا مبهرا اكثر منه لاعبا (في وقت لاحق اصبح احد لاعبي المنتخب العراقي) وقد تولى هذا الفتى تشكيل فريق رسمي منظم للمحلة ، حيث اصبحت لدينا كرة حقيقية من تلك الكرات التي تلعب بها الاندية ، وانتقلنا من اللعب في الشارع الى ساحة نظامية الابعاد خارج المحلة وتعلمنا على يديه عبر التدريبات اليومية معنى التسسل والرمية الجانبية والضربة الحرة المباشرة وغير المباشرة والاخطاء العشر والمكاتفة القانونية ولكن اهم درس تلقينا هو تركيز على ضرورة الجمع بين (المهارة الفردية واللعب الجماعي) من دون تغليب احدهما على الاخر وقد برز من اعضاء الفريق يومها اللاعبان المتميزان واذا لم تخذلني الذاكرة ، فان الاول اسمه جواد والثاني اسمه اياد وكلاهما يلعب في مركز قلب الهجوم او ما يطلق عليه راس الحربة !

كان سلمان يجمعنا قبل كل وحدة تدريبية ويحدد لنا المهمات والواجبات ثم يجتمع بنا بعد الوحدة ، ويواجهنا باخطائنا واحدا واحدا ، ولم يكن يخفي اعجابه الكبير امامنا بقدرات جواد واياد ومهاراتهما الفردية العالية وانهما يبشران بمستقبل كروي متميز .

ومع ذلك كان ينقدهما بشدة ولا يتوانى عن تعنيفهما [ياجواد لقد اضعت اليوم خمسة اهداف محققة للفريق] ، لانك استاثرت بالكرة وحدك ولم تحولها الى عادل او اياد او احمد وقد كانوا في مواجهة المرمى من دون رقابة لماذا كل هذه المراوغة التي ادت الى قطع الكرة من دفاع الخصم؟ وهذا أمر طبيعي وبالتالي فانت سبب الخسارة] ثم يلتفت الى اياد [اما انت فاضعت عن الفريق اكثر من هجمة منظمة كان يمكن ان نخرج معها بعدد كبير من الاهداف ، لانك متعجل وتندفع الى الامام بسرعة قبل حركة الكرة وبالتالي تقع في مصيدة التسلل وتضيع الهجمة احملك مسؤولية الخسارة] والحق فقد استطاع المدرب بمرور الوقت ان يصل معهما الى نتائج مثمرة .

لا اذكر المدة التي امضاها سلمان معنا حيث قرر الرحيل الى مكانه الطبيعي ، لاعبا في احد الاندية الكروية ، واشهد انه ترك ورائه فريقا شعبيا عليه العين ، استطاع الفوز على اغلب الفرق الشعبية العريقة ، ومع رحيله بدأت المشكلة فقد عاد اللاعبان المتميزان الى اسلوبهما القديم احدهما يراوغ ويستأثر بالكرة ، والاخر يتعجل ويقع في مصيدة التسلل ولهذا بدا فريقنا يتعرض لخسارات متلاحقة فمن اصل ثماني مباريات خسرنا سبعا وتعادلنا في واحدة.

وهكذا اخذ اللاعبون بالانسحاب التدريجي وفقدنا جمعهور المشجعين و آل مصير الفريق الى التفكك وعدنا نلعب في الشارع و في حدود علمي وذاكرتي ان (جواد واياد) اللذين تنبأ لهما سلمان بمستقبل كروي كبير تراجع مستواهما ، واعتزلا اللعب قبل ان يبلغا سن الرشد !!

Placeholder

(مبدعون) منتحلون

التجربة الابداعية التي تضع نصب  اعينها انتمائها الخالص، قدر إستطاعتها، لمراميها الخاصة وتمتح من الينابيع السرمدية لأصالة الوجود بوصفها المنهل الوحيد ،ليس من طبيعتها أبداً الأتكاء على أسانيد تاريخية شأنها التحول والزوال المستمران ، فلا تغدو من بعد سوى فقاعة مهما أنتفخت وكبرت مآلها الخواء والعدم …

ليس من شأن الابداع حشد الاسانيد التاريخية أو اية اسانيد اخرى تنتسب الى أي من حقول المعرفة البشرية ،على الرغم من أن بإمكانه إستخدامها كلبُنات في صياغة بنيانه الفني،عبر أقامته لشبكات متعددة من الوشائج، وبمستويات متعددة من اللغة . التاريخ ليس سوى لحظات راهنة دائبة الزوغان فيما الإبداع ديدنه البقاء والخلود ..

