Placeholder

على أعتاب عام… المستقبل العراقي

أتحينها فرصة لتفويض الحديث عن مناسبة عادة ما تتكرر في حياة أمثالنا من الكتّاب والصحفيين الذين أبتلوا بعشق وهيام الولع بوجع الكتابة،، حد الاحساس بالكآبة،، وفعل ملل الوقوف خلف قضبان حقيقة الدفاع عن حقوق وحاجات الناس،، وأظنه الكاتب الأرجنتيني الأعمى(خورخه لويس بورخيس) هو من قال:(الكتابة ممتعة حتى وأن كانت عديمة الفائدة) ليسد الباب على أي تعليق لاحق،، أو لمجرد تهميش حول أهمية الكتابة بكل صنوفها الشخصية والعامة.!

وكلما يحين الحين مع أي موعد احتفال في يوم تأسيس صحيفة ما أو موسسة اعلامية ما(تلفزيون أرضي… أو فضائي.. اذاعة) وتشاء الظروف أو تفرض المصادفات أن نعمل بها أو أن نكتب لها- كما يتصادف اليوم وعرس (المستقبل العراقي) في زهو هوى عيدها الأول،، فان أكثر ما يخالجني هو شعور غامض،، عجيب يكاد يزاوج ما بين لذة حنين،، خفي ما بين مشاعر حيف يحادد القرف أراه يؤشر صوب حياة عشناها في رحاب وصعاب ميادين مهنة الصحافة الى جانب  جنون الأليف في محراب الكتابة أيام تناسلت وانسابت من بين أصابع صفوف المدرسة ثم أورقة الجامعة،، وأيام أخرى انتحرت بنصل جحيم الجندية التي أكلت ثلاثة أرباع أعمارنا فوق ساريات خدمة العلم.!!

حياة… قد يحسدنا عليها الكثير،، وقد يرثينا عليها أكثر من عايش وعاش تفاصيلها من حجم أولئك الذين أكتوت أصابعهم النبيلة بجمرات لسعات نحل ويعاسيب ضميرالوطن مضروبا في ضمير المهنة التي دفعت بنا-عنوة- نحو سواترها الواهية وساحات قتالاتها الضارية المدججة بكل وسائل الموت والخوف بالترهيب،، بأوهام نزق القادة،، بانظمة السياسة،، فيالق الاعلام الحزبي والرسمي دفاعا عن وجودهم وجحود أهدافهم في (معارك تحرير) وهمية وحصارات بربرية- تبريرية تساوى في حصد الأرواح تلو الأخرى،، من أجل أن تبقي أرواح (قادة الموت) على قيد حياة النعيم والرجاء،، مزهوة باعتلاء ناصية خلود مستعار مصبوغ بدم الأبرياء والشهداء.!!

حياة،، باغتنا بها زخات المطر،، واجتزنا حقول الألغام،، نحو حقول أحلام تركتنا طعما للأماني وبساطة الأشياء،، وفي أن نبقى  قيد نقاء الكتابة. 

هل أسرفت بنحر وتفسير بعض تلك الأحلام في مستهل عام بهي نحتفل به مع (المستقبل العراقي) بسنة تأسيسها الأولى،، لتكون الأولى من بين الصحف التي حوت أعمدتنا ومقالاتنا بحرية كاملة،، دون أن تبخس حقا لأحد،، دون أن تسأل أو أن تحدد موقفا مسبقا للنشر غير معايير المهنة ومقتضيات ضميرها المحفوف باحترام انسانية الانسان وتقديس الوطن بعد الله؟

 هل كنا محظوظين- حقا- حين تعاملنا مع زملاء لنا في هذا المطبوع الجميل،، الأنيق ممن يرون بالحرية تاجا وصولجانا للكاتب الحقيقي ليس بحاجة لتأكيد يومي وتدقيق روتيني- بيروقراطي يتم من خلاله إفساح المجال للحرية لكي تمر من باب رئيس التحرير أو رئيس مجلس الادارة؟ أم أن ادارتها كانت تطبق – فعلا- مقولة (نيلسون مانديلا)) : الحرية لا يمكن أن تعطى على شكل جرعات،، فالمرء أما أن يكون حرا،، أو لا يكون؟).

Placeholder

مــا بعـــد قمـــة بـغـــداد

لكل حدث نتيجة له أو عليه, وقمة بغداد بالسياقات السياسية التي تمر بها المنطقة والعالم هي حدث مهما تواضعت نتائجه. وأذا أخذنا بنظر ألاعتبار تردي الوضع السياسي العربي, وعدم وصول المخاضات التي عصفت به الى نتائج تسجل لصالح المواطن كقيمة إنسانية سبقتنا اليها دول كثيرة. وإذا استحضرنا ما أريد للعراق من عزلة أقليمية وعربية أطرافها واضحة تترجم نواياها بشكل عملي حتى وصلت تلك الترجمة الى طريقة التمثيل في مؤتمر القمة ببغداد, وما أريد للعراق من اشتعال فتنة داخلية أدواتها معروفة جعلت من الحراك الداخلي في العملية السياسية بابا من أبواب الاستباحة السيادية وصلت الى الحد الذي لايفرق بين طرح المشكلات العربية في القمة وبين طرح المشكلات الداخلية العراقية في القمة العربية ببغداد. وهذا اللون والمستوى من التفكير هو الذي صنع شرنقة التمحل والمراوحة المملة بين الذين دخلوا الندوة البرلمانية بأصوات غيرهم نتيجة دكتاتورية القائمة الانتخابية التي ظلت حكرا بيد الكتل والأحزاب التي استهوتها سهولة حصد الاصوات على حساب الناخب وعلى حساب الوطن معا. كما أن هذا اللون والمستوى من التفكير هو الذي صنع الضعف الحكومي بكادره المرحل قسرا عبر المحاصصة ذات التفقيس الخديجي في مؤسسات الدولة التي لم يعد أوكسجين الشعارات كافيا لخروجها من غرفة الإنعاش التي فسد العاملون فيها ولم يعد لجرس الانذار من فائدة على طريقة قول الشاعر :

من يهن يسهل الهوان عليه

                        مالجرح بميت أيلام

في مثل هذه الوسط انعقدت قمة بغداد, ووسط من هذا النوع لايسمح بالتألق كثيرا . ولكن قمة بغداد لمن يعرف أسرار المفهوم الغيبي الذي لايمكن إنكاره عقلا, أصبحت حدثا للعراق بالحد الادنى, فالعراق كان يحتاج القمة بمفهومها المعنوي وهذا ليس عيبا, والدول العربية كانت تحتاج القمة لنفي شبهات كثيرة لحقتها جراء عدم قدرتها على الحضور الفاعل في القضية الفلسطينية تاريخيا, وعدم قدرتها على التعامل مع القضية السورية بأفق متوازن يمنحها الدور القيادي الذي سلمته برهانات ضعيفة وواهية الى الأمم المتحدة, وكرست هذا التنازل في قمة بغداد عندما وقفت وراء مبادرة كوفي أنان المصنوعة أمريكيا, والجامعة العربية لاتملك حضورا في النقاط الست التي طرحتها مبادرة كوفي أنان لحل الازمة السورية. إن مابعد قمة بغداد العربية تعني أشياء كثيرة لمن يفقه المعنى السياسي للأحداث, وأريد هنا ان أركز على الخصوصية العراقية مابعد قمة بغداد , وهذه الخصوصية تتطلب النظر والتنظير العالي فيما يلي من الامور: 

1-  أن تعلم الكتل السياسية المشاركة في الحكم أن نجاح قمة بغداد في حده الادنى عربيا وفي حده الاعلى عراقيا هو نجاح لجميع العراقيين. 2- أن تعلم الحواضن العراقية من دينية وعشائرية وحزبية وهيئات ومنظمات ونقابات, أنها معنية جميعا بما بعد قمة بغداد من انعكاسات ومخاضات. 3- أن تعلم المؤسسات الاعلامية من فضائيات وصحف واذاعات ومجلات أنها معنية بانعكاسات مابعد قمة بغداد وطنيا حتى لاتظل تغرد بعض الجهات على سمفونية ماقبل القمة التي حملت كثيرا من التحريض وروجت كثيرا من الشبهات, مما جعلها تخطئ في ترجمة حرية الرأي ذات الابعاد المقدسة, مثلما جعلها تخطئ في مفهوم الفن فسوقت بضاعة متهافتة تزدريها عين الناظر قبل تذوقها, وتعافها أذن السامع منذ الموجات الاولى لصخب الاوتار المعتدي على المطرقة والسندان والمتجاوز على لحاء العصب السمعي بتسلل غير مرغوب فيه. 4- وأن يعلم أحبتنا وأخوتنا من الذين طالبوا بإقامة الاقاليم: أن العراق المعافى من البند السابع , والقادر على محاصرة الارهاب وإنهائه, هو القادر بعون الله على إعطاء الحقوق لكل أبنائه, وأن قانونا للانتخابات جديدا, ودستورا مستوفيا للصياغة على مساحة ألاجتماع والجغرافية العراقية تتحقق فيه التوازنات المطلوبة هو البناء الصحيح لأرضية وسقف المناخ السياسي الذي لايخشى عليه من هزات طائفية وأخرى عنصرية وحزبية بعد أن أصبحت الانتخابات بابا للممارسة الديمقراطية في الحكم , وبقي علينا صقل التجربة, واستمرارية العمل بجد وحيوية بعد غربلة شوائب المرحلة حتى لا تظهر لنا حواشي طفيلية كما هي الان في كل أركان الدولة. 5-  وأن يعلم الاخوة المتحفظون على سياقات العمل في المرحلة التي سبقت مؤتمر قمة بغداد, أننا أمام استحقاقات عراقية وطنية بامتياز لاتصادرها شخصية صاحب القرار وأن أخطأ واشتبه وتمادى في خطأه , فالفلتر الانتخابي موجود, والمصدات الدستورية موجودة, ومن هنا فلا داعي للخوف والوجل الذي يصل الى حد اليأس. أن مابعد القمة يلقي إضاءات واعدة في الدور الجديد للعراق الذي يتطلب منه الشروع بتوحيد الصف الوطني, فلايجوز بعد اليوم أن منصة قاعة الاعلام في البرلمان العراقي تعج بالتصريحات غير المدروسة, ولايجوز أن تظل بعض الفضائيات تغرد خارج السرب الوطني مستفيدة من وجود أستودياهاتها في الخارج لاسيما ذلك الذي يحرض على أرباك الوضع العراقي. ولايجوز أن تظل بعض التشكيلات الحزبية مجهولة التمويل, مثلما لايجوز أن يستمر الانشطار والانشقاق الحزبي على حساب وحدة الجمهور ووحدة الوطن, ولايجوز أن تبقى بعض دول الجوار حاضنة للبؤر المتورطة في الارهاب والعمل المشبوه وطنيا والمحرّض على الفتنة الطائفية. ولا يجوز أن تظل المؤسسات الحكومية مختطفة ومحتكرة بطواقم معينة , مصادرة بذلك أصحاب الكفاءة والخبرة الذين تنتظرهم حاجة وطنية ملحّة في ردم هوة التخلف التي ظهرت واضحة للعيان في كل مفصل من مفاصل الدولة. ولايجوز أن يظل العراق واقفا في المنطقة الرمادية تجاه القضية السورية, وتبعات ترؤسه للقمة العربية لايجب أن تتحول الى تكبيل لدوره العربي الانساني في فهم حقيقة مايجري في سورية لاسيما وأن الاطراف التي عرفت بتغذيتها للعنف في سورية وتلك التي عرفت بتسليحها للمعارضة السورية وهي ممارسة مرفوضة ديمقراطيا ومرفوضة من قبل مشروع مكافحة الارهاب, هذه الاطراف أعترفت بوجود اختراقات إرهابية في المعارضة السورية, ومؤتمر مايسمى أصدقاء سورية الذي فشل في تونس لا نأمل أن يخدع أحد بعدم نجاحه في أسطنبول بعد أن  فشلت تركيا وفشلت قطر والسعودية, وأمتنعت أمريكا والدول الاوربية من التدخل العسكري, وظهرت بشاعة العنف الممارس من قبل العصابات المسلحة, وأدركت ذلك قمة البريكس التي دعت الى الحوار وطلبت إيقاف الدعم العسكري للمعارضة السورية, والعراق قبل ذلك وبعد ذلك مطالب بوفاء للشعب السوري الشقيق ومقتضيات الوفاء أن يكون وسيطا في الحوار وداعيا لنبذ التدخل العسكري في سوريا كما كان موقف رئيس الحكومة في المؤتمر الصحفي مع أوباما في واشنطن والذي قدر عاليا من قبل الشعب السوري.

Placeholder

علماء الامة !!

قاطعته الأكف بالتصفيق الحار للمرة الخامسة وهو يلقي محاضرته، ولم يكن ذلك غريبا على سلمان الصالح، الرجل النابغة في علم الاقتصاد، و(الباحث العلامة) كما تسميه المؤسسات العلمية الرسمية ووسائل الإعلام، وقد كانت محاضرته في هذا المساء، بالغة الاهمية، لانها تناولت الاقتصاد العربي، واشرت نقاط قوته ومصادرها، والسبل العملية الكفيلة  بنهضته والارتقاء به الى مصاف الدول الاقتصادية العظمى في العالم، وكان الصالح في ذلك كله، بعيدا عن الصراخ والهذيان العاطفي والتهريج الخطابي، معتمدا على لغة الارقام الدقيقة والحقائق الموضوعية!

على كثرة الذين عقبوا وأثنوا ثناءً جميلا على المحاضر والمحاضرة، الا ان العبارة التي اطربت الصالح، هي التي وردت على لسان أمين عام الاقتصاديين العرب، حين اشار الى ان (هذا الرجل يعد بحد ذاته ثروة، وعلى الامة مجتمعة ان توليها ما تستحق من الرعاية والاهتمام)، وكانت تلك العبارة التي علقت في ذهن الصالح قد اثارت حماسته، ودفعته الى الإعلان المبكر بأنه يشرف على الانتهاء من دراسة مستفيضة، تمثل اهم مشروع بحثي انجزه في حياته، لأنه يتناول السبل العملية التي تتيح للعرب توظيف اقتصادهم لخدمة اهدافهم المشروعة وخدمة الانسانية، ولذلك دوّت القاعة من جديد بعاصفة من التصفيق، حتى ان رئيس منظمة تربية العجول العربية وتسمينها، انتظر زمنا طويلا الى أن تهدأ العاصفة ، لكي يرتقي خشبة المسرح ويطبع قبلة على جبينه، فيما استثنته رئيسة منظمة النساء التقدميات من القرار الخاص بمنع (تعدد الزوجات)، وهو الأمر الذي جعل حناجر الرجال ترتفع بالهتافات والاناشيد القومية!!

مزهوا نهض الصالح، شاقا طريقه بصعوبة، وهو يتلقى كلماتهم الترحيبية ودعواتهم له بالتوفيق وطول العمر، وعند البوابة الخارجية كان الجميع في وداعه وابتسامات السعادة تعلو وجوههم، ثم توجهوا الى مركباتهم الفخمة واسترخوا على مقاعدهم الوثيرة، وانطلقوا حالمين بمستقبل اقتصادي رغيد! 