تلك توطئة لابد منها للولوج الى تفكيك ظاهرة باتت منتشرة كدرن خبيث في جسم الإبداع العراقي أنتجتها بيئات تاريخية محضة ليست بذات صلة من قريب اوبعيد بجوهر العملية الابداعية ، وكرستها عوامل عدة من بينها المؤسسة الايديولوجية الرسمية وغير الرسمية الى حد ما ، وكذلك فعلت عملية التواتر الزمني في تصدرها المشهد (الثقافي)عبرالشره الشاذ المتمكن منها للظهور المتكرر واستقتالها لحيازة الاعتراف من لدن انصاف النقاد او المروجين الحاضرين على الدوام للتبويق ونصرة الصدى على الصوت اوغلبة اللحظة على الأزل .

يقرر الديالكتيك،على وفق المعطيات العلمية لعصره،قابلية تحول التراكم الكمي في حيز ما الى نمط نوعي،الامر الذي يشمل كل الظواهر في الطبيعة والتاريخ،عدا الظاهرة الابداعية فهي الظاهرة الوحيدة الغير محكومة بأية قوانين،لحظة ولادتها،سوى موجهاتها الخاصة،وما اصرار (الاشاعة الابداعية)على التمسك العنيد والمتهافت،في ذات الوقت،بناصية المشهد المعلن للثقافة،سوى تكريس لبؤسها من دون أن ترغب أوتريد،وحجب،ولو الى حين،للاهتمام الحقيقي والمنتج بالظواهر الابداعية الاصيلة ومن ثم إيلائها الاحتفاء اللائق بتجربتها ومبدعيها الاصلاء …

تعدد وكثرة البراهين لايعوزاننا في هذا المقام،فكم وكم من(روائي بارع) ابتلعته امواه محيط النسيان اللجاج،ومثله كثرة كاثرة من(الاشاعات الابداعية)التي كان خيارها الاخير الانتماء، ليس لصدق التجربةالابداعية واصالتها،بل للحظة التاريخية الزائلة،أدب وفنون الايديولوجيا السوفيتية ،معظمه،على سبيل المثال،وكذا معظم نتاج أدب وفنون القومانية الصدامية،وغيرها من الامثلة كثير..

القاص(أ) الذي صدر عنه حتى الان أكثر من عشرة او عشرين أو،وبعضهم حقق ذلك،ثلاثين وأكثر من مجموعة قصصية،ومثله الروائي(ع)مع الفارق في عدد الاصدارات ومثلهما الكاتب الدرامي(د)ومثلهم الشاعر(ج)والتشكيلي(ح)والمخرج(ق)والممثل(ف)والموسيقي(ك)والاعلامي(ن)وربما يلتحق بركب القائمة الناقد(عو)،الذين مافتأوا يملأون الفضاءات ضجيجا بائسا مشروخا في الصميم،مكتملي القيافة والعافية،يعرفون حق المعرفة في دخائلهم،إنهم يكذبون بل ويصرون على الكذب بوقاحة وصلف لايضاهيان،عملا بنصيحة(غوبلز) عراب الدعاية النازية،أن إكذب..إكذب..ليس حتى يصدقك الناس فقط،بل كيما تصدٌق كذبك أنت ايضا.. يقول الشاعرالشعبي العراقي ببلاغة نادرة(هذا غربيل الوكت لمٌاته خشنة وما تطيح)..الابداع الحقيقي والاصيل باق ما بقي الزمن،فيما (إشاعة الابداع) الرمل أو التراب الناعم فأن الزمن كفيل بإسقاطه ليبتلعه محيط النسيان اللجاج لامحالة…

Placeholder

شهـــــــامة الهاشمي الزويني

الشهامة باب مفتوح, وطعام مبذول, وإزار مشدود, وقيام في حوائج الناس, فمن عامل الناس فلم يظلمهم, وحدثهم فلم يكذبهم, ووعدهم فلم يخلفهم, فهو ممن كملت مروءته, وظهرت عدالته, ووجبت أخوته.

قبل بضعة شهور التقيت في البصرة أحد الخبراء البحريين الأوربيين, وكان اسمه (جاوس), جاء من هولندا للتباحث في بعض المشاريع المستقبلية, وكان يلح في البحث عن عنوان مدير الملاحة الأسبق في ميناء أم قصر, في المدة التي تزامنت مع انسحاب شركة (بوسكالس) من العراق, وهي من الشركات, التي تعاقدت مع العراق لتهذيب أعماق الممرات الملاحية في خور عبد الله وخور الزبير, وتعميق واجهات الأرصفة وتأثيث مقتربات الموانئ بالفنارات والعوامات.

قال (جاوس) انه يبحث عن رجل, اسمه (هاشم), وانه يريد أن ينتهز فرصة تواجده في البصرة, ليرد له الجميل, ويشكره على كرمه ونبله في تعامله الإنساني المتحضر مع العاملين في تشكيلة (بوسكالس), الذين كانوا يرزحون تحت وطأة ظروف عصيبة على خلفية الأجواء المتوترة والمواقف المتأزمة بين العراق والغرب في عقد التسعينيات من القرن الماضي.

تحدث معنا (جاوس) بحرقة عن ذكرياته في المرحلة الخانقة التي مرت بها البصرة, وعن الظروف القاهرة التي سبقت الانقضاض على العراق جواً وبحراً وبراً, يقول: كنا شبه محتجزين في سفننا المكدسة على أرصفة ميناء أم قصر, وكنا نسمع دوي طبول الحرب من أبواق (فوكس نيوز), و(السي أن أن), وكان البنتاغون يعد العدة لشن غارات جوية كاسحة على العراق, فضاقت بنا الأرض بما رحبت, وجثمت على صدورنا كوابيس الموت والهلاك, وقلنا أنها النهاية المأساوية, فالفرقاطات وحاملات الطائرة والغواصات كانت تزحف بحذر شديد نحو شمال الخليج العربي, وتقترب شيئا فشيئا من خطوط المواجهات الساخنة, فالاتصالات مع أهلنا في هولندا مقطوعة تماماً, باستثناء بعض أجهزة الراديو والتلفاز التقليدية, التي كانت تنقل لنا الصورة البشعة للمشهد المرتقب, وفجأة أطل علينا (هاشم) بابتسامته العربية الدافئة, وملامحه العراقية الودودة, جاء لكي يقف معنا في محنتنا, ويعيد إلينا الأمل بالعودة إلى ديارنا وأطفالنا سالمين غانمين, كان لطيفاً منشرحاً معنا, قوياً في تذليل الصعاب, قادراً على تجاوز التحديدات الإدارية الصارمة, وفر لنا الرعاية والعناية, وتعامل معنا كضيوف معززين مكرمين, وليس كرهائن كما يسوق الإعلام المتصهين, وكان خير مؤازر لنا في تلك الشدة, ولولاه لما استطعنا النجاة من حمم الهجمات المجنونة والغارات الشرسة, ولن ننسى وقفته معنا حينما فتح لنا بوابات الفرج, وقدم لنا التسهيلات لمغادرة أم قصر في اللحظات العسيرة. .

لم يكن كلام (جاوس) مفاجئا لنا, وكان من السهل علينا الاستدلال على شخصية (هاشم) والتعرف عليه, فقد كان (جاوس) يتحدث عن زميلنا الكابتن (أحمد هاشم عباس الزويني), الذي ترك أثراً ايجابياً عميقاً في نفوس فريق (بوسكالس) و(وايزمولر), بمواقفه النبيلة الدالة على جذور كريمة, وأرومة أصيلة, وليس غريبا أن يصل إلى هذا المستوى من الشهامة بحيث يتحدث عنه الأجانب بلسان فصيح بعد مضي ربع قرن, فالرجل من أبناء العراق البررة, ويرتبط بالسلسلة الذهبية المتألقة بجودها ومواقفها الإنسانية العريقة, فجده هو السيد عباس الزويني, بن عُبيد, بن أحمد زويِّن, بن مهدي, بن محمد, بن عبد علي, بن زين الدين زويِّن, بن رمضان, بن صافي, بن عواد, بن محمد, بن عطيش, بن حبيب الله, بن صفي الدين, بن الاشرف الجلال, بن موسى, بن علي, بن حسين, بن عمران الهاشمي, بن أبي علي الحسن, بن رجب, بن محمد زماخ, بن طالب طريش, بن عمار, بن المفضل, بن محمد الصالح, بن أبي العباس احمد البُن, بن الأمير أبو الحسين محمد الأشتر (نقيب الكوفة), بن عُبيد الله الثالث ,بن علي المُحدِّث, بن عُبيد الله الثاني, بن علي الصالح المعروف بالخيّر (بتشديد الياء), بن عُبيد الله الأعرج, بن الحسين الأصغر, بن علي زين العابدين, بن سبط سيد الثقلين أبو عبد الله الحسين, بن أول القوم إسلاما, وأخلصهم إيمانا, وأشدهم يقينا, فارس المشارق والمغارب, المهر الغالب, أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

دائما ما كان الهاشمي الزويني يأتي بالجديد في مجال الإدارة العامة عندما كان مديرا عاماً للنقل البحري, ومديراً للموانئ العراقية, ومديراً لشركة الظلال, ومديراً للنقل الخاص, ومديراً لشركة الجسر العربي, وكان يفرض على مخالفيه أن يحترموه ويجلوه, وكان من الرموز المينائية التي نفخر بها, ونعتز بانجازاتها حتى يومنا هذا .