في تمام الساعة التاسعة ليلا من ذلك المساء الشتائي البارد، عبر الصالح وحيدا الى الجهة الثانية من الشارع، والسماء تنث نثا خفيفا لم يلبث ان اشتد، وكان وهو يتحظى تحت مظلة احدى العمائر محتميا من المطر، قد راودته مئات الافكار قبل ان ينتبه الى ان الساعة قاربت منتصف الليل، وان احدا من سواق الاجرة لم يوافق على نقله الى منزله البعيد، والبرد لم يعد يحتمل، والجوع انهكه، فاطلق ضحكة مدوية شقت الظلام، وهو يصرخ باعلى صوته (أنا بحد ذاتي ثروة) وتعالت ضحكاته المدوية، وهو الامر الذي أثار حفيظة الشرطة العربية الحريصة على حفظ الأمن والهدوء، فألقت القبض عليه بتهمة الاخلال براحة المواطنين، واطلاق عبارات غامضة تثير الشك، واحتجزته سبعين يوما في ذمة التحقيق!

ملاحظة: 9 ،99 من علماء ومبدعي العرب يحظون بالرعاية والتكريم والميداليات الذهبية، بعد انتقالهم الى رحمة الله تعالى.. لذا اقتضى التنويه!!

Placeholder

المعقل الأجمل والمعقل “المبهذل”

المعقل, واسمها المُحرف (ماركيل), اما اسمها المثبت في خرائط عقارات الدولة فهو (كوت الإفرنكي), واحدة من أجمل المدن العراقية, وأكثرها جاذبية في منتصف القرن الماضي, لم تكن تختلف كثيرا عن القرى الوادعة في الريف الانكليزي, بل تكاد تكون نسخة منها من حيث الهدوء والجاذبية والمنازل المتفرقة المعروفة بطابعها الأوربي القديم.  ازدهرت هذه المدينة وأخذت تتفوق على مثيلاتها من مدن البصرة ابتداءً من عام 1919, وهو العام الذي تحسنت فيه صورة التجمعات السكانية في الموانئ العراقية بعد الحرب العالمية الأولى, فصارت المعقل هي الوجهة المفضلة للباحثين عن الهدوء وسط الطبيعة الخلابة, وهي الملاذ الذي يمنحهم متعة التنقل بين جنبات طرقاتها وحدائقها وقناطرها الخشبية الصغيرة, وهي المنتجع المفتوح لطواقم السفن التجارية المترددة على مينائها, الذي كان سيدا لكل الموانئ والمرافئ في حوض الخليج العربي من دون منازع. . 

بنيت معظم بيوتها على النمط الانكليزي, وازدانت شوارعها بأشجار النخيل والكالبتوس والسدر, وتزينت أرصفتها بأزهار القرنفل والنرجس والبنفسج والياسمين, وطفت زنابق الماء على جداولها المنسابة نحو شط العرب, في نظام فريد يستمد طاقته الطبيعية من حركة المد والجزر في الليل والنهار, اما العطر الذي كان يعبق بشذاه في ليالي هذه المدينة المينائية الجميلة فهو عطر أزهار ملكة الليل, وكأنه هويتها وعلامتها الفارقة التي لا تنسى.  كان شارع (إجنادين) قطعة من الجنة بأشجار البرتقال والمشمش والسفرجل, كان عبارة عن فردوس طبيعي تعشش فوق أغصانه أجمل أنواع العنادل المغردة, ويغفو في ظلاله الحمام واليمام, لا يملك المتجول في هذا الشارع إلا أن يتأنى في سيره, ويبطئ حركته حتى لا تفوته فرصة التمتع بجاذبية المكان الذي جمع الجمال كله في  صورة شارع الأحلام (شارع إجنادين).  

توفرت للمعقل كل مستلزمات الرقي في المدة التي صار فيها (مزهر الشاوي) مديرا عاما لمصلحة الموانئ, فمنحها وقته كله, حتى أصبحت عنوانا بارزا من عناوين الرخاء, بنواديها الترفيهية (نادي البورت كلوب, والرياضي, والأرمن, والسكك), وقاعاتها الرياضية, ودورها السينمائية, ومسابحها الثلاثة (مسبح البورت كلوب, مسبح المطار, مسبح التشاينا كامب), ومكتبتها العامة, ومساجدها العامرة, وحدائقها الشعبية ( الأندلس, الجمهورية, البيت الصيني, السندباد, النجيبية, الشاطئ), ومشاتلها الواسعة, ومدارسها التي كانت أنموذجا للمدارس الحديثة بمختبراتها ومسارحها وساحاتها وقاعاتها الدراسية), وانفردت بملاعبها الكبيرة, التي شملت الألعاب كلها, لكنها تميزت بملاعب التنس الأرضي, وكرة القدم, والسلة والطائرة, وقاعات رفع الأثقال.  وربما كانت مكتبتها العامة هي المكتبة الأكبر والأضخم بما تحتويه من كتب ومراجع نادرة. لقد كانت تأتيها المجلات والصحف الأجنبية من أوربا محمولة على الطائرات المترددة على مطار شط العرب. 

اما اليوم فقد تحولت هذه المدينة الرائعة إلى مكب للنفايات, ومأوى للكلاب السائبة, وملاذ للقطط الضالة, فتساقطت أشجارها, وتهدمت مكتبتها, وتفحمت حدائقها, واختفت مسابحها, وتحطمت دورها السينمائية, وأغلقت نواديها الترفيهية, وتشوهت شوارعها, وتوقفت جداولها عن الجريان, فتحولت إلى برك تعج بالنفايات والمياه الآسنة. . صارت حدائق البيت الصيني متاحة اليوم لمن هب ودب, خصوصا بعد أن شملتها ظاهرة الحواسم, فتكاثرت على أرضها التجاوزات السكانية, وبات من حق أي مواطن أن يشيد بيته عليها بالطريقة التي يراها مناسبة, وفي الموقع الذي يختاره بنفسه, وبالمساحة التي تلبي احتياجاته, واستطالت معاول التجاوزات لتشمل ضفاف الأنهار والجداول, وتتوغل إلى الساحات والملاعب العامة, وتتطاول على محرمات المدارس. .ثم زحف الخراب نحو شارع إجنادين, فتحول في الليل إلى وكر للأشباح والكلاب المستذئبة, ولا يملك المتجول بسيارته ليلا في هذا الشارع إلا أن ينطلق بأقصى سرعته حتى لا يعرقله الهجوم الذي قد تشنه عليه الكلاب العدوانية الضالة. . اختفت السينما الشتوية من شارع إجنادين, وتعفنت الأحواض المخصصة للسباحة, وصارت دار السينما الصيفية حظيرة للأبقار. .ذهبت قبل بضعة أيام إلى شارع الملعب, والذي كان يضم اكبر ملاعب البصرة لكرة القدم والسلة والطائرة, وتقع فيه القاعة المخصصة لنادي الميناء الرياضي, وهي قاعة ترفيهية كانت تقام فيها الأعراس والاحتفالات, تقابلها باحة صيفية مفتوحة, تطل على الملاعب الرياضية من جهة, وعلى دار السينما الصيفية من جهة أخرى, وكانت تجري فيها سحبات لعبة (الدنبلة), اما اليوم فقد تحولت القاعة الشتوية إلى مأوى عشوائي للأسر الفقيرة, فتكدست بيوت الصفيح والتنك في الساحة المخصصة للسينما, وفي الباحة الصيفية للنادي. .

ربما كانت المدينة الترفيهية الجديدة (بصرة لاند) هي النقلة المعمارية الوحيدة, التي شهدتها المعقل بعد سبات طويل دام نصف قرن, وشاءت الأقدار أن يتولى رجل من أهلها مهمة إحياء المدينة القديمة في مشروع استثماري ضخم, كان منصور بن زايد السكيني (وهو من مواليد 1963) من الذين ارتبطت ذكرياتهم في مرحلة الطفولة بدواليب حدائق الأندلس ومدينة ألعابها, وكان شاهدا على مراحل تدهورها نحو الأسوأ, فعاد إلى ملاعبها في ربيع عام 2009, ليزيح عنها آثار الخراب والدمار بجهوده الذاتية, ويرفع عنها التجاوزات, وينشأ في الموقع نفسه مدينة معاصرة تضاهي المدن الترفيهية في عموم العراق, حتى أصبحت اليوم هي النافذة الترفيهية الأولى في البصرة, وكانت إحدى النوافذ السياحية, التي أعادت الفرحة إلى النفوس المحرومة, المثقلة بالهموم والمآسي. . وسيعود إليها الرجل الذي ازدهرت في عصره المعقل مُجَسدا في نصب تذكاري يقف على حافة ناصية شارع (مالك بن دينار) عند بوابة إعدادية المعقل للبنات, على مسافة ليست بعيدة عن مقر المؤسسة العريقة, التي حملت صولجان سلطة الموانئ العراقية منذ عام 1919 وحتى يومنا هذا. التمثال من إبداعات الفنان البصري علي عاشور, وبتمويل من رئيس المهندسين الأستاذ علي خريبط صاحب شركة (بصرة ماس), ورعاية مدير عام الموانئ الكابتن البحري (عمران راضي ثاني).  

عاد إليها مزهر الشاوي بتمثاله الذي شغل مكانه الراسخ في قلوب محبيه من أبناء هذه المدينة التي كانت هي الأجمل, لكنه لم يعد إليها بروحه وأفكاره الوطنية, وشتان بين الحجر والبشر, وشتان بين المعقل الأجمل والمعقل (المبهذل), وشتان بين المعقل, التي كانت عنوانا من عناوين الجمال, ورمزا من رموز التحضر, وبين المعقل التي قتلها الإهمال في الألفية الثالثة حتى صارت عنوانا من عناوين المدن الكئيبة المتخلفة, فالمعقل الحالية لا تشبه المعقل القديمة لا من بعيد ولا من قريب.  

Placeholder

لننظر إلى نصف الكوب الملآن

في العراق – وربما في اغلب بلدان العالم ايضا – اذا كان ثمة شجار بين اثنين؛ على سبيل المثال؛ وهناك اكثر من عرس في المكان نفسه؛ فان الناس تتراكض لمشاهدة الشجار– على محدوديته – وتترك الفرح والاغاني والدبكات؛ وقد يحتاج تفسير هذا الامر الى رأي اختصاصي في علم النفس.

 المثال ينطبق على اغلب متابعاتنا الصحفية ايضا؛ فعادة لا ننظر للانجازات بقدر ما نركز على السلبيات ونضخمها بشكل كاركتوري لاثارة الفضول لدى القارئ؛ او لـ(فش الخلق) بالسياسيين واحباطنا الدائم مما كنا نتوقعه منهم.

ما ذكرته؛ هو تمهيد للحديث عن قمة بغداد العربية؛ وانا هنا ارفع قبعتي لنجاحها بكل المقاييس؛ امنيا؛ وسياسيا؛ وتنظيميا؛ وحسن ضيافة؛ واستقبال وتوديع.

وهو امر لا يحسب للمالكي وحده؛ فالمالكي لم يقف على رجليه– واحيانا من دون طعام طوال ما يقرب من شهر- في التقاطعات والشوارع وعلى اطراف المزارع والقرى النائية؛ متحديا الصواريخ وزعماء السيارات المفخخة؛ والمالكي لم يكن في مطار بغداد ولا قرب اجهزة السيطرة الجوية للتنسيق مع قادة الطائرات ؛ والمالكي لم يشرف على سير طقوس وترتيب اماكن الضيوف؛ وانما هم ابناؤنا واخوتنا ورجالات خبراتنا المتراكمة؛ لان لا احد قد استورد جيشا او شرطة او طواقم ادارة الفعاليات الكبيرة؛ هم العراقيون انفسهم من قاموا بكل ذلك؛ والنجاح الذي قد تحقق قبل ان يكون للمالكي او لوزرائه؛ هو نجاحهم الذي يجب ان نفتخر به.

حين يدخل اي متصفح الى الانترنيت؛ ويطلب معلومات ما؛ عن مؤتمرات القمة العربية؛ سيرى ان كل القمم السابقة لم تسجل باسم اي من الزعماء؛ وانما اسماء المدن (قمة القاهرة – قمة الرياض – قمة تونس – قمة المغرب؛ وقمة بغداد 1990) لم يذكر احد انها قمة القذافي او مبارك او صدام حسين؛ ربما يرد تفصيل عن حديث؛ او موقف ما؛ لكنها بالتالي قمة البلد التي سترتبط باسم عاصمته؛ اليوم وغدا والى الابد.

نعم.. تضررنا كثيرا بالاقامة الجبرية التي فرضت علينا؛ ونعم ضيّقت الاسعار على ميزانيات العوائل الشحيحة؛ لكنهم العراقيون؛ ولكنهم اهلنا الذين ياما شدّوا الاحزمة على البطون اكراما للضيوف؛ ومن حقهم على المالكي ان يقدم اعتذاره لهم ؛ مثلما من حق كل القوات الامنية عليه ان يؤدي التحية لها؛ ويقف امام جهود الجنود المجهولين وكأنه يقف في لحظة عزف النشيد الوطني.

لننظر الى نصف الكوب الملآن؛ فما تحقق.. تحقق لبغداد وليس لاحد آخر. ولذلك ادعو الجميع الى تقديم التهاني لنجاح(قمة بغداد).

مبارك لوزارة الدفاع؛ مبارك لوزارة الداخلية؛ مبارك لقيادة العمليات؛ ومبارك– من دون حسني بالتأكيد- لوزارة الخارجية؛ ولنؤجل التفاصيل قليلا؛ فعادة ما يكمن الشيطان فيها؛ كما يقال.

Placeholder

التــوبــة الشـرعـيـــة و التــوبــة السيـاسيـــة

عندما كانت عندي محاضرة في جمهور عراقي ايام المعارضة في الخارج في الثمانينات قال لي احد التجار الوطنيين العراقيين ان فلانا ويقصد به احد اعوان صدام حسين ممن كان يزوق له كلمات المديح وقد جاء هاربا بعد ان قتل زوج اخته ويريد ان نسمح له بالجلوس في الندوة. فقلت لهم: اسمحوا له فليدخل, وجلس آخر الصفوف, وعندما انهيت محاضرتي , رفع اصبعه وقال: يادكتور تسمح لي بالحديث. فقلت له تفضل: فقام مصفرا مرتجفا وقال: انا اتفه كاتب حارب الشرفاء من ابناء وطنه واغرورقت عيناه بالدمع. ثم قال: صدام حسين “ربع مليون عراقي” ساهم في صناعته وانا واحد منهم, ولا علاج لنا الا السيف. وتدور الايام ثم يصبح هذا الرجل عضوا في البرلمان العراقي بواسطة احدى القوائم التي انشطرت على نفسها, وهذه احدى الدلائل على عدم صلاحية القائمة لفرز الرجال الصالحين انتخابيا, ثم هي احدى علامات التوبة السياسية المفبركة. ثم تحمل لنا الاخبار مفاجآت التوبة السياسية, ليصبح من كان من حاشية عدي, ومن تلاعب باموال التجار العراقيين في اوكرانيا في التسعينات, ثم هرب الى الخارج ليؤسس جريدة ويمتلك بناية وسيارة مرسيدس ويعلن نفسه معارضا لصدام حسين بتلك الاموال المسروقة مما جعل المعارضة ملغومة بالادعياء, ثم بعد السقوط عمل هذا الرجل تحت مظلة احد الحزبين الكرديين, ونال من تمويلهم كما نال الكثيرين, ثم اسس فضائية, ثم اصبح نائبا, واتهم بسرقة رواتب حمايات النفط والكهرباء حيث شكا لي احدهم قائلا: يادكتور يعطوننا ” 90″ الف دينار وراتبنا في الدولة هو ” 500″ الف دينار فقلت له : قدموا شكوى للقضاء وطالبوا بحقوقكم . ثم اصبح هذا الرجل من مروجي الطائفية والارهاب فلوحق قضائيا فهرب خارج العراق وهناك اسس فضائية تنطق باسم الارهاب بعد ان غير اسمها, واليوم نشاهد توبة سياسية جديدة مفبركة بمساعدة سماسرة وجدوا طريق التزلف الى بعض اصحاب القرار ولذلك اثير جدل في الصحافة والاعلام هذه الايام حول اسقاط تهم مادة 4 ارهاب عمن كان متهما بها وبغيرها من التهم التي تعود لمستحقات مالية لبعض المواطنين وللمال العام.. وسبب اثارة الجدل هو دهشة الموقف وسرعته عندما تناقلت الاخبار حضور من كان مطلوبا للقضاء مرحبا به في مطار بغداد ثم مروره على القضاء زائرا وليس متهما, وسرعة اسقاط تهم الارهاب على غير العادة, ثم اسقاط بقية التهم التي تتعلق بالذمم المالية ذات الحقوق الشخصية, ومن المناسب بيان طبيعة ونوع الحقوق من الناحية الشرعية وهي: 1-  حق الله : فالله ان شاء يغفر وان شاء يعاقب, وهو في كل الحالات ارحم الراحمين. 2- حق الناس: وهذا الحق لايسقط الا من قبل نفس اصحاب الحق من الاشخاص. بالمسامحة , بالتنازل , وبالعفو والمغفرة . 3-  حق مشترك بين الله والعباد : وينطبق عليه شروط الحقين اعلاه ومن المفيد زيادة في التوضيح : ان الحقوق الخاصة بالله هي: 1-  الشرك بالله 2-  والكفر بالله ومعصيته  وحقوق العباد هي: 1-  استباحة دمائهم وكما يحدث اليوم في القتل الارهابي والمسؤول عنه التنظيم الوهابي انتماء  ومساندة, والافتاء ومن يقف وراءه. 2-  استباحة الاعراض 3-  استباحة المال 4- استباحة الحرمات الشخصية: كالغيبة, والنميمة, والنفاق, والتنابز بالالقاب, والتسقيط والتشهير.والتوبة الشرعية: ماكان تشريعها من الله في نص الكتاب “القرآن” او مفصلة في سنة رسول الله “ص” . فالله هو الغفور وهو التواب وهي من اسمائه الحسنى , يضاف اليها: الرحيم والرحمن بما يعزز معنى التوبة. وقد خصصت سورة من سور القرآن الكريم باسم “التوبة” وهي السورة التاسعة في التسلسل , واياتها ” 129″ اية كريمة. ومن الايات التي ذكرت التوبة وحثت عليها: 1-  “الم يعلموا ان الله هو يقبل التوبة عن عباده ” – 104- التوبة . 2-  “ثم تاب عليهم ليتوبوا ان الله هو التواب الرحيم ” – 118- التوبة. 3-  “واستغفروا ربكم ثم توبوا اليه “– 3- هود. 4-  “ربكم اعلم بما في نفوسكم ان تكونوا صالحين فانه كان للاوابين غفورا ” – الاسراء –. فالشرع علم يحاذي قعر النفوس وخبايا الصدور ولمح البصر , ولذلك يكتسب حقا لايكتسبه غيره الا ان يكون مدعيا , والادعاء فتنة وظلال. والتوبة الشرعية هي التي تفتح افاقا للتوبة السياسية التي يظل معناها مجازيا. وللتوبة السياسية دلالات ومواقع هي: 1-  “وان جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله انه هو السميع العليم” – 1- الانفال . 2-  “واذا جاءك الذين يؤمنون باياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة انه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده واصلح فانه غفور رحيم” – 54- الانعام . 3-  وإن احد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم ابلغه مأمنه ذلك بانهم قوم لايعلمون” -6 – التوبة . والذي وقع اليوم من توبة البعض والتي اثارت ضجة وزوبعة اعلامية, هي توبة في الظاهر تقع في المعنى السياسي وهو معنى مجازي للتوبة كما بيّنا. والدولة العراقية اليوم انما تتعامل بالتوبة السياسية وليس بالتوبة الشرعية, ويبقى للافراد فيها خصوصيتهم ونواياهم التي لايطلع عليها الا من بيده مفاتح الغيب, وربما يكون لبعضهم من المبررات ماكان للنبي يوسف “عليه السلام” الذي مارس دورا تنظيميا اقتصاديا في حكومة فرعون غير الالهية: ” قال اجعلني على خزائن الارض اني حفيظ عليم” – 55- يوسف . ويظل القياس مع الفارق موجودا في هذا المثال. فالدولة العراقية مدنية, وان نصت المادة الاولى في الدستور العراقي على عدم المساس بثوابت الاسلام, الا ان القضاء العراقي قضاء مدنيا وضعيا وليس قضاء شرعيا, وهوية الدولة تعرف بقضائها لابشعاراتها. ولكن المشكلة تأتي في مثل هذا العفو ذو الطابع السياسي وهو امر مقبول في جوانب ومرفوض في جوانب اخرى, فهو مقبول من جانب حاجة الدولة لاشاعة روح السلم, وتطبيق مفهوم المصالحة وهو امر ذو جذور شرعية من حيث المفهوم، وهو امر غير مقبول من حيث الحقوق الشخصية والمال العام لاسيما ونحن في مجتمع يرتبط بالحاضنة الدينية ارتباطا روحيا صاغ عاداته وتقاليده وطبع مشاعره بالحاجة الى المطلق الذي لاينفك عنه سوى في ساعات الغفلة والتراخي وهي الاستثناء والاستثناء ليس قاعدة في الحكم, وهذا الامر مما يغفل عنه الداعون الى فصل الدين عن الدولة او فصل السياسة عن الدين وهي دعوة فيها الكثير من العقوق للنظام الكوني العام, مثلما فيها عقوق وخذلان للعقل وهو سفينة الفكر والتأمل, فالعقل في كل مراتبه على مستوى العقل الهيولاني او العقل بالقوة او العقل بالفعل” على النحو المجازي” حيث العقل بالفعل والعقل الفعال فلسفيا ليستا من مختصات العقل البشري, فالعقل بمستوياته البشرية في لحظة توفر ملاكاته المتوازنة لايمكن ان يغادر الدين او يتنكر له,  فعقوق الابناء للاباء لاتلغي البنوة والابوة, ولكنها تلغي مفهوم الاهل  “ونادى نوح ربه فقال رب ان ابني من اهلي وان وعدك الحق وانت احكم الحاكمين” – 45- هود . “قال يانوح انه ليس من اهلك انه عمل غير صالح فلا تسئلن ماليس لك به علم اني اعظك ان تكون من الجاهلين” – 46 – هود . وعليه فان الضجة التي ستكبر ثم تخبو كطبيعة الاجتماع وتأثره بالمستجدات, لن تغير من طبيعة الحقوق وتبعاتها والى ذلك اشار الامام علي “عليه السلام” عندما قال عند توليه الخلافة: “والله حتى العلف الذي اكلته خيولهم سارتجعه الى بيت المال” فمن يسترجع حق العراقيين المنهوب بين فساد غاشم وطمع ظالم في رواتب خيالية وامتيازات لاابالية وصلاحيات ارتجالية.

Placeholder

للضيوف عيون نستعيرها

اشتهر العربي بالضيافة, وبضروب اكرام الضيف.. ليس فقط بوازع الحاجة الذاتية التي قد يتعرض لها هو نفسه ولتعاطفه مع حالة مر بها مقطوعا في البوادي الموحشة, وعمد لاشعال النيران امام خيمته ليستدل بها المحتاج ويقصدها.. لا ليس لهذا السبب الذي يضمر رغبة لضمان نفسه فيما لو تعرض لمثل هذا الموقف..و.. حتى لو كان لحاجة.. فان الله سبحانه قد خلق البشر بطبائع واستعدادات والوان ومواهب واعمال مختلفة, ليحتاج بعضهم للبعض ولتتكامل حياتهم ويتفاعلوا ويتواشجوا ويتعارفوا, ويعمروا الارض… ولكن العربي يتميز بالكرم لا ليحصل على الجزاء هو ذاته، فهو يغرس نفسه في ضيفه الذي قد لا يراه.. ولكن ضيفه قد يرد هذا الكرم لعابر ومقطوع لا يعرفه ايضا.. وتلك غاية الاخلاق والرقي والانسانية…

الضيافة العربية تتميز باحتفاليتها واهميتها… ومن بين مميزاتها ان العائلة تعيد النظر بمجمل حالها, مستعيرة عيون الضيوف ترى بها هيأتها وتفاصيل واقعها.. فتخفي العيوب وتتواصى في مراعاة الحديث والالفاظ والظهور بالمظهر اللائق, وكل ما يشرف العائلة… واغلب الظن ان هذا غير موجود في المجتمعات الاوروبية التي يتطابق فيها الداخل مع الخارج…. منسجما مع برودة اجوائهم وعواطفهم.

الدول كما الافراد اذ تفتح مضيفها, تستعير عيون ضيوفها وترى البلد… وسيرى العراقي عراقه بعين المسؤول الاردني والاماراتي والمصري والمغربي والسعودي.. وسيتذكر حلم ذلك الذي كان يرجوا قبل اربعين عاما لبلده الصحراوي ان يكون مثل بغداد فصارت بغداد تحلم بمضاهات ذلك البلد الصحراوي …سيتمنى العراقي في مؤتمر القمة ان ينجو من الاحراجات ومن نشر غسيلنا امام ضيوفنا .. وتفلت من السنتهم الفاظ المحاصصة.. ومفردات الطائفية… ويمارسوا.. او يواصلوا لغتهم المتشككة, الملغومة فيما بينهم.. ويفضحوا ريبتهم ببعضهم البعض.. وبما يدفع عقول غير سهلة لليقين انهم في مضيف بلا مضيفين جديرين.. وانهم يمثلون تمثيلا دور الكرماء والسياسيين .. ويدركوا السبب الاكيد لحجم الفساد وما تتناقله اجهزة اعلام الدنيا..

قمة بغداد مناسبة ليرى السياسي نفسه وبلده وشعبه.. ان يراجع برامجه (ان كانت هناك برامج اصلا) ومؤهلاته وافكاره… وما اذا كان هناك رجال دولة في الدولة ام لصوص ومزورين وموبوءين بالكراهية.. ولا علاقة لهم باخلاق الكرم ومتطلبات الضيافة.. فالكريم الحق يغتني بالعطاء والسخاء والمودة.. ويصلح نفسه, ويستكمل نواقصه, ويتجاوز نفسه   ويرتقي عليها.. وستكون المراجعة والاستدراك والتصويب بعدد ووزن الضيوف وبمقدار جدارة وشجاعة ووطنية العراقي الذي سيكون بصوت عربي بارز وسائد لعام كامل.. والا سجلت هذه المنظمة العربية ليس فقط اضافة اجتماع للخطابات العقيمة, بل قد تأخذ موقعها في الطابور امام اعاصير الربيع العربي..

Placeholder

غرب خور عبد الله

تحدثنا باختصار في مقالة سابقة عن النهضة المعمارية والسياحية والزراعية والملاحية والصناعية شرق شط العرب, وتكلمنا بألم عن شبح الخراب, الذي نشر أجنحته على طول الضفاف الممتدة من (أم الرصاص) إلى (رأس البيشة), وسنتحدث اليوم عن سواحلنا الحزينة الضحلة المنكمشة المهجورة, ونتتبع خطوطها المستقبلية المتعثرة, ونقارنها بثورة المشاريع العملاقة, التي يجري تنفيذها الآن في (مدينة الحرير) غرب خور عبد الله, على مرمى البصر من ساحل الفاو المقابل لضفاف جزيرة (بوبيان) الكويتية, وشقيقتها الصغرى (وربة) القريبة من (أم قصر), المدينة المينائية التي تقزمت قصورها, وحاصرتها السواتر الكويتية المقامة فوق أكتاف قاعدة الخليج العربي, وبين دعامات مرسى الزوارق الصاروخية. 

استغلت الكويت الضفة الغربية لخور عبد الله, ولم تترك شبرا واحدا في جرف الصامتة أو الصبية أو بوبيان أو وربة أو فشت العيك إلا وثبتت عليه دعاماتها, وغرست فيه ركائزها, ورفعت فوقه راياتها, على عكسنا تماما في ظل هذا الإهمال العجيب, الذي طغي على سواحلنا, فصادر ملامحها القديمة كلها, ولم يعد لها وجود منذ ما يزيد على ربع قرن من الزمان, فاختفت منشآت المملحة القديمة, وانهارت أرصفة زوارق الصيد, وتعطلت الفنارات الملاحية, وفقدت قيمتها الدلالية في إرشاد السفن القادمة والمغادرة, وتشوهت صورة الطرق البرية الساحلية, وتحجرت الألغام الميدانية في حقولها المرعبة, وبدت جزيرة (حـﮀـام), جرداء خاوية, وكأنها هضبة ترابية وعرة, رمتها الأقدار في جوف الشريان الملاحي المصاب بكولسترول الأطيان. .

 يُخيل إليك, عندما تسنح لك الفرصة بالتجوال في عمق سواحلنا, وكأنك تتنقل عبر المواضع القتالية في الخنادق الأمامية لمعارك تحرير الفاو, أو كأنك تتجول في الأقبية الكئيبة لمتحف حربي كبير, تكدست فيه الدبابات المحروقة, والعجلات العسكرية الممزقة, والملاجئ الخراسانية المحطمة, والخوذ الفولاذية المبعثرة, تشعر إنك في قلب ساحة المعركة, ولا أغالي إذا قلت, إنك ربما تسمع صيحات الجنود, وصرخات الاستغاثة, وأزيز الصواريخ, ودوي المدافع الثقيلة, يحملها الهواء الثقيل المشبع برائحة الموت, عند اكتمال البدر في الليالي الموحشة, فتنطلق الصرخات المخنوقة من مكامنها, التي احتجزها الزمن في ذاكرة الأرض المسكونة بالكوابيس الحقيقية المخيفة, الأمر الذي اضطر الصيادين إلى تجنب المرور ليلا بخنادق الأشباح الغائرة في السواتر القريبة من الساحل, ففضلوا البقاء في زوارقهم خشية السقوط في نفق الخوف. . 

تتسلل الأشباح ليلا نحو الضفة الكويتية المقابلة, لتتحول إلى عفاريت تحرث الأرض المكتسية بالملح, فتثير الضجيج بمعاولها الخرافية, وتدق الأسافين في كل مكان إيذانا ببدء المراحل الأولى لانبعاث مدينة الحرير الأسطورية خلف أكواخ مدينة (أم قصر) العراقية. . 

 ستتمدد مدينة الحرير الكويتية على مساحة تقدر بنحو (250) كيلومترا مربعا, ومن المقرر أن تكون هي العاصمة المالية والتجارية والصناعية والسياحية للكويت في غضون السنوات القليلة القادمة, وستتزامن مراحل تنفيذها مع مراحل تنفيذ ميناء (مبارك), ومع مراحل تنفيذ الجسر العملاق (جسر جابر) فوق خور (الصَبَية), 

 والذي سيربط مدينة (الحرير) بمركز البلاد, وستقام إلى جانبه عشرات المشاريع, نذكر منها المنطقة الحرة, وضواحي المنتجعات الترفيهية, والمحطة المركزية لخطوط السكك الحديدية, وستشترك هذه الخطوط مع شبكة الطرق البرية في نقل البضائع من والى ميناء (مبارك) في مساع مكشوفة لتطبيق فكرة القناة الجافة على أرض الواقع, والاستحواذ على التعاملات التجارية العراقية عن طريق مزاحمة الموانئ العراقية, وممارسة الضغط عليها بكل الوسائل الخبيثة المتاحة, وستشيد مطارا تجاريا بمحاذاة جزيرة (وربة), سيكون هو الأكبر والأوسع في الشرق الأوسط, أما المناطق الداخلية من جزيرة (بوبيان) فستخصص لمحمية بحرية طبيعية, وإقامة المدن النوعية, كمدن المعرض, والمدن الصناعية, والمدن الرياضية, والبيئية, والإعلامية, والتعليمية, والمراكز الصحية, وأبراج الاتصالات, ناهيك عن المجمعات السكنية الكثيفة التي ستقام في (وربة) و(بوبيان), و(الصبية), وقد أخذت الكويت بنظر الاعتبار توزيع المنشآت الحدودية الجديدة توزيعا منطقيا مدروسا بحيث تحقق فيما بينها أقصى درجات التكامل الخدمي والوظيفي والإنتاجي. 

 وزيادة في التأكيد نذكر إن القرى النوعية التخصصية, الني ستقام عند المقتربات الساحلية لغرب خور عبد الله, هي القرية المالية, والقرية الترفيهية, والقرية الثقافية, والقرية البيئية, فالقرية المالية تعنى بالأنشطة التجارية والنقدية, أما القرية الترفيهية فستضم مجموعة من الفنادق والمنتجعات, وتضم أيضا بعض المجمعات الرياضية, من ضمنها أكاديمية رياضية, ومركز تخصصي بالطب الرياضي, في حين تضم القرية الثقافية ثلاث ضواحي, هي: الضاحية الأكاديمية, والضاحية السياسية, والضاحية الدبلوماسية. بينما تضم القرية البيئية أكبر المراكز والمحميات الطبيعية, والمختبرات التخصصية. .

تجدر الإشارة إن مدينة الحرير يحيط بها عقد زمردي, يضفي عليها حلة معمارية مستوحاة من رواية (ألف ليلة وليلة), يتوسطها برج شاهق (برج مبارك) بارتفاع (1001) متر, ويضم (250) طابق, وباستطاعة الواقف في أعلى البرج أن يستطلع عن طريق النواظير الالكترونية التفاصيل الدقيقة لمدينة البصرة (راح نصير فرجة للرايح والجاي)..

 وتعكس لنا الصور (التخيلية) المرفقة حجم وخصائص وملامح المشاريع العمرانية التي ستقام على السواحل الكويتية المقابلة لسواحلنا, وما هي إلا بضعة سنوات معدودات تفصلنا عن الزمن الذي سترتدي فيه السواحل المحاذية لنا حلة زاهية بهيجة معاصرة, في الوقت الذي تظل فيه سواحلنا المنكمشة البائسة ملاذا للأشباح ومأوى للزواحف القادمة من جهة البحر والبر. راح أموت من القهر..

Placeholder

لننظر إلى نصف الكوب الملآن

في العراق – وربما في اغلب بلدان العالم ايضا – اذا كان ثمة شجار بين اثنين؛ على سبيل المثال؛ وهناك اكثر من عرس في المكان نفسه؛ فان الناس تتراكض لمشاهدة الشجار– على محدوديته – وتترك الفرح والاغاني والدبكات؛ وقد يحتاج تفسير هذا الامر الى رأي اختصاصي في علم النفس.

 المثال ينطبق على اغلب متابعاتنا الصحفية ايضا؛ فعادة لا ننظر للانجازات بقدر ما نركز على السلبيات ونضخمها بشكل كاركتوري لاثارة الفضول لدى القارئ؛ او لـ(فش الخلق) بالسياسيين واحباطنا الدائم مما كنا نتوقعه منهم.

ما ذكرته؛ هو تمهيد للحديث عن قمة بغداد العربية؛ وانا هنا ارفع قبعتي لنجاحها بكل المقاييس؛ امنيا؛ وسياسيا؛ وتنظيميا؛ وحسن ضيافة؛ واستقبال وتوديع.

وهو امر لا يحسب للمالكي وحده؛ فالمالكي لم يقف على رجليه– واحيانا من دون طعام طوال ما يقرب من شهر- في التقاطعات والشوارع وعلى اطراف المزارع والقرى النائية؛ متحديا الصواريخ وزعماء السيارات المفخخة؛ والمالكي لم يكن في مطار بغداد ولا قرب اجهزة السيطرة الجوية للتنسيق مع قادة الطائرات ؛ والمالكي لم يشرف على سير طقوس وترتيب اماكن الضيوف؛ وانما هم ابناؤنا واخوتنا ورجالات خبراتنا المتراكمة؛ لان لا احد قد استورد جيشا او شرطة او طواقم ادارة الفعاليات الكبيرة؛ هم العراقيون انفسهم من قاموا بكل ذلك؛ والنجاح الذي قد تحقق قبل ان يكون للمالكي او لوزرائه؛ هو نجاحهم الذي يجب ان نفتخر به.

حين يدخل اي متصفح الى الانترنيت؛ ويطلب معلومات ما؛ عن مؤتمرات القمة العربية؛ سيرى ان كل القمم السابقة لم تسجل باسم اي من الزعماء؛ وانما اسماء المدن (قمة القاهرة – قمة الرياض – قمة تونس – قمة المغرب؛ وقمة بغداد 1990) لم يذكر احد انها قمة القذافي او مبارك او صدام حسين؛ ربما يرد تفصيل عن حديث؛ او موقف ما؛ لكنها بالتالي قمة البلد التي سترتبط باسم عاصمته؛ اليوم وغدا والى الابد.

نعم.. تضررنا كثيرا بالاقامة الجبرية التي فرضت علينا؛ ونعم ضيّقت الاسعار على ميزانيات العوائل الشحيحة؛ لكنهم العراقيون؛ ولكنهم اهلنا الذين ياما شدّوا الاحزمة على البطون اكراما للضيوف؛ ومن حقهم على المالكي ان يقدم اعتذاره لهم ؛ مثلما من حق كل القوات الامنية عليه ان يؤدي التحية لها؛ ويقف امام جهود الجنود المجهولين وكأنه يقف في لحظة عزف النشيد الوطني.

لننظر الى نصف الكوب الملآن؛ فما تحقق.. تحقق لبغداد وليس لاحد آخر. ولذلك ادعو الجميع الى تقديم التهاني لنجاح(قمة بغداد).

مبارك لوزارة الدفاع؛ مبارك لوزارة الداخلية؛ مبارك لقيادة العمليات؛ ومبارك– من دون حسني بالتأكيد- لوزارة الخارجية؛ ولنؤجل التفاصيل قليلا؛ فعادة ما يكمن الشيطان فيها؛ كما يقال.

Placeholder

التــوبــة الشـرعـيـــة و التــوبــة السيـاسيـــة

عندما كانت عندي محاضرة في جمهور عراقي ايام المعارضة في الخارج في الثمانينات قال لي احد التجار الوطنيين العراقيين ان فلانا ويقصد به احد اعوان صدام حسين ممن كان يزوق له كلمات المديح وقد جاء هاربا بعد ان قتل زوج اخته ويريد ان نسمح له بالجلوس في الندوة. فقلت لهم: اسمحوا له فليدخل, وجلس آخر الصفوف, وعندما انهيت محاضرتي , رفع اصبعه وقال: يادكتور تسمح لي بالحديث. فقلت له تفضل: فقام مصفرا مرتجفا وقال: انا اتفه كاتب حارب الشرفاء من ابناء وطنه واغرورقت عيناه بالدمع. ثم قال: صدام حسين “ربع مليون عراقي” ساهم في صناعته وانا واحد منهم, ولا علاج لنا الا السيف. وتدور الايام ثم يصبح هذا الرجل عضوا في البرلمان العراقي بواسطة احدى القوائم التي انشطرت على نفسها, وهذه احدى الدلائل على عدم صلاحية القائمة لفرز الرجال الصالحين انتخابيا, ثم هي احدى علامات التوبة السياسية المفبركة. ثم تحمل لنا الاخبار مفاجآت التوبة السياسية, ليصبح من كان من حاشية عدي, ومن تلاعب باموال التجار العراقيين في اوكرانيا في التسعينات, ثم هرب الى الخارج ليؤسس جريدة ويمتلك بناية وسيارة مرسيدس ويعلن نفسه معارضا لصدام حسين بتلك الاموال المسروقة مما جعل المعارضة ملغومة بالادعياء, ثم بعد السقوط عمل هذا الرجل تحت مظلة احد الحزبين الكرديين, ونال من تمويلهم كما نال الكثيرين, ثم اسس فضائية, ثم اصبح نائبا, واتهم بسرقة رواتب حمايات النفط والكهرباء حيث شكا لي احدهم قائلا: يادكتور يعطوننا ” 90″ الف دينار وراتبنا في الدولة هو ” 500″ الف دينار فقلت له : قدموا شكوى للقضاء وطالبوا بحقوقكم . ثم اصبح هذا الرجل من مروجي الطائفية والارهاب فلوحق قضائيا فهرب خارج العراق وهناك اسس فضائية تنطق باسم الارهاب بعد ان غير اسمها, واليوم نشاهد توبة سياسية جديدة مفبركة بمساعدة سماسرة وجدوا طريق التزلف الى بعض اصحاب القرار ولذلك اثير جدل في الصحافة والاعلام هذه الايام حول اسقاط تهم مادة 4 ارهاب عمن كان متهما بها وبغيرها من التهم التي تعود لمستحقات مالية لبعض المواطنين وللمال العام.. وسبب اثارة الجدل هو دهشة الموقف وسرعته عندما تناقلت الاخبار حضور من كان مطلوبا للقضاء مرحبا به في مطار بغداد ثم مروره على القضاء زائرا وليس متهما, وسرعة اسقاط تهم الارهاب على غير العادة, ثم اسقاط بقية التهم التي تتعلق بالذمم المالية ذات الحقوق الشخصية, ومن المناسب بيان طبيعة ونوع الحقوق من الناحية الشرعية وهي: 1-  حق الله : فالله ان شاء يغفر وان شاء يعاقب, وهو في كل الحالات ارحم الراحمين. 2- حق الناس: وهذا الحق لايسقط الا من قبل نفس اصحاب الحق من الاشخاص. بالمسامحة , بالتنازل , وبالعفو والمغفرة . 3-  حق مشترك بين الله والعباد : وينطبق عليه شروط الحقين اعلاه ومن المفيد زيادة في التوضيح : ان الحقوق الخاصة بالله هي: 1-  الشرك بالله 2-  والكفر بالله ومعصيته  وحقوق العباد هي: 1-  استباحة دمائهم وكما يحدث اليوم في القتل الارهابي والمسؤول عنه التنظيم الوهابي انتماء  ومساندة, والافتاء ومن يقف وراءه. 2-  استباحة الاعراض 3-  استباحة المال 4- استباحة الحرمات الشخصية: كالغيبة, والنميمة, والنفاق, والتنابز بالالقاب, والتسقيط والتشهير.والتوبة الشرعية: ماكان تشريعها من الله في نص الكتاب “القرآن” او مفصلة في سنة رسول الله “ص” . فالله هو الغفور وهو التواب وهي من اسمائه الحسنى , يضاف اليها: الرحيم والرحمن بما يعزز معنى التوبة. وقد خصصت سورة من سور القرآن الكريم باسم “التوبة” وهي السورة التاسعة في التسلسل , واياتها ” 129″ اية كريمة. ومن الايات التي ذكرت التوبة وحثت عليها: 1-  “الم يعلموا ان الله هو يقبل التوبة عن عباده ” – 104- التوبة . 2-  “ثم تاب عليهم ليتوبوا ان الله هو التواب الرحيم ” – 118- التوبة. 3-  “واستغفروا ربكم ثم توبوا اليه “– 3- هود. 4-  “ربكم اعلم بما في نفوسكم ان تكونوا صالحين فانه كان للاوابين غفورا ” – الاسراء –. فالشرع علم يحاذي قعر النفوس وخبايا الصدور ولمح البصر , ولذلك يكتسب حقا لايكتسبه غيره الا ان يكون مدعيا , والادعاء فتنة وظلال. والتوبة الشرعية هي التي تفتح افاقا للتوبة السياسية التي يظل معناها مجازيا. وللتوبة السياسية دلالات ومواقع هي: 1-  “وان جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله انه هو السميع العليم” – 1- الانفال . 2-  “واذا جاءك الذين يؤمنون باياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة انه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده واصلح فانه غفور رحيم” – 54- الانعام . 3-  وإن احد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم ابلغه مأمنه ذلك بانهم قوم لايعلمون” -6 – التوبة . والذي وقع اليوم من توبة البعض والتي اثارت ضجة وزوبعة اعلامية, هي توبة في الظاهر تقع في المعنى السياسي وهو معنى مجازي للتوبة كما بيّنا. والدولة العراقية اليوم انما تتعامل بالتوبة السياسية وليس بالتوبة الشرعية, ويبقى للافراد فيها خصوصيتهم ونواياهم التي لايطلع عليها الا من بيده مفاتح الغيب, وربما يكون لبعضهم من المبررات ماكان للنبي يوسف “عليه السلام” الذي مارس دورا تنظيميا اقتصاديا في حكومة فرعون غير الالهية: ” قال اجعلني على خزائن الارض اني حفيظ عليم” – 55- يوسف . ويظل القياس مع الفارق موجودا في هذا المثال. فالدولة العراقية مدنية, وان نصت المادة الاولى في الدستور العراقي على عدم المساس بثوابت الاسلام, الا ان القضاء العراقي قضاء مدنيا وضعيا وليس قضاء شرعيا, وهوية الدولة تعرف بقضائها لابشعاراتها. ولكن المشكلة تأتي في مثل هذا العفو ذو الطابع السياسي وهو امر مقبول في جوانب ومرفوض في جوانب اخرى, فهو مقبول من جانب حاجة الدولة لاشاعة روح السلم, وتطبيق مفهوم المصالحة وهو امر ذو جذور شرعية من حيث المفهوم، وهو امر غير مقبول من حيث الحقوق الشخصية والمال العام لاسيما ونحن في مجتمع يرتبط بالحاضنة الدينية ارتباطا روحيا صاغ عاداته وتقاليده وطبع مشاعره بالحاجة الى المطلق الذي لاينفك عنه سوى في ساعات الغفلة والتراخي وهي الاستثناء والاستثناء ليس قاعدة في الحكم, وهذا الامر مما يغفل عنه الداعون الى فصل الدين عن الدولة او فصل السياسة عن الدين وهي دعوة فيها الكثير من العقوق للنظام الكوني العام, مثلما فيها عقوق وخذلان للعقل وهو سفينة الفكر والتأمل, فالعقل في كل مراتبه على مستوى العقل الهيولاني او العقل بالقوة او العقل بالفعل” على النحو المجازي” حيث العقل بالفعل والعقل الفعال فلسفيا ليستا من مختصات العقل البشري, فالعقل بمستوياته البشرية في لحظة توفر ملاكاته المتوازنة لايمكن ان يغادر الدين او يتنكر له,  فعقوق الابناء للاباء لاتلغي البنوة والابوة, ولكنها تلغي مفهوم الاهل  “ونادى نوح ربه فقال رب ان ابني من اهلي وان وعدك الحق وانت احكم الحاكمين” – 45- هود . “قال يانوح انه ليس من اهلك انه عمل غير صالح فلا تسئلن ماليس لك به علم اني اعظك ان تكون من الجاهلين” – 46 – هود . وعليه فان الضجة التي ستكبر ثم تخبو كطبيعة الاجتماع وتأثره بالمستجدات, لن تغير من طبيعة الحقوق وتبعاتها والى ذلك اشار الامام علي “عليه السلام” عندما قال عند توليه الخلافة: “والله حتى العلف الذي اكلته خيولهم سارتجعه الى بيت المال” فمن يسترجع حق العراقيين المنهوب بين فساد غاشم وطمع ظالم في رواتب خيالية وامتيازات لاابالية وصلاحيات ارتجالية